قضايا وآراء

اللعبة السياسية .. لعبة الدومينو

يتابع الكاتب بحثه في (اللعبة السياسية) من جوانب متعددة بهدف الإحاطة بموضوع البحث وتوضيحه.
ولقد تحدث في حلقات سابقة عن (اللعبة) من حيث تعريفها وآفاقها وقواعدها، كما تناولها من زاوية الضربة الموجعة، وسياسة حافة الهاوية وغيرها..
ويتناول في هذه الحلقة (لعبة الدومينو) أحد جوانب اللعبة السياسية ثم يحلل (منطق العصا والجزرة) وهو جانب آخر من جوانب هذه (اللعبة)..
+++++++
اللعبة السياسية .. لعبة الدومينو
غالب حسن الشابندر

هذا المصطلح شائع بشكل عادي ومألوف في الأدب السياسي، أي أدب التحليل السياسي (لعبة الدومينو) وقد تتبعت بعض المقالات والدراسات التي أوردت هذا المصطلح لأعرف إلى حد ما المقصود منه، ومجال تطبيقاته في هذا العالم، عالم اللعب السياسي، عالم الصراع السياسي من أجل القوة والمصلحة، وقد تساءلت مرة عن سر التسمية، وذلك بعد أن فقهت بعض ما تحمله اللعبة من معنى ومضمون، وقد كنت أتصور أن هناك (قالب) من الدومينو يكون حظ أحد اللاعبين، مهمته إرغام سد المنافذ على الآخر، مما يرغمه على السحب بدون رصيد، وقد تصورت هذا التصور لأني أصلاً لا أعرف هذه اللعبة ولم أمارسها مرة واحدة في حياتي، بل أقرف منها. ولما عرضت فهمي المقارب هذا على أحد الأصدقاء صحَّح لي المفهوم، ذلك أن قوالب الدومينو هذه فيما إذا شكلتَ منها جداراً على منضدة اللعب، أي إذا صففتها بعضها إلى جانب البعض، ومن ثم حرَّكت أحد هذه القوالب، فسوف تتداعى بقية القوالب تباعا، وعندها فهمت اللعبة أكثر، وربما توصلت إلى بعض أسرارها الخاصة.
ماذا يعني المصطلح في عرف اللعبة السياسية؟
إن استعمال المصطلح في هذا المجال يتصل بمجموعة الدول المجاورة، حيث يؤدي سقوط أحدها على يد عدو إلى سقوط الباقي في يد العدو ذاته! حيث هناك تخطيط مبيت من قبل هذا العدو باتجاه هذا الهدف الاستراتيجي الذي يكون عادة ضخماً وخطيراً. وهكذا كان الكثير من رجال السياسة والعسكر الأميركيين يتصورون أن سقوط الصين بيد ستالين سوف يقود إلى تهاوي كل الدول المجاورة لها بيد ستالين! تماماً كما أن سقوط أحد قوالب الدومينو في الجدار المتكون منها إلى تهاوي كل القوالب، وبالتالي، تهاوي الجدار نفسه.
في ضوء هذا التصور كان الأميركان يعملون على الإطاحة بسلسلة من الدول المجاورة التي لا تخضع للسياسة الأميركية من خلال الإطاحة بدولة من هذه الدول، أي حسب منطق لعبة الدومينو.
لم تلق نظرية أو لعبة الدومينو رضى كبيراً لدى الكثير من المخططين الأميركيين، ويدللون على فشل اللعبة من خلال بعض التجارب الحية، فإن سقوط كوبا ـ مثلاً ـ بيد الثوار لم يتتبعه سقوط الأنظمة المجاورة لها.
ولكن بقيت لعبة الدومينو فاعلة، ومؤثرة، وقد وجدت لها صدى حتى عند بعض المنظرين الحزبيين من حملة الاتجاه الثوري، فظنوا أن إسقاط نظام رجعي يقود حتماً إلى سقوط الأنظمة الرجعية المجاورة، وبهذا كانوا يمنون أنفسهم بسلسلة من الانتصارات المتلاحقة بمجرد تحقيق نصر جزئي يتمثل بإسقاط نظام أو حكم لا يتفق مع مبادئهم الثورية، حيث سوف تتساقط الأنظمة المجاورة التي تحمل ذات الاتجاه، وذلك تباعاً،كما هي قوالب الدومنيو!
أعتقد أن ممارسة اللعبة تتطلب قدرة من شأنها أن توقف التداعيات عند الحاجة المطلوبة، فاللعبة جادة ومحددة الأهداف، وليست هي عملية فوضوية، كما أن أصحاب اللعبة والمؤمنين بها لا يعولون على مستحقاتها بلا زمن معتد به، أي يدخلون عامل الزمن في ظهور أثارها البعيدة، فليس من المعقول أن مبدعي هذه اللعبة يعتقدون أن عملية التداعي بهذه البساطة، بل هي الأخرى تحتاج إلى زمن، وإلى عمل داخلي وخارجي، كي تؤدي دورها بنجاح. وإذا كان سقوط أي قالب من قوالب جدار الدومينو يتسبب بسقوط الجميع فليس كذلك في حالة الدول المتجاورة، وعليه، أعتقد يجب اختيار البداية بدقة ماهرة، يجب اختيار النظام أو الدولة التي يسهل ضربها، والتي يكون لسقوطها انعكاسات سريعة ومؤثرة على دول الجوار أكثر من غيرها لسبب وآخر.
ولكن هل مجال لعبة الدومينو تقتصر على إسقاط الأنظمة بالمعنى المعروف؟
أم يمكن أن تستخدم على صعيد ثقافي وتربوي واقتصادي أيضاً؟
يقولون إن مشروع بوش حول الشرق الأوسط الكبير اعتمد نظرية أو لعبة الدومينو، حيث تم اختيار العراق ليكون نقطة تداعيات كبيرة في المنطقة! وبالفعل فإن التغيير في العراق لحقه تغييرات كبيرة في كل الدول المجاورة، فقد نشطت المعارضة، وحصلت تحولات ولو هامشية في مسيرة نظام الحكم، من أوضح معالمها الانتخابات الديمقراطية، وإعطاء هامش من الديمقراطية هنا وهناك، وشيوع فكرة التغيير، وانتشار جمعيات الدفاع عن حقوق الإنسان وغير ذلك.
إن اختيار العراق كان مدروساً، فهو مجاور لإيران، وهناك طوائف وقوميات كبيرة مضطهدة في العراق، وقوته العسكرية كانت متهاوية، والشعب العراقي فسيفساء قومية ودينية ومذهبية، فالتغيير يفجر ثورات ثقافية وحقوقية كبيرة وضخمة.
لست سياسياً، ولكن في تصوري أن لعبة الدومينو لعبة ذكية، ويمكن أن تُمارس بنجاح فيما كانت حساب اللاعب دقيقة وعليمة.
إن بوش الابن لم يكن بعيدا عن لعبة الدومينو في تحقيق مشروعه الذي عنونه بمشروع الشرق الأوسط الكبير، وحتى فكرة الفوضى الخلاقة ليست بعيدة عن هذه اللعبة الذكية كآلية في الصراع السياسي.

