الرأي الآخر

طعم الاتجاه الآخر الذي ضيعه رئيس تحريرها



 
منذ أن بدأت الاتجاه الآخر بالوصول إلى مدينتي الحبيبة الموصل بدأت معها قصة جميلة من الانتظار فكل يوم أحد أذهب إلى باب الطوب خصيصاً لأشتري نسخة منها وبفضول عارم في الاطلاع على محتوياتها أبدأ بقراءة بعض مواضيعها في الباص.
بدءا بمقالات نبيل شرف الدين وسامي البحيري حقاً لا اتفق مع كل ما يكتبون ولكن الإثارة والجديد كان طابع الكتابات في غالبيتها العظمى ولا أنسى العراقي الدكتور سيار الجميل صاحب العمق الفلسفي والوجداني الذي يطبع كل كتاباته وكذلك الخيون وبهذا فإن الاتجاه الآخر تمثل لي نافذة على عوالم جديدة وأفكار وهو ما جعل البعض يأخذ مواقف تصل إلى حد العدوانية.. وفي الفترة الأخيرة أصبحت الاتجاه الآخر تشبه الجمهورية أو العراق من صحف العراق السابقة تنشر شكاوى مواطنين وتعقيب أو ردود الدوائر الرسمية أصبحت خالية من الإثارة والجديد أصبحت أربعين صفحة يشبه بعضها بعضاً وباتجاه واحد فانعدم طعم الاتجاه الآخر وللأسف ضاع.
منذ أن جعل رئيس تحريرها السيد مشعان الجبوري من عودة أعضاء الفرق والشعب إلى وظائفهم وعودة الجيش العراقي ودوائر المخابرات والأمن قضيتها المحورية بدعوى الحرص على مصادر رزق عوائلهم وكأن ليس هناك من قوانين تقاعد أو دفعات يحصلون عليها وكأنه يعارض تحرر العراقيين من مؤسسة الجيش التي كانت تمثل قمة المرارة وانعدام الإنسانية بل إنها العذاب نفسه بكل ألوانه وأشكاله. أصبحت مقالات الأستاذ مشعان بصورته الغاضبة تتصدر الحملة التي تقودها. والأغرب من ذلك دعوته أعضاء الحزب إلى الانضمام إلى صفوف حزبه وكأن هؤلاء لا يعلمون أن السيد مشعان قد أسقط حزبهم ونظامه السياسي والقانوني.
لا أعتقد بعودة الاتجاه الآخر إلى بدء وصولها طالما رئيس تحريرها يرأس اتجاهاً بلا آخر
عبد محمد علي
+++++++++++++++++++++++++++++

++++++++++++++++++++++++++++++++++++++

+++++++++++++++++++++++++++++++++++++++
 
 2لا تنشروا سوى ما يتلاءم مع أفكار الجبوري التي تدور مع (عقرب) الساعة!!

بين الحين والآخر تطالعنا جريدة (الاتجاه الآخر) ببعض المعلومات المستقاة من واقعنا وماضينا القريب جدا، وبشكل مغلوط لا يمكن السكوت عنه!
فمثلاً مسألة حل الجيش العراقي، التي عادت بالويلات على عموم أبناء شعبنا، لأنها كانت قراراً خاطئاً جملة وتفصيلاً، إلا أنه من الخطأ أيضاً القول إن (مليون) إنسان عراقي قطع رزقه مع حل الجيش!!
وكأن جيش المليون كان يعتاش على تلك الرواتب البائسة التي ما كانت تكفي للجندي الواحد ليومين أو ثلاثة مع التقنين والتقتير!
وكلنا يتذكر ذلك الجندي حينما كان يسافر للالتحاق بوحدته أو لقضاء الإجازة مع أهله، حينما كان يضطر للسفر بواسطة الباصات (المنشآت) كان ينتظر أشغال جميع المقاعد ثم يصعد المسكين وقوفاً طوال الطرق التي تمتد ساعات وساعات، من اجل أن يدفع نصف الأجرة أو يعفيه صاحب الباص من الأجرة! وكانت المطاعم السياحية تعتبر ترفاً بالنسبة لأولئك الجنود الذين كانوا يحلمون بحفنة تبغ ودفتر لف السجائر فحسب!
ناهيك عن ملابسهم الرثة والقذرة وأحذيتهم المتشققة والتي كانت أصابع أقدام بعضهم تظهر من بين الشقوق الأمامية، وناهيك أيضا عن (القصعة) العتيدة والصمون اليابس الذي كان يصبح أحيانا حلما لبعض أفراد الوحدات في الأيام العادية وليس في أيام الحروب!!
وهل ننسى قرار (البدل) الذي جعل الأغنياء وأولادهم يتهربون من الخدمة العسكرية، ليقع كاهل الدفاع عن الوطن على عاتق الفقراء ممن لم يكن يستطيع دفع (البدل) ويخشى الهروب من الخدمة وما قد يترتب على ذلك من عواقب وخيمة!
وشخصياً، وقبل حدوث غزو العراق ببضعة أشهر، كنت اعمل بصفة عامل بناء في أحد المواقع العسكرية (محطة إذاعة) شمال شرق مدينة الموصل، والتقيت ذات يوم بعدد من الجنود الذين كانوا يترددون علينا لقضاء الوقت، وأعلمني أحدهم - بصيغة المزاح - أن زميله الجالس بقربي لم يسافر إلى أهله منذ أربعة أشهر!! وعندما سألته عن السبب قال: أنا من إحدى القرى التابعة لمدينة الديوانية، وراتبي الشهري لا يكفي للذهاب والإياب، وأهلي فقراء لا يملكون سوى قطعة ارض زراعية صغيرة، و(ارخص) شيء هو العذاب وتحمل الغربة لأن ذلك لا يستوجب تبذير النقود!!
هذه كانت حالة من عشرات آلاف الحالات، فعن أي جيش تتحدثون يا أهل الاتجاه الآخر؟! وأية أرزاق قطعت؟!.. ولكن قد يصح قولكم عن حفنة كبيرة من الضباط - صغارهم وكبارهم - ممن تحولوا إلى حيتان لا تشبع ابتداء من سرقة أرزاق الجنود وصولا إلى (بيع) الإجازات بأثمان كانت تختلف حسب موقع الوحدة العسكرية وغير ذلك مما يطول شرحه ويصعب نسيانه!!
وفي كل الأحوال ليس من الإنصاف نسيان أهمية إلغاء الخدمة الإلزامية واقتصارها على المتطوعين، وبالتالي رفع أعباء كبيرة عن كاهل شريحة واسعة من أبناء شعبنا المظلوم.. لا أريد الإطالة، ولكن أقول الكذب على الأحياء حبله قصير، وقصير جداً..!
