الاتجاه الآخر تكشف جرائم اعتداء على سجينات
عراقيات في سجن أم قصر على لسان شاهد عيان
الشيخ فليح حسن السامرائي يروي يروي للاتجاه الآخر تجربته ومشاهداته
في زنازين العار الأميركية
أدخلوا على أحد السجناء معتقلة عراقية عارية وطلبوا منه ممارسة الجنس
معها أمامهم وكانت تصيح (وين اهل الشرف)
مجندة أميركية سحبت أحد المعتقلين عارياً وربطته بحبل من جهازه
التناسلي وأدخلته على المعتقلات العراقيات اللواتي يستحممن ليصب لهن
الماء |
|
تلاحقت الصور في الأيام السابقة
لتكشف الممارسات اللا إنسانية التي قام بها جنود الاحتلال الأميركي
بحق المعتقلين العراقيين في سجن أبو غريب، وكل القصص والصور التي
نشرت هي لمعتقلين من الرجال. ولكن ما الذي حدث في السجون الأخرى وما
الذي تعرضت له النساء العراقيات المعتقلات في سجون قوات الاحتلال.
الاتجاه الآخر تكشف وعلى لسان شاهد كان معتقلاً في العديد من السجون
وانتهت به رحلة الاعتقال في سجن أم قصر، من الحقائق التي أراد
المحتلون ألا يراها الناس، ما الذي فعلوه بالمعتقلات؟ أي تعذيب وأي
انتهاك يتعرضن له؟ هذا ما أجاب عنه شاهدنا:
يوماً إثر يوم تتكشف الفظائع التي ترتكبها قوات الاحتلال الاميركية
بحق المعتقلين العراقيين، ويبدو ان ما ظهر من هذه الفظائع حتى الآن
ليس إلا رأس جبل الجليد .
ففي زيارة قامت بها (الاتجاه الآخر) لأحد السجناء الذين اطلق سراحهم
مؤخراً من سجون الاحتلال الاميركي وهو الشيخ خالد فليح حسن السامرائي
الحسيني النسب وهو أحد شيوخ عشيرة البوباز من العشائر الكبيرة في
سامراء تلك المدينة المعروفة بترابطها الاسري والعشائري ذات الطبيعة
المحافظة والمستمدة من تاريخها العربي العريق، روى الممارسات الوحشية
التي ارتكبها جنود الاحتلال بحقه وبحق سجناء عراقيين آخرين.
تحدث الشيخ خالد فليح بكثير من المرارة وهو يتذكر ما مر به خلال فترة
سجنه والتي تقارب الاربعة اشهر من 24/12/2003 ولغاية 15/4/2004
وتعتبر هذه الفترة من الفترات القصيرة خصوصاً اذا ما عرفنا ان هناك
معتقلين سبقوه اليها لا زالوا يئنون تحت سياط الجلادين الجدد، اما
بحساباته هو فكل يوم من هذه الفترة مر عليه كان يمثل كابوسا لا
يستطيع اعظم مخرج في بلاد من جاؤونا بالحرية ان يتفنن ليخرج فيلما عن
الاجرام الذي صنعوه بأفلامهم الهوليودية لتصبح ثقافتهم اليومية،
أقول: لن يبرع ليصف مامر به معتقلو العراق من فنون التعذيب والاذلال
على ايدي مجندتاهم ومجنديهم الذين يتبجح بهم قادتهم عبر وسائل
الاعلام العالمية بان رجالهم ونساءهم يقومون بعمل رائع وجبار في
العراق ، اجل انه عمل لا يصل اليه انسان يحمل اخلاقاً ومبادئ انسانية
على وجه الارض.
ويستذكر الشيخ خالد بمرارة كيف تعرض خلال هذه الفترة للكثير من
المواقف الصعبة ، تمثلت بمراحل التعذيب النفسي والجسدي والاذلال
وتدمير الكرامة الانسانية لاي انسان جعله الخالق اكرم مخلوق ليذل على
ايدي اولاد الزنا الذين لا يعرفون من هم آباءهم وكيف انجبتهم امهاتهم
ليذلوا عراقة العرب والمسلمين،
يقول خالد :تعرض منزلي في سامراء الى عدة مداهمات كان منها ما يجري
في النهار ومنها في اوقات متأخرة من الليل، لم اكن متواجدا في
المدينة لانشغالي بعملي الذي هو خارج المحافظة ولانقطاع الاتصالات
الهاتفية لم اعلم بتلك المداهمات الا عند عودتي الى المدينة، وما ان
علمت بما حصل مع شقيقي رشود الذي هو بمقامي في العائلة، حتى ذهبت
بنفسي طواعية الى القوات الاميركية لمعرفة السبب والاستفسار فيما اذا
كان هناك سبب لتلك المداهمات،اعتقلت فور اخبارهم بانني فلان ، وكأن
كلابهم كانت تنتظر تفوهي باسمي، ومن هناك بدأت رحلة التدمير وكان سجن
السايلو على الطريق السريع في منطقة الحويش المحطة الاولى من تلك
الرحلة، حيث جرى تعصيب عينيي وتقييد يدي من الخلف ورميت في العراء
لمدة اربعة ايام بلياليها تحت البرد القارص والمطر، وكان هناك العديد
من المعتقلين كحالي ، عوملت ومن معي بابشع انواع التعذيب الجسدي
والنفسي دون ان اعرف ما هو الذنب الذي اقترفته ، تمر الساعات كأنها
دهر وحين يجن الليل تبدأ رحلة عذاب أقسى وأمرّ .
بعد ذلك نقلوني وبعض المعتقلين الى معتقل تكريت الأميركي الذي أنشاؤه
لتعليم الحرية والديمقراطية التي يتبجحون بها حتى صمت آذاننا من كثرة
ما رددوه، اجل هذه حريتهم باستعباد واذلال البشر، حسرة وراء حسرة
يتأوه بها وهو يتذكر تلك الايام السود، (بقيت في معتقل تكريت خمسة
عشر يوما نلت فيها ماصمموا لتدمير النفس والبدن ، وجدت ان الذين
عاملونا في السايلو كانوا اكثر رحمة من هؤلاء الخنازير، ففي كل معتقل
يتففن السجانون ويتذوقون طعم تعذيبهم واذلالهم لنا بشتى انواع
الاساليب ومن جراء ذلك خلعت يدي من كتفي ولم يفكوا قيدي حتى لقضاء
حاجتي الانسانية).
رحلة السبعة عشر ساعة
انها ليست رحلة جويه او بحرية لان العراق قد حرم منها حتى اصبحت من
الماضي الا انها عادت بعد ان تواجد المحتلون على ارضه، يقول الشيخ
خالد، انها رحلة العذاب الجديد من سجن تكريت الى سجن الفضائح
الاميركية (ابو غريب) وما ادراك ما ابو غريب، كان لنا سجناء دخلوه
ايام العهد السابق ، لكننا رغم مددهم الطويلة لم نسمع او نر أن أحداً
جرى له عمل مشين ، واعتقدنا ان سجون الذين يتشدقون بالحرية وحقوق
الانسان ستكون أشبه بحدائق غناء، امتدت الرحلة سبعة عشر ساعة من
تكريت الى هناك ذقنا فيها ما هو فوق التصور ، لا ماء ولا زاد وحتى لو
تكرموا ببعضه ، فمن الذي يستسيغه؟ حطت بنا رحلة العذاب في دهاليز
السجن ، وهناك كانت الشواهد على بربرية هؤلاء السفلة، لا اريد أن
أعيد ما شاهده الناس عبر وسائل الاعلام العالمية رغم انه لا يساوي
شيئاً امام ما شاهدته وعشته فلكل معتقل من المآسي ما يجعل مدنهم
السينمائية لا تستطيع انتاج تلك الجرائم الحقيقية التي لا تحتاج الى
مخرجين فانها متقنة طبيعياً، كل ذلك عشناه ورأيناه، شيء لا يمكن وصفه
من امتهان لكرامة الانسان.
قضيت شهرين في سجن أبو غريب وبشروني بأنني سأخرج لكن الى اين ومتى؟
ابتدأ ـ رحلة أخرى ألعن من أختها واذا بي في سجن جديد ، هناك في
بوابة الدفاع الاول (أم قصر) التي صمدت بوجه التتريين الجدد ولصمودها
ارادوا اذلالها هي الاخرى فنصبوا سجنا فيها للإساءة الى اسمها الذي
دخل التاريخ من الباب الواسع بصمودها ،كانت هناك المشاهد القاتلة ،
الضرب والتعذيب والاذلال اليومي هي مقبلاتهم اليومية وعلى أنين
المعتقلين يتذوقون طعم السادية التي جبلوا عليها،لجلسات التحقيق
والاستجواب، (الحكي مو مثل الشوف) يقول الشيخ خالد فالأحداث لا تحصى
ولكن على سبيل المثال كان معه معتقل أدخلوا عليه معتقلة عراقية عارية
الجسد وطلبوا منه ممارسة الجنس معها أمامهم وكانت تصيح (وين اهل
الشرف والناموس) فرفض ذلك وأبى أن يستجيب لطلبهم فقام بخلع بدلته
وألبسها لها وهو بالملابس الداخلية مما حدا بهم إلى خلع باقي ملابسه
وتعذيبه أخلاقياً.
يتنهد ألماً ويشعل سيكارة ويتابع دخانها وتقطر من عينيه دمعتان ليروي
قصة أخرى حيث قامت إحدى المجندات بسحب احد المعتقلين عارياً وربطته
بحبل من جهازه التناسلي وادخلته على المعتقلات ليصب لهن الماء وكان
مطئطأ رأسه فانبرت له المعتقلات بقولهن نحن اخواتك وامهاتك فلا تحزن
مما يصيبك فما اصابنا نحن اكثر فانكب الى الارض مجهشاً بالبكاء مما
جعل تلك المجندة تصر على سحبه بقوه بالحبل لتنهضه من الارض، يتوقف
الشيخ خالد ليمسح وجهه الذي يتصبب دموعا وعرقاً.
مجندة اخرى تجلب معتقلاً مجرداً من كل ملابسه وتضع حذاءها القذر على
رأسه بعد طرحه أرضاً أمام المعتقلين مما أثار فيهم النفس وقاموا
باحتجاج على هذا العمل الجبان،
اما ما جرى لعلماء الدين المعتقلين فانه تشيب له الرؤوس، لقد انتقموا
ايما انتقام من رجال الدين بإذلالهم إنهم يفعلون ما يفوق التصور ولا
اعتقد ان علماء الدين سيخرج منهم من سيتمكن من أداء واجبه مستقبلاً،
انها دعوة لكل علماء الدين في العراق للعمل على إطلاق سراحهم قبل ان
يكون مصير الكثير منهم كمصير المعتقلين .
|
|
عقيدة جورج دبليو بوش |
عرض:
علاء بيومي*
يتناول كتاب /عقيدة جورج دبليو بوش/ للكاتب الأميركي ستيفن مانسفيلد
السيرة الذاتية للرئيس الأميركي الحالي جورج دبليو بوش، خاصة في ما
يتعلق بدور الدين في التأثير على شخصيته ومسيرته السياسية، والآمال
التي يعقدها عليه اليمين الأميركي المتدين خاصة في فترة ما بعد أحداث
سبتمبر/ أيلول 2001.
الجذور الدينية لجورج دبليو بوش
يبدأ الكتاب بمحاولة للبحث عن جذور التدين في عائلة الرئيس الحالي،
ويشير المؤلف إلى أن بوش الأب مر بتجربة دينية هامة خلال مشاركته في
الحرب العالمية الثانية عندما أسقطت طائرته وهو في مهمة ضد اليابان
وأنقذته غواصات أميركية بمعجزة، كما أن بوش الأب صديق للداعية
الأميركي المعروف جيري فالويل الذي يعد أحد أشهر قادة اليمين
الأميركي المتدين.
ولكن بوش الأب حافظ دائما على ثقافة سياسية صارمة تنظر إلى الدين على
أنه أمر /شخصي/ لا يجب مناقشته في الحياة العامة، ما وضع حاجزا بينه
وبين قوى اليمين الأميركي المتصاعدة سياسيا، التي مالت بعيدا عن بوش
الأب خلال حملته للفوز بفترة رئاسة ثانية عام 1992 في مواجهة مرشح
الحزب الديمقراطي بيل كلينتون /سريع الدموع/ ومرشح اليمين الأميركي
بات ربرتسون، و هو داعية معروف ومؤسس منظمة التحالف المسيحي.