اللعبة السياسية منطق العصا والجزرة
العصا والجزرة هنا تعبير مجازي عمّا يمكن تسميته بالوعد والوعيد، فالعصا للتهديد والضرب، والجزرة للإغراء والغذاء، ولهذا عبر بعضهم عن هذه اللعبة بأنها لعبة الوعد والوعيد، الثواب والعقاب، ويرى بعضهم أن لعبة العصا و الجزرة هذه إنما هي لعبة تمارسها الدول الكبار تجاه الدول الصغيرة بغية استغلالها، وتمارسها الدول الغنية المتمكنة اقتصاديا وعسكريا وعلميا تجاه الدول الضعيفة بغية ابتزازها.
إن لعبة العصا والجزرة لا تهدف أساساً ـ كما يبدو إنهاء دول وبناء دول جديدة مثلاً ـ بل هي لعبة ترويضية، تهدف إركاع دولة أو حزب أو منظمة، أو شعب، إزاء مطالب وأهداف ومطامع تريده الدولة الكبيرة، أو الطرف الذي يمارس اللعبة أصلاً، كأن تكون حكومة تجاه شعبها، حزب كبير تجاه أحزاب صغيرة، وهكذا ومن الواضح أنها لعبة تتطلب وقتاً، أو تراهن على الزمن، لإيمانها بأن الطرف الآخر لا يستطيع الصمود لزمن طويل تجاه هذه السياسة التي تستبطن حرب أعصاب مهلكة ومؤذية ومتعبة.
وفي الحقيقة جوهر اللعبة هو حرب أعصاب، فإن التلويح بين التهديد والوعيد شي مقلق، مثير، موجع، متعب جداً.
قرأت الكثير من المقالات والدراسات والبحوث السياسية التي وظفت هذه المعادلة في تفكيكها وتشريحها وتحليلها للأحداث والوقائع والمواقف والقضايا السياسية المحلية والإقليمية والدولية، فوجدت هناك أكثر من وصف ونعت يضاف إلى المعادلة المذكورة، فتارة (تكتيك العصا والجزرة) وأخرى (لعبة العصا والجزرة)، وثالثة (أسلوب العصا والجزرة)، ورابعة (سياسة العصا والجزرة)، وخامسة (إستراتيجية العصا والجزرة)، مما يدل على أن مثل هذه الصيغ لم تأخذ حقها من التسمية المتفق عليها، ولم تتحول بعد إلى علم، ولكن من الواضح جدا، أن العملية ومحصورة بين قابي الترغيب والترهيب، بين الوعد والوعيد.
ولكن حقاً يُثار سؤال هنا، تُرى لماذا لا يختار الطرف المقابل، أي الطرف المقصود بلعبة العصا والجزرة خيار الجزرة وينهي المشكلة، ويتخلص من المأزق؟
في الحقيقة يبدو أن ما يكسبه الطرف المقصود بهذه اللعبة من الجزرة هو أقل بكثير مما يسوف يخسره بسبب العصا، هذا هو السبب، وإلا لماذا يغامر، ويدخل في صراع ربما لا يعرف نتائجه، وما سوف يكسبه الطرف القوي، أي البادئ باللعبة بواسطة العصا شي مهم وجوهري بالنسبة له.
إن لعبة سياسة العصا والجزرة تلويحية، تارة الترغيب وأخرى الترهيب، يتزامنان في وقت واحد، الأمر الذي يجعل الطرف المقصود في شبكة من الحيرة، والتردد، وهذا جزء جوهري من اللعبة في الأساس، في الصميم، أي أن الحرب النفسية تدخل هنا ضمنياً، فليس هناك عصا مادية وحسب، بل هناك الحرب النفسية، حرب الأعصاب، ولعل الجانب النفسي أحياناً يكون أكثر من الجانب المادي كعامل قائم ومؤثر ومؤسس في هذه اللعبة الشيطانية المؤذية.
إن سياسة العصا والجزرة قد تبدأ هادئة، تهديد كلامي، وعيد بمستقبل غامض، ولكن حينما يصمد الطرف الآخر قد تأخذ مساراً أكثر خشونة، وأصعب ممارسة، قد تبدأ العصا بالضرب الخفيف، ثم تتصاعد شدة الضرب، وتتضاعف الضربات، وذلك كعملية إنذار بأن الضربة القاصمة آتية، وعلى الطرف المقابل أن يستسلم، ويقول نعم للأوامر المطروحة عليه.
إن الطرف المقابل قد يراهن على الوقت لتمرير هذه اللعبة، للتخلص منها، ولكن الطرف القوي لا تفوته هذه اللعبة، يدركها جيداً، ولذا قد يبادر إلى الإسراع بممارسة ضغوطه وعقوباته، وقد يفكر الطرف المقصود باللعبة أصلاً بخلق أزمات ومشاكل كبيرة للطرف القوي كي يفك عنه، كي يشغله، وهكذا تدور اللعبة بين هذا وذاك، بين أخذ وعطاء.
إن الطرف القوي قد يحسم الأمر بسرعة فائقة تجنباً لمثل هذه المفارقات، وذلك يعتمد على مدى دراسته لما سوف يقدم عليه الطرف الضعيف، المقصود، ومن هنا أن سياسة العصا والجزرة، أو لعبة العصا والجزرة ليست لعبة آنية، ليست لعبة صدفة أو تشهي، بل هي لعبة مسبوقة بالكثير من القراءات الجادة التي تحسب الكثير من الاحتمالات والتوقعات، سواء بما سوف يتخذه الطرف المقصود أو بما تترتب على اللعبة من تداعيات ربما تنعكس على المنطقة كلها، أي المنطقة التي ينتمي إليها الطرف المقصود، بل ربما تحسب وبدقة مواقف الكبار الآخرين من اللعبة، لأن المصالح اليوم متشابكة مترابطة وليست متجزئة.



 لا عروبة.. المطلوب: التشظي الطائفي

د. عماد فوزي شُعيبي
تصرّ زائرتي الأميركية على أن أحدد لها طائفتي التي أنتمي إليها. وزائرتي ليست مجرد صحفية إنها إحدى الباحثات الإسراتيجيات الأميركيات. تعلوني الدهشة وأرفض بشدة أن أجيب عن سؤالها، وأحزم أمري بأن هذا السؤال استفزازي وأرفضه كقومي عربي علماني. تكرر محاولاتها بشدة، وأنا ثابت في المكان.
لا يرضيها أن أردد لها بأنني أمثل كل الطوائف والملل والنِحل والمجموعات الإثنية في بلدي، وتبدي عجباً أن مكتبتي تحفل بالقرآن والكتاب المقدس ودراسات عن الطوائف ومذاهبها، يحيط بهما رتل من اللوحات الإسلامية وصورة السيدة العذراء. تسألني بلهفة: فسّر لي كيف يستقيم أنك مفكر قومي عربي وعلماني ويحفل مكتبك بكل هذا؟ هل أنت شيعي حتى تدافع عن المقاومة بهذا الحماس؟!.
أجيبها بأننا لا نتنكر للأديان، فنحن مؤمنون بصورة أو بأخرى، لكن كل الأديان والمذاهب وما تنتجه المجموعات الإثنية في بلادنا هي تراثنا العريق، هي النمط العريق Archetype لوجداننا وقيمنا الجماعية، لا أستطيع أن أكون منتمياً بدون ذلك كله... أما المقاومة فهي الضمير الخفي للقيمة الأخلاقية التي تقف وراء الحقوق. لا ينفع الكثير من جهودنا الفكرية لإفهامها أن حسن نصر الله يمثلنا جميعاً لأنه (قضية حقوق)، وكذلك خالد مشعل ورمضان شلّح، وتعجب لقناعتي بأن الأخير علماني مثلي (بمعنى ما) وكلّ منا بطريقته، تصرخ: علماني!، بدون عُصاب حرفي: أزيد وحسن نصر الله أيضاً، بافتراض أن جزءاً من العلمانية يتصل بقبول وطن للجميع، لا يفرض فيه أحد قناعاته على الآخر، ويمارسها باحترام وتقدير متبادلين، ولا يسعى أحد لفرض قناعاته في التشريع والحياة اليومية لكنه يذهب إلى حد بناء منظومة مجتمعية أخلاقية، وكلٌّ وفقاً لتصوره دون إلغاء ثقافة الآخر.. تتمتم: هذا مربك!. أشدد أن عليها أن تفهم أن المقاومة الإسلامية في عمقها عروبية وعقلانية لأن الصراع في الاتجاه الصحيح يكسب أية مجموعة مذهبية حس العقلانية وقبول الآخر.
ترحل ولا يزال السؤال الأول يتردد صداه في مكتبي وسرعان ما يذوي ويتخامد، أفرح لأنني عند هذا الاختبار لم أفقد منظومتي، لكن الأمر ليس شخصياً، ووراء الأكمة ما وراءها.
هل أنهم فعلاً لا يفهموننا، أم أنهم مضطلعون بمشروع لتحويلنا من دول، كنا نسعى عبرها وبتجاوزها لتحقيق الدولة ـ الأمة، إلى طوائف؟
الجواب ليس مهماً لأن النتيجة واحدة! فإذا كانوا كمحافظين جدد يتبنون الديمقراطية (كما كان بعض الماركسيين يتبنون تعميم التحول إلى ديكتاتورية البروليتاريا بغض النظر عما إذا كان ثمة طبقة عاملة أم لا)، لا يراعون أن الديمقراطية إرث ترافق مع الثورة الصناعية وصعود مبدأ المصلحة وتحقق التسامح ونشوء العلمانية وقيامة الدولة ـ الأمة... وأن نتيجة عدم التدقيق في ذلك، هي تماماً كنتيجة من يقصد ويخطط لا فرق وهي: تكريس الطائفية على حساب الدولة والوطن والأمة.
لماذا من الديمقراطية أن يكون للطوائف الحق في التعبير عن نفسها سياسياً ويغدو باسم القضاء على الطغيان، أن ليس من حق القوميين العرب أن يعبروا عن نفسهم سياسياً؟ هذا طغيان أخطر.
السؤال عن طائفتي من زائرتي، بافتراض حسن النوايا، قد يعكس محاولة لتعيين إحداثياتي المعرفية بنسبها لانتماء بالولادة لم أخـتره، لكنه يرسم خطاً أحمر يشعرنا أن المطلوب، في نهاية الأمر، هو تشظينا... وأن ما يحدث في العراق ويُكرّس في لبنان يُراد له أن يكون البديل عن سايكس ـ بيكو الذي حول الأمة إلى أقاليم (دول) واليوم المطلوب تحويلنا إلى طوائف.
المذاهب كتفسيرات للنصوص شيء، والطوائف شيء، وتعبيراتها السياسية (أي الطائفية) شيء آخر. الأولى فكرية تستحق الاحترام والقبول باعتبارها جزءاً لا يتجزأ من التنوع الفكري وقبول الآخر، والثانية انتماءات كينونية هي واقع الحال والتنوع، أما التعبيرات السياسية، بمواجهة التعبير القومي، فهي غير المقبولة لأنها تتشظى بالوطن إلى انتماءات تلغي بعضها البعض.
نعم، المطلوب إصلاح العقل القومي من درائنه العديدة، ولا بد من احترام حقوق الأقليات، ولكن ذلك لا يكون بالنكوص إلى ما قبل (الدولة بمعني الانتماء المصلحي الأفقي) بعيداً من الانتماءات العمودية: الدينية الطائفية العشائرية الحاراتية... ولا يجوز اليوم أن نتحدث عن تيار قومي جامع للأمة، فنحن نتفق مع عزمي بشارة على أنه غير ممكن لأنه لن يعدو كونه منتدى، فليكـن لكل دولة منا (قوميتها) بمعنى طريقتها القومية في معالجة قضاياها، على أن يكون المشروع النهائي هو الانتماء إلى تشكيل قومي جامع بطريقة أو بأخرى والأهم عبر مفهوم المصلحة وليس الشعارات الوجدانية التي أفرغتها التجربة من محتواها، وبات الدفاع عن القـــومية بسبب ذلك أمراً عسيراً نتيجة لكل المفارقة بين الممارسة والشعارات.
أخطأت الممارسات... نعم، ويجب أن تصحح وتحدّث وتزود بمضامين تعددية وديموقراطية، ولكن هذا لا يلغي حقيقة أن الانتماءات الحديثة والمعاصرة لم تُبنَ على أساس الدين والطوائف والعشائر (بخلاف إسرائيل!!!) فالدولة الحديثة في الغرب كانت ولا زالت قد بنيت على أساس الدولة ـ الأمة، أي على قاعدة العلمانية والتسامح والمصالح (الثورة البرجوازية) وارث طويل من الحروب القومية وصولاً إلى الحربين العالميتين، وصنع الديموقراطية. وإذا أردنا دولة حديثة لا يكون ذلك بالانقلاب على جميع ما سبق، لمصلحة الانقسام والتشظي المجتمعي.
لماذا المطلوب أن نتشظى ولا نبني دولاً حديثة؟
العلمانية لا تعني معاداة الأديان، فنحن جميعاً نصوم ونصلي في المسـاجد، ونحتفل بعيد الميلاد والفصح وندخل وأبناؤنا الكنائس، نكبّر ونوحِّد ونُصلّب.
ونـــزور أهلينا من كل الطوائف، ونعزز كل ما يمت لإرثنا المشـترك ولا نمانع أن نكون أشابين لبعضنا البعض في زيجات أصدقائنا... لكننا نرفض أن نجيب عن مذاهبـنا وطوائفنا وسنكون تحت لواء بلد واحد ننتخب فيه الأصلح، ونرنو فيه إلى أهلنا في الدول العربية الأخرى لتجمعنا مصلحة واحدة بغد أفضل.
لتكن ما تكون الدوافع أما الكانتونات والتشظي فمرفوضان، وعلينا أن نقاومهم في العراق ولبنان ولن نسمح بزحفهم إلى سورية...
وهذا هو تحدي هذه المرحلة وتلك المقبلة.