ملاحظة:
تدعون أنكم قد تضحون بحياتكم من اجل استماع الرأي الآخر، ولكن يبدو أنكم لا تنشروا سوى ما يتلاءم مع أفكار السيد الجبوري مشعان ومع طروحاته التي تدور مع (عقرب) الساعة!! لماذا هذا الإهمال؟! وصحيفتكم اقتنيها منذ تسعة أشهر بانتظام، ولن أقول أنني سأعزف عن قراءتها، لأنني سأكون كاذبا لو ادعيت أو هددت بذلك!! مع تقديري..
ياسر الخزاعي
الموصل
إيضاح من مكتب مستشار الأمن الوطني العراقي


الأستاذ رئيس تحرير جريدة الاتجاه الآخر الغراء
طالعتنا صحيفتكم الغراء في عددها ذي الرقم 190 السنة الرابعة في 9/10/2004 الصفحة 32
برسالة للمواطن احمد عبد الله السامرائي يشخص فيها حالة سلبية.
وفي الوقت الذي نشد فيه على يديه وعلى يدي كل الخيرين من أبناء شعبنا في تشخيص الحالات السلبية التي تصدر عن بعض ضعاف النفوس باستغلال أسماء الشخصيات القيادية في عراقنا الجديد لتحقيق مصالح شخصية فردية ، فإننا نؤكد لكم وللأخ احمد السامرائي عدم وجود أية علاقة لنا بالمدعو الشيخ جعفر كما نود الإشارة إلى أن مجلس الأمن الوطني ليس في ملاكه أية رتب عسكرية وليس له ممثلون في المحافظات.
ومن خلال مضمون الرسالة - التي لا تخفى على كل لبيب - يتضح أن هذا الشخص انتهازي ويحاول التصيد بالماء العكر لمنافعه الشخصية أو لأمور أخرى يبغي منها النيل من مكانة السيد مستشار الأمن الوطني الدكتور موفق الربيعي.
والذي نرجوه نشر هذا الرد بنفس المكان والحجم الذي نشر به الخبر وإبلاغ الأخ السامرائي به.
ومكتب السيد المستشار مفتوح لجميع المواطنين بمختلف انتماءاتهم لسماع أي حالة سلبية سواء كانت تخصه أو تخص أية جهة رسمية أخرى.
وفقكم الله لما فيه خدمة العراق الجديد.
المكتب الصحفي
للسيد مستشار الأمن الوطني العراقي

وتعتذر أسرة التحرير من مكتب السيد الدكتور موفق الربيعي مستشار الأمن الوطني لتأخر نشر الرد لأنه كان مفقودا في البريد.
 
4كي لا تختلط المفاهيم بين فكر البعث والفكر الشوفيني

رداً على (فساد العقول) التي وردت في جريدتكم الغراء العدد 192 في 23/10/2004، والتي جاءت رداً على المقالة المنصفة حقا، للسيد حسين السامرائي (دفاعاً عن التاريخ وإنصافاً للحاضر) في العدد 189، نقول للأخ الشربدرخاني، كان للبعث حضوراً فاعلاً في تاريخ الأمة العربية خلال النصف الثاني من القرن الماضي، وستبقى بصماته واضحة على الأحزاب والحركات السياسية التي تشكلت أو تلك التي ستتشكل خلال المرحلة اللاحقة من هذا القرن، وان الفكر القومي الإنساني الذي جاء به البعث وامتدت تنظيماته على الساحة العربية كلها وله فروع في كافة أقطار الوطن العربي من المحيط إلى الخليج، سيبقى منارا للأجيال القادمة، لأن ما يميز البعث عن غيره هو رفضه التعصب الشوفيني القومي، ورغم انه حزب مؤمن بالله، وينظر إلى العلاقة بين العروبة والإسلام، كعلاقة الروح بالجسد، إلا انه ليس حزبا دينيا، لأنه يرى بأن الأحزاب الدينية تمثل شريحة ضيقة من الشعب، بينما يمثل البعث كل المواطنين على الأرض العربية بغض النظر عن انتمائهم القومي أو الديني أو المذهبي، ونذكر بأنه هناك الكثير من الأكراد انتموا إلى البعث ووصلوا إلى مستويات حزبية عليا، وكان للبعث ثلاثة فروع في المحافظات الشمالية، وما زال الكثير من الأكراد يناضلون في صفوفه ولن يرتضوا لأنفسهم الارتماء في أحضان المحتل الأميركي، وما يؤكد رفض البعث للفكر النازي أو الفاشستي هو اعترافه بالحقوق القومية والدينية لكل من يعيش في الوطن العربي، وجاء بيان 11 آذار 1970، تتويجاً لذلك / وما زال العراقيون الأكراد يحتفلون بهذا اليوم ويعتبرونه مكسبا قوميا لنضالهم، ويجب ألا ننسى أن البعث في العراق خلال فترة حكمه له تحالفات مع الأحزاب الكورية والعلمانية العراقية الأخرى، قبل خلافها معه وخروجها من الجبهة الوطنية.
إن القاعدة الجماهيرية العريضة للبعث جاءت لأنه ضم في صفوفه الكثير من العناصر الوطنية، التي آمنت بوحدة العراق، بعربه وأكراده وتركمانه وبمختلف أديانه وطوائفه.
أما القول إن البعث يرى أن العرب هم أسياد البشر فذلك عار عن الصحة، لان هذا الشعار قد تبنته الجماعات الصهيونية وبإمكان الشربدرخاني التأكد من ذلك، لأن أمثاله لديهم علاقات متينة معهم، تلك هي حقيقة لا تخفى على أحد لأنها أصبحت واضحة وضوح الشمس، وستثبت الأيام صحة الفكر القومي الإنساني للبعث، ودوره الثقافي والسياسي في قيادة الجماهير ورسم الطريق الصحيح لتحقيق تقدمها وازدهارها، بعيدا عن التعصب القومي والأفكار الشوفينية التي تبنتها بعض الأحزاب والحركات السياسية التي تعمل على الساحة العراقية في الوقت الحاضر.
