فساد الازمنة
ازمة .. وازمة رجل
حسين السامرائي |
يتحدث
الناس بمرارة هذه الايام عن الوضع الامني بعد يأس تام من السيطرة
عليه، وبعد فقدان أي امل في ضبط الحالة وايقافها عند حد مقبول
ومعقول!!..هذه المرارة التي تملأ افواه الناس اصبحت تطبق على
حياتهم الراهنة تماما، سيما وان العراقيين صاروا يحللون الظاهرة
الامنية كلا على هواه وعلى مقدار وعيه وحسب اجتهاده، ولم يعد
المواطن يثق في البيانات والتصريحات التي يدلي بها المسؤولون حول
الاحداث الامنية..ذلك ان المعلومات التي تنقلها وسائل الاعلام
المختلفة عن المسؤولين لا تتسم بالدقة ولا تحمل معلومات واضحة
وحاسمة..مثل المعلومات التي تناولها المسؤولون عن حوادث الانفجارات
القوية التي شهدها الاسبوع الفائت حيث اعلن بعض المسؤولين في
الشرطة العراقية ان الدمار الذي حدث في مناطق الانفجارات العنيفة،
وتحديدا في فندق قرب ساحة الاندلس والمنازل المجاورة له، نجم عن
صاروخ، بينما قال مسؤولون اخرون في قوات التحالف انه ناتج عن سيارة
ملغومة ، لكن مواطنين كانوا قريبين من منطقة الانفجار قالوا انه
ناتج عن عمل انتحاري ، اما بعض سكان المنطقة فانهم يؤكدون انهم
شاهدوا لهب صاروخ مر فوق رؤوسهم قبل ان يرتطم بالارض ليحدث دمارا
هائلا في منطقة واسعة.
وسط هذه الاراء المتناثرة ، وهذا التناقض في البيانات الرسمية،
يبرز سؤال اخر في غاية الاهمية الا وهو، الام ستستمر هذه الاوضاع
وعلام هذا النزف في الجسد العراقي؟!
ها قد مر عام على الاطاحة بالنظام الدكتاتوري المستبد..وهاهي
الارواح تزهق ليل نهار وها هو الوقت يحصد الابرياء بلا حساب.
ثم ياتي سؤال كبير عريض يقرع في الرؤوس، ويحفز في العقول.. من
المستفيد؟؟
من ذا الذي يريد عراقا بلا استقرار وبلا سيادة..بلا امن..بلا
مستقبل؟ من يجني الفائدة من ذلك؟
اعتقد ان الاجابة عن هذا السؤال هو حق مطلق للأميركيين
والبريطانيين، اما الاجتهادات والتحليلات فهي مجرد عواطف وتمنيات
في زمن غابت عنه الامنيات وتشردت فيه العواطف
كنا قبل بضعة ايام في ضيافة سورية وكرم قيادتها..فاقمنا في ظل
الدفء الاخوي، لكننا، نحن المتعبون في الارض، لانهنأ الا حين ننظر
الى جرحنا، ولا نهدأ الا اذا افصحنا عما يختلج في الصدر.
كان مضيفنا الاستاذ عبد الحليم خدام نائب الرئيس السوري، وكانت سعة
صدره اكبر من سعة المكان، ولقد اصغى الينا بأناة وكرم.. اصغى
للمتحدث الاول مشعان الجبوري، وقبل جرأته وصراحته وتفاعل مع الهموم
التي حملها، بعد ان منحنا وقتا استغرق لاكثر من ساعتين.
اكتشفنا نحن الذين عشنا ذلك الوقت المفعم بالوعي والمسؤولية ان
الاستاذ عبد الحليم خدام، مثل كل القيادة السورية، مهموم بالشأن
العراقي، مثلما هو مهموم بالشأن السوري، لذلك كان يتبادل الحديث
والنقاش دون تحسب.