رئيس مركز المعطيات والدراسات الإسراتيجية بدمشق


 عالم ما بعد (بعد الحرب الباردة)!

توماس فريدمان
بما أنني كنت في شرق أوروبا، وبالتحديد في العاصمة المجرية بودابست، وذلك عقب التحذير الذي وجهه ديك تشيني نائب الرئيس بوش بشأن استخدام روسيا لصادراتها من النفط والغاز كأداة للترهيب والابتزاز السياسي، فقد لمستُ أصداءه وتأثيراته واضحة هناك. وضمن ذلك لاحظت صحيفة (فاينانشيال تايمز) أن الصحافة الروسية عكست تلك التصريحات المنسوبة إلى تشيني، وكأنها أصداء لحديث رئيس الوزراء البريطاني الأسبق (ونستون تشرشل) عام 1946، عندما حذر من أن (ستاراً حديدياً) كان ينسدل من موسكو على القارة الأوروبية. لكن من رأيي الشخصي أن العالم لا يتقهقر مرة أخرى إلى الوراء أو إلى حرب باردة جديدة. ذلك أنا تركنا عالم الحرب الباردة وراءنا، وها نحن على وشك الولوج إلى عالم ما بعد (بعد الحرب الباردة). وما أعلمه أن الأميركيين لن يروقهم هذا العالم الجديد، ما لم تشمر بلادهم عن ساعد الجد فيما يتعلق بسياسات طاقتها.
وكما نعلم، كان عالم الحرب الباردة عالماً من نسيج الثنائية القطبية، وقد أرسى دعائم استقراره توازن نووي دقيق بين القوتين العظميين وقتئذ. أما عالم ما بعد الحرب الباردة فهو موسم ازدهار القوة الأميركية المفرطة –على حد وصف الفرنسيين- حيث فرضت فيه واشنطن هيمنتها على العالم بأسره اقتصادياً واستراتيجياً، بينما تشكلت سماته الرئيسية بالتوسع الهائل للأسواق الحرة والانتخاب الحر للحكومات.
وعلى نقيض ذلك تماماً، فإن عالم ما بعد (بعد الحرب الباردة) الذي أعنيه، هو عالم متعدد الأقطاب والقوى الدولية، تخضع فيه القوة الأميركية للرقابة والمراجعة المستمرة من مختلف أركان العالم وأنحائه. وفي هذا العالم الجديد تبرز الصين كقوة دولية كبيرة ذات شأن ووزن، بفضل كدحها في العمل وارتفاع مدخراتها. وفيما وراء الصين بدأت تبرز قوى جديدة بفعل ارتفاع أسعار النفط العالمي، وهي القوى التي كانت تمر بمرحلة أفول في عالم ما بعد الحرب الباردة. ومن بين هذه القوى الجديدة، روسيا بوتين التي تناطح الولايات المتحدة وتنازلها في عدة جبهات. وهناك فنزويلا شافيز التي بدأت تلعب في عالم ما بعد (بعد الحرب الباردة)، دور كوبا فيديل كاسترو في ثياب جديدة، وذلك من خلال قيادتها لموجة جديدة من تأميم الشركات والمؤسسات، علاوة على نشرها لنزعة معادية لأميركا في منطقة أميركا اللاتينية. وبالطبع هناك إيران التي بدأت بإبراز عضلاتها النفطية وتحدي العالم على طريق تحولها النووي. ولاشك أن عالماً بلغت فيه أسعار النفط 70 دولاراً عن البرميل الواحد، هو عالم متعدد القوى بحق. إنه (محور النفط) على حد قول مايكل ماندلباوم مؤلف كتاب (مسألة جوليات) الذي وصفه بأنه محور أكثر أهمية واستدامة من خطر الإرهاب، ملاحظاً في الوقت ذاته عدم وجود أي استراتيجية أميركية للتصدي له. ويتسم هذا العالم الجديد ليس باستقواء وتطاول بعض القوى النفطية فحسب، وإنما بكون أميركا لم تعد مهابة ولا مخيفة كما كانت من قبل. وأصبحت هذه الأخيرة من الخور والضعف والهزال– بسبب نزيفها المستمر في العراق، وبسبب الانحسار المريع لشعبية الرئيس بوش في أوروبا، ثم بسبب انقسامها الثنائي الحزبي على نفسها- إلى حد لم تعد فيه قادرة على الاستجابة حتى لصغرى الأزمات، مثلما هي أزمة الطاقة الماثلة الآن.
وكما لاحظ (إريك فراي)، محرر صحيفة (دير ستاندارد) الأسترالية، فقد كان الجميع يتحدثون عن القوة المفرطة الأميركية خلال عامي 2002-2003. غير أنه ما من أحد يأتي على ذكر القوة العظمى الأميركية اليوم، وقد أضاف هذا التجاهل بحد ذاته، بعداً جديداً للعداء لأميركا. وفي المقابل فقد لفت البروز الجديد لدولة مثل روسيا، اهتمام الجزء الشرقي من أوروبا. وليس أدل على ذلك من استيراد المجر لأكثر من نصف حاجتها من الغاز الطبيعي من روسيا. واليوم فقد شرع بعض المجريين يرددون نكتة قديمة من نكات الحرب الباردة، قيل فيها إنه وعلى إثر انتصار المجر على فريق كرة القدم السوفييتي، بعث الكريملن بمذكرة إلى القادة المجريين جاء فيها: هنيئاً لكم انتصاركم الذي حققتموه... ولكن قولوا وداعاً للنفط، وداعاً للغاز!
وعلى حد قول (بال ريتي)، محرر المجلة الاقتصادية المجرية، فإن روسيا لم تعد لها تلك الأيديولوجيا ولا الجيش السوفييتي الذي كان لها يوماً ما، غير أن لها ما يكفي من النفط ومن النزعة الوحشية، لترهيب جيرانها الأوروبيين. والملاحظ هنا أن أوروبا عالم ما بعد (بعد الحرب الباردة)، أضحت غير قادرة على التوحد حول أي شيء تقريباً، حتى وإن كان ذلك سياسات طاقتها. ولهذا السبب فإن في وسع روسيا التضييق عليها وخنقها.
وعلى ذلك علق (لاجوس بوكروس) أستاذ الاقتصاد بجامعة أوروبا الوسطى في بودابست بقوله: المشكلة أن عدداً كبيراً من الدول الأوروبية ليس تنافسياً بما يكفي. وما لم تختر أوروبا نمط النمو العالي الذي اتسمت به أيرلندا –على نقيض نمط الاقتصاد الألماني والإيطالي والفرنسي- فإن مصيرها الاضمحلال، ومغادرة حلبة اللعبة الاقتصادية العالمية برمتها.
ولهذه الأسباب مجتمعة، تجدني على أحر الشوق لعالم (ما بعد الحرب الباردة)، وليس لحقبة الحرب الباردة. فما أشد وطأة فوضى عالم ما بعد (بعد الحرب الباردة)، ما أصعب مراسه وإدارته، وما أكثر أثرياءه الجدد، الذين يكوّنون ثرواتهم ليس عن طريق بناء المجتمعات الديمقراطية اللائقة، وإنما بمجرد حفرهم للمزيد من آبار النفط.