محمد علي حسين
الموصل
5لقد قدم العرب والمسلمون للحضارة الكثير الكثير

الدكتور محمود الحاج قاسم محمد
نشر الأستاذ الدكتور كامل النجار مقالاً مطولاً بعنوان (ماذا قدم العرب والمسلمون للحضارة؟) في جريدة الاتجاه الآخر في العدد 193 ليوم السبت المصادف 30/10/2004، ولما كان المقال فيه الكثير من التجني والإجحاف بحق حضارة أشاد ويشيد بها الأعداء قبل الأصدقاء، كما احتوى المقال على الكثير من المغالطات لا يمكن لأي صاحب عقيدة وفكر سليم السكوت عنها. من هذا المنطلق أجد من حقي كواحد من أبناء هذه الأمة التي نعتها سبحانه (بأنها خير أمة أخرجت للناس)، أجل من حقي أن أفند تلك الأباطيل وأبين الحقيقة وأصحح تلك الأخطاء التاريخية.
ولما كان الموضوع يحتاج لرد طويل صفحات الجريدة لا تتسع له، لذا رأيت أن أتناول مناقشة ستة مسائل رئيسية تكفي لإرجاع الحق لأصحابه ورفع الظلم عنهم، وهذه المسائل هي:
المسألة الأولى
يتبين للقارئ من عنوان المقال وفحواه بأن الأستاذ كاتب المقال قد ألغى من تراث الإنسانية وحضارتها قروناً عديدة، وهي القرون التي أنار فيها العرب والمسلمون مشعل الحضارة.
والحقيقة غير ما تفضل به الأستاذ النجار ويمكن تلمس الحقيقة باستعراض الأمور التالية:
1 -الحضارة والتراث:
(الحضارة بمعناها العام، فعل تام متحرك وتراث وإنتاج مشترك بين الأمم المختلفة، فضل كل منها بقدر إسهامها... وحضارة أية أمة بمعناها الخاص، تراث أية أمة وجماعة تميزها عن غيرها) (د. محمد عبد الرحمن مرحبا - الموجز في تاريخ العلوم عند العرب ص 10).
2- الاستعداد الفكري لدى العرب لتقبل العلوم وتأسيسهم لبعضها:
لا يمكن لأحد أن ينكر بأنه كان للعرب والمسلمين قبل اطلاعهم على ثقافات الأمم الأخرى علوم خاصة بهم كاللغة والنحو والعروض والفقه وأصول التشريع وعلم التفسير والحديث، وقد بلغوا فيها شوطاً كبيراً ووضعوا فيها قواعد مستقره وشروطاً مفصلة في زمن مبكر وهذا يعني أن الحضارة العربية لم تكن أرضاً جرداء حتى جاءها العلم اليوناني كما يدعي البعض (ومنهم الدكتور النجار)، وإنما استعداد العرب الفكري جعلهم أهلا لتقبل العلوم الأخرى كالفلسفة والكيمياء والرياضيات والطب... الخ.
ومن العبث أن نتصور أمة تنقل علوم الأمم الأخرى بنهم وتعطش شديدين دون أن تكون قد بلغت من التقدم الحضاري والعلمي ما يؤهلها لهضم العلوم التي تنقلها.
3 - العلوم ليست من صنع أمـة واحدة:
أصبح في حكم المؤكد أن العلوم على اختلافها ليست من صنع أمة واحدة ولا شعب معين وكذلك ليست وليدة عصر واحد، وأن الازدهار الذي نجده في مختلف الميادين إنما هو محصلة حضارات متعاقبة على مر العصور وأعمال أمم تعاقبت في البحث عن حقائق الأمور ودراسة علومها جيلاً بعد جيل. وكل أمة تدعي أنها صاحبته وتجرد غيرها منه تكون قد جانبت الحقيقة والواقع.
(والحق أن شعوباً عدة في منطقة شرق البحر المتوسط كان لها اليد الطولى في إرساء حضارة الإنسان، قد تناوبت العمل والابتكار على مسرح التاريخ. فعندما أصبحت الحضارتان البابلية والمصرية، اللتان بدأتا الخطوات الأولى، في حاجة إلى قوة ابتكارية جديدة وجدتاها في عبقرية اليونان. وعندما انحدر اليونان وتخلفوا وكادت تطمس حضارتهم وتضيع، وجدت الحضارة العربية تلك القوة الخلاقة الدافعة التي تناولت المشعل الذي كاد ينطفئ وتخبو ناره، فأشعلوه من جديد وخطوا به نحو غايات جديدة وأسلموه بدورهم إلى أوروبا وهو في أوج اشتعاله وفي قمة نوره) (جلال مظهر – حضارة الإسلام وأثره في الترقي في العالم ص 446).
4- الحضارة الطبية ليست يونانية أو أوروبية بحتة:
حاول ويحاول الكثيرون من كتاب الغرب أن يثبتوا أن الحضارة اليونانية (والطب جزء من تلك الحضارة) نبعت من المحيط اليوناني وإنها لم تأخذ من أحد ولم تتأثر بأية حضارة معاصرة أو سابقة لها. ثم يحاول هؤلاء ربط المرحلة الإغريقية بمرحلة العالم الغربي التي تبتدئ بظاهرة تسمى عصر النهضة متناسين حضارة الإسلام، أو إن ذكروها فهي عندهم ليست أكثر من الوسيلة التي انتقلت بها حضارة اليونان إلى غرب أوروبا. ولذلك يدّعون بأن أوروبا لا تدين في حضارتها إلى حضارة أخرى وان عالم الحضارة الحديث نشأ فيها ومنها (كما أشار إلى ذلك صاحب المقال). والحق هو غير هذا وقد حاول بعض المنصفين في إثبات أنه لا توجد حضارة يونانية خالصة، وخشية من الإطالة نكتـفي بـذكر هـذين الـقـولين، الأول للمستـشرق روبرتـــــسون J. M Robertson في كتابه: (A Short History of Free – thought Vol. I.P
(لم يبدأ تفوق المدنية اليونانية إلاّ بعد اتصال اليونان الذين استوطنوا أيوليا وأيونيا بحضارة آسيا الصغرى التي كانت تفوق حضارتهم … حتى إن دين اليونان – الذي كان ذاتياً في مبدأ نشأته – قد تأثر سريعاً بأديان الشرق. كما أن الفلسفة والفن اليونانيين قد استمدا أولى موحياتهم من الشرق (حضارات فينيقية وبابل وآشور). إننا مهما اعترضنا على المأثورات من الأصول الشرقية، فانه من الواضح أن أرقى الحضارات القديمة، بما في ذلك حضارة قدماء المصريين، إنما تمتد بأصولها إلى الشرق.
وإننا مهما قلبنا أوجه الرأي واستعمقنا في البحث، لا نعثر على مدنية يونانية أصيلة).