وحدث مرة أن سأل صحفيون بوش الأب عما كان يفكر فيه حين أسقطت طائرته
خلال الحرب العالمية الثانية فقال /أبي وأمي، وبلدنا، والله .. وعن
الفصل بين الدين والدولة/، وهي إجابة لم ترض بالطبع المتدينين
الأميركيين.
ثقافة النفط ورعاة البقر
هاجر بوش الأب في بداية حياته إلى ولاية تكساس لبناء حياة مستقلة
بعيدا عن والده السيناتور ورجل الأعمال الثري بنيويورك، ورزق بوش
الأب بجورج دبليو عام 1946 أي بعد نهاية الحرب العالمية الثانية بعام
واحد.
وتأثر جورج دبليو كثيرا بفترة تربيته الأولى في مدينة ميدلاند بولاية
تكساس التي امتزجت فيها صناعة البترول بثقافة رعاة البقر، إذ مرت
ميدلاند خلال فترة نشأة جورج دبليو بتحول كبير من مدينة رعاة بقر إلى
مدينة بترول تدفق عليها آلاف العمال والمهاجرين للاستفادة من صناعة
البترول الجديدة.
ولذا تميزت الحياة بميدلاند بكونها حياة صعبة يملؤها العمال وصراعات
الشوارع، وبها اختلاط اجتماعي كبير، وأفضل ما يمثلها -كما يقول
المؤلف- هو صورة راعي بقر يرتدي بزة عمل رسمية معها قبعة وحذاء راعي
بقر ويركب سيارة لموزين فارهة.
كما شارك بوش الأب في بعض لجان الكنيسة المحلية وقامت باربرا بوش
بتقديم أطعمة للكنيسة وبتعليم الأطفال في مدرسة الأحد التي حضرها
جورج دبليو بشكل منتظم.
سنوات الضياع
بعد ثراء بوش الأب انتقل إلى مدينة كبيرة بولاية تكساس وهي هيوستن، و
مع الانتقال بدأت متاعب جورج دبليو الذي ارتبط دائما بميدلاند.
إذ سرعان ما فشل جورج دبليو في التأهل لأفضل مدارس هيوستن، و بدأ في
رفض النظم التعليمية الصارمة، كما واجه صعوبة الخروج من عباءة والده
الناجح وذائع الصيت، ودخل خلال مراهقته مرحلة تجارب ثقافية وأخلاقية
مستمرة تواكبت مع فترة الستينيات التي شهدت ثورة ثقافية وأخلاقية عمت
المجتمع الأميركي.
فشل جورج دبليو في الالتحاق بإحدى جامعات تكساس لدراسة القانون وبدأ
في حياة مضطربة. وبعد ذلك ترك جورج دبليو منزل الأسرة لدراسة المال
والأعمال بجامعة هارفارد، و خلال تلك الفترة صدرت دراسات تؤكد أن
أعلى الوظائف أجرا هي في مجال البترول فعاد جورج دبليو إلى تكساس بعد
التخرج.
وفي العام 1977 تعرف جورج دبليو على لورا وتزوجها، ووضع أصدقاء بوش
ومعارفه آمالا عريضة على لورا -التي كاتب تعمل كمكتبية- لتنظيم حياة
جورج دبليو الذي كانت تعرف شقته بأنها /ملقى النفايات السامة/، إشارة
إلى ما يحتسى فيها من خمور وغير ذلك.
وفي سن الحادية والثلاثين قرر جورج دبليو ترشيح نفسه للكونغرس ضد
الديمقراطي كينت هانس الذي صور جورج دبليو - خلال سباق الانتخابات-
على أنه شخص غير أخلاقي وغير متدين، خاصة بعد أن نشر أصدقاء جورج
دبليو إعلانا يدعو لحضور مظاهرة مساندة له توزع فيها بيرة مجانية.
وخسر جورج دبليو الانتخابات، ولكنه /لم ينس الدرس/ كما يقول المؤلف.
وعاد إلى مجال النفط وظل يحفر آبارا خاوية حتى وصل سن الأربعين
تقريبا وهو في عداد الفاشلين، ثم بدأ تحول كبير يطرأ على حياته.
ولادة دبليو بوش من جديد وسنوات التحول
يقول ستيفن مانسفيلد إن التغير في شخصية بوش بدأ خلال اجتماع عقد عام
1984 في إحدى كنائس ميدلاند مع القس أرثر بليسيت الذي كان يجوب
العالم حاملا الصليب للدعوة إلى المسيحية.
وحضر الآلاف من أهالي ميدلاند محاضرة بليسيت، وبعد المحاضرة طلب جورج
دبليو لقاء بليسيت. وخلال اللقاء وضح لجورج دبليو أنه غير متأكد من
موقفه من المسيحية، ولكنه مع نهاية اللقاء شعر بالرغبة في التوبة
وطلب من بليسيت الدعاء له.
وسرعان ما بدأ جورج دبليو في قراءة الإنجيل والصلاة يوميا، وفي
المشاركة بحلقة لدراسة الإنجيل مع بعض أصدقائه توقف عن شرب الخمور،
وبدأ الجميع يرون تحولا في حياة بوش على نحو أكثر جدية.
في تلك الفترة كان جورج دبليو مازال يعمل في مجال استكشاف النفط،
واحتلت شركته أربوستو عام 1983 المرتبة رقم 993 بين شركات إنتاج
النفط بولاية تكساس.
وعام 1984 اتحدت أربوستو مع شركة أخرى هي سبكتروم 7، ولكن الشركة
الجديدة لم تسر بشكل جيد، وعام 1986 اشترت شركة هاركين أنرجي شركة
سبكتروم 7 وأعطت جورج دبليو راتبا قدره 120 ألف دولار سنويا، وأسهم
بمقدار نصف مليون دولار، الأمر الذي دفع البعض إلى القول إن هاركين
أنرجي سعت لتوظيف بوش من أجل اسمه لكونه أحد أبناء نائب الرئيس.
وعام 1988 انتقل جورج دبليو إلى واشنطن لمساعدة والده في حملته
الرئاسية، وهناك اكتسب خبرة واسعة، وساعد أباه في التواصل مع
الجماعات المسيحية المتدينة لكونه أحد أعضائها، وذلك خلال فترة شهدت
صراعا سياسيا كبيرا على اجتذاب أصوات اليمين الأميركي المتدين
الصاعدة سياسيا.
وبعد فوز بوش الأب بفترة رئاسته الأولى عاد جورج دبليو إلى تكساس
وقام بشراء وإدارة أعمال فريق بيسبول محلي معروف. وعام 1993 قرر جورج
دبليو ومساعده كارل روف خوض انتخابات حاكم ولاية تكساس، وهو قرار
عارضه فيه الجميع خوفا من وقوع انتكاسة إضافية للأسرة بعد خسارة بوش
الأب أمام بيل كلينتون عام 1992، ولكن جورج دبليو أصر على خوض
الانتخابات التي فاز فيها.
ويقول المؤلف إن الدين لعب دورا كبيرا في تمييز حملة جورج دبليو عن
منافسته الديمقراطية آن ريتشاردز التي حاولت تصوير جورج دبليو على
أنه شاب سليل عائلة ثرية ومستهتر، ما دفع جورج دبليو إلى إضفاء طابع
ديني قوي على حملته في مواجهة انتقادات منافسته الديمقراطية.
الله دعاني لترشيح نفسي رئيسا لأميركا
يقول ستيفن مانسفيلد إن فكرة ترشيح جورج دبليو نفسه للرئاسة جاءته
أول مرة خلال حضوره صلاة بإحدى كنائس تكساس، وكان القس مارك كرايج
يتحدث في تلك الصلاة عن قصة موسى (عليه السلام) ويقول إن موسى /تردد
بعض الشيء في قبول دعوة الله له لقيادة الناس/، في حين أن الناس في
أشد الاشتياق لقيادة تمتلك رؤية وشجاعة أخلاقية.
خلال الصلاة شعر جورج دبليو بأن الدعوة كانت موجهة إليه، وذلك قبل أن
تلتفت إليه أمه الجالسة بجواره وتقول له إن القس /كان يتحدث لك/،
وبعد فترة قصيرة اتصل جورج دبليو بالقس جيمس روبيسون وقال له /لقد
سمعت الدعوة، أعتقد أن الله يريدني أن أرشح نفسي للرئاسة/.
كما أشار ستيفن مانسفيلد إلى أن التدين في إدارة جورج دبليو لم يقتصر
عليه، فكونداليزا رايس رئيسة مجلس الأمن القومي -على سبيل المثال- هي
ابنة قس، وجون أشكروفت وزير العدل هو عضو نشط بجماعة دينية معروفة،
وإندرو كارد كبير موظفي البيت الأبيض متزوج من سيدة دين، ووزير
التجارة دون إيفانز كان زميل بوش في حلقة لدراسة الإنجيل بتكساس.
كما تحرص إدارة جورج دبليو على الصلاة يوميا بالبيت الأبيض، ويحرص
جورج دبليو نفسه على قراءة الإنجيل وتدارسه كل يوم، وعلى عدم ترك
الصلاة حتى وهو مسافر على متن طائرته الخاصة.
كما تميزت سياسته بطابع ديني واضح سواء في مجال التعبير عن عقائده
الدينية بشكل علني، أو في ما يتعلق بوضع قوانين تسمح للجماعات
الخيرية الدينية بالتنافس على المنح الحكومية المقدمة في مجالات
عملها.
11 سبتمبر وموقف جورج دبليو من الإسلام
يقول ستيفن مانسفيلد إن عبارات جورج دبليو عن الإسلام، خاصة في ما
يتعلق بوصفه للإسلام على أنه /دين سلام/ - خلال زيارة جورج دبليو
للمركز الإسلامي بواشنطن في 17 سبتمبر/ أيلول 2001 - أثارت عاصفة من
النقد في أوساط اليمين المتدين إلى حد قول أحد رجال الدين /يمكننا أن
نتحمل 11/9 ولكن لا يمكننا أن نتحمل 17/9/. كما انتقد اليمين المتدين
موقف جورج دبليو من المسلمين الأميركيين بعد أن مدحهم والتقى قادتهم.
كما وقف قادة اليمين المتدين موقفا أكثر تشددا تجاه الإسلام
والمسلمين بعد أحداث سبتمبر/ أيلول عبر عنه فرانكلين جرام -الذي ألقى
دعاء افتتاح حفل تنصيب جورج دبليو وهو أيضا ابن القس بيلي جرام-،
وذلك خلال مقابلة أجرتها معه قناة NBC الأميركية في 16 نوفمبر/ تشرين
الثاني 2001 إذ قال /لا أعتقد أن هذا (الإسلام) دين رائع ومسالم..
عندما تقرأ القرآن فإنه يدعو لقتل الكفار وغير المسلمين.. من قاموا
بالطيران في أبنية ليسوا طائفة مسيحية (ما). الهجوم كان على بلدنا من
قبل أعضاء بالديانة الإسلامية/.
مخاوف وآمال اليمين الأميركي المتدين
في الخاتمة يرى ستيفن مانسفيلد أن اليمين الأميركي المتدين يواجه
ثلاثة تحديات أساسية في الفترة الراهنة، وهي:
أولا: تحدي تقديم حلول أخلاقية لأكبر عدد من مشاكل المجتمع والسياسة
بأميركا.
ثانيا: مواجهة أثر التغير السكاني بفعل الهجرات وتأثيره على خريطة
الأديان في أميركا.
ثالثا: مواجهة التحدي العقائدي الخارجي الذي مثلته القاعدة بعد أحداث
سبتمبر/ أيلول 2001.
ويرى مانسفيلد أن الآباء المؤسسين لأميركا كانوا متدينين لم ينادوا
بالفصل الراهن بين السياسة والدين في الولايات المتحدة، إذ قدم بعضهم
دعما حكوميا للحملات التبشيرية وسط الهنود الحمر، وقاموا بطبع
الإنجيل على نفقة الدولة، كما استخدمت المباني الحكومية كنائس يوم
الأحد.
ولكن بعد قرن واحد من تأسيس أميركا بدأ يحدث تغيير واسع في اتجاه
معاكس لسببين، أولهما موجات الهجرة بعد الحرب الأهلية الأميركية التي
أتت بجماعات دينية متعددة، وثانيهما قرارات المحكمة العليا الأميركية
التي سعت لحماية العبيد المحررين من خلال تطبيق قوانين فصل الدين عن
الدولة على مستوى الولايات الأميركية المختلفة.