 سيناريو الهجوم الأميركي ضد إيران.. جنوب العراق سيشهد الفوضى!!
الدكتور عبدالله يوسف الجبوري
يبدو أن الرئيس الإيراني أحمدي نجاد وأركان النظام الإيراني، قد وقعوا في الخطأ نفسه الذي وقع فيه صدام يوم أعلن أنه مستعد لتصدير تكنولوجيا نووية إلى كل من يريد الاستفادة منها، فهذه الخطوة تريدها أميركا ويريدها الغرب وتحرص إسرائيل على تنميتها بالشكل الذي يضمن لها أن تزيد في نار الفتنة بين أميركا والدول التي تمتلك الأسلحة النووية، على الرغم من أن هناك خطوط للاتصال السري بين أميركا وإيران بناء على معطيات الأرض التي بنيت بضوء الصمت الإيراني ودعمه لموقف الأحزاب العراقية إزاء احتلال العراق، والذي منح إيران فرصة التدخل لمصلحتها ومنحت إسرائيل فرصة ذهبية في العبث بشؤون العراق الداخلية كذلك.
ولأن إيران وجدت الغزل الأميركي لها والدور المشبوه لبعض القوى في المنطقة من السكوت على تحركها داخل العراق وفرضها توجهاً سياسياً واستخباراتياً مشيناً، فقد كان يراودها أن أميركا ربما تقبل بأن تكون قوة نووية أو ربما تسمح لها بالشكل الذي وصلت إليه كوريا الشمالية أو الباكستان.
نحن لا نشك في أن أميركا ممكن أن تقبل لإيران بدور تخريبي في المنطقة لكنها لا يمكن أن تسمح لها بأن تكون قوة مناهضة لإسرائيل وبكل المقاييس العسكرية والبشرية والاقتصادية، لذلك فقد وقعت الإدارة الإيرانية التي منحت أميركا فرصا كثيرة لإيذاء العرب مقابل أن تطلق يد إيران في مياه الخليج العربي والتمسك بالجزر العربية الثلاث، طنب الكبرى وطنب الصغرى وأبو موسى، وقعت بخطأ كبير في أن أميركا وإسرائيل بالذات لا يمكن أن تسمح بتخطي الخطوط الحمراء في ذلك وعلى الدول العربية المجاورة وبشكل خاص العراق ودول الخليج العربي أن لا يسمحوا لإيران بذلك ويجب أن يحثوا أميركا أن توقف برنامج إيران النووي أسوة بما جرى للعراق، ولأن قوة إيران النووية ليست من مصلحة العرب، كما أن احتلال العراق يعطي للآخرين شرعية دعوة أميركا لوقف برنامج إيران النووي بالقوة.
وعلى هذا الأساس كان لأميركا ومن وجهة نظر إسرائيل وبعد تصريحات أحمدي نجاد حول وهمية وخيالية العالم اليهودي إزاء قصة المحرقة في ألمانيا النازية، فقد جاء ذلك نذيرا جديدا ليفك العلاقة بين الفكر الفارسي المعادي للأمة والعربية والفكر الصهيوني التوسعي والمعادي كذلك للعروبة والإسلام، ويضع الفتيل قريباً على النار رغم مسعى السيد عبد العزيز الحكيم رئيس المجلس الأعلى للثورة الإسلامية في العراق ودعوته لأميركا في التحاور مع إيران حول العراق، وهذا ما يثير شكوك العراقيين والعرب حول: لماذا إيران تتفاوض مع أميركا حول العراق، ولا يحق للعرب التفاوض مع أميركا حول العراق ومستقبله العربي؟؟ وهي دعوة لا أحد يدري ما هي أبعادها، لكن هذه الدعوة اصطدمت بواقع شاهنشاهية إيران وتسارع تنمية قدراتها النووية سواء كانت سلمية أو غير سلمية فهي دولة ستهدد الدول المجاورة وأولها الدول العربية وبوجه الخصوص دول الخليج العربي والعراق.
من هنا لا بد من النظر إلى مسألة مهمة وهي أن أميركا ومع تسارع التصريحات الإيرانية والتهيؤ العسكري لها لمواجهة الضربة العسكرية المحتملة، فإنه لا بد من قراءة السيناريو الأميركي، وهي قراءة تحذيرية للعراقيين في جنوب ووسط العراق، وكذلك لا بد من قراءته من الجانب والوجهة العراقية لاعتبارين:
الأول: أن أميركا متواجدة على خطوط تماس إيران وهذا قد لا يكلف أكثر من تحرك لا يتجاوز دقائق لضرب إيران، والأرض العراقية ستكون منطقة عمليات محروقة.
الثاني: أن الحكومة العراقية بفصائلها وقواها المساهمة في العملية السياسية لها ارتباط وثيق بإيران وهذا ما يجعل العراق شريك للطرفين، وهذا يحتم علينا قراءة التصرف العراقي في حالة الهجوم الأميركي.
لا يخفى أن إيران تتواجد في العراق قبل سقوط النظام العراقي السابق في 2003، وهذا التواجد كان خفيا لكنه بعد سقوط صدام أصبح أكثر فاعلية وبات على العلن، وكانت أميركا تغض الطرف على أمل أن تستخدم النجاح لقواها في الداخل العراقي في تهديد المنطقة العربية ولا سيما دول الخليج الغنية التي تريد منها أميركا بقرة حلوب وتهددها بقوة إيران بعد أن كانت تهددها بقوة صدام، فيصبح الابتزاز حالة مستساغة من قبل هذه الدول.
فإيران سوف تسعى إلى إشعال نار الفتنة الداخلية في جنوب العراق، وهنا ستوظف أطرافاً عراقية دينية لولوج المعترك بحيث تصبح أميركا غارقة في مستنقع حرب داخلية واضطرابات متواصلة تصبح في مصلحة استنزاف أميركا، وستنتقل الفوضى إلى داخل إيران وهنا سيتمزق الجنوب العراق إلى أطراف عدة مؤيدة ورافضة مشاركة ومعارضة، فتظهر حالة من الفوضى والتدمير الداخلي وسوف يلجأ الناس إلى سلب ونهب الممتلكات العامة ولا سيما ممتلكات الحوزة والأحزاب التي أثرت بعد سقوط النظام، وهي أجهزة الحكومة والتي سوف لا تجد من يحميها عندما يجد الناس أن الحوزة قد غابت أو انتقلت إلى خارج البلاد، وسوف يتم فرز حقيقي لمن هو عراقي عربي ومن هو عراقي تابع لإيران، كما أن إيران بآلتها المادية القوية سوف تدفع بالملايين إلى عدد كبير في ضرب القوات الأميركية من الخلف.
هناك تحضيرات قوية توازي التحضيرات الإيرانية في البصرة ونتمنى أن يصار إلى تنظيمها وتفعيلها لاغتنام الفرصة ضد العدوين الأميركي والإيراني على حد سواء، فهناك أسلحة سوف تقع في يد الناس التي سوف تهب لنهبها وسوف تحملها منقسمة إلى طرف يقاتل مع إيران وطرف آخر يقاتل الإيرانيين وطرف ثالث ربما يعيش حالة الحرب الداخلية بثوب النزاع الداخلي من أجل الغنائم.
وهنا سوف يتحول جنوب العراق وبخاصة مدن النجف وكربلاء والعمارة والبصرة إلى مدن قتال حقيقي بين الطامعين في الأموال وبين القوات الأميركية التي سوف تقع بين فكي كماشة عراقية إيرانية وربما ينتهي الصراع إلى حرب عراقية إيرانية، أي بين العراقيين الذي كانوا يتحينون الفرصة ضد إيران وبين عراقيين هم بالأساس عملاء لإيران.
وأول المدن التي ستتحرر من السيطرة الإيرانية هي البصرة وفيها سيظهر صراع جديد بين عروبة المدينة وبين تبعيتها لقوى تابعة لإيران كما هو الحال الآن، وعليه نرى أنه من المهم أن تتحرك القوى العربية لتوجيه ضرباتها إلى كل من القوات الأميركية والبريطانية المحتلة التي سوف تبدأ بالمعاناة من شدة الضربات والهجمات التي تقودها قوى مقاومة لصالح تحرير العراق وقوى تعمل على الانتقام لصالح إيران، في هذه اللحظة سوف تتحرك قوى عربية مؤيدة لإيران لتشترك بشكل فعلي ربما بالصراع وتتحول المنطقة إلى ساحة صراع حقيقي بين كل القوى التي تناهض أميركا في لحظة قد تتفجر المنطقة بأسرها، أو أن تتحول إيران إلى حالة استقرار لصالح أميركا في حين يتحول العراق إلى ساحة صراع بعد أن تسيطر قوى المقاومة الوطنية والقوى المناهضة لأميركا على الداخل العراقي وبشكل خاص جنوب العراق والبصرة بالتحديد، أو تتحول إلى ميدان آخر وجديد بين قوى الإرهاب التي تخشاها أميركا والتي ستجد الفراغ العسكري والسلطوي في العراق مرة أخرى لتقوية مواقعها وتعيد التخطيط للسيطرة على جنوب العراق.