ويضيف روم لاندو في كتاب (الإسلام والعرب: ترجمة منير البعلبكي ص 46):
(لذلك فإذا حذفنا العرب من التاريخ بقيت هناك فجوة هائلة في سلسلة الحضارة الإنسانية. ومن المسلم به اليوم أنه لولا إنقاذ العرب لتراث الفكر الإغريقي وتطوير هذا التراث وتخليصه من الشوائب، ولولا تسامحهم المنقطع النظير في تلك العصور المتعصبة، ولولا تمجيدهم للعقل ومناداتهم بحرية الفكر والعقيدة لتأخرت النهضة في أوروبا أجيالاً. فالعرب هم أساتذة في جميع فروع المعرفة).
المسألة الثانية
الفتوحات الإٍسلامية لم تكن احتلالا استيطانيا: أكذوبة اعتبار الفتوحات الإسلامية احتلالاً استيطانياً. وأن المسلمين حاولوا طمس ومحو كل الثقافات غير المسلمة. إن هذا القول مناف للواقع ومسيرة التاريخ الإسلامي وللاستدلال على صحة ما أقول أبدأ بذكر قول جوستاف لوبون في كتابه حضارة العرب إذ يقول: (لقد أدرك الخلفاء الأول بعبقريتهم السياسية النادرة في اتباع معتقد جديد، أن الأوضاع والأديان لا تفرض على الناس بالقوة، ورأيناهم حيث دخلوا في الشام ومصر وإسبانيا يعاملون الشعوب بمنتهى الرفق، تاركين لهم أنظمتهم وأوضاعهم ومعتقداتهم، غير ضاربين عليهم في مقابلة السلام الذي ضمنوه لهم إلاّ جزية ضئيلة، كانت على الأغلب أقل من الضرائب التي كان عليهم أداؤها من قبل. وما عرفت الشعوب فاتحاً بلغ هذا القدر من المسامحة، ولا ديناً حوى في مطلوبه هذه الرقة واللطف.
وكانت هذه السماحة وهذا اللطف اللذان تجاهلهما المؤرخون، من بعض العوامل التي هيأت بسرعة انتشار فتوح العرب، وأهم سبب دعا إلى قبول دينهم وأوضاعهم ولسانهم).
(ويمكن القول إن الفرس والعراقيين والمصريين والسوريين رأوا في الإسلام متنفساً وسماحة أنقذتهم من الطغيان والإكراه والاستغلال التي عاشوا تحت ضغطها مدة طويلة، لقد ضمن الإسلام لهم حرية الأديان وعفاهم من الأعمال العسكرية نظير دفع جزية ضئيلة إلاّ من شاء أن يدخل صفوف المدافعين عن البلاد فله أن يدخل ويعفى من الجزية مع بقائه على دينه، وترك المسلمون الأرض لأصحابها على أن يدفعوا خراجها وهو أقل بكثير مما كان يأخذه الأكاسرة والقياصرة الذين كانوا يعتبرون أنفسهم ملاكاً للأرض ولرقيق الأرض، وأمن المسلمون الأهلين على أموالهم ونسائهم وأولادهم، ورأى الأهلون في المسلمين المساواة التي كانوا لا يحلمون بها) (الدكتور أحمد شلبي: التاريخ الإسلامي والحضارة الإسلامية – 1 – ط 5، 1970، ص 310).
وجاء في كتاب الإسلام خواطر وسوانح لهنري دي كاستري (وكان النصارى والمجوس في الفتح وبعده كلما رأوا تساهل العرب ومحاسنهم زادوا ثقة بهم وإقبالاً على دعوتهم ورجوا لأيامهم طول البقاء، رأوهم بعد استقرار حكومتهم لا يعارضون إقامة شعائر دينهم).
ويقول الأستاذ محمد كرد علي (وكان من أمر المسلمين في معاملتهم لمن ظلموهم بسيوفهم لم يفعلوا شيئاً سوى أنهم حملوا إلى أولئك الأقوام كتاب الله وشريعته، وألقوا ذلك بين أيديهم وتركوا الخيار لهم في القبول وعدمه، ولم يقوموا بينهم بدعوى، ولم يستعملوا لإكراههم عليه شيئاً من القوة، وما كان من الجزية لم يكن مما يثقل أداؤه على من ضربت عليه فما الذي أقبل بأهل الأديان المختلفة على الإسلام وأقنعهم أنه الحق دون ما كان لديهم، حتى دخلوا فيه أفواجاً، وبذلوا في خدمته ما لم يبذله العرب أنفسهم).
ويضيف الأستاذ محمد كرد علي قولاً عن الأندلس (ما لبث الإسبانيون أن أحسوا بالفرق بين حكم العرب وحكم الغوط ورأوا من تسامح الفاتحين وتفانيهم في نشر العدل بين الناس ما يثلج له الفؤاد، وأبقت العرب السكان الأصليين على قضائهم وإدارتهم، وقلدوهم بعض الوظائف ثم وسدوا إليهم الجليل منها، فأحب الإسبانيون العرب محبة خالصة ورأوا البون الشاسع بين المدنية التي يحملها المسلمون وما كان للغوط من الثقافة المتأخرة، وكانت أقرب إلى الهمجية).
وعن صقلية يقول أيضاً (لما استولى الفاتحون من العرب على صقلية تركوا لأهلها عاداتهم وقوانينهم وحريتهم الدينية المطلقة واكتفوا منها بجباية قليلة وكان مقدارها أقل مما كانت عليه على عهد اليونان وأعفوا منها الرهبان والنساء والأولاد، وحافظوا على جميع الكنائس).
المسألة الثالثة
كذبة إحراق مكتبة الإسكندرية من قبل عمرو ابن العاص: يبدو أن السيد الدكتور كامل النجار غير متتبع للكتابات التاريخية (على الرغم من تناوله لموضوع تاريخي دقيق) حيث إن هذه الأكذوبة قد فندها منذ أمد طويل الغربيون قبل المسلمين والعرب وإليكم تفصيلات ذلك.
احترقت مكتبة الإسكندرية القديمة عدة مرات قبل دخول العرب إلى مصر:
1. الحريق الكبير زمن يوليوس قيصر: ذلك الحريق الكبير الذي شب على أيام يوليوس قيصر 47 ق. م. والراجح أن يوليوس قيصر هو الذي أحرقها، حين انطلقت قذائفه تجاه دار صناعة السفن القريبة منها فاحترقت وأحرقت المكتبة يقول بلو تارك أنه احترق زهاء 400000 لفافة في هذا الحريق ونحن نضيف أنه بقي بها من خمسين إلى مئة ألف، وأن أنطونيو قد وهب زوجته كليوباترا – التي تخرجت من هذه الدار وكانت تحمل في أعماقها كل ما يحمله التلميذ لجامعته – أهداها ما يقرب 400 ألف لفافة من الرق كان قد نهبها من مكتبة برجامون) (الدكتور خالد الحديدي - مكتبة الإسكندرية).