لقد كان الحديث عن الحاضر والماضي في ان معا، عن العراق في ظل
وضعين مختلفين تماما، وبدا لنا ان العقل والحكمة حين يجري
استخدامهما في الازمات او المهمات ، فان النتائج تاتي متطابقة
بنسبة كبيرة مع الحسابات المرسومة بدقة..وحين يكون النهوض
بالمسؤولية من افراز العقل والحكمة، فان مسار الحياة يظل متمشيا مع
الواقع ومستجيبا لمصلحة الشعب والوطن.
ايقنا ان القيادة السورية تعمل دون كلل من اجل استقرار العراق
واستعادة عافيته وامتلاك استقلاله وارساء التجربة الديمقراطية،
وايقنا انهم يريدون لنا مثلما نريد لانفسنا الامن والرخاء.
وبالمقابل فانه يتعين على ابناء العراق ان يحفظوا سورية في حدقات
العيون ويتآزروا مع محنها وازماتها، لما فيه من خير ونجاح في كل
مساعيها.
|
العراق في زمن اللامبالاة
تعلّم اللغة الديمقراطية في خمسة أيام من دون معلم
د. إسماعيل نوري الربيعي |
|
في الوقت
الذي يعيش العراق أشد لحظاته التاريخية حراجة، لم يتوان اثنان من
المثقفين العراقيين من الاندراج في سجال ساخن حول نسبة مقولة (عندما
أسمع كلمة ثقافة لا أتردد من تحسس مسدسي) وهل هي كما يشاع لغوبلز
وزير الدعاية النازية، أم هي نص مقتطع من مسرحية (شلاكتر) للكاتب
الألماني هانز جوست، ومابين الانقسام والتوزع حول أي الطرفين هو
الأصح والأقرب الى المعرفة الدقيقة والحصيفة، يبقى المثقف العراقي
يمتاح من المعارف محاولا تجنب الاقتطاع والاجتزاء، أو محاولات الضحك
على الذقون التي تحاول البعض من القوى ممارستها عليه. إنه المستغرق
في لعبة الحياة، بشغف يثير التعجب وإرادة صلبة قدت من الفولاذ، لكن
التباسات الوقائع تجعل منه شديد القرب من لزوميات أبي العلاء المعري:
نحب العيش بغضا للمنايا
ونحن بما هوينا الأشقياء
الشقاء بالمعرفة
وما بين حب العيش والشقاء به، تكون الدائرة وقد بلغت الالتحام
والتكون، باعتبار حالة التطلع نحو استخلاص الرهانات والدلالات، من
واقع التحديات الكبرى، والتي تترسمها اشتراطات المعرفة في سبيل
الوصول الى تحليل للبنية الاجتماعية، عبر الاستناد الى المجمل من
الأدوات والوسائل المتاحة، حتى ليكون الترصد الدقيق في صلب العلاقات،
من الوسائط الفاعلة في تحديد البنية، ومن هنا تتبدى أهمية الدور
والوظيفة التي يمكن للمثقف الاضطلاع بها، حيث تبرز أهمية التوجه نحو
التحليلات المتعددة، المستندة الى التدقيق والتفصيل في قراءة الأبعاد
الثقافية من قيم وأعراف وتقاليد ومضامين متداولة، وعلى مختلف الحقول
الثقافية منها والدينية، وما يمكن لهذه الأبعاد أن تحققه في طريقة
التواصل الجماعي والتفاعلات القائمة داخل المجتمع.
كيف يمكن للمثقف العراقي أن يستبطن المعنى المتعلق بمصطلحات من نوع
الحركة الكبرى، صراع المصالح، محددات الفرص، الأوضاع الاجتماعية
للديمقراطية. فيما يكون الحديث عن التغيير والتحول والمجتمع الجديد،
بطريقة التقديم للمفاهيم المسبقة الصنع. ومن هذا الزحف الذي لا يعرف
التوقف من الضغط الكثيف لمصطلحات؛ الديمقراطية والشفافية والحرية
والدستور والعناية بالبيئة والمساواة والعدالة الاجتماعية، تكون
التقاطعات على أشدها بالنسبة لعقل المثقف العراقي، الذي بات يعيش
حالة الهدر والتفريط بكرامته المعرفية، هذا باعتبار أن طريقة التداول
صارت تمس الأخص من تفاصيل الأفكار والقراءات والتجارب والممارسات
والرهانات، التي مثلت رصيده الفكري وتراثه المعرفي وتاريخه العقلي.