ومع تغير القوانين تغيرت الثقافة السياسية الأميركية، وحرص رجال
السياسة على فصل معتقداتهم عن حياتهم العامة والعملية فور وصولهم إلى
الحكم.
وفي العقود الأخيرة ومنذ ولاية جيمي كارتر للحكم على وجه التحديد
-الذي كان متدينا وحريصا على التدريس بالكنيسة خلال فترة رئاسته- بدأ
يحدث تحول في اتجاه ضخ التدين في الحياة السياسية الأميركية، وتبع
كارتر رونالد ريغان وبيل كلينتون إلى حد ما خاصة مع صعود قوى اليمين
الأميركي المتدين سياسيا.
ومع مجيء جورج دبليو بوش إلى الحكم في أوائل العام 2001 عقد اليمين
المتدين آمالا واسعة عليه زادت بعد أحداث سبتمبر/ أيلول 2001.
*مدير الشؤون العربية بمنظمة كير- أميركا
|
الاتجاه الآخر تنشر نص تقرير الصليب الأحمر حول
معاملة الأسرى والمعتقلين العراقيين
الاحتلال يمارس الوحشية والقهر الجسدي والنفسي
والقوة المفرطة ضد الأشخاص الذين يحرمهم من حريتهم |
ننشر
في ما يأتي ترجمة لنص التقرير الذي ارسلته اللجنة الدولية للصليب
الأحمر الى الولايات المتحدة في شأن معاملة قواتها التي تحتل العراق
للأسرى والمعتقلين في شباط الماضي قبل نحو شهرين من اندلاع فضيحة
معاملة المعتقلين العراقيين في سجون الاحتلال.
وقد أمكن الحصول على التقرير بشكل أو آخر، إذ ان الصليب الأحمر عادة
لا يعلن فحوى تقاريره، لئلا يعرض احتمالات السماح لمندوبيه بزيارة
الأسرى والسجون لمخاطر المنع، وليس من شك في ان التقرير يمثل إدانة
دامغة لممارسات قوات الاحتلال ضد الأسرى والمعتقلين العراقيين، كما
انه سيعمق ورطة الإدارة الاميركية المستفحلة من جراء افتضاح صور
جنودها وهم يمارسون ابشع انواع التعذيب البدني والنفسي والأخلاقي على
المعتقلين العراقيين. وفي ما يلي نص التقرير:
ملخص اجرائي
في تقريرها حول معاملة قوات التحالف (التي سنشير إليها في هذه
الترجمة باسم قوات الاحتلال) لأسرى الحرب وغيرهم من الأشخاص المحميين
في العراق، تلفت اللجنة الدولية للصليب الأحمر نظر قوات الاحتلال إلى
عدد من الانتهاكات الخطيرة للقانون الانساني الدولي.
وقد تم توثيق هذه الانتهاكات، وملاحظتها في بعض الأحيان أثناء زيارة
أسرى الحرب، والمعتقلين المدنيين والأشخاص الآخرين المحميين بموجب
اتفاقيات جنيف (الذين سنطلق عليهم من الآن فصاعداً تعبير الأشخاص
المحرومين من حريتهم حين لا تذكر حالتهم بوجه خاص) في العراق بين
آذار وتشرين الثاني 2003، وخلال زياراتها لمعتقلات قوات الاحتلال،
جمعت لجنة الصليب الأحمر الدولية ادعاءات اطلعت عليها خلال مقابلات
خاصة أجرتها مع اشخاص محرومين من حريتهم، تتعلق بمعاملة قوات
الاحتلال للأشخاص المحميين خلال القبض عليهم، واعتقالهم، ونقلهم،
واحتجازهم واستجوابهم.
وتشمل الانتهاكات الرئيسية التي ورد وصفها في تقرير لجنة الصليب
الأحمر، والتي قدمت سراً إلى قوات الاحتلال:
* الوحشية ضد الاشخاص المحميين لدى اعتقالهم واحتجازهم الأولي، مما
كان في بعض الأحيان يتسبب في الوفاة أو الاصابات الخطرة.
* غياب أوامر اعتقال الأشخاص المحرومين من حريتهم وعدم تبليغ
عائلاتهم باعتقالهم، مما يسبب الأسى والألم للأشخاص المحرومين من
حريتهم ولعائلاتهم.
* القهر الجسدي والنفسي خلال الاستجواب في سبيل انتزاع المعلومات.
* الحجز الانفرادي لمدة طويلة في زنازين لا يدخلها ضوء النهار.
* استخدام القوة المفرطة وغير المتناسبة ضد الاشخاص المحرومين من
حريتهم، مما يؤدي إلى الوفاة أو الاصابات خلال فترة احتجازهم.
كما ترد في التقرير مشكلات خطرة تتعلق بسلوك قوات الاحتلال، وتؤثر
على الأشخاص المحرومين من حريتهم، ومنها:
* الاستيلاء على الممتلكات الخاصة المتعلقة بالأشخاص المحرومين من
حريتهم ومصادرتها.
* تعريض الأشخاص المحرومين من حريتهم لأعمال خطرة.
* حجز الاشخاص المحرومين من حريتهم في اماكن خطرة حيث لا تتوافر لهم
الحماية من القصف.
وطبقاً للادعاءات التي جمعتها بعثات لجنة الصليب الأحمر الدولية خلال
مقابلات خاصة أجرتها مع الاشخاص المحرومين من حريتهم، كانت المعاملة
السيئة اثناء الاعتقال أمراً كثير الحدوث. وبينما قد تتطلب ظروف
معينة اتخاذ احتياطات دفاعية واستخدام القوة من جانب الوحدات
الجماعية الحربية، جمعت اللجنة الدولية للصليب الأحمر ادعاءات عن سوء
المعاملة بعد الاعتقال، كانت تجري في بغداد والبصرة والرمادي وتكريت،
مما يشير إلى وجود نمط ثابت يتعلق بأزمنة وأمكنة السلوك الوحشي أثناء
الاعتقال، ويبدو ان تكرار مثل هذا السلوك من قبل قوات الاحتلال كان
يتجاوز حدود الاستخدام المنطقي والقانوني والمناسب للقوة اللازمة
للقبض على المشبوهين أو تقييد الأشخاص الذين يقاومون الاعتقال أو
الأسر، ويبدو انه يعكس اسلوب العمل المعتاد الذي تتبعه وحدات حربية
معينة من قوات الاحتلال.
وطبقاً للادعاءات التي جمعتها اللجنة الدولية للصليب الأحمر، فإن سوء
المعاملة خلال الاستجواب لم يكن منتظماً، إلا مع الأشخاص المعتقلين
على خلفية الاشتباه بقيامهم بعمليات أمنية، أو الذين يعتقد بأن لهم
قيمة (استخبارية) وفي هذه الحالات، كان الأشخاص المحرومون من حريتهم
تحت اشراف الاستخبارات العسكرية شديدي التعرض لسلسلة من انواع
التعامل الفظ، تتراوح بين الاهانات، والتهديد بالاذلال، وبين القسر
والقهر الجسدي والنفسي، الذي يرقى في بعض الحالات إلى مرتبة التعذيب،
من أجل انتزاع التعاون مع من يستجوبونهم.
كما شرعت اللجنة الدولية للصليب الأحمر في توثيق ما يبدو أنه اساءة
استغلال واسع النطاق للسلطة وسوء معاملة من قبل الشرطة العراقية
الخاضعة لمسؤولية سلطات الاحتلال، بما في ذلك التهديد بتسليم الأشخاص
المحتجزين لديهم لقوات الاحتلال، من أجل ابتزاز المال منهم، وتسليم
مثل هؤلاء الاشخاص فعلياً لمعتقلات قوات الاحتلال بذريعة تهم باطلة،
أو استصدار أوامر من قوات الاحتلال أو تعليمات تخول اساءة معاملة
الاشخاص المحرومين من حريتهم اثناء الاستجواب.
وفي حالة (المعتقلين ذوي القيمة العالية)، المحتجزين في مطار بغداد
الدولي، فإن استمرار حجزهم، شهوراً عدة بعد اعتقالهم، وحصرهم في حجز
انفرادي صارم في زنازين خالية من ضوء النهار لما يقرب من 23 ساعة في
اليوم، كانا يشكلان انتهاكاً خطيراً لاتفاقيتي جنيف الثالثة
والرابعة.
كما ان اللجنة الدولية للصليب الأحمر قلقة بشأن الاستخدام المفرط
وغير المتناسب للقوة من قبل بعض سلطات الحجز، ضد الأشخاص المحرومين
من حريتهم خلال احتجازهم أو اثناء فترات القلاقل او محاولات الهرب،
مما تسبب في الوفاة والاصابات الخطرة، ويرقى استخدام الأسلحة النارية
ضد الاشخاص المحرومين من حريتهم في ظروف كان يمكن لأساليب من دون
استخدام الأسلحة النارية ان تعطي النتيجة ذاتها، إلى مرتبة الانتهاك
الخطير للقانون الانساني الدولي، وقد عرضت اللجنة الدولية للصليب
الأحمر عدداً من حوادث اطلاق النار على اشخاص محرومين من حريتهم،
بالرصاص الحي، مما أسفر عن حالات قتل أو اصابات خلال فترات القلاقل
المتعلقة بظروف الاعتقال أو محاولات الهرب، وقد توصلت التحقيقات التي
بدأتها قوات الاحتلال في هذه الحوادث إلى أن استخدام الأسلحة النارية
ضد الاشخاص المحرومين من حريتهم كان قانونياً ولكنه كان بوسع
الاجراءات غير القاتلة أن تستخدم للحصول على النتائج ذاتها لتهدئة
المظاهرات او افشال محاولات الهرب من قبل الاشخاص المحرومين من
حريتهم.
ومنذ بداية الصراع، ظلت اللجنة الدولية للصليب الأحمر تعرب لقوات
الاحتلال عن قلقها ومخاوفها. وتنسجم الملاحظات الواردة في التقرير
الحالي مع الملاحظات السابقة التي تم إبداؤها في مناسبات عدة، شفوياً
وخطياً، لقوات الاحتلال خلال سنة 2003. وعلى الرغم من بعض التحسينات
في ظروف الاعتقال المادية، فإن ادعاءات إساءة المعاملة التي يرتكبها
أعضاء قوات الاحتلال ضد الأشخاص المحرومين من حريتهم، يتواصل جمعها
من قِبل اللجنة الدولية للصليب الأحمر، مما يوحي بأن استخدام سوء
المعاملة ضد الأشخاص المحرومين من حرّيتهم يتجاوز الحالات
الاستثنائية، وقد يعتبر ممارسة تحظى بموافقة قوات الاحتلال.
ولا يهدف تقرير اللجنة الدولية للصليب الأحمر أن يكون مسهباً
وشاملاً، فيما يتعلق بانتهاكات القانون الإنساني الدولي التي ترتكبها
قوات الاحتلال في العراق. ولكنه يشرح مجالات الأولوية التي تسترعي
لفت انتباه قوات الاحتلال للقيام بعمل تصحيحي، بالانسجام مع التزامات
هذه القوات بموجب القانون الإنساني الدولي.
وفي خاتمة المطاف، تطالب اللجنة الدولية للصليب الأحمر قوات الاحتلال
في العراق، بأن:
* تحترم في جميع الأوقات الكرامة الإنسانية، والسلامة الجسدية
والحساسية الثقافية للأشخاص المحرومين من حريتهم، الذين تحتفظ بهم
تحت سيطرتها.
* تنشئ نظاماً للتبليغ عن الاعتقال لضمان نقل المعلومات السريع
والدقيق إلى عائلات الأشخاص المحرومين من حريتهم.
* تمنع كل أشكال إساءة المعاملة، والقهر المعنوي والجسدي للأشخاص
المحرومين من حريتهم.
وفيما يتعلق بالاستجواب:
* تنشىء نظام احتجاز يضمن احترام السلامة النفسية والكرامة الانسانية
للاشخاص المحرومين من حريتهم.
* تضمن للاشخاص المحرومين من حريتهم، ان يقضوا كل يوم وقتاً كافياً
في الهواء الطلق تحت أشعة الشمس، وتضمن السماح لهم بالحركة وممارسة
التدريبات في الساحة الخارجية.