2. حرقها خلال الثورات ضد البطالمة:
3. حرائق رجال الدين المسيحي للمكتبة: (وفي إحدى الصدامات العنيفة والثورات الجامحة بين المسيحيين والرومان قام مسيحيو الإسكندرية عام 303 م بأعمال عنف ودمروا تماثيلهم وآلهتهم، وقضوا على ما بقي من الجامعة والمكتبة).
(وفي عام 323 م تولى حكم الإمبراطورية الرومانية قسطنطين الأول (280 – 327 م) الذي آمن بالمسيحية… وانتهز بطريق الإسكندرية ثاوفيس هذه الفرصة، فقام ومعه العديد من المسيحيين بهدم ما بقي من معابد الرومان ودمر معبد السيرابيوم … كما أحرق المكتبة الصغرى وقضى عليها، وأقام مكان ذلك كنيسة).
قصة حرق العرب لمكتبة الإسكندرية المفتراة:
(يروج المؤرخون الحاقدون (وكما ذكر الدكتور النجار) أن هذه المكتبة أحرقها العرب عن قصد، يقولون إن عمرو بن العاص كتب إلى عمر بن الخطاب يسأل عن مصير هذه المكتبة الحافلة بالكتب، التي بالغ يحيى النحوي في تحسينها له، أجابه عمر: (إن كان فيها ما يوافق كتاب الله ففي كتاب الله عنها غنى، وإن كان فيها ما يخالفه فلا حاجة بنا إليها). يصر الحاقدون على إلصاق التهمة بالفاروق، ويقولون: إنه أمره بعد ذلك بإحراق الكتب، يقول البعض إن عمرو بن العاص وزعها على حمامات المدينة وكان عددها على ما يحكون 60000 حمام فكفت لستة أشهر).
(لقد قص هذه القصة عبد اللطيف البغدادي في كتابه الإفادة والاعتبار في الأمور المشاهدة والحوادث المعاينة بأرض مصر عام 628 هـ / 1213 م دون تحقيق أو روية ومن غير أن يذكر مصادره، رغم أنه قد مر على الحادث أكثر من ستة قرون).
وقد نقل عنه نفس الرواية مؤرخون عرب آخرون مثل القفطي، وابن العبري وغيرهم أيضاً من دون ذكر دليل مقنع على صحة الرواية.
(ولكن البحث الحديث أقام البرهان القاطع على خطأ هذا الزعم الذي ناقشه بالتفصيل، محمد مجدي في رده على الأسقف قيرلس، كما أن مستشرقين عديدين أمثال كازانوفا، ونايدو، وفورلاني استطاعوا – بفضل استقصائهم المصادر – أن يبرئوا العرب من فرية رموا بها ردحاً طويلاً من الزمن
والأدلة الحقيقية على كون قصة حرق العرب لمكتبة الإسكندرية مفتراة هي:
1. الإسكندرية فتحت في البداية صلحاً: فالعرب لم يطلقوا قذيفة نارية واحدة على الإسكندرية وإنما فتحت صلحاً، فلقد كان عهد عمرو بن العاص إلى المصريين واضحاً وصريحاً التزم به العرب.
2. عدم صحة رواية حرقها من قبل عمرو بن العاص في غزوته الثانية:
ويدعي البعض بأن حرق المكتبة وقع في غزو عمرو للإسكندرية للمرة الثانية سنة 25هـ ومحاولة إلصاق التهمة بعمر الفاروق أعدل خلفاء المسلمين ينهار هنا من أساسه، فعمر بن الخطاب يكون قد مات سنة 23 هـ وهل يعقل أن يستأذن عمرو الخليفة الذي قد مات؟.
3. عدم ذكر القصة من قبل مؤرخ فتوح مصر الأول ابن عبد الحكيم (المتوفى عام 257 هـ بعد فتح مصر بقرنين).
4. خلو الإسكندرية من المكتبات العامة عند الفتح العربي لها:عند الفتح العربي كانت الإسكندرية خالية من المكتبات العامة ولم يكن بها سوى بعض المكتبات الخاصة ومكتبات الأديرة وهي التي كانت تدعم التعليم وتعدّ مدارس الإسكندرية.
5. مسألة الحمامات والكتب:
أ – عدم صحة أن الكتب كفت الحمامات لمدة 6 أشهر:
ولسنا في حل من تمحيص هذه الفرية، فإن كان عدد الحمامات ستون ألفاً وعدد الكتب كما ذكر في الرواية المذكورة 50000 خمسون ألفاً فإن كل حمام يأخذ كتاباً واحداً (أو قل حتى، عشرة كتب لو كان عدد الحمامات 6000 ستة آلاف فقط) وهذه لا تكفي الحمام ست دقائق بدلاً من ستة شهور.
ب – لم تكن المدن الإغريقية، التي تأثرت بها المدن الرومانية واليونانية، لتهتم الاهتمام البالغ ببناء الحمامات وبأعداد هائلة ضمن المدينة الواحدة.
ج – الرسالة التي أرسلها عمرو بن العاص إلى عمر (. الذي طلب منه وصف مصر، لم يذكر فيها الحمامات. على الرغم من أنه وصفها بطريقة دقيقة ومفصلة.
6 – لم تذكر الحادثة إلاّ بعد انقضاء ستة قرون على تأريخ الفتح الإسلامي للإسكندرية، فلو لم تكن حادثة وهمية مفتعلة ومصنوعة من خيال المؤرخين (عبد اللطيف البغدادي) (والقفطي) لأشبعها المؤرخون نقاشاً وتحليلاً، وأثارت جدليات لم تكن نتائجها لتتلاءم مع إنسانية الفتوحات الإسلامية، ولكنها لم تكن سوى خرافة، كما يقول (باتلر) خالية تماماً من أي أساس تأريخي.
7 – لم يتعرض لها البطريق (يويتخوس) الذي توسع كثيراً في الكتابة عن فتح الإسكندرية.
8 – كان الأولى على الروم في وقتها، وهم خصوم العرب، أن يذكروها في كتبهم بعد الجلاء عن الإسكندرية، وأن يحملوا الكتب معهم عند انسحابهم، وقد بقوا في الإسكندرية قبل دخول الجيش الإسلامي المحاصر لها بـ (11) شهراً، وهي المهلة التي أعطاها عمرو بن العاص لأهلها قبل دخول المدينة.