الأمر هنا لا يتعلق بأرض بلقع، ولا واد مجدب قفر، يأتي إليه الآخرون
ليعملوا على إقرار ترسيم المحددات والتفاصيل المتعلقة بالبعد الثقافي
للمجتمع العراقي، وفق المواصفات الجاهزة. حيث الاتجاه نحو تصنيع
النموذج الديمقراطي الذي تمليه المواصفات والمواضعات الخاصة بالبيئة
الأخرى، حتى لتكون الإضافة وقد تمثلت في المعاهد والمدارس التي راح
البعض من المشتغلين يعملون على افتتاحها في الديار العراقية، من أجل
تعليم المجتمع العراقي فن الديمقراطية .
الأخذ والعطاء
مازال الشعار الذي تربى عليه الصغار ماثلا في الأذهان (الحرية تؤخذ
ولا تعطى)، كذلك الحال بالنسبة الى الديمقراطية، هذا باعتبار قوة
التمثل فيها وليس قوة الحدث، فالأمر هنا لا يتعلق بقرار، أو تعالقات
تفرضها المكونات والتفاعلات على صعيد العلاقات الدولية، أو مدى
التصعيد في مجال الصراع بين القوى. وإذا كان سقف التاريخ قد تحددت
فيه المسافات باعتبار انتصار النموذج الليبرالي، فإن الأمر هنا يبقى
مندرجا في طبيعة موجهات الصراع الذي دار بين طرفين، لم يكن ثالث
بينهما. ومن هذا، فإن عملية الإذكاء للتوجيه وطريقة التصعيد
الديمقراطي، لن تخرج البتة عن قسمات وملامح الأدلجة الفكرية، والتي
طالما نعت الأنظمة الليبرالية، على الأنظمة الشمولية طريقة القسر
والقهر والفرض، الذي يسقط تحت عسف ونير الفكرة الواحدة واللون الواحد
والعقل الواحد. ومن هنا يكون السؤال في اشد حالاته مباشرة، حول
الطريقة التي يتم بها مقرطة العالم، من دون الأخذ بنظر الاعتبار
الموجهات والمحددات المتعلقة بالمصالح والمنافسات والصراعات، التي
تشكل محتوى الحراك والدينامية الاجتماعية، وإذا كان الغرب قد فتح
الله عليه بالديمقراطية، وقيض له النجاح والتفوق والتألق حتى، فإن
الأمر يبقى قابلا للانفتاح على الواسع والمحتمل والمأمول والمتوقع،
الخارج من إسار الثابت والمسّلم به والبديهي، وهذا على أقل تقدير ما
كانت تلح عليه القيم الديمقراطية، إبان مرحلة الصراع المباشر ضد
الغريم القديم الاشتراكي.
في دراسة الواقعة والتمثل، يحتل المعيق الإدراكي والذهني المساحة
المهمة والواسعة، هذا بحساب طريقة التفاعل والهضم للمفاهيم
والاصطلاحات المتداولة، ولعل السؤال المباشر هنا يتعلق بطريقة تمثل
العراقيين لمفهوم الديمقراطية، بعد عام من الاحتلال تحديدا، وليس
التمثل للمفهوم بعينه. ترى أين الخلل في ترسيم معالم العلاقة، وماهي
ملامح الإعاقة حول هذه الديمقراطية، التي تسعى المزيد من القوى إلى
إقرارها وجعلها واقعا، في صميم التفاعلات العراقية؟
التمثل المجزوء
القضية هنا تتعلق بأزمة المصطلح وطريقة تداوله، وهذا تحديدا ما يجعل
منا مستذكرين مصطلحا آخر، كان تداوله في الوسط العراقي يثير الكثير
من الشكوك والارتياب، حيث (الليبرالية)، والتي تم تحميلها بالكثير من
سوء الظن والقلق العميق، هذا باعتبار الأصول الغربية لها، ومدى
العلاقة المباشرة مع هذا الغرب، إبان حقبة الاستعمار، أو في الحقبة
التالية مباشرة حيث الاستقلال. يبقى الأهم هنا متعلقاً في حدث
الاحتلال المباشر للعراق، والذي تم على يد القوات الاميركية، وهي
ذاتها اليوم تدعو الى تطبيق الديمقراطية. حتى لتكون المعادلة في أشد
حالات التوتر، حيث الربط المباشر بين الاحتلال والديمقراطية.