في هذه اللحظة نجد أن كوردستان قد تتحول لفترة وجيزة إلى حالة من الصراع بين قوى إقليمية ولا سيما أكراد إيران المستفيدون من التواجد الأميركي، وكذلك نشاط حزب العمال الكوردستاني التركي والذي سوف يضطر تركيا إلى اجتياح شمال العراق لسببين هما:
أولا: أطماع إقليمية في السيطرة على مناطق الموصل وسنجار وزاخو ضمن صفقة أميركية تركية، لتوسيع سيطرة حلف شمال الأطلسي وكذلك لحماية التركمان والسيطرة على قرى ومدن قرب الموصل.
ثانياً: تحجيم المد الكوردي الذي يسعى لتفجير الأوضاع التركية في الداخل، وهذا سينعكس على أوروبا بأكملها لا سيما وأن العمليات المسلحة الآن في تركيا تقلق كل أوروبا، وهذا ربما يسهم في دفع كل أوروبا للوقوف إلى جانب أميركا في اجتياح كامل لمنطقة الشرق الأوسط وغرب آسيا بعكس فرصة احتلال العراق،، وهنا سوف يضطر ذلك الموقف تركيا إلى ضرب القواعد والمدن الكوردية في كوردستان العراق وبالتعاون مع إيران التي تعاني من الشيء ذاته وتصبح المعادلة جداً صعبة.
وبضوء كل هذه الاحتمالات ربما يكون العراق مرة أخرى هو الضحية لا سيما وأن إسرائيل تتحين الفرص للانتقام من جنوب العراق خوفا من التطرف الديني المؤيد لإيران، ولأن هناك قوة عروبية متميزة لو دخلت المعركة سوف تغير موازين القوى في الصراع وهذا سوف لا يصب في صالح إسرائيل، وعليه سوف تضطر إسرائيل وأميركا إلى ضرب مدن جنوب العراق بشدة.
إن الجنوب العراقي عاش مؤامرة صهيونية لإفراغه من المواطنين خلال العقود الثلاثة المنصرمة، وتبنت مشروع الهجرة والاستيطان للعراقيين الشيعة في دول أستراليا وأوروبا والدول الإسكندنافية وغيرها، والسبب يعود إلى محاول خلق خلخلة في البنية السكانية التي تسهل استثمار مواطن الخلل هذه بشكل ممتاز ولا سيما السيطرة على الثروات من خلال خلق بؤر توتر وصراعات طائفية وعرقية، مع فراغ سكاني واضح.
لا نعتقد أن الضربة الأميركية لإيران مؤذية لإيران أكثر مما هي مؤلمة للعراق وللمنطقة لأنها سوف تحول المنطقة إلى ساحة صراع وتقاتل وتستثمرها إسرائيل لفرض مزيد من التوسع في مصالحها الإقليمية، كما حدث في عام 1991 بعد حرب الخليج الثانية.
 أمة بأسرها في (قسم الطوارئ)!
جواد البشيتي
حذاريكَ اللعب بالنار فقد تحترق أصابعك!
ولكن، ماذا عسانا نقول لـ(القابض على جمرة)؟!
و(الجمرة)، بحسب تصريح صحفي أدلى به د. أسامة الباز، المستشار السياسي للرئيس المصري حسني مبارك، كناية عن (السلطة)، فالقابض على السلطة في مصر، أي في عالمنا العربي، بحسب رأي الباز، كالقابض على جمرة. ولا شك في أن (معاناة) الحاكم ستكون أعظم وأشد إذا ما كان مُحْكِما قبضته على (السلطة ـ الجمرة)!
وأقول لكل عربي محكوم: (حذاريكَ حَسْدَ حاكمكَ!)، فالسلطة ليست بنعمة حتى تتمنى تحولها منه إليكَ، أي حتى تحسده عليها. إنها نقمة عليه، ومسؤولية تنوء بحملها الجبال، ولن يضطلع بها إلا المضحِّي بنفسه وماله ووقته وعائلته.. (قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ. مِن شَرِّ مَا خَلَقَ.. مِن شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ).
سنصدِّق؛ لأن لا خيار لنا إلا أن نصدِّق. وكل من يشكِّك في صدق هذا الأمر إنما يساهم، عن وعي أو عن غير وعي، في بقاء تلك الحال (التي لا تسر الحاكم)، والتي عاقبتها الحتمية هي تشديد الحاجة إلى العمل بمقتضى (قانون الطوارئ)، فالمعارضون السياسيون، وذوو الرأي والفكر المخالف، إنما هم من أصحاب النفس الأمارة بالسوء، الذين بينهم وبين (الإرهابيين) و(تجار المخدرات) قرابة إما من جهة الأب وإما من جهة الأم.
لقد قرَّر البرلمان المصري، أي ممثلو الشعب، تمديد (حالة الطوارئ) مدة عامين، ليبلغ عمرها، بالتالي، 27 عاماً، مع أن الأسباب الدستورية والقانونية الموجبة لإعلان واستمرار وتمديد (حالة الطوارئ) كالحرب والكوارث الطبيعية المدمِّرة لا وجود لها البتة، ومع أن استمرار (حالة الطوارئ) مع انتفاء أسبابها الشرعية يخالف المواثيق والمعاهدات الدولية التي وقعتها مصر، وتعهدت فيها باحترام القانون والدستور وحماية الحريات العامة الأساسية التي لا بد لها من أن تختفي مع ظهور (حالة الطوارئ).
إنَّ لكل قاعدة استثناء.. وإذا كانت (القاعدة) هي الحكم في طريقة يتأكد عبرها احترام الحاكم للدستور والقانون والحريات العامة الأساسية فإن (حالة الطوارئ) هي (الاستثناء)، ولكن الحُكم في عالمنا العربي، الذي تقدِّس حكوماته (الإصلاح السياسي والديمقراطي النابع من الداخل)، والمراعي لـ (الخصوصية)، يقوم على قاعدة أخرى هي قاعدة (تحويل القاعدة إلى استثناء، وتحويل الاستثناء إلى قاعدة)، فـ (دولة القانون) عندنا ليست سوى سحابة صيف إنْ قُيِّض لها الظهور. أما (الدولة الأمنية)، التي جاءت إلى الدنيا بحد السيف والتي تقطر دما من رأسها حتى أخمص قدمها، فلا تستمر، وليس في مقدورها أن تستمر، على قيد الحياة إلا بـ (قانون الطوارئ)، الذي لن يموت قبل أن يرى (وريثه الشرعي) وهو (قانون مكافحة الإرهاب) الذي يتوفرون على إنجازه.
ومع ذلك يراد لنا نظل أسرى وهم جديد هو أنَّ نفي (الدولة الأمنية) يقوم على المزاوجة بين (قانون مكافحة الإرهاب) و(الإصلاح السياسي والديمقراطي) الذي يُنْجِب (الحكم الرشيد)، أو يُنْجِبَه (الحكم الرشيد). يراد لنا ذلك مع أن التاريخ يُعْلِمنا، ويُعلِّمنا، أن الحكومات لا تذهب إلا بالطريقة ذاتها التي جاءت بها!
(النظام الرئاسي) إنما هو شكل من أشكال عدة لنظام الحكم في العالم. أما في عالمنا العربي فـ (حالة الطوارئ) إنما هي شكل لـ (نظام الحكم الرئاسي)، فالدستور يُكتب ويُقر ليُعطَّل العمل به على الفور، وكأنه حفل افتتاح لـ (حالة الطوارئ)، التي تستمر ما استمر الرئيس حاكماً، والذي يستمر حاكماً ما استمر على قيد الحياة.
وحتى لا نقيم، بعد سنتين، الأفراح والليالي الملاح، أقول إن روح (قانون الطوارئ) ستغادر هذا الجسد لتحل في جسد جديد هو (قانون مكافحة الإرهاب)، الذي لن تجرؤ الولايات المتحدة على الاعتراض عليه، فهو التجسيد لروحها الإمبريالية الجديدة.
وأحسب أن شعوبنا ومجتمعاتنا تحتاج إلى أن تواجه (قانون الطوارئ) الذي تَحْكُم به حكوماتنا بـ (قانون طوارئ مضاد)، فصلوات الكاهن لا تقدر أبدا أن تدرأ عنه خطر صاعقة انقضت عليه من السماء، فمانعة الصواعق خير وأجدى. و(قانون الطوارئ المضاد) إنما يستمد شرعيته من حقيقة واقعة لا يشوبها وهم أو خرافة هي أن كارثة تاريخية، سياسية واجتماعية واقتصادية، تحدق بنا من كل حدب وصوب.
 محنة علماء العراق