* تحدد وتطبق إجراءات وعقوبات تنسجم مع القانون الانساني الدولي، وأن
تضمن اطلاع الاشخاص المحرومين من حريتهم الكامل على مثل هذه
الاجراءات والعقوبات فور استحداثها.
* تحقق بصورة شاملة في انتهاكات القانون الانساني الدولي من أجل
تحديد المسؤوليات ومحاكمة المسؤولين عن انتهاكات القانون الانساني
الدولي.
* تتحقق من حصول الوحدات الجماعية الحربية التي تقوم باعتقال الأفراد
وحصول الهيئات المسؤولة عن مرافق الاعتقال، على التدريب الملائم الذي
يمكنها من العمل على نحو مناسب، والقيام بمسؤولياتها كسلطة اعتقال
دون اللجوء إلى سوء المعاملة، أو استخدام القوة المفرطة.
مقدمة
1- اللجنة الدولية للصليب الأحمر مخولة من قبل الأطراف المتعاقدة
العليا الموقعة على اتفاقيات جنيف، بمراقبة التطبيق الكامل والاحترام
التام لاتفاقيتي جنيف الثالثة والرابعة، فيما يخص معاملة الأشخاص
المحرومين من حريتهم. وتذكر اللجنة الاطراف المتعاقدة العليا
المعنية، بطريقة سرية في العادة، بالتزاماتها الانسانية بموجب جميع
اتفاقيات جنيف الأربع، وبخاصة الاتفاقيتان الثالثة والرابعة، فيما
يتعلق بمعاملة الاشخاص المحرومين من حريتهم، كما قامت اللجنة بموجب
بروتوكول 1 لسنة 1997 الملحق باتفاقيات جنيف، بتوكيد وإعادة توكيد
قواعد القانون العرفي، ومبادىء الانسانية المتعارف عليها دولياً.
والمعلومات الواردة في هذا التقرير قائمة على ادعاءات جمعتها اللجنة
الدولية للصليب الأحمر في مقابلات خاصة أجرتها مع أشخاص محرومين من
حريتهم خلال زياراتها لأماكن الاحتجاز التي تستعملها قوات الاحتلال،
بين شهري آذار وتشرين الثاني 2003. وقد تمت مراجعة شاملة لهذه
الادعاءات من أجل تقديم هذا التقرير بأكبر قدر ممكن من الاشتمال على
الحقيقة. كما يقوم التقرير كذلك على روايات أدلى بها إما اشخاص
محرومون من حريتهم داخل المعتقلات، أو أفراد عائلاتهم. وخلال هذه
الفترة قامت اللجنة الدولية للصليب الأحمر بنحو 29 زيارة في 14
معتقلاً في المناطق المركزية والجنوبية من البلاد. وقد تم جمع
الشهادات في (معسكر الحصّادة) (وهو منطقة الاحتجاز الرئيسية) وقسم
الاستخبارات العسكرية، وقسم (المعتقلين ذوي القيمة العالية)، وسجون
الصالحية، وتسفيرات الرصافة، واصلاحية ابو غريب (بما في ذلك المعسكر
اليقظ وقسم (الاستخبارات العسكرية)؛ ومواقع أم قصر ومعسكر بوكا،
والعديد من اماكن الاحتجاز المؤقتة مثل موقع شحن الطليل، ومعسكر
النسر الامريكي، ومعسكر العمارة والمستشفى الميداني في الشعيبة.
وشروط اللجنة الدولية للصليب الأحمر، لزيارات الأشخاص المحرومين من
حريتهم في مرافق الاعتقال عامة ومشتركة لجميع الدول التي تعمل فيها
هذه المنظمة. ويمكن التعبير عنها كما يلي:
* يجب ان يتاح للجنة الدولية للصليب الأحمر الوصول إلى جميع الاشخاص
المحرومين من حريتهم، الذين يقعون في اطار التفويض الممنوح لها، في
أماكن اعتقالهم.
* يجب أن تكون اللجنة قادرة على الحديث بحرية وعلى انفراد مع الاشخاص
المحرومين من حريتهم، الذين تختارهم، وأن تكون قادرة على تسجيل
هوياتهم.
* يجب تخويل اللجنة اعادة زياراتها للأشخاص المحرومين من حريتهم.
* يجب ابلاغ اللجنة بالاعتقالات والتنقلات وحالات الإفراج، التي تقوم
بها سلطات الاعتقال.
وتنفذ كل زيارة للاشخاص المحرومين من حريتهم بالانسجام مع اجراءات
العمل المتبعة في اللجنة، والتي تعبّر عنها على النحو التالي:
* في مستهل كل زيارة، تتحدث وفود اللجنة مع سلطات الاعتقال لتقديم
تفويض اللجنة وشرح الغرض من الزيارة، وكذلك الحصول على المعلومات
العامة المتعلقة بظروف الاعتقال، ومجموع المقيمين في المعتقل وحركة
الأشخاص المحرومين من حريتهم (الإفراج، الاعتقال، النقل، الوفاة،
الادخال الى المستشفى).
* تتجول وفود اللجنة، بمرافقة سلطات الاعتقال في مباني المعتقل.
* يجري مندوبو اللجنة الدولية للصليب الاحمر مقابلات خاصة مع الأشخاص
الراغبين من المحرومين من حريتهم دون تقييد زمني في مكان يتم اختياره
بحرية ويسجلون اللقاء عند الضرورة.
* وفي ختام كل زيارة يجري المندوبون حديثاً ختامياً مع سلطات
الاعتقال لإبلاغهم بالنتائج التي توصلت إليها اللجنة الدولية للصليب
الاحمر وتوصياتها في ذلك الصدد.
2- ان هدف التقرير هو تقديم معلومات جمعتها اللجنة الدولية للصليب
الاحمر عن معاملة اسرى الحرب على أيدي قوات الاحتلال، وأوضاع
المعتقلين المدنيين والانتهاكات تشمل مصادرة الممتلكات والحجز في
أماكن خطرة، وسوء المعاملة يؤكد وجود نمط ثابت يتجاوز المنطق
والقانون
المعاملة خلال الاعتقال
3- تحدث اشخاص محميون قابلهم مندوبو اللجنة الدولية للصليب الاحمر
نمطاً ثابتاً تقريباً في ما يتعلق بأوقات وأماكن ممارسة الوحشية من
قبل افراد قوات الاحتلال التي تعتقلهم.
4- كانت الاعتقالات الموضحة في هذه الاتهامات تميل إلى اتباع نمط
محدد. وكانت سلطات الاعتقال تداهم المنازل عادة بعد حلول الظلام
وتحطم الأبواب وتوقظ السكان بفظاظة وتُعطى الأوامر بصراخ عال وترغم
افراد العائلة على البقاء داخل حجرة واحدة تحت حراسة عسكرية بينما
يتم تفتيش بقية المنزل وتحطيم المزيد من الابواب والخزانات
والممتلكات الأخرى.
وكانت قوات الاحتلال تعتقل المشتبة بهم وتقيّد أيديهم وراء ظهورهم
وتغطي رؤوسهم بأكياس وتصطحبهم معها. وفي بعض الأحيان كانت قوات
الاحتلال تعتقل جميع البالغين من الذكور الموجودين في المنزل بمن في
ذلك كبار السن والمعوقين والمرضى. وفي كثير من الأحيان صاحب الاعتقال
دفع الأشخاص وتوجيه الشتائم لهم وتوجيه فوهات البنادق إليهم
والاعتداء عليهم بالضرب وركلهم بالاقدام وضربهم بأعقاب البنادق. وفي
كثير من الأحيان يتم اقتياد الأفراد المعتقلين بما يكون عليهم من
ملابس أياً كانت في وقت الاعتقال كأن يكون المعتقل مرتدياً ملابس
النوم أو الملابس الداخلية فقط، ويُحرم المعتقلون من فرصة جمع
لوازمهم الأساسية مثل الملابس والادوات الصحية والادوية والنظارات.
وبالنسبة للذين يتم اعتقالهم ومعهم حقيبة لوازمهم الشخصية فإن هذه
اللوازم تتم مصادرتها في كثير من الأحيان. وفي حالات كثيرة تم
الاستيلاء على اللوازم الشخصية خلال الاعتقال دون اصدار ايصال
استلام.
5- وقال ضباط استخبارات عسكرية من التابعين لسلطات الاحتلال للجنة
الدولية للصليب الأحمر انهم يعتقدون ان ما بين 70 بالمائة و90
بالمائة من الاشخاص المحرومين من حريتهم في العراق تم اعتقالهم عن
طريق الخطأ. وعزا ضباط الاستخبارات هؤلاء، الوحشية التي صاحبت
الاعتقال الى الافتقار للإشراف السليم على وحدات المجموعات القتالية.
6- وطبقاً لأحكام القانون الانساني الدولي التي تلزم سلطات الاحتلال
بمعاملة اسرى الحرب والاشخاص المحميين الآخرين بطريقة انسانية
وحمايتهم من أعمال العنف والتهديد والتخويف والإهانة (المواد 13 و14
و17 و87 من اتفاقية جنيف الثالثة والمواد 5 و27 و31 و32 و33 من
اتفاقية جنيف الرابعة) تطالب اللجنة الدولية للصليب الاحمر سلطات
الاحتلال بأن تحترم في جميع الأوقات الكرامة الانسانية والسلامة
البدنية والحساسية الثقافية للاشخاص المحرومين من حريتهم الذين
تحتجزهم. وتطالب اللجنة الدولية للصليب الاحمر سلطات الاحتلال ايضاً
بضمان تلقي أفراد وحدات المجموعات القتالية الذين ينفذون عمليات
الاعتقال تدريباً ملائماً يمكنهم من العمل بطريقة سليمة والوفاء
بمسؤولياتهم دون اللجوء الى الوحشية أو استخدام القوة المفرطة.
تبليغ العائلات وتوصيل المعلومات للمعتقلين
7- في جميع الحالات تقريباً التي وثقتها اللجنة الدولية للصليب
الأحمر لم تقدم السلطات التي تقوم بالاعتقال معلومات هوية تلك
السلطات أو مكان قاعدتها ولم توضح سبب الاعتقال. وعلى نحو مماثل،
نادراً ما أبلغت سلطات الاعتقال المعتقل أو عائلته بالمكان الذي يتم
اصطحابه له والمدة التي سيقضيها قيد الاعتقال، الامر الذي ينتج عنه
(اختفاء) فعلي للمعتقل لعدة أسابيع او شهور في بعض الاحيان قبل ان
تتمكن عائلته من معرفة مكانه.
8- وعندما كانت الاعتقالات تحدث في الشوارع أو على الطرقات أو في
نقاط التفتيش، وغالباً ما يتم إبلاغ العائلات عن ما يحدث للمعتقلين
إلى أن تتمكن العائلات من تعقب آثارهم أو تتلقى أخباراً عنهم من خلال
أشخاص تعرضوا للحرمان من حريتهم ولكن تم الإفراج عنهم لاحقاً أو من
أفراد عائلات زاروا زملاء من المحرومين من حريتهم أو رسائل اللجنة
الدولية للصليب الأحمر. وفي غياب نظام لتبليغ العائلات عن أماكن
أقاربهم المعتقلين بقي الكثير من العراقيين لعدة شهور دون معلومات عن
ذويهم، وفي كثير من الأحيان كانوا يخافون من أن يكون أقاربهم الذين
اختفوا قد فقدوا على نحو غير طبيعي أو ماتوا.
9- وبعد مرور تسعة شهور من احتلال العراق لم يتم بعد وضع نظام يعمل
على نحو مرض لتبليغ العائلات عن الأشخاص المحتجزين أو المعتقلين، على
الرغم من أن المئات من عمليات الاعتقال لا تزال تجري أسبوعياً. وفي
حين تمثل أماكن الاعتقال الرئيسية (كامب بوكا وأبو غريب) جزءاً من
نظام تبليغ مركزي من خلال مكتب المعلومات الوطني (ويتم إرسال
معلوماته إلكترونياً إلى اللجنة الدولية للصليب الأحمر على أساس
منظم)، إلا أن أماكن احتجاز أخرى مثل الموصل أو تكريت لا يتم التبليغ
عن المعتقلين فيها، ولذلك، تعتمد التبليغات من تلك الأماكن فقط على
بطاقات الاعتقال أو الاحتجاز حسبما هو منصوص عليه بموجب اتفاقيتي
جنيف الثالثة والرابعة.