التلبسات هنا تتعلق بالإصرار على الدعوة الشديدة والمباشرة نحو
الديمقراطية، فيما يعيش العراق حالة التردي المفجع لمجمل القطاعات
والحقول، حتى ليؤدي الحال الى ترسيم معالم العبث والاختلاط الذي بات
المواطن العراقي، يعيش الأقصى من تجلياته. لا شك أن الديمقراطية
تحتوي على الجاذبية الكبيرة، بل مثلت الحلم الكبير الذي طالما تمناه
المواطن العراقي، لكن الطابع الحدثي الذي ميز الدعوة الى الديمقراطية
في ظل الاضطراب والفوضى، أسهم والى حد بعيد في تلويث سمعة
الديمقراطية، حتى بات المواطن البسيط يتساءل عنها بحرقة وألم ممض،
فيما راح القطاع الأوسع يربط ما بينها والفوضى والاضطراب والتحلل،
والفساد الإداري والقتل العشوائي وانعدام الأمن، والبطالة والوعود
الكاذبة والتمزقات الطائفية والعرقية، وتهديد الوطن بالتقسيم والتوزع
الجغرافي، وتغييب مفهوم المواطنة والانتماء والإيثار والوعي
بالمبادئ. ومن هذا الكل الذي يجثم على الوطن المبتلى بالخراب
والتمزق، لا يجد العراقي بدا من الاستشهاد بما قاله أبو فراس
الحمداني ذات يوم:
أراني وقومي فرقتنا مذاهب
وان جمعتنا في الأصول المناسب
|
|
إصْـ... لاح!!
محمد الرطيان |
|
(الاصلاح)... هي الكلمة الاكثر رواجاً في العالم العربي.. الآن.
صار الجميع يرددها: من أقصى الجماعات المعارضة تطرفاً، حتى أكثر
الحكومات قمعا ً!... هي أغنية الجميع المفضلة. والكل يدّعي أنه كاتب
كلماتها، وملحنها، وموزعها، وما علينا إلا أن نغني له!
والعجيب أن الحكومات صارت ترددها أكثر من المعارضة.. الى الدرجة التي
تجعلـك تشعر ان (الاصلاح) كلمة مشبوهه!!
ولكن، يجب ان لا ننسى ان لكل جهة ( اصلاحها ) الخاص بها!
فأقصى اليمين يرى ان ( الاصلاح ) هو رجم اليسار بكل ما فيه، وأقصى
اليسار يـرى ان ( الاصلاح ) هو سحق اليمين، والحجر عليه وعلى افكاره!
والحكومات ترى ان اهم فقرة في كتاب الاصلاح، هو ان تحقق رغبة اليسار
واليمين..
وذلك بأن ترجم الأول، وتسحق الثاني!!
وطبعا لا ننسى أن أهم بند من بنود الاصلاح لدى اليسار واليمين والوسط
( وهو بند غير معلن ) هو طرد الحكومة من الحكومة.
والجميع يلعن (الاصلاح الأميركي).. ولم يخبرك أي أحد منهم ما الفرق
بين الاصلاح الأميركي والاصلاح غيـــر الأميركي.. وهـل هنالـك فـرق
بيــن اصلاح واصلاح.. اللـه يصلحنا ويصلحهم ويصلحكم؟!!
وأخيراً... ولكـي نفهـم مـا الـذي يعنيـه ( الاصلاح ) عربيا ً..
نذكرّكم أن المعتقلات والسجون في بعض الدول العربية، تسمّـى ( مراكز
اصلاح )!!
|
|
تغييب المساواة مدخل للاستبداد..