يحيي اليحياوي
لو تسنى للمرء أن يجول بناظريه حول وفيما وقع للعراق (أو بالعراق) منذ العشرين من آذار من العام 2003 لأحالته ذاكرته مباشرة وبطريقة تلقائية إلى الوعيد الذي أطلقه جيمس بيكر في وجه طارق عزيز وهما مجتمعان في جنيف في العام 1991: إذا لم تتعانوا فسنعيدكم إلى العصور ما قبل الوسطى.
وعلى الرغم من جهل بيكر بتاريخ العراق (وانتفاء المصطلح إياه، مصطلح العصور الوسطى، مما عاشه العراق تاريخياً أو كتب حوله)، فإن المقصود قطعاً إنما الوعيد بتدميره وتقويض شتى سبل الممانعة والمقاومة من بين ظهرانيه تماماً كما فعل هولاكو في زمن من الأزمان عندما مزج جيشه مياه دجلة بألوان الورق والدم والمداد.
لم يكن بيكر جاهلاً بمقومات العراق الحديث (حتى وإن كان سطحي المعرفة بتاريخه)، ولم يكن وعيده متأتياً من فراغ أو نابعاً من سوء تقدير، فهو على دراية كاملة بالمشروع العلمي والتكنولوجي العراقي، إذا لم يكن في أدق تفاصيله (أي تفاصيل الأسلحة المراد تطويرها والمدى الزمني الكافي لتوليدها)، فعلى الأقل بمفاصلها الكبرى وتحديداً عزم عراق الرئيس صدام حسين على إقامة منظومة علمية وتكنولوجية متكاملة تضمن للبلد استقلاله الوطني وتجعل منه عنصراً قوياً لا يمكن التجاوز عليه بمعادلات المنطقة القائمة منها كما القادمة سواء بسواء.
وهو على دراية كافية بالقوي البشرية الثاوية خلف المشروع ذاك كما المنظومة تلك، إذا لم يكن في أدق تخصصاتها العلمية فعلى الأقل بجانب فاعليتها ونجاعتها وقدرتها على رفد المشروع وضمان إمكانات نجاحه الحاضرة والمستقبلية.
وعلى هذا الأساس، فإن وعيد جيمس بيكر لم يكن، فيما نزعم، موجهاً بجهة تقويض ما تحقق من المشروع العلمي والتكنولوجي العراقي (من قبيل الأسلحة الكيماوية والبيولوجية والنووية وما سواها)، بل موجهاً أيضاً ولربما تحديداً إلى المنظومة الثاوية خلفه بنى تحتية ومقدرات بشرية القائم منها كما المزمع تكوينه على السواء.
لا يمكن للمرء، وهو يتأمل طبيعة وحجم الهجمة الأنكلو-أميركية على العراق، في العشرين من آذار وما استتبعها واستتبع تاريخ التاسع من نيسان، من تدمير وتهديم وإحراق ونهب وسلب وما سواها، إلا أن يسلم بأن وعيد بيكر لم يكن كلاماً مطلوقاً على عواهنه، بل النذير العلني الأول لما كانت ترتب له الإدارة الأميركية وتعتزم تنفيذه عندما يتم لها غزو العراق واحتلاله.
ولا يمكنه أيضاً، وهو يتأمل ما يجري من تاريخه (من تاريخ العشرين من آذار 2003)، إلا أن يسلم بمدى التزامن العملي لعمليتي تدمير البني التحتية واستهداف الكفاءات البشرية، فمباشرة بعد الاحتلال اقتيد الدكتور عامر السعدي (وهو المستشار العلمي للرئيس صدام حسين) للسجن (ولا يزال قابعاً به) واعتقلت في أعقاب ذلك الدكتورة هدى عماش (الخبيرة في بكتيريا الجمرة الخبيثة) وزميلتها الدكتورة رحاب طه ولم يشفع في إطلاق سراحهما إلا تدهور حالتهما الصحية وعدم ثبوت أدلة تدينهما بهذا الجرم أو ذاك.
وبعد أيام من ذلك فقط، اغتيل الدكتور محمد الراوي، نقيب أطباء العراق ورئيس جامعة بغداد لتتبع ذلك عمليات اغتيال في وضح النهار وتصفيات علنية لمجموعة من 1500 كفاءة عراقية من ضمنها أطباء ومهندسون وعلماء دين وسياسيون وصحفيون وفنانون وأدباء وأصحاب رأي ومعلقون على الأحداث وسواهم.
والخلفية في ذلك إنما القول بأنه ما دام لم يعثر على أي أثر لأسلحة الدمار الشامل المزعومة، فإن مطاردة أدمغة الدمار الشامل (الثابتة) هي التي من المفروض تفعيلها سيما ضمن الـ 500 عالم الذين كانوا على ارتباط وقرب كبيرين بالرئيس صدام حسين أيام كان قائماً على حال العراق ومستقبله.
ومباشرة بعد الاحتلال، اعتقل علماء كبار ونكل بهم بالسجون، كما حدث للدكتور محمد عبد المنعم الأزميرلي الذي عذب لحد الموت في سجن أبو غريب (إثر ضربة على مؤخرة الرأس يقول الطبيب الشرعي) ولم يسلم لعائلته إلا في صورة الرقم 1909 دون هوية تذكر.
وهو رقم من سلسلة 200 عالم في اختصاصات علمية مختلفة (هندسة، فيزياء، كيمياء وعلوم إنسانية واجتماعية وسياسية وغيرها) تمت تصفيتهم (وسجلت الجريمة ضد مجهول) لعل أبرزهم الدكتور محيي حسين أستاذ مادة الإيروديناميك وهندسة الطيران في جامعة التكنولوجيا ببغداد والدكتور مهند الدليمي الأستاذ في الجامعة نفسها والدكتور غالب الهيثي أستاذ الهندسة الكيماوية بالجامعة ذاتها... ناهيك عن عمليات تخريب المعامل والمختبرات ومراكز الأبحاث وغيرها (وضمن ذلك جامعة الموصل المتقدمة التجهيز).
ومباشرة بعد الاحتلال خير العديد من علماء العراق بين التعاون مع قوات الاحتلال (بالعراق أو بمراكزها بالدول/الأصل) وبين التصفية الجسدية أو في أحسن الأحوال السماح لهم بالهجرة الطوعية لأحد البلدان الأجنبية... أو بإحدى جهات العراق الآمنة كما فعل الطالباني عندما اقترح على الطيارين العراقيين المطلوبين من لدن المخابرات الإيرانية تحديداً منذ حرب إيران مع العراق الاحتماء به في منطقة كوردستان بعدما اغتيل منهم ما يناهز الثلاثين.
لم يعد ثمة من شك حقيقة، على الأقل منذ التاسع من نيسان 2003 وحتى يومنا هذا، أن محنة علماء العراق إنما باتت متأتية من سياسة قائمة، موجهة وتحتكم في تصورها على سبل وأدوات تقوم عليها جهات يبدو أن ملهمها في ذلك إنما الوعيد الذي أطلقه بيكر بوجه طارق عزيز منذ خمس عشرة سنة مضت.
هي ليست سياسة جديدة، بل استكمالاً لمخطط تم اعتماده منذ بدأ العراق نهضته العلمية والتكنولوجية بداية الثمانينات حينما اغتيل عالم الذرة المصري (وهو أهم مهندسي المفاعل النووي تموز) من لدن الموساد في أحد فنادق باريس وتم حرق المعدات (شحنة الوقود وأعتدة تشغيل المفاعل) التي كانت مشحونة للعراق من مطار مرسيليا الفرنسي... إضافة إلى المصير ذاته الذي لقيه الدكتور سعيد بدير والدكتورة سميرة موسى وغيرهما.
وإذا كانت ثقافة القتل والترويع هي لغة الشارع السائدة في العراق اليوم دونما قدرة على تحديد مصدرها (اللهم إلا ما تقوم به المقاومة وتتبناه)، فإن تلك الموجهة للعلماء إنما تقوم عليها على الأقل ثلاث جهات كبرى تتباين في درجة الضغينة على العراق، لكنها تتساوق في مشاريعها وتتماثل في أهدافها بالعراق حاضراً وبالمستقبل، فأميركا هي صاحبة المصلحة الأولى في استقطاب علماء العراق أو تصفيتهم إن أبدوا ممانعة في ذلك أو استماتوا للبقاء بجامعاتهم العراقية بين طلبتهم وأهلهم وذويهم (عمدت قوات الاحتلال مباشرة بعد إمساكها بمفاصل البلد بطرد 3000 أكاديمي من الجامعات العراقية وفرضت الإقامة الإجبارية على العديد منهم).
لم تكن مطاردة الأميركان لعلماء العراق نتاج صدفة أو قراراً اعتباطياً، بل مهد له من قبل الغزوة واعتمد كأداة قصوى لإعادة العراق إلى العصر الحجري.
ألم يقل (في العام 2002) مارك كلايتون المحرر بصحيفة كريستيان ساينس مونيتور: أن خطر العراق في قاعدته العلمية وفي علمائه وليس فيما يمتلكه العراق من أسلحة؟ فقدم جرداً بالعلماء والفنيين الذين تعلموا وتكونوا بالولايات المتحدة وقال بالخلاصة: إن هؤلاء أخطر من أسلحة العراق الحربية لأنهم هم الذين ينتجون هذه الأسلحة. ثم ألم يصدر الكونغرس الأميركي في العام نفسه قانون هجرة العلماء العراقيين مشدداً على منحهم تصريحات وبطاقات إقامة دائمة بالولايات المتحدة بإجراءات جد مخففة؟
لم تكتف الولايات المتحدة بذلك، بل عمدت إلى مطاردة كل من تعاون مع علماء العراق أو تلقي تكوينه هناك بدليل مطالبة سفارتي أميركا وبريطانيا لمصر باستجواب العلماء الذين ارتبطوا بالعمل في العراق، بل ذهبت السفارتان لدرجة المطالبة بلائحة علماء جامعة الإسكندرية (قسم الهندسة النووية) من 1967 إلى 1990.
وإسرائيل ألم تعلن جهارة تخوفها من العراق حتى وهو مهدم، بل ودفعت بضرورة استئصال كل الأدمغة التي قد تعاود الكرة في حال انسحاب الاحتلال واسترجاع العراق لسيادته وإقامة حكومة وطنية من بين ظهرانيه.
لم تكتف إسرائيل لأجل ذلك بمجرد المناداة، بل عمدت مخابراتها إلى تكوين جيش سري من 150 عضواً (الجيش الجمهوري السري) لديه قائمة من 800 عالم عراقي مطلوب تصفيتهم... أو نفيهم إلى إسرائيل (حيث استقبلت في سنين احتلال العراق الأولى أكثر من 150 أستاذاً محاضراً و4000 طالب ناهيك عن منح كنعان مكية سيئ الذكر الدكتوراه الفخرية من جامعة تل أبيب ودرجة الماجستير للطاهر لبيب ومحمود أبو صالح).
والحكومة المنصبة من لدن الاحتلال لم تكتف بالصمت الرهيب، بل تواطأت جراء ذلك مع ما يجري لعلماء العراق سراً وعلانية (ستة علماء اغتيلوا أمام طلبتهم وعميدة كلية القانون بالموصل ذبحت هي وزوجها بالفراش و17000 من العلماء والأساتذة هجروا قسراً).
وميليشيات حكام العراق الجدد لم تكتف فقط بمطاردة العلماء وعوائلهم، بل عملت وتعمل على ترصدهم بغرض تصفيتهم بدعوى انتمائهم لحزب البعث في إطار ما يقوم عليه أحمد الجلبي من خلال برنامج اجتثاث البعث.
الكل يطارد علماء العراق، الكل أضحى ذا مصلحة في استهدافهم وترصد طلابهم، الكل (حتى العرب) بات يخشى العراق ويخشى علماءه.
إنها محنة علماء العراق... إنها محنة العراق التي ابتلاه الله بها منذ غابر العصور... فألفها ليتم تجاوزها بعد حين.