ومنذ آذار 2003 فإن بطاقات الاعتقال يتم إكمالها بإهمال، الأمر الذي
ينتج عنه تأخير غير ضروري لعدة أسابيع أو شهور قبل أن يتم تبليغ
العائلات، والذي ينتج عنه في بعض الأحيان عدم التبليغ بالمرة، وتتحمل
سلطات الاعتقال مسؤولية التأكد من أن كل بطاقة اعتقال أو احتجاز يتم
إكمالها بعناية حتى تكون اللجنة الدولية للصليب الأحمر في وضع يمكنها
من تسليمها بطريقة فعالة إلى العائلات. إن النظام الحالي لمراكز
المعلومات العامة - التي تم إنشاؤها تحت مسؤولية مراكز تنسيق
المساعدة الإنسانية - تظل غير ملائمة على الرغم من أنها خطوة للأمام
لأن العائلات الموجودة خارج المدن الكبرى لا تحصل على المعلومات، ولا
تكون القوائم التي يتم إعدادها كاملة وتكون قديمة في كثير من
الأحيان، ولا تتضمن عمليات النقل المتكررة من مكان اعتقال لآخر. وفي
غياب بديل أفضل، فإن تقديم اللجنة الدولية للصليب الأحمر بطاقات
اعتقال دقيقة يظل النظام الأكثر موثوقية وسلامة وفعالية لتبليغ
العائلات شريطة أن تكون البطاقات متضمنة لمعلومات كاملة.
وقد أثارت اللجنة الدولية للصليب الأحمر هذا الموضوع مراراً مع سلطات
الاعتقال منذ آذار 2003 وطرحت الموضوع للنقاش في أعلى مستويات سلطات
الاحتلال في آب 2003. وعلى الرغم من بعض التحسين، تضطر المئات من
العائلات إلى الانتظار والقلق يسيطر عليها لعدة أسابيع وشهور في بعض
الأحيان قبل أن تعرف شيئاً عن أماكن وجود أفرادها المعتقلين. وتسافر
عائلات كثيرة لأسابيع عدة عبر البلاد من مكان اعتقال لآخر بحثاً عن
أبنائها وتحصل في كثير من الأحيان على معلومات عنهم عرضاً (من خلال
معتقلين تم الإفراج عنهم) أو عندما يُطلق سراح شخص مجروم من حريته
ويعود إلى منزله.
10- وعلى نحو مماثل، فإن عمليات النقل وحالات المرض في وقت الاعتقال
والوفيات والهرب أو الإعادة يستمر التبليغ عنها بطريقة غير وافية أو
لا يتم التبليغ عنها أبداً بوساطة سلطات الاحتلال للائتلاف على الرغم
من التزام سلطات الاحتلال بذلك بمقتضى القانون الإنساني الدولي.
11- وطبقاً لأحكام اتفاقية جنيف الثالثة (المواد 70 و122 و123)
واتفاقية جنيف الرابعة (المواد 106 و136 و138 و140) تذكّر اللجنة
الدولية للصليب الأحمر قوات الاحتلال بالتزامها القائم على
الاتفاقيتين بأن تقوم فوراً بتبليغ عائلات جميع أسرى الحرب والأشخاص
المحميين الآخرين المعتقلين أو المحتجزين بوساطة قوات الاحتلال. وفي
غضون أسبوع واحد، يجب السماح لأسرى الحرب والمعتقلين المدنيين بإكمال
بطاقات اعتقال أو احتجاز تتضمن على الأقل عنوان مكان
الاحتجاز/الاعتقال الحالي وحالتهم الصحية. ويجب إرسال هذه البطاقات
بأسرع ما يمكن وعدم تأخيرها بأي طريقة، وما دام النظام المركزي
للتبليغ عن الاعتقال لم يتم وضعه بوساطة قوات الاحتلال فمن الأهمية
بمكان أن يتم إكمال بطاقات الاعتقال هذه ببيانات صحيحة من أجل السماح
للجنة الدولية للصليب الأحمر بنقلها سريعاً إلى العائلات المعنية.
12- ويسري الالتزام ذاته بتبليغ العائلات عن أشخاص محتجزين أو
معتقلين على عمليات النقل وحالات المرض والوفاة والهرب والإعادة
وتحديد هوية الموتى من الطرف المعادي. ويجب تبليغ جميع هذه الأحداث
إلى اللجنة الدولية للصليب الأحمر مع تفاصيل كاملة عن الأشخاص
المعنيين للسماح للجنة الدولية للصليب الأحمر بإبلاغ العائلات
المعنية (المواد 120 و121 و122 و123 من اتفاقية جنيف الثالثة والمواد
129 و130 و136 و137 و140 من اتفاقية جنيف الرابعة).
المعاملة خلال النقل والحبس المبدئي
13- جمّعت اللجنة الدولية للصليب الأحمر عدة اتهامات تشير إلى أنه في
أعقاب الاعتقال أسيئت معاملة الأشخاص المحرومين من حريتهم، وحدث ذلك
خلال النقل من مكان اعتقالهم إلى مكان احتجازهم المبدئي، وعادة ما
تنتهي المعاملة السيئة هذه عند وصول الأشخاص إلى مكان اعتقال عادي
مثل كامب كروبر أو كامب بوكا أو أبوغريب (!!!). وتلقت اللجنة الدولية
للصليب الأحمر أيضاً اتهاماً يتعلق بوفاة معتقل نتيجة ظروف الاعتقال
الرديئة وسوء المعاملة خلال الاحتجاز المبدئي.
14- وتعلق أحد الاتهامات التي تلقتها اللجنة الدولية للصليب الأحمر
باعتقال تسعة رجال بوساطة قوات الاحتلال في فندق بالبصرة بتاريخ
13/9/2003. وبعد اعتقالهم أجبر الرجال التسعة على أن يجثوا أرضاً
وأياديهم ووجوههم إلى الأرض وكأنهم يصلّون، وداس الجنود بأقدامهم
وأحذيتهم الثقيلة على أعناق الذين حركوا رؤوسهم، واستولوا على
الأموال التي كانت معهم من دون إعطائهم أية إيصالات، وتم اقتياد
المتشبه بهم إلى الحاكمية - وهو مكتب سابق كانت تستخدمه المخابرات في
البصرة - وهناك تعرض الرجال التسعة لضرب مبرح بوساطة قوات الاحتلال.
وقد توفي أحدهم المعتقلين نتيجة سوء المعاملة (وكان يبلغ من العمر 28
عاماً وكان متزوجاً وله طفلان)، وقبل وفاته، سمعه رفاقه المعتقلون
يصرخ ويطلب المساعدة.
15- وخلال زيارة قام بها وفد من اللجنة الدولية للصليب الأحمر لكامب
بوكا في 22/9/2003 قال رجل من المحرومين من حريتهم عمره 61 عاماً ان
جنود الاحتلال أوثقوا يديه وغطوا رأسه بكيس وأجبروه على الجلوس على
سطح ساخن خمّن أنه محرك سيارة وقد سبب له ذلك حروقاً بليغة في ردفيه
وأدى إلى فقدانه الوعي، ولاحظت اللجنة الدولية للصليب الأحمر وجود
قروح متقشرة كبيرة تتوافق مع روايته.
16- وفحصت اللجنة الدولية للصليب الأحمر شخصاً آخر من المحرومين من
حريتهم في قسم (المحتجزين ذوي القيمة العالية) في تشرين الأول 2003
تعرض لمعاملة مماثلة. وقد تم وضع كيس على رأسه وتقييد يديه وراء ظهره
وأجبر على الاستلقاء ووجهه إلى أسفل على سطح ساخن خلال ترحيله. وقد
سبب له هذا حروقاً بليغة تطلبت بقاءه في المستشفى لمدة ثلاثة شهور
للعلاج، وعند إجراء المقابلة معه كان قد خرج لتوه من المستشفى واضطر
للخضوع لعدة عمليات لترقيع الجلد وبتر اصبعه السبابة اليمنى وفقد
القدرة تماماً على استخدام إصبعه البنصر اليسرى بسبب الحروق التي
لحقت به، وتعرض أيضاً لحروق بليغة على البطن والقدمين وراحة يده
اليمنى وباطن قدمه اليسرى. وأوصت اللجنة الدولية للصليب الأحمر قوات
الاحتلال بالتحقيق في الحالة لتحديد سبب وظروف إصابته بتلك الجراح
والجهة المسؤولة عن المعاملة السيئة، وفي وقت كتابة هذا التقرير لم
تكن اللجنة الدولية للصليب الأحمر قد تلقت نتائج بعد.
|
|
كيف يفسر التحليل النفسي ما فعله الأوغاد
بالمعتقلين العراقيين |
استضاف
الزميل أحمد منصور في برنامجه (بلا حدود) عبر قناة الجزيرة القطرية
الدكتور محمد أحمد النابلسي الأمين العام للاتحاد العربي للعلوم
النفسية، وكان موضوع الحلقة يدور حول التصرفات الشاذة والممارسات
اللاأخلاقية التي يقوم بها جنود الاحتلال الأميركي في العراق من خلال
قراءة بحثية تحليلية، ولما تضمنته هذه المقابلة من مواضيع مهمة فقد
رأينا أن ننقلها لكم..
* أحمد منصور: سلّطت أحداث مدينة الفلوجة في العراق بما فيها من حصار
ومقاومة الأضواء على كثير من الأحداث وجوانب الصراع والاحتلال
الأميركي للعراق، وكان نشر وسائل الإعلام الأميركية صور جنود
أميركيين وهم يقومون حسب وصف وزارة الدفاع الأميركية بالقيام
بسلوكيات سادية وشاذة وخليعة وعنيفة ضد المعتقلين العراقيين، كان
لهذا أثره في تسليط الضوء على ما تقوم به قوات الاحتلال من ممارسات
ضد الشعب العراقي، كما أثارت إحدى القنوات التليفزيونية الفرنسية
فضيحة جديدة حينما نشرت صور جنود أميركيين قناصة وهم يقتلون بدماء
باردة من إحدى طائرات الهليكوبتر ثلاثة عراقيين أحدهم كان جريحاً،
لذا فإننا سوف نسعى من خلال لقائنا الدكتور محمد أحمد النابلسي لفهم
الجوانب النفسية لممارسات الجنود الأميركيين ضد الشعب العراقي، وكذلك
سيكولوجية جندي الاحتلال وسيكولوجية المقاوم العراقي :
أسباب سلوكيات الجنود الأميركيين ضد العراقيين
*أحمد منصور: أود أن أبدأ بالصور التي روعت العالم وهو حسب ما وصفته
مجلة نيويورك الأميركية في عددها الأخير نقلاً عن تقرير للجيش
الأميركي بأنها تمثل سلوكيات سادية وشاذة وخليعة وعنيفة ضد المعتقلين
العراقيين، ما هو تفسيرك للسلوك النفسي الذي دفع القائمين بهذه
التصرفات إلى القيام بها ؟.
محمد أحمد النابلسي: نحن كأخصائيين نفسيين يهمنا من أين يأتي الشخص؟
هؤلاء الجنود الأميركيون يأتون من قاع المجتمع الأميركي، المجتمع
الأميركي متوسط دخل الفرد 42 ألف دولار سنويا، وبالتالي الإقبال على
الجندية في أميركا إقبال محدود، من هنا اضطرار أجهزة الأمن الأميركي
للاستعانة بمتطوعين مقابل وعد بالجنسية الأميركية وهؤلاء يشكلون
حوالي الـ24% حسب الإحصاءات المطروحة.
*أحمد منصور: يعني 24% من القوات الموجودة في العراق لا يحملون
الجنسية الأميركية وإنما يحملون وعودا بالحصول عليها؟
محمد أحمد النابلسي: لا يحملون الجنسية تماماً..
*أحمد منصور: يعني يعتبرون في إطار المرتزقة؟
محمد أحمد النابلسي: يعني بقية الجنود الأميركيين الآتين من قاع
المجتمع يمكن أن يكونوا مرتزقة أكثر منهم، يعني الحرب على العراق
كشفت أن الجيش الأميركي يعاني من مسألة عدد، هو يملك تفوقاً تقنياً
ويملك قدرة تدميرية ولكنه لا يملك أفراداً، فيه مشكلة عدد مطروحة
بالجيش الأميركي وبالتالي فإن الهامشيين المنبوذين في المجتمع
الأميركي هم الذين يشكلون أداة هذا الجيش.