باسط بن حسن |
|
التمييز
كمدخل للاستبداد وإعادة إنتاج خطابه:
أحيت البلدان العربية مثلها مثل سائر بلدان العالم اليوم العالمي
للمرأة. وقد كان مناسبة جديدة لترديد مقولات حول أهمية منزلة المرأة
كـ(شريك) للرجل وأنها تمثّل (نصف المجتمع)، وغيرها من الشعارات التي
تٌبرز جراح الواقع وآلامه، أنها مجّرد عبارات جوفاء لا تصمد أمام
خطاب تمييز فعلي يُؤسس لعنف مادي ورمزي يقصي النساء عن دائرة الفعل
في الوجود ويعّطل مشاريع المشاركة الديمقراطية في التنمية الإنسانية.
لقد أصبحت الثقافة العربية آلة مرعبة لإعادة إنتاج الشعارات
الكليانية وإقصاء إمكانات الفعل المغاير باستدعاء مرجعيات مغلقة
تتمحور حول مطلق الهوية وصفاء الإرث، وهي مداخل لتأبيد السائد وإدامة
الاستبداد.
إن الصيحة المتفجّعة التي يردّدها الكلّ حول أسباب تخلّف البلدان
العربية وعدم مقدرتها على الارتقاء إلى الأخذ بأسباب التقدّم
والديمقراطية وحقوق الإنسان في جلد قبيح للذات يقصي عن دائرته السؤال
القيمي والقانوني الأساسي، وهو سؤال المساواة.
فهل يمكن تحرير الفكر العقلاني المبدع وإنتاج المعرفة الفاعلة وهي
أداة التنمية بإقصاء الآخر من دائرة وجودنا، والتقوقع في جزر من
النرجسية الذاتية والجماعية المكتفية بتأمّل وحدتها في مرآة عجزها
نرجسية الإخصاء الحضاري التي تقصي الآخر المتعدّد فينا: الغرب
والمرأة والأقليات واللاجئون والمعوقين والمرضى والبدون. وتعجز عن
إدماجه في قراءة وجودية مبدعة للهوية كفراغ دائم يسعى إلى الامتلاء
بمعاني الحرّية. فراغ نهّدد به ثنائيات القوّة والضعف والخير والشرّ
والمقدس والمدنّس والشرق والغرب؟
وهل يمكن أن نؤسس لمنظومة تنهض بحقوق الإنسان والديمقراطية في حين
يغيب أحد الأسس التي قامت عليها حقوق الإنسان وهي المساواة؟
والمساواة قيمة جوهرية لحقوق الإنسان وعنصر أساسي من عناصر تعريف
الحق. ويعني التمييز إنكار أن يكون للآخر حق. وهو تصنيف للناس على
أساس انتمائهم إلى فئات ذات خصائص معنية وليس على أساس قدراتهم.
إن انتهاك الحق في المساواة هو انتهاك للحق في المشاركة الديمقراطية
والمواطنة وتأسيس لأنماط مجتمعية تقوم على التسلّط والاستبداد في
الثقافة والممارسة السياسية.
فمن السخرية أن نرى عددا من المنادين بحقوق الإنسان والديمقراطية
يتعجبون من انتفائها في بلداننا، في حين أنهم يؤسّسون لخطاب يحتقر
المساواة أو يعجز عن تحويلها إلى برامج عمل وطاقة تغيير للمجتمعات.
ويندفع البعض أقصى مدى من السوداوية حيث يستعمل خطاب حقوق الإنسان في
عملية احتواء تفرغها من جوهرها وهو المساواة ليدافعوا عن حق المرأة
في أن لا تكون لها حقوق.
وذلك بالمناداة بأن تختار قيدها بحرية، الحجاب مثلا في بعديه المادي
والاجتماعي، أو أن تقبل باستبعادها عن بعض ميادين المشاركة باسم
تمييزها البايولوجي. إنها عملية خلط عجيبة بين مرجعية حقوق الإنسان
ومرجعيات إيديولوجية تتوسل منطلقات دينية. وبدل إجراء حوار مبدع بين
المرجعيات