9 – (زار اثنان من المشتغلين بالعلم والكتب مصر قبيل الفتح العربي الإسلامي، هما جون موخوس وصديقه صوفرونيوس، فلم يشيرا إلى أي مكتبات عامة، وإنما أشارا إلى مكتبات خاصة كثيرة، مما يرجح عدم وجود أي مكتبة عامة كبيرة في الإسكندرية قبل الفتح) (الفرد بتلر – الفتح الإسلامي لمصر – ترجمة محمد فريد ص 167).
10– وهناك أقوال وآراء لبعض كبار المؤرخين والمستشرقين الغربيين مثل لولكيد، أدوارد جيبون جوستاف لوبون، رينان، بتلر دائرة المعارف الفرنسية والبريطانية حول عدم صحة الرواية لا يتسع المجال لذكرها قد تناولناها في بحث موسع لنا حول الموضوع.
المسألة الرابـعة
إن العرب والمسلمين قد فرضوا اللغة العربية على البلاد المغلوبة، ومحو اللغات القبطية في مصر والأمازيغية في شمال إفريقية ولغة النوبة في جنوب مصر ولغة الأكراد.
هذا الادعاء المغلوط يفنده بقاء تلك اللغات لدى متكلميها ليوم الناس هذا. وإضافة لذلك نقول: لقد أبدى المستشرق رينان إعجابه من كمال اللغة العربية وسعة انتشارها فقال في كتابه تاريخ اللغات السامية: (من أغرب ما وقع في تاريخ البشر وصعب حل سره، انتشار اللغة العربية. فقد كانت هذه اللغة غير معروفة بادئ بدء، فبدت فجأة على غاية الكمال، سلسة أية سلاسة غنية أي غنى، كاملة بحيث لم يدخل عليها منذ ذلك العهد إلى يومنا هذا أدنى تعديل مهم… ولا أدري هل وقع مثل ذلك للغة من لغات الأرض، قبل أن تدخل في أطوار أو أدوار مختلفة، قال ما عهدت قط فتوحاً أعظم من الفتوح العربية ولا أشد سرعة منها فإن العربية ولا جدال قد عمت أجزاء كبرى من العالم).
(لقد ظهرت العربية كاملة بالقرآن وكانت سرعة انتشارها على نسبة سرعة فتوح أهلها، وهل أشد شكيمة من أمة اجتمع لها الغرام بالدين والغرام بالدنيا، يخافها ويحترمها عدوها وصديقها في القاصية والدانية، وما عهد في أدوار اللغة العربية، أيام قوة الدولة العربية وضعفها، بل أيام الأعاجم الذين استولوا على الأرض العربية ما خلا دولة الترك العثمانيين أن صدرت عنه عهود وعقود بغير العربية، تتراً كانوا أو فرساً أو شركساً أو كرداً أو بربراً).
و (لم يمض على فتح الأندلس أكثر من خمسين سنة حتى اضطر رجال الكنيسة أن يترجموا صلواتهم بالعربية ليفهمها النصارى لأن هؤلاء زهدوا في اللغة اللاتينية ونشأ لهم غرام بالعربية، فأخذوا يتقنون آدابها ويتغنون بأشعارها، ويكتبون بها كأبنائها ويعجبون ببلاغتها إعجاب أهلها بها، وأصبحوا يتكلمون بالإسبانية والبرتغالية، والعربية على السواء ثم أخذوا لا يتعاقدون بينهم إلاّ باللغة العربية) (محمد كرد علي: الإسلام والحضارة العربية ص 180، 185).
يقول جورج سارتون في بحثه العلوم والعمران في الأعصر الوسطى (وأصبحت العربية في النصف الثاني من القرن الثامن للميلاد لغة العلم عند الخواص في العالم المتمدن، وصارت حاملة علم التقدم الصحيح وحافظت على تفوقها وتصدرها في المرتبة الأولى بين جميع الألسن الأخرى إلى آخر القرن الحادي عشر على أقل تقدير وبعد ذلك أخذ التمدن الإسلامي واللغة العربية يفقدان منزلتهما تدريجياً).
المسألة الخامسة
العرب والمسلمون والهندسة المعمارية: يقول الأستاذ النجار بأنه لم يقدم العرب ولا الإسلام شيئاً لحضارات الشعوب المغلوبة بل بالعكس دمروها ومحوها من الوجود ولم يحاول العرب والمسلمون الاستفادة من هذه الحضارات بتعلم فنونهم كفن العمارة … فقد ظل العرب يسكنون الخيام.
إن هذا القول إن دل على شيء فإنما يدل على جهل بالتاريخ المعماري الإسلامي يقول جوستاف لوبون: (إن من ألقى نظرة على المساجد والقصور وعلى غيرها من الآثار العربية من منقولها وثابتها يشهد أنها نسجت على غير مثال، وأن الإبداع فيها ظاهر محسوس وإذا رجعنا إلى أوائل عهد المدنية العربية أيام كانت في أوجها نجد تقليد الصناعة الفارسي والرومية ظاهراً فيها وكل شعب يقتبس عمن سبقه صناعاته وهذا يصدق على كل الأمم وكان الناس إلى عهد قريب يعتقدون أن الفنون اليونانية قامت على غير مثال ثم أدى البحث إلى أن هذه الفنون أخذت عمن سلفها من الآشوريين والمصريين. فالعرب واليونان والرومان والفينيقيون واليهود وغيرهم أو جميع الأمم قد انتفعت من الماضي، وكل شعب أخذ عن غيره وزاد من عنده ما وسعته الزيادة، ولذا لا ينبغي أن يزعم الناس أن العرب لم يكن لهم فن فيه إبداع لأنهم اقتبسوا الأصول الأولى من أعمالهم من الأمم التي تقدمتهم، ويعرف الإبداع الحقيقي في أمة من السرعة التي بها تحول المواد التي بين يديها فتجعلها وفق حاجاتها وتنشئ فناً جديداً، وما من شعب فاق العرب في هذا الباب).
ويقول لويس من علماء المشرقيات في البرتغال (إن المنورين من مواطني اليوم يقدرون الأمة العربية المجيدة حق قدرها ويدرسون مآتيها فيما أبقته من آثارها الخالدة، ولا سيما هندستها في المباني التي أصبحت خاصة بها، تفتخر بها الشعوب المتمدنة بعدها وتعجب بها) (تأثيرات سياحية: لموسى كريم).
بعد هذا نذكر فيما يلي بعض الأمثلة على التطور والتقدم العمراني عند العرب والمسلمين:
المثال الأول: مدينة البصرة، يقول الأستاذ شاكر مصطفى في كتابه المدن في الإسلام الجزء الأول ص 348 – 351.