باحث وأكاديمي من المغرب

 النبي الأمِّيُّ... والأمة الأمِّية
د. محمد عابد الجابري
طرحنا في المقال السابق مسألة ما إذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يعرف القراءة والكتابة؟ وبدأنا في مناقشة هذا الموضوع من خلال ما روي حول الظروف التي رافقت بدء الوحي وبالخصوص جواب النبي على طلب جبريل: (اقرأْ). وقد أبرزنا الاختلاف، بين عبارة (ما أقرأ)، أو (ماذا أقرأ) الواردة في جواب النبي حسب رواية ابن إسحق والطبري وغيرهما، وبين عبارة (ما أنا بقارئ) الواردة في البخاري وغيره. وبعد تحليل الروايتين تبيَّن لنا أن عبارة رواية ابن إسحاق أقرب إلى ما يفيده منطق النص، نص الحديث. وغني عن البيان القول إن منطق نص من النصوص، أياً كان راويه، لا يقوم بديلاً عن معطيات الواقع. وإذن فالجواب عن السؤال السابق يحتاج إلى مزيد من البحث والتقصي.
بدأنا – كما قلنا - بأول واقعة من السيرة النبوية تتصل بالموضوع، واقعة بدء الوحي. وعلينا الآن أن ننتقل إلى ما ورد بعد ذلك في الوحي نفسه، منذ ابتداء النزول إلى نهايته. أعني بذلك القرآن الكريم.
هناك آيات تصف الرسول صلى الله عليه وسلم بأنه (أمي)، وتصف العرب بـ(الأميين). وقد وردت هذه الآيات متسلسلة كما يلي، حسب ترتيب النزول:
1- قوله تعالى: (الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإنجِيلِ) (الأعراف 157)، والمقصود: النبي محمد عليه الصلاة والسلام.
2- وقوله: (وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلا أَمَانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلا يَظُنُّونَ) (البقرة 78). ومعنى الآية، حسب ما ذكره الطبري نقلا عن ابن عباس، كما يلي: (الأميون قوم لـم يصدّقوا رسولاً أرسله الله، ولا كتابـاً أنزله الله، فكتبوا كتابـاً بأيديهم، ثم قالوا لقوم سفلة جهال: هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ). ومعنى ذلك أن لفظ (الأميين) ليس معناه الذين يجهلون الكتابة والقراءة، بل معناه: الذين ليسوا من أهل الكتاب (اليهود والنصارى) وكتبوا كتاباً مزوراً متمنين أن يصدقهم الناس وينسبوهم لأهل الكتاب.
3- وقوله: (وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالأمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدْ اهْتَدَوا) (آل عمران 20) قل: الخطاب موجه للنبي صلى الله عليه وسلم. الذين أوتوا الكتاب: هم اليهود والنصارى، وفي مقابلهم (الأميون) الذين ليس لديهم كتاب منزّل وهم العرب.
4- وقوله: (ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الأمِّيِّينَ سَبِيلٌ) (75 آل عمران) قالوا: المقصود بهم اليهود. والمقصود بـ(الأميين) هنا هم الذين لا يدخلون في عداد أهل الكتاب وبالتحديد العرب. ومعنى العبارة: ليس علينا في غش العرب من حرج، لأنهم ليسوا من أهل الكتاب، لا يطبقون شريعة سماوية!
5- وقوله: (هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الأمِّيِّينَ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ...) (الجمعة 2). والمقصود العرب ككل، وليس فقط الذين لا يعرفون القراءة والكتابة منهم وحدهم.
واضح أن التقابل في هذه الآيات (3، 4، 5) هو بين طرف هو (الأمي) و(الأميون) من جهة، وبين طرف آخر هم (أهل الكتاب). وما به يفترق الطرفان هو أن الطرف الثاني لديه (كتاب) هو التوراة والإنجيل، والطرف الأول ليس لديه كتاب. فالأميون إذن هم الذين ليس لديهم كتاب سماوي. وقد جاء القرآن ليكون لهم كتاباً خاصاً بهم.
نعم هناك حديث نبوي مرفوع يروى بصيغة: (إنّا أُمَّةٌ أُمِّيةٌ لا نَكتُبُ ولا نَحسُبُ، الشهرُ ه?كذا وه?كذا. يَعني مرَّةً تسعةً وعشرينَ ومرَّةً ثلاثين)، وفي حديث آخر: (صُوموا لِرُؤْيتهِ وأفطِروا لرُؤيته، فإن غُبِّيّ عليكم فأكملوا عِدَّةَ شَعبانَ ثلاثين). الموضوع إذن هو تحديد مدة الشهر، للصيام والإفطار في رمضان. ويتفق أصحاب الحديث على القول إن معنى (لا نكتب ولا نحسب) هو أننا لسنا ممن يستعمل حساب النجوم والأفلاك لتحديد وقت ظهور الهلال، فنحن أمة أمية، أي غير معنية بعلوم الحساب، ولذاك فالشهر يتحدد عندنا برؤية العين المجردة.
هل يكفي ما تقدم؟ كلا. إننا ما زلنا في بداية الطريق!
لنواصل إذن التماس الشواهد، ولنتجه هذه المرة إلى المعاجم.
تمدنا المعاجم العربية بما تعتبره المعنى الأولي الأصل للفظ (أمي)، فنقرأ فيها: (الأمي، الذي علـى خِلْقَة الأُمَّةِ، لم يَتَعَلَّم الكِتاب فهو على جِبِلَّة أمه، أَي لا يَكتُبُ... فكأَنه نُسِب إِلى ما يُولد عليه أَي على ما وَلَدتْه أُمُّهُ عليه). وبهذا الاعتبار: (قيل للعرب: (الأُمِّيُّون)، لأَنَ الكِتابة كانت فـيهم عَزيزة أَو عَدِيمة). وقيل أيضاً: والأُمِّيُّ: العَيِيّ الجِلْف الجافي القَلـيلُ الكلام؛ قيل له أُمِّيٌّ لأَنه على ما وَلَدَتْه أُمُّه عليه من قِلَّة الكلام وعُجْمَة اللِّسان) (لسان العرب).
واضح من هذا أن تعريف (الأمي) بـ(الذي لا يقرأ ولا يكتب) تعريف لا أصل له في العربية. أما نسبته إلى (الأم) فهو اجتهاد من علماء اللغة في إيجاد أصل لهذه الكلمة في لغة العرب. وهذا الاجتهاد فيه تكلف واضح: فلماذا ننسب الجاهل بالقراءة والكتابة إلى (أمه)، وحده دون الذي يقرأ ويكتب؟ ولماذا نربط الأم، دون الأب، بـ(عجمة اللسان والعي والجفاء)؟ ثم هل تليق هذه الصفات بمقام النبي محمد عليه الصلاة والسلام ومقام أمه، خصوصاً وقد اختاره الله واصطفاه؟!
الواقع أن لفظ (أمي) لفظ مُعَرَّب، لا أصل له في اللغة العربية. فما أصله إذن؟
يرى كثير من اللغويين والمتكلمين والمفسرين أن لفظ (الأميين) يعني الذين ليس لهم كتاب ديني سماوي، فهم إذن في مقابل (أهل الكتاب)، وبالتحديد اليهود أصحاب التوراة والنصارى أصحاب الإنجيل. ذكر الراغب الأصبهاني نقلاً عن الفرا: الأميون: (هم العرب الذين لم يكن لهم كتاب)، وفي هذا المعنى يقول الشهرستاني: (وأهل الكتاب‏ كانوا ينصرون دين الأسباط ويذهبون مذهب بني إسرائيل، والأميون كانوا ينصرون دين القبائل ويذهبون مذهب بني إسماعيل).
ويرى كثير من المؤرخين الأوروبيين أن اليهود كانوا يطلقون لفظ (الأمم) على غيرهم من الشعوب، أي على (الوثنيين) من عبدة الأصنام وغيرهم، وأن (الأمي) بهذا الاعتبار منسوب إلى (الأمم). فكما كان الرومان (المتحضرون) يطلقون على غيرهم من الأمم اسم (باربار) بمعنى: (المتوحشون)، وكما كان العرب (أصحاب الفصاحة) يطلقون على غيرهم من الشعوب لفظ (العجم) لكون كلامهم (بالنسبة للعربي) فيه عجمة لا يفهم، فكذلك كان اليهود (أصحاب الكتاب) يطلقون على غيرهم من الشعوب لفظ: (الأميون)، أي المنسوبون إلى (الأمم) الأخرى التي ليس لها كتاب منزل.