*أحمد منصور: وما تأثير أن الجندي يكون قادماً من قاع المجتمع ؟ أو
أن يكون قادماً من الطبقة العليا في المجتمع في النهاية هو يحمل
سلاحاً ويقتل؟
محمد أحمد النابلسي: الفقر في المجتمعات الغنية يؤدي إلى النبذ،
والإنسان المنبوذ يتحول إلى الغرائز البدائية يطلق الغرائز البدائية،
وهي محاولة لنيل الاعتراف في الداخل على حساب الإجرام في الخارج،
يعني الجندي الأميركي الذي لا ينال الاعتراف في بلاده يريد أن يظهر
بمظهر المقاتل الشرس الوحش إلى آخره كي يكسب الاحترام في بلاده وهو
احترام مفقود بالنسبة له.
*أحمد منصور: ولكن هل مثل هذه الممارسات يجد الجندي الأميركي فيها
نفسه واعتراف المجتمع؟
محمد أحمد النابلسي: يعني هذه الممارسات الشاذة في قاع المجتمع
الأميركي مألوفة، ومعروضة على الإنترنت الآن أن تُمارس هذه الممارسة
في البيئة العربية الإسلامية هنا يشكل الاعتداء، هنا مبدأ الاعتداء..
*أحمد منصور: على أي شيء هذا الاعتداء؟
محمد أحمد النابلسي: الأمر ببساطة هو على الشكل التالي: عندما يمارس
وحش الوحشية في الغابة، أي في محيطه الطبيعي فهو يمارس غرائزه ومسموح
له أن يفعل ذلك، أما أن تطلق هذا الوحش في مكان مأهول فعندها تصبح
الكارثة، هؤلاء الجنود في بيئتهم العادية يمارسون هذه الأشياء بطريقة
يعتبرونها طبيعية، ولكن أن تُطلق الوحش خارج الغابة وبين البشر وأن
يمارس وحشيته هنا تكمن الكارثة.
أدوات وتقنيات أميركية للتعذيب
*أحمد منصور: هذا الشكل من أشكال التعذيب الذي يُمارس، ما هي تقنيات
التعذيب التي يستخدمها هؤلاء الجنود أو الجيش الأميركي بشكل عام ضد
مناطق يتم احتلالها؟
محمد أحمد النابلسي: في الواقع الأميركيون لا يحتاجون إلى كثير من
التعليم هم بدؤوا بتطوير تقنيات التعذيب منذ عام 1952 مع إطلاقهم
عقار (LSD) المخدر المشهور عندما أُطلق، أطلق من قِبَل المخابرات
الأميركية واعتبروه مصل الحقيقة وأرادوا أن يستخدموه في التحقيقات..
*أحمد منصور: ما هي طبيعة عمل هذا المصل؟
محمد أحمد النابلسي: (LSD) هو عقار مهلوس يفقد الإنسان التركيز
والمخابرات الأميركية كانت تأمل أن يؤدي إلى إطلاق مكنونات أو ما
يخبئه موضوع التحقيق..
*أحمد منصور: متى أطلقوه؟
محمد أحمد النابلسي: 1952 وهنالك رواية شهيرة نشرتها معظم الصحف
الأميركية المجلات الأميركية، أحد عملاء المخابرات الأميركية كان في
سهرة في إحدى الجزر الأميركية مع أصدقاء له وأراد تجريب الـ (LSD)
كانت النتيجة أن اثنين من رفاق السهرة انتحروا..
*أحمد منصور: بسبب؟
محمد أحمد النابلسي: السبب أن جرعة الـ (LSD) ) في العام 1952 لم تكن
محددة، وهذه اكتُشِفَت بعد عدة سنوات وتسببت بفضيحة كبيرة للمخابرات
الأميركية، إذاً هم يعملون على تطوير تقنياتهم منذ عام 1952..
*أحمد منصور: من الأشياء التي نُشِرت بعد هذه الصور هو أن هذا
الأسلوب الذي اتبعه هؤلاء الجنود جعل مدة التحقيق قصيرة جداً والحصول
على الاعترافات أيضا سهلاً للغاية، حتى أنهم وجدوا نوعاً من التكريم
أو نوعاً من التقدير من قِبَل رؤسائهم حول ما قاموا به مع التقنيات
التي تستخدم، يعني مع هذه الوسائل غير الأخلاقية التي يتم استخدامها،
والآن دعنا نتحدث عن الآثار التي تترتب على الشخص الذي يتعرض ويقع
تحت هذا التعذيب
محمد أحمد النابلسي: بداية المسألة لا تستأهل تكريماً لسرعة تفكيك
شخصية المُحَقَّق الضحايا العراقيين المُحقق معهم، لأن حساسية
الإنسان في العراق وكرامته التي تبلغ حد النزق هي التي تعجل في نتائج
التحقيق، ما يجري أن هذا الإنسان الذي نشأ في العراق هو نتاج الثقافة
الإسلامية، ومن المعروف للجميع أن الثقافة الإسلامية ثقافة عزة
والثقافة العربية ثقافة تنتمي إلى التراث عشائري، فعندما تجتمع العزة
العقائدية مع الثقافة العشائرية يصبح الإذلال المعنوي قاتلاً وهذا ما
عَجَّل بالحصول على هذه الاعترافات، وأعتقد أن نفس التقنيات يمكن ألا
تعطي هذا من المفعول السريع لدى شعوب أخرى فهو ليس اختراعا أو
(Trademark)، ما يجري بكل بساطة أن هؤلاء الناس يشعرون بإذلال معنوي
يفضلون الموت عليه، وإذا لم يموتوا أثناء التعذيب فإنهم سيسعون للموت
بعد التعذيب.
*أحمد منصور: صحيفة الغارديان البريطانية أكدت أن بعض المعتقلين
العراقيين عُذبوا حتى الموت، ومصادر أخرى كثيرة أكدت هذا، فما الذي
يحمله الجندي الأميركي في بنائه الداخلي حتى يظل يعذب إنساناً حتى
الموت؟
محمد أحمد النابلسي: المسألة هنا يوجد تعارض المشاعر المتناقضة عند
أي إنسان تدفعه إلى فقدان الحس الموضوعي فيُصاب بحالة هي بلغة الطب
النفسي تخدير للحواس الإنسانية..
*أحمد منصور: يعني هي حالة من انعدام الإحساس؟
محمد أحمد النابلسي: نعم هو انعدام للإحساس الإنساني، الجندي
الأميركي في العراق فهؤلاء المُعَذِّبون يتمازج عندهم إحساسان
نقيضان..
*أحمد منصور: ما هما؟
محمد أحمد النابلسي: هما الخوف والرغبة باستعمال السلطة لتعويض
الخوف، يعني معروف أن الخائف يغني بصوت عالٍ وهذا الخوف هم يحاولون
تعويضه بسلطة يمكن اعتبارها سلطة مطلقة لأنها غير مراقبة..
*أحمد منصور: يعني هل أيضا القانون رقم 17 الذي أصدرته قوات الاحتلال
الذي يحمي الجنود الأميركيين من الملاحقة القضائية داخل العراق، كذلك
رفض الولايات المتحدة الانضمام إلى المحكمة الجنائية الدولية في
روما، هل هذا يُشعر الجندي أنه لن يحاسب على أي شيء فعله، حتى لو وصل
به الأمر حد قتل الإنسان الذي يعذبه؟
محمد أحمد النابلسي: سيدي الجندي الأميركي شرط دخوله إلى الجيش
الأميركي هو أنه غير مُعَرَّض لـ..
*أحمد منصور: الملاحقة القانونية أو الجنائية؟
محمد أحمد النابلسي: لا غير مُعَرَّض حتى لمواجهة مواقف موت، يعني لو
رجعنا لتاريخ المجابهات الأميركية لوجدنا أنها كانت إما تهديدات
بالقوة دون الوصول إلى مرحلة الصدام، وعندما وصلوا إلى مرحلة الصدام
وجدنا أن الجيش الأميركي في كوسوفو رفض إنزال أي جندي أميركي، وجاء
الفرنسيون استعجالا لإنهاء حرب كوسوفو الإنزال البري كان إنزالاً
فرنسياً، وفي باكستان قامت القبائل الباكستانية بهذه المهمة، الجندي
الأميركي يدخل إلى الجيش الأميركي وهو عنده تأكيد أنك لن تكون في
موضع مساءلة أو موضع خطر أو موضع ملاحقة، كنوعٍ من الترويج لجلب
العدد اللازم ومع ذلك لا يكون..
*أحمد منصور: هذا يدفع الجندي إلى الشعور بشيء من الاطمئنان وهو
يمارس ما يقوم به، وإن كان أيضا الوضع في الصومال، في لبنان، في
فيتنام من قبل يخالف تلك النظرية التي أشرت إليها وفي العراق الآن؟
محمد أحمد النابلسي: تلاحظ أن هذه الشواذ تثبت القاعدة، يعني
الولايات المتحدة لمجرد خسرت مائتي قتيل في بيروت أثبتت لجنود الجيش
الأميركي أنها مستعدة إلى أن تنسحب من بيروت أو من الصومال لمجرد
خسارة..
*أحمد منصور: فقط 88 جندياً في الصومال؟. لكن 55 ألف جندي أميركي
ماتوا في فيتنام والآن ما يقرب من 750 في العراق اعترفوا بهم، ولا
ندري العدد الحقيقي كما تقول تلك المصادر..
محمد أحمد النابلسي: تماماً إنما موضوع الصومال ولبنان هو تأكيد
للجندي الأميركي أنك غير مُعَرَّض لخطر، ولكن فيتنام شكلت عقدة عند
المواطن الأميركي وعند المسؤول الأميركي وعند كبار القادة الضباط
الأميركيين..
*أحمد منصور: هل عقدة فيتنام أصبحت تحوم فوق رؤوس الجنود الأميركان
في العراق الآن؟
محمد أحمد النابلسي: عقدة فيتنام غير قابلة للشفاء وأنا أعارض كل من
يدعي بإمكانية شفائها، لأنه من وجهة نظر اختصاصية العقدة لا تحصل
نتيجة التعرض لحدث معين، هذه صدمة يعني الأصح علمياً أن نقول صدمة
فيتنام والصدمة تبقى قابلة..
*أحمد منصور: رغم أنها بقيت ما يقرب من عشر سنوات..
محمد أحمد النابلسي: الصدمة تبقى، مرور الزمن لا يشفي الصدمة وإنما
يحولها إلى مزمنة..
*أحمد منصور: هل يمكن أن يكون هناك صدمة عراقية أيضا؟
محمد أحمد النابلسي: أعتقد أن الصدمة العراقية هي صدمة الأحداث
أولاً، وهي تضم في ثناياها مجمل الصدمات السابقة.
*أحمد منصور: هل ممارسات الجنود في العراق من عمليات مداهمة، ترويع
للأطفال، هل هي عملية خوف؟
محمد أحمد النابلسي: أسلوب خائف..
*أحمد منصور:
تفسير السلوك الأميركي في المداهمات
*أحمد منصور: كيف تقرأ صورة الجنود المُدججين بالسلاح، وهم يتعرضون
لنساء وأطفال و كبار في السن وبعض الشباب،علماً بأنهم جميعاً عزلٌ.
محمد أحمد النابلسي: في المفهوم الأميركي لا يوجد ما يسمى بحرمة
المنزل وهم لا يفهمون ولا يفقهون مقدار الأذى الناجم عن مثل هذه
المداهمات على كل أفراد الأسرة، وعلى كل من يشاهد مثل هذه التصرفات
يعني ابن الثقافة الذي يشاهد هذه التصرفات فهو يزداد لأميركا وهم لا
يفهمون ويستمرون في السؤال لماذا يكرهوننا. بالنسبة لهم هذه
المداهمات تعتبر طبيعية، لأن مفهوم حرمة المنزل غير موجود الآن لدى
الجندي الأميركي نلاحظ أن الجندي الأميركي خائف رغم كل التسليح،
والتفسير هنا له شقان..
الشق الأول..يعني من ناحية نجد الخوف المؤدي إلى إعلاء الصوت، كما
قلنا الجبان يغني بصوت عالٍ ليذهب خوفه، المبالغة بممارسة السلطة
والجبروت.. والشق الثاني هي المعادلة الأصعب لما يجري بالعراق وهي أن
الجيش الأميركي هو جيش مؤذٍ ومدمر مدجج ولكنه ليس جيشاً مقاتلاً..