(أما مراحل تطور بناء البصرة الخمس فكانت:
المرحلة الأولى: حين كتب عتبة بن غزوان إلى الخليفة عمر بن الخطاب ( أنه لابد للمسلمين من منزل يشتون به إذا شتوا ويسكنون فيه إذا انصرفوا من الغزو. فوافق واختار عتبة الموقع فكانت البداية متواضعة إذ ضربوا الخيام والقباب والفساطيط.
الثانية: حين بنى الناس مساكن بالقصب (وهو متوافر في تلك الناحية) منها المسجد وقد بني من القصب دار الإمارة دونه في الرحبة وفيها السجن والديوان.
الثالثة: ثم استعملوا بناء اللبن والطين وسقف الخشب. وكتب إليهم عمر ( قد كنت أكره لكم ذلك فإذا فعلتهم فعرضوا الحيطان وارفعوا السمك وقاربوا بين الخشب.
الرابعة: عندما جاء أبو موسى الأشعري ما بين سنتي 17 – 29 هـ شرع منذ وصوله بتغيير هيكل المنشآت الدينية والإدارية والمدنية في البصرة فبنى المسجد ودار الإمارة باللبن والطين.
المرحلة الخامسة والأخيرة: تولاها زياد ابن أبيه والي البصرة لمعاوية بن أبي سفيان فهو الذي زاد في المسجد زيادة كبيرة استجابة لتكاثر الناس في المدينة وبناه بالآجر والجص وسقفه بالساج.
المثال الثاني: الأندلس، يقول الأستاذ محمد كرد علي (ومن المتعذر استقصاء أعمال الأندلسيين في العمران، ووصف أبنيتهم وهندستهم وإبداعهم في بناء مدينة الزهراء مثلاً … وهي من أجمل بناء الأندلس وأجله خطراً وأعظمه شأناً … وما فتئت إلى اليوم بقايا طليطلة وغرناطة وإشبيلية موضع دهشة القادمين لزيارتها) ويخص من تلك الآثار مسجد قرطبة وقصر الحمراء اللذين يعتبران من أعظم ما صنعه الإنسان في تلك العصور.
كما أنه لا تزال إلى اليوم السدود التي أقاموها في ولاية بلنسية شاهدة بتفوقهم حيث يعيش الإسبانيون بفضل هندسة العرب العجيبة بعد جلائهم عنها منذ أكثر من أربعة قرون وبفضل هندستهم كانت المياه تجري إلى كل مكان في بسائط الجزيرة فتحمل الخصب لهم.
المثال الثالث صقلية: أكثر المسلمون في جميع بلاد صقلية من بناء الجوامع والمساجد، ومنها ما كان من الطراز الجميل وقد وصفها الإدريسي والقزويني وابن حوقل وياقوت، وكانت صفة الجامع الأعظم في بلرم (تغرب عن الأذهان لبديع ما فيه من الصنعة والغرائب المفتعلة والمنتخبة والمخترعة. ومن أصناف التصاوير وأجناس التزاويق والكتابات) وكان في بلرم نيف وثلاثمئة مسجد، وقد كثرت الجوامع في أكثر المدن مثل قطانية، وكان في قرية البيضاء مئتا مسجد.
ووصف الإدريسي مدينة بلرم فقال (إن بها أحسن المباني التي سارت الركبان بنشر محاسنها، في بنائها ودقائق صناعاتها، وبدائع مخترعاتها، وهي على قسمين قصر وربض، فالقصر هو القصر القديم المشهور فخره في كل بلد وإقليم، وهو في ذاته على ثلاثة أسمطة: فالسماط الأول يشتمل على قصور منيفة ومنازل شامخة شريفة، وكثير من المساجد والفنادق والحمامات، وحوانيت التجار الكبار، والسماطان الباقيان فيهما أيضاً قصور سامية ومبان فاخرة عالية) وكان للمسلمين في القرن الحادي عشر في كل مدينة من مدن صقلية أحياء خاصة ينزلونها، ولهم أسواقهم وحكامهم وحرياتهم، والجوامع مفتحة، والحرية الدينية شاملة، والكنائس تناوح الجوامع).
هذا غيض من فيض ولا يتسع المجال للتفصيل ولمن يرغب الاطلاع بشكل أوسع، يمكنه مراجعة مجلدات التاريخ العربي الإسلامي، فهي ملأى بالكثير الذي يفند مزاعم الدكتور كامل النجار.
المسألة السادسة
تفضل الأستاذ الكاتب فذكر أن تحريم التشريح لم يسمح للعرب والمسلمين أن يقوموا باكتشافات تذكر في الطب، وجواباً على ذلك نقول لقد نال علم التشريح اهتماماً خاصاً من قبل الأطباء العرب والمسلمين، واعتمدوا في دراساتهم وكتاباتهم حول ذلك على مصادر عديدة هي:
1- كلام من سبقهم من الأطباء اليونانيين.
2 - التشريح المقارن: يستند هذا النوع من التشريح على تشريح الحيوانات ومقابلة ذلك بتشريح الإنسان.
3 - تشريح الرمم ومشاهدة الهياكل العظمية في المقابر
4 - ملاحظة الجروح التي تتسبب من الحروب وتعقب آثار الحوادث: لقد كانت مراقبة الأحشاء الداخلية للمصابين في الحروب أثناء معالجتهم فرصة عملية للتأكد من معلوماتهم التشريحية وتعزيزها. كما أن دراسة آثار بعض الحوادث أيضاَ كانت تطبيقاَ عمليا لمعلوماتهم التشريحية.
5 - التشريح البشري:على الرغم من عدم وجود نص من الكتاب والسنة يحرم ممارسة التشريح لغاية التدريس فإن تزمت البعض واتهام من يقوم بالتشريح بالزيغ عن الدين والبعد عن الرحمة والإنسانية سبب قصوراً لدى الأطباء العرب والمسلمين في هذا العلم، إلا أن البعض يعتقد بأنهم مارسوا التشريح البشري بصورة سرية ومحدودة، وخاصة تشريح قسم من أعضاء الجسم كالقلب والعين والكبد وعضلات الأمعاء ويستدلون على ذلك من كتاباتهم الدقيقة والصحيحة عن تشريح هذه الأعضاء، وكذلك من مخالفتهم لكثير من آراء اليونانيين، وتأكيد قسم منهم بأن (التشريح يكذب كذا وكذا) أو (التشريح يكذب ما ذكر) وقول ابن رشد (من اشتغل بعلم التشريح ازداد إيماناً) وقول الرازي (يحتاج في استدراك علل الأعضاء الباطنة إلى العلم بجوهرها أولاً بأن تكون قد شوهدت بالتشريح …).