بهذا المعنى الاصطلاحي يمكن فهم العبارات التي وردت فيها كلمة (أمي) و(أميين)، في الآيات السابقة: فـ(الأميون) في سياق الخطاب في تلك الآيات هم (العرب) وبالتحديد القبائل العربية في مكة. يشهد لهذا المعنى ما ورد في القرآن من آيات تربط (القرآن) بالعرب إلى جانب أخرى تربط (الكتاب) – والتوراة تحديداً - ببني إسرائيل، وذاك مثل قوله تعالى: (وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا) (الشورى 7)، وهم المقصودون بـ(الأميين) في الآيات السابقة. وقوله: (وَمِنْ قَبْلِهِ (القرآن) كِتَابُ مُوسَى إِمَامًا وَرَحْمَةً وَهَذَا (القرآن) كِتَابٌ مُصَدِّقٌ لِسَانًا عَرَبِيًّا لِيُنْذِرَ الَّذِينَ ظَلَمُوا، وَبُشْرَى لِلْمُحْسِنِينَ) (الأحقاف 12). والمقصود مشركو مكة من جهة، والمؤمنون من جهة أخرى، سواء كانوا يعرفون القراءة والكتابة أم لا!
هناك آيات أخرى تتحدث عن (المؤمنين) كطرف مقابل لـ(أهل الكتاب) أو (الذين أوتوا الكتاب) مثل قوله تعالى: (وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَابَ النَّارِ إِلا مَلَائِكَةً وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا وَلا يَرْتَابَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْمُؤْمِنُون، وَلِيَقُولَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْكَافِرُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلاً (المدثر 31).
تلك هي النصوص القرآنية التي لها علاقة بالسؤال الذي نحن بصدد البحث عن جواب له: (هل كان النبي عليه الصلاة والسلام يقرأ ويكتب)، ومن خلالها تبين لنا أن كونه صلى الله عليه وسلم (نبياً أمياً) معناه من أمة لا كتاب لها، لا يعني بالضرورة أنه لم يكن يعرف القراءة والكتابة، كما أن وصف القرآن للعرب بكونهم (أميين) لا يفيد بالضرورة أنهم كانوا لا يقرؤون ولا يكتبون.
يبقى بعد ذلك قوله تعالى: (وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ) (العنكبوت 48)، وهي الآية التي يستدل بها جل المفسرين، إن لم نقل جميعهم، على أن النبي عليه الصلاة والسلام لم يكن يعرف القراءة والكتابة. وسنعود إلى هذه الآية بتفصيل في مقال لاحق.
 العرب بين العمومية والخصوصية
د. طيب تيزيني
تميّز الخطاب العربي السياسي في مرحلة ما بعد الاستقلالات السياسية العربية، التي جاءت في أعقاب الحرب العالمية الثانية، بكونه ذا طابع وطني عمومي (شمولي) ومؤسّسٍ على شعارات كبرى مثلت - في حينها - استجابة لواقع الحال القائم. وتركز ذلك خصوصاً في حماية ديمقراطية للاستقلال السياسي والاقتصادي، وفي إيجاد المؤسسات القضائية والتشريعية والعلمية وغيرها. وكان ذلك بمثابة التأسيس لمرحلة المشروع الوطني الديمقراطي، الذي حملت لواءه طلائع القوى السياسية والاجتماعية الحية ضمن الشعوب العربية المعنية. لكن الذي حدث في سياق ذلك تبلور شيئاً فشيئاً في الحركات الانقلابية العسكرية والسياسية، التي أوقفت ذلك المشروع الوطني أو أعاقت حامله السياسي والثقافي، حيث قاد ذلك إلى ابتلاع المقدِّمات الأولى لمظاهر المجتمع المدني والمجتمع السياسي. ولعل الشروط السياسية التي وُضعت في وجه مشروع الوحدة بين سوريا ومصر قد عبّرت عن ذلك بصيغة ملفتة.
وإذا كان التركيز على الاستحقاقات العامة والإجمالية قد جاء في المرحلة التاريخية المذكورة بوصفه بداية المشروع الجديد، فقد كان الاهتمام متجهاً نحو الطبقات والفئات الاجتماعية ونحو المسألة الوطنية والقومية العربية أو السورية، ومن ثم نحو قضايا التحرر الوطني والقومي، وظلت الإحداثيات والزوايا والأخاديد الصغيرة والجزئية في الجسم السكاني (الديموغرافي) خارج الاهتمام، بل صار البحث فيها بعد حين أمراً مشوباً بالشُّبهة.
وتأتي المرحلة التالية من التاريخ السياسي العربي (وهي مرحلة الانقلابات العسكرية وظهور النُّظم الاستبدادية)، لتجد نفسها متجهة صوب المنظومات الشعارية التي تقول كل شيء دون أن تعني شيئاً. فشعارات التقدم التاريخي والوحدة العربية الشاملة والعدالة الاجتماعية الكبرى وحرية الوطن العربي، تبدأ لتكتسب على أيدي جهابذة النظم العربية -في مجملها- وظيفة جديدة تتلخص في تسويق خطاب سياسي ثقافي شمولي من جانب، وفي حظر الخطاب السياسي الثقافي الخصوصي، أي الذي يضع يده على قضايا اعتُبرت (صغيرة) من جانب آخر. وتعمق هذا الاتجاه مع استفحالِ القضية الفلسطينية وتعاظِم الظلامات التي ارتُكبت تجاهها، فزادت عموميةُ المنظومة الشعارية العربية عمومية، وأقصيت خصوصية المنظومة الشعارية العربية أكثر فأكثر من حقل اهتمام النُّظم العربية. وظهر في اللسان الشعبي أمثال القول التالي: يُطعموننا الشعارات الكبرى، ويمنعوننا من مواجهة الشعارات الصغرى المتحدرة من شؤون المواطنين اليومية وشجونهم. ويلاحَظ أن تلك الشُّحنات الشعارية اتسعت عُمقاً وسطحاً، حين راح الخطاب السياسي العربي يعالج نفاقاً -في غالبه- مسائل عظمى، من نمط (التوازن الاستراتيجي العربي- الإسرائيلي) و(مشاريع التنمية ذات الطابع الاستراتيجي)... إلخ. ثم تكرّس ذلك في الإيديولوجيا الوهمية التي أنتجها الخطاب المذكور، في صيغة (لا صوت يعلو فوق صوت المعركة).
هكذا وعلى ذلك النحو، غاب الوطن والشعب والمواطن، وساد شعار الوطن والشعب والمواطن. والآن ونحن ندخل في عصر النظام العولمي الجديد، نتحسس بعمق ما يسعى إليه منظّروه من دعوة للعودة إلى (الجذور الإثنية) لشعوب العالم، أي إلى ما غيّبه الخطاب السياسي العربي المذكور هنا، وذلك يداً بيد مع الدعوة إلى تجاوز (الهُويات الكبرى- الوطنية والقومية وغيرهما)، بحجة أن هذه الأخيرة دخلت مرحلة الاستنفاد التاريخي. ولا يغيب عن البحث هنا، أن هذه الفكرة ذاتُ مساس بمذهب (ما بعد الحداثة) المتواشج مع أيديولوجيا العولمة.
أما الجديد المُلفت والمثير هنا، فهو أن ذلك المركّب من القضايا أنتج حالة مثيرة في أوساط من المثقفين والسياسيين العرب، ومن ضمنهم السوريون، مفادها أنه طالما أن الأميركيين ودعاة العولمة يرفعون راية الدعوة للعودة إلى (الجذور التكوينية) لشعب ما، مثل الإثنيات الصغيرة كالآشورية والسريانية، على حساب الجذور (الوطنية والقومية) فإن من واجب الحركة الوطنية والقومية التقدمية العربية أن تضع ذلك أمام خط أحمر، أما هذا الخط الأحمر فعليه أن يعني أن ما تُشدّد عليه الإيديولوجيا العولمية الراهنة في هذا الإطار، يمثل دخولاً في المشروع العولمي الأميركي. وقد ظهر مثل هذا الموقف في مناقشات ومناظرات سياسية وثقافية، ليعبّر -ثانية- عن قصور معرفي وسياسي في أوساط الفكر العربي الراهن: أن مراجعة نقدية لما يُطرح على الفكر العربي راهناً ولِما يطرحه هو ذاته، تمثل مدخلاً إلى إعادة بناء هذا الفكر ضمن رؤية مفتوحة. وهذا ما ينبغي أن يلاحظه هواة العمل في الفكر والسياسة، المفرِّطون بعمومية الموقف وخصوصيته معاً.

للإتصال بالسيد مشعان الجبوري

للاتصال بالجريدة