*أحمد منصور: بمعنى؟
محمد أحمد النابلسي: الصور التي نشرت تؤكد أن هذا الجيش ليس جيشا
مقاتلاً، هذا الرعب وهو يهاجم مدنيين وأطفالاً ومداهمات عادية
يتصرفون برعب لا يليق بجيش مقاتل أن يكون مرعوبا بهذا الشكل..
*أحمد منصور: يعني ماهي الصفات النفسية هنا ماهي الفوارق النفسية بين
جيش مقاتل وبين ما يتم ..؟
محمد أحمد النابلسي: سيدي الجيش المقاتل يجب أن تكون لديه عقيدة
قتالية، يجب أن تكون عنده روح معنوية، يجب أن يكون عنده روح القتال..
*أحمد منصور: يمكن أن نقول بأن هذا جزء من عقيدته القتالية أنه يبحث
عن أناس مسلحين، يحاول أن يفتش البيوت، يبحث عن سلاحٍ، وعن ما يمكن
أن يؤذيه فما يقومون به ربما هو جزء من المهمة القتالية ؟
محمد أحمد النابلسي: هذا مهمة قتالية وليس عقيدة قتالية، يعني هو
يقوم بمهمة قتالية ولكن بدون عقيدة قتالية، يعني هذا المأزق نفسه
الذي حصل في حرب كوسوفو قصف لمدة 79 يوماً توماهوك وكل أصناف القنابل
والصواريخ الموجهة بالليزر والموجهة بالأشعة، وفي النهاية بعد 79
يوماً من القصف ويوغسلافيا كانت دولة أقوى من العراق وبعد كل هذا،
كنت بحاجة إلى إنزال بري إلى جنود، والأميركيون لم يقدموا الجنود
لديهم جيش مؤذٍ مدمرٌ، ولكن ليس لديهم جيش مقاتل، نزل الفرنسيون في
كوسوفو لحسم الحرب.
التأثير النفسي على العراقيين والجنود الأميركيين
*أحمد منصور: طيب الآن الصور التي رأيناها للنساء للأطفال، ما هو
الأثر النفسي أيضاً على النساء والأطفال هل مع نهاية هذه الصدمة
تنتهي القصة أم تبقى هناك رواسب نفسية؟
محمد أحمد النابلسي: يعني هنا أريد أن أقول إن الطفل يتقن ثلاثة
أشياء، فهو يتقن التقليد، يتقن الخوف، ويتقن الذاكرة التصويرية. ولكن
الطفل لا يفهم مفهوم الزمان والمكان، وبالتالي لا يفهم ماذا يعني
الموت عدم استيعاب الطفل لمفهوم الموت، الطفل يستوعب مفهوم الموت في
عمر ما بين تسعة و11 سنة عندما يستطيع أن يقدر الزمن، الذي يلزم
لاجتياز الشارع، والزمن التي تستغرقه السيارة كي تصل، عندما ينجح
بتقدير الزمان مع المكان عندها يصبح مهيأً لفهم مفهوم الموت، إذاً
فأقول لا توجد صدمة نفسية عند الأطفال، ولكن يوجد ما هو أخطر من
الصدمة النفسية..
*أحمد منصور: ما هو؟
محمد أحمد النابلسي: الذاكرة التصويرية، الطفل تنطبع بذاكرته هذه
الصور..
*أحمد منصور: تؤثر عليه بعد ذلك؟
محمد أحمد النابلسي: نعم..
*أحمد منصور: وماذا يكون تأثيرها؟
محمد أحمد النابلسي: هو لا يحللها ولكنه يسترجعها لاحقاً، عندما يبدأ
بإدراك مفهوم الموت يسترجعها، وتكون ردة فعلها الصدمية أعنف بكثير
منها على البالغ الذي شهد الحدث..
*أحمد منصور: منظر الأم تحمل أولادها مثل القطة تحمل طفلين والثالث
تعلقه بصرة وهي مليئة بالرعب..وأيضاً المرأة الحامل التي ذهبت لتحتمي
بزوجها؟
محمد أحمد النابلسي: نعم أنا أعتقد أن هذه الممارسات تقدم لنا.. يعني
مثل أي حدث له سلبيات وإيجابيات أعتقد أن أحد إيجابيات هذه الممارسات
تكمن في فهم واقعة أن هذه المرأة تريد رجال العشيرة، تريد الجيش
الوطني، تريد زوجها، تريد أقاربها ليحموها ولا تريد منظمة حقوق
المرأة الآتية على الدبابات الأميركية، هذه المرأة تخلت عن حقوق
المرأة وتريد رجالاً من حَيِّها من عشيرتها من زوجها أن يحميها.
*أحمد منصور: الآن هناك ظاهرة أخرى ربما تكون أيضا من الظواهر
المروعة وهي إهانة الرجال أنفسهم، إهانة رجال العشيرة من وضع الأكياس
في رؤوسهم وأكثر من زميل من زملائنا في الجزيرة في بغداد تعرضوا
للاعتقال الزميل صهيب الباز قضى سبعين يوماً تقريباً في سجون
الاحتلال بسبب ضبطه وهو يقوم بالتصوير، وشرح لي شرحاً مطولاً ما تعرض
له من تعذيب، زميلنا حامد حديد وُضِع الكيس في رأسه يحتفظ بالكيس إلى
الآن كشيء من الأشياء وضع الأكياس هكذا في رؤوس الرجال وإهانة الرجال
بهذا الشكل المتعمد الذي يقومون به، ما هي المؤثرات النفسية أيضا
لهذا الوضع ؟
محمد أحمد النابلسي: تقنية الكيس هي تقنية أيرلندية، الأيرلنديون هم
الذين ابتدعوا الكيس وهو عبارة عن كيس له فتحتان فقط على العينين..
*أحمد منصور: ولكن الكيس الذي تستخدمه القوات الأميركية بلا فتحتين!!
محمد أحمد النابلسي: نعم بداية أتكلم عن الكيس الأيرلندي مع عازل
صوتي من أجل الحرمان الحسي بمعنى أن يكون الشخص معزولاً نهائياً و لا
يستخدم من حواسه إلا ما يرى عبر العينين، تطوير الكيس بإلغاء فتحة
العينين كان اختراعاً إسرائيلياً ويعني من خلال دراسات على الأسرى في
السجون الإسرائيلية، الإسرائيليون أبدعوا فألغوا الفتحتين وأضافوا
الروائح الكريهة إلى الكيس، فالأميركيون فيما يتعلق بمنطقة الشرق
الأوسط لا يزالون يعتمدون على الاستشارات الإسرائيلية، وهم ويعني
ربما كان من مصلحتهم أن يلجؤوا إلى مصادر أخرى للاستشارات علها
تساعدهم على فهم حقيقي لثقافة المنطقة، عبر الاستشارات الإسرائيلية
جاء هذا الكيس لأنه اختراع إسرائيلي.
*أحمد منصور: و الآن عملية الإهانة المتعمدة ما هي ردة الفعل عليها
بالنسبة للرجال؟ أنت تقول الآن النظام العشائري ورجال العشيرة،
فالمرأة بتصرفاتها لا تبحث عن حقوق ولا تبحث عن شيء وإنما تريد أن
تستنجد بالرجال ليحموها من الوضع الذي هي فيه، وهناك كثير من
التقارير تشير إلى وجود نساء معتقلات وعمليات الإهانات أيضا التي
تتعرض لها النسوة والتي ربما لم يفصح عنها، ولكن العراقيين يتحدثون
عن هذا هناك، مثل هذا الأمر ما هو أثره أيضا على الرجال الذين تعتبر
الرجولة لديهم وعدم الإهانة يعني يمكن أن الرجل يقتل ولا يرى هذا
الأمر؟
محمد أحمد النابلسي: سيدي البروفيسور /دي توبين غن/ هو بروفيسور
فرنسي من ستراسبورغ درس مجموعة حروب ودرس الفوارق بين الحرب العالمية
الأولى والحرب العالمية الثانية، ووجد في الحرب العالمية الأولى أن
المقاتل الألماني كان أكثر عقيدة قتالية، في الحرب العالمية الثانية
كانت عقيدته القتالية أخف، فوجد أنه عندما تكون العقيدة القتالية
قوية فإن ردود الفعل تكون ردود فعل جسدية بمعنى ذبحة قلبية، انفجار
في المخ، فهؤلاء الناس الذين يتعرضون لهذا الذل وهم عاجزون عن
الانتقام تتبدى ردة الفعل عندهم بأمراض تنعكس عليهم..يعني ردة فعلهم
تكون جسدية.
*أحمد منصور: لكن لو عنده قدرة على الانتقام هل هذا الذي يُفَعِّل
دور المقاومة الآن؟
محمد أحمد النابلسي: لو عنده القدرة فسينتقم، طبعا هذا هو المبدأ بكل
بساطة..
*أحمد منصور: يعني الشق الآخر للمسألة هو التحول إلى مقاوم، إلى
محاولة استرداد..
محمد أحمد النابلسي: بكل بساطة عندما يتعرض إنسان ما إلى ظلم فإن أول
ردة فعل عنده ستكون محاولة الانتقام عاجلا أم آجلاً، والثقافة
العربية معروفة بأن الانتقام له فلسفة خاصة أقصد :الثأر، ويعني عندما
يسأل الأميركيون لماذا يكرهوننا عليهم أن يراجعوا هذه النقاط وهذه
المنطلقات الثقافية..
*أحمد منصور: هل هذا يساهم في صناعة هذه الكراهية؟
محمد أحمد النابلسي: إنه يصنع الكراهية ولا يساهم في صنعها، هذا
الأمر كافٍ تماماً لصناعة الكراهية، إنه مجتمع يفلسف الانتقام ويحوله
إلى ثأر، والثأر هو عبارة عن تعليب للانتقام وجعله سليماً وقابلا
للتعاطي بعد سنوات، يعني رغبة الانتقام يمكن أن تبرد بعد فترة أما
رغبة الثأر فتتأصل وتنتقل من جيلٍ إلى جيلٍ، وعلى الأميركيين أن
يفهموا أن لا يزرعوا بذور الكراهية بهذا الشكل غير الإنساني وعليهم
أن يتعاطوا مع شعوب المنطقة يعني أن يحترموا العناصر الثقافية
للمنطقة بغض النظر عن السياسة والعسكر..
*أحمد منصور: يبدو أن الجنود الأميركيين ليسوا أفضل حالا من حال
العراقيين، تقرير نشرته نيوزويك الأميركية في عددها الصادر في 13
كانون الثاني الماضي نقلا عن السيرجنت جانيت سميث التي قالت: لا أعلم
ما إذا سيكون بمقدوري الحياة بشكل طبيعي بعد الآن، من الصعب عليك ألا
تشعر بالتوتر حين يموت الجنود من حولك بشكل يومي. وتقول المجلة: إن
الجنود الأميركيين من الرجال والنساء شهدوا أموراً لن يكون بمقدورهم
الحديث عنها بسهولة، بعضهم يشعر بأن الأذى الذي لحق به لا يمكن
معالجته، والبعض الآخر يدرك أن الكوابيس ستأتي بعد سنوات، في المقابل
ما هي الأمراض والآلام النفسية التي يمكن أن تلحق بهذا الجندي الذي
هو يسببها للآخر رغم ما يحمل من قوة وسلاح، مدجج بالسلاح يأتي بعنصر
القوة ويحاول أن يفرض نفسه حتى على أناس عزل؟
محمد أحمد النابلسي: الأشخاص المعرضون للكارثة عندما يتوقعون الكارثة
فإن هذا يشكل نوعاً من التهيئة النفسية لتقبل الكارثة، أما عندما
تأتي الكارثة مفاجئة فإنها تكون صاعقة وتكون آثارها مضاعفة.
الأميركيون قدموا إلى العراق وهم لديهم ضمانات أنهم في رحلة صيد،
وسيُستقبلون بالزهور.. ومن هنا كانت وطأة المقاومة العراقية عليهم
كبيرة، لأن المقاومة العراقية بالنسبة للجنود الأميركيين تمثل كارثة
غير متوقعة، ومن هنا كان عدم قدرتهم على الاحتمال وهذا تماماً عكس ما
يجري للمواطن العراقي، المواطن العراقي كان يتوقع صدمةً، كان يعرف أن
الأميركيين هم عتاةٌ، و كان يعرف استعدادهم لاستعمال أسلحة فتاكة
وغير تقليدية إلى آخره، إذاً كان أمام كارثة متوقعة فكارثة المواطن
العراقي كانت أكبر ولكنه استطاع أن يتحملها بصورة أفضل لأنها كانت
متوقعة.