ويؤكد بعضهم ممارسة المتأخرين منهم للتشريح بشكل قاطع، يقول جول لابوم (كان الأطباء العرب في القرن العاشر يعلمون تشريح الجثث في قاعات مدرجة خصصت لذلك في جامعة صقلية).
وعلى الرغم من عدم ورود نص صريح قاطع على ممارسة الأطباء العرب والمسلمين للتشريح إلا أن لهم فضلاً كبيراً على تطوير هذا العلم ولهم فيه ابتكارات نذكر منها:
1. الكتب والتصانيف: حتى إن أحد الباحثين أحصى كتب التشريح التي ألفها الأطباء العرب خلال القرون (3 – 13 هـ) فبلغت ستون كتاباَ وأشهر تلك الكتب كان كتاب شرح تشريح القانون لابن النفيس. ولا يفوتنا أن نذكر بأن كتب التشريح العربية تمتلئ بالرسوم التوضيحية والمخططات لأجزاء جسم الإنسان وتراكيبه المختلفة والتي تعتبر النواة الأولى لأطالس ومصورات التشريح المتقدمة.
2. كان ابن سينا أول من عرف أن الجنين يأخذ بواسطة المشيمة شريانين اثنين ويرد وريداً واحداً عن طريق الحبل السري.
3. موفق الدين عبد اللطيف البغدادي: أرشد إلى مواطن الضعف في وصف جالينوس لبعض أجزاء الهيكل العظمي وأكد على سبيل المثال أن الفك الأسفل قطعة واحدة وليس قطعتين بعد أن فحص أكثر من ألفي جمجمة بشرية في أحد المقابر.
4. لقد سبق ابن النفيس هارفي الإنكليزي في اكتشاف الدورة الدموية الصغرى (الدورة الرئوية) بمئات السنين، كما سبق سرفيتوس بثلاثة قرون في اكتشاف وإثبات أن الدم ينقى في الرئتين.
5. الدورة الدموية في الشرايين التاجية: لقد كان ابن النفيس أول من فطن إلى وجود أوعية داخل جرم القلب تغذيها وبذلك كان أول من وصف الشريان الإكليكي وفروعه.
6. عدد تجاويف القلب: كان الاعتقاد السائد عند الأطباء اليونانيين والعرب ومنهم ابن سينا أن للقلب ثلاثة بطون، وقد خالف الزهراوي ذلك عندما أكد بأن للقلب بطينان. وجاء بعده ابن رشد ليؤكد في كتابه الكليات ذلك ويضيف (وله زائدتان شبيهتان بالأذنين إحداهما يمنة والأخرى يسرة).
وأخيراً جاء ابن النفيس ليؤكد عدد التجاويف ويصحح الخطأ الذي وقع فيه من سبقوه في اعتقادهم بوجود منافذ بين البطينين.
7. الدورة الدموية في الأوعية الشعرية: كان علي بن العباس المجوّسي أول من وصف ذلك بشكل جلي.
8. وظيفة وعدد الأغشية القلبية: حدد ابن رشد في كتابه الكليات عدد الأغشية (Cardiac Valves) التي يتألف منها الصمام الموجود في القسم الأيمن من القلب، وهو الصمام الذي نطلق عليه اليوم (Tricuspid) وقد حدد ابن رشد وظيفته بدقة، كما أشار إلى الصمامات الكائنة في الفوهة التي تنفتح على الشريان الرئوي وبين وظيفتها. (وأما إحدى الفوهتين في البطن الأيسر وهي فوهة الشريان العظيم (الأبهر) فإنه جعلت فيه تلك الأغشية الثلاثة تنفتح من داخل إلى خارج لكي يخرج منها الدم إلى الشرايين ثم لا يعود، والفوهة الأخرى التي في هذا الجانب هي فوهة الشريان الذي يتصل بالرئة ومن هذا الشريان يكون تنفسه (أي تنفس القلب) ولذلك جعلت تلك الأغشية تنفتح من خارج إلى داخل).
10. الرازي: هو أول من قال بوجود الفرع الحنجري للعصب الصاعد وقد لاحظ بأنه يكون بفرعين في الجهة اليمنى في بعض الأحيان.
11 - التشريح المرضي: مارس الأطباء العرب والمسلمون هذا النوع من التشريح، والذي يعتبر اليوم من الأركان الأساسية في دراسة الطب خاصة الطب الشرعي لمعرفة سبب الوفاة.
وهناك مسائل أخرى ذكرها الكاتب لا نرى موجباً في الإطالة بتفنيدها من ذلك قوله بأن المأمون كان يأمر بطرد من لم يكن على ملة الإسلام من ديارهم، قول لا يمت للحقيقة بشيء لأن ثقافته الرفيعة وحبه للعلم وخدماته الثقافية جعلته في القمة بين خلفاء المسلمين، وإن جمعه في بيت الحكمة كنوز العلوم الإسلامية والأجنبية واحتضانه العلماء والأطباء من السريان والهنود وغيرهم يفند ما ذهب إليه.
أما قول الأستاذ النجار (وحتى فن القتال لم يحاولوا تعلمه من الفرس والروم… لذلك كانت خسارتهم في المعارك كبيرة). ترى هل يقنع هذا الكلام الساذج أبسط الناس، فإذا كان العرب والمسلمون جاهلين بفنون الحرب كيف تسنى لهم في بضعة عقود من السنين أن يقضوا على أكبر إمبراطوريتين ويفتحوا العالم.
وإن ما ذكره الكاتب (بأن ابن سينا الذي نقل كتاب القانون في الطب لم يزد فيه كثيراً) أقول إن هذا القول أيضاً فيه الكثير من الإجحاف حيث إن كتاب القانون لابن سينا هو أشمل كتاب أكاديمي منسق بطريقة علمية صحيحة وإنه لا شك يحوي فقرات مترجمة عن جالينوس وأبقراط وغيرهم ولكن لا يخلو كذلك من إضافات كثيرة مثبتة يعرفها الأطباء. تناولها الكثير من مؤرخي الطب ونحن منهم ويمكن لمن يود التفصيل مراجعة كتبنا 1. الطب عند العرب تاريخ ومساهمات 2. طب الأطفال عند العرب 3. انتقال الطب العربي إلى الغرب معابره وتأثيره.
أكتفي بهذا القدر وأرجو المعذرة من الإطالة عزيزي القارئ كما أعتذر من الأستاذ الكريم د. كامل النجار إن كنت قد قسوت في الرد ولكن إنكاره لجهود أمة بأسرها في سلم الحضارة، وطعنه في تاريخها كان أقسى وكان هو البادئ وكما يقول المثل البادئ هو الأظلم.

 

للإتصال بالسيد مشعان الجبوري

للمشاركة في هايد بارك