*أحمد منصور: يعني معنى ذلك قدرة العراقي على التحمل أعلى من قدرة
الأميركي؟
محمد أحمد النابلسي: يعني بدون شك لمجموعة أسباب ليس فقط لأن الكارثة
متوقعة بل لأنه يقاتل من أجل النظم الرمزية.. يقاتل من أجل أرضه
وعرضه وهي في الإسلام يعتبر شهيدا يعني هو يقاتل من أجل لغته من أجل
تراثه من أجل تاريخه هو يقاتل من أجل استمرار النوع يقاتل من أجل
حماية بقية العرب والمسلمين يعني لديه دوافع قتالية من الدرجة
الأولى.
*أحمد منصور: الجيش الأميركي نشر تقريرا في 26 آذار الماضي جاء فيه
أن الجنود الأميركيين في العراق يعانون من انخفاض في المعنويات وصلت
نسبته إلى 52في المائة .حالات الانتحار ارتفعت بنسبة تفوق المعدل
العام للجيش الذي هو 12في المائة، حرب فيتنام كانت 15.6 لكل مائة ألف
جندي الآن في العراق بلغت رقما غير مسبوق وهو 17.13 في المائة،
والجيش الأميركي يقول إنه لا يعرف سبباً لهذا، لا يعرف سببا لارتفاع
نسبة الانتحار هل يمكننا معرفة الأسباب ؟.
محمد أحمد النابلسي: هذا بالضبط ما أريد أن أقوله إن الإحصائيات
غالباً ما تغش..
*أحمد منصور: يعني ممكن تكون أعلى من ذلك؟
محمد أحمد النابلسي: ممكن تكون أعلى من ذلك ومن ثم سرد الإحصائيات
ممكن أن يدفعنا بالاتجاه الخاطئ يعني باختصار شديد ما جرى في الأوضاع
الشديدة (Stress) وفي أوضاع الخوف والضغط النفسي وإلى آخره كل البشر
تزداد ميولهم للإقبال على المسممات يعني لو واحد يدخن سجائر
فسيدخن..بشراهة أكبر، لو يشرب كحولاً فسيشرب بكمية أكبر، لو يتعاطى
مخدرات سيتعاطى بكمية أكبر..
*أحمد منصور: وهذا أيضاً منشور في التقرير..
محمد أحمد النابلسي: وهذا تحديداً ما يجري..
*أحمد منصور: والبريطانيون نشرت عنهم بعض الأشياء..
محمد أحمد النابلسي: تماما وجدت زجاجات كحول فارغة في الدبابات
والطيارات وكانت هي مسؤولة عن النيران الصديقة، أقيل في اليوم التاسع
للحرب أحد كبار الضباط الأميركيين بسبب بيعه المخدرات لجنوده كان في
طريقه إلى الناصرية وأقيل في اليوم التاسع للحرب، ثم أن هؤلاء الجنود
هم شريحة من المجتمع الأميركي الذي تنتشر فيه آفة الإدمان يعني بل
أنهم الشريحة الدُنيا من المجتمع حيث الانتشار يقارب الـ 50 أو الـ
60في المائة، بالنسبة للمخدرات حتى أن هنالك أخباراً شبه مؤكدة أن
اختراقات مخابراتية هامة استطاعت المقاومة العراقية أن تحصل عليها من
خلال تأمين المخدرات للجنود الأميركيين، ومنذ ثلاثة أيام تحديدا أعلن
الأميركيون عن ضبط شحنة مخدرات قادمة إلى العراق، وبطبيعة الحال
العراقيون ليسوا مستهلكي مخدرات.. يعني هذه الشحنة كانت قادمة إلى
الأميركيين سواء أن ضباطاً أميركيين فاسدين استقدموها أم أنها
استُقدمت لرشوة هؤلاء الضباط، إذاً زيادة الإقبال على المسممات
والمخدرات هي التي تؤدي إلى الانتحار وتؤدي إلى الاكتئاب وتؤدي إلى
زيادة الخوف، يعني مثل كل الحالات، يسكر كي ينسى، ولكن عندما ينتهي
مفعول السكر أو التعاطي يكون أكثر كآبة وأكثر عرضة للانتحار إذاً..
*أحمد منصور: يعني هذه أمراض خاصة بالحروب وتحديداً من الممارسات
الأميركية التي تمت في محاولات سابقة سواء في فيتنام أم في الصومال
أم في غيرها..
*أحمد منصور: وكذلك نُشِرت بعض التقارير التي تشير إلى أن الجنود
الأميركيين الذين يقومون بعمليات المداهمات، يقومون بسرقة بعض
الأشياء الثمينة من البيوت والأموال والمصوغات فما هي برأيك دوافع
الجندي الخائف لأن يسرق ؟
محمد أحمد النابلسي: هذه السرقة هي أبسط الانحرافات، يعني نحن رأينا
قسماً من شهادة بريمر الحاكم الأميركي للعراق في الكونغرس عندما
سُئِل أين ذهبت أموال العراقيين؟ ووجدنا أنه لم يعط جوابا إذاً
فالسرقة هي أبسط الأمور التي يقومون بممارستها
المقارنة بين الروح المعنوية للمقاومين والأميركيين
*أحمد منصور: وبالنسبة للمقاومة ففي الوقت الذي نرى فيه الجنود
الأميركيين خائفين نرى رجال المقاومة رجال المقاومة كما نراهم ،من
خلال الصور التي تعرض لهم، يبدون معنويات عالية وهم مبتهجون رغم قلة
الأسلحة والأسلحة البسيطة التي معهم، في الوقت الذي يكون فيه الجندي
الأميركي مدججاً بالسلاح ويتحرك في سيارة مدرعة وغيرها،ومع هذا فإن
52 في المائة، من الجنود الأميركان حسب تقرير الجيش الأميركي يعانون
من انخفاض حاد في الروح المعنوية، يعني أكثر من نصف القوات، وفي
المقابل هناك ارتفاع في الروح المعنوية لدى رجال المقاومة العراقية،
فما سبب انهيار الروح المعنوية لدى الجندي الأميركي وارتفاع الروح
المعنوية لدى المقاوم العراقي؟.
محمد أحمد النابلسي: فلنعد إلى البداية نحن أمام جندي أميركي مدجج
بكلفة تسليح قُدِّرَت بسبعة وعشرين ألف دولار..للجندي الواحد بين
الأشعة تحت الحمراء والاتصال مع القيادة، الخوذة الخاصة، مجموعة
الدرع الذي يلبسه وهو في مواجهة رجل يحمل سلاحاً خفيفاً ويلبس
دشداشة، المقارنة بحد ذاتها مقارنة ظالمة، ولكن كيف نفسر القضية.. هي
بكل بساطة أن هذا الرجل المقاوم يستسهل الموت في الثقافة العربية
الإسلامية عندما تُهان الكرامات وعندما تُمَس المقدسات فإن الموت
يصبح سهلاً وأحياناً يصبح أمنيةً وخاصةً عندما تستوفي المسألة شروط
الاستشهاد، يعني عندما يرى صاحب الدشداشة والسلاح الخفيف أنه قد
استوفى شروط الاستشهاد فإنه يستسهل الموت وهذا سبب تفوقه وروحه
المعنوية العالية وكل هذه الأشياء.
*أحمد منصور: وحالات الابتهاج هذه التي نشاهدها من الصغار والكبار لا
سيما حينما تحدث عملية ضد القوات الأميركية نجد الأطفال يهللون، كما
في الحادثة الشهيرة التي أدت في 31 آذار إلى سحل الجنود أو ضباط
القوات الخاصة الأميركية الذين يعملون في شركة خاصة للحراسة في
الفلوجة، فالأهالي كانوا مبتهجين، مثل هذه الأشياء كيف يمكن تفسيرها؟
أقصد ظاهرة الابتهاج التي يعيش فيها الصغار والكبار في حال حدوث
خسائر لدى القوات الأميركية، في الوقت الذي كان يُنظر فيه إلى أن
الشعب العراقي كان فعلاً في البداية كأنه يرحب بالقوات الأميركية
لتخليصه من نظام صدام حسين؟
محمد أحمد النابلسي: الأطفال يتقنون الخوف وهم يخافون من الغول ولكن
عندما يقع الغول يريدون أن ينتقموا من خوفهم، فبالتالي هذا الغول
الأميركي الذي يُهددهم ويُهدد أطفالهم فعندما يرونه منزوع الأنياب،
فإنهم يبتهجون بهذا. وهذه ردة فعل طبيعية عند أي طفل تجاه أي موضوع
مرعب بالنسبة له، فالأميركيون يلعبون دور الغول بالنسبة للأطفال
العراقيين وعليهم أن ينتظروا أن يبتهج الطفل بالقضاء على الغول.
تمسك العراقيين بالعلم القديم
*أحمد منصور: أريد أن نتحدث عن نقطة معنوية الحقيقة وهي نقطة العلم
العراقي وتأثيره، فكما تعلم فقد ظهر علم جديد ولكن لاحظنا في حل أزمة
الفلوجة أن اللواء الذي دخلها صمم أن يحمل العلم العراقي القديم أي
أنه لم يرفع العلم الجديد..وكأنه يحاول أن يؤكد للناس أنه ينتمي إلى
نفس الانتماء الخاص بهم
محمد أحمد النابلسي: أريد أن أتكلم عن العلم الجديد، العلم القديم هو
أساسا علم وحدوي يجسد حلماً عربياً قديماً يعني أغنية الحلم العربي
التي أبكت الملايين، وإضافة كلمتي الله أكبر على العلم كانت انعكاساً
لواقع تحوّلٍ في المجتمع العربي، فقد ازدادت العودة للإسلام ففرضت
كلمة الله أكبر عليه فأصبح رمزاً إسلامياً ووحدوياً في الوقت نفسه،
بالعودة إلى العلم الجديد فهو برأيي علم غبي بكل المقاييس.
*أحمد منصور: من تقييم طبي نفسي يعني؟
محمد أحمد النابلسي: من تقييم تحليل الرسوم.
*أحمد منصور: باختصار.
محمد أحمد النابلسي: يعني هنالك نحن في بعض الاختبارات المرسومة التي
نخضعها للتحليل اختبار الشجرة واختبار اسم الشخص وإلى آخره، في هذا
العلم نجد أولا الخطين الأزرقين يمثلان دجلة والفرات وهل العراق
الجديد هو فقط المنطقة الواقعة بين دجلة والفرات؟ هل تخلوا عن شرق
الفرات وأصبح من حق إسرائيل من حق العلم الإسرائيلي الذي يمتد من
النيل إلى الفرات؟ يعني هذا يتنازل عن الحصة الإسرائيلية..
*أحمد منصور: هل هذا سبب رفض العراقيين للعلم وحرقهم له أم أنهم أيضا
رفضوا لأن هذا العلم صوره مرتبطة بالاحتلال من الناحية النفسية؟
محمد أحمد النابلسي: يعني تغيير العلم هو تغيير نظام رمزي وتغيير رمز
للأمة، يعني لا يمكن أن يُغير العلم في ظل غياب شرعية وطنية.
(الدكتور محمد أحمد النابلسي: الأمين العام للاتحاد العربي للعلوم
النفسية، وُلِد في طرابلس عام 1954 حصل على الدكتوراه في الطب من
جامعة كريوفا في رومانيا عام 1984 وعلى دكتوراه دولة في الطب النفسي
من جامعة بودابست عام 1992، يعمل أستاذا في كلية العلوم الطبية في
الجامعة اللبنانية، مؤسس ورئيس تحرير مجلة الثقافة النفسية المتخصصة،
عضو استشاري للجمعية العالمية لطب المسنين، نائب رئيس الجمعية
الإسلامية العالمية للصحة النفسية، عضو مجلس إدارة اتحاد الأطباء
النفسيين العرب، شارك في عشرات المؤتمرات الطبية النفسية، صدر له حتى
الآن أربعون كتاباً في مجالات الطب والسياسة).
|
|
|
|
|
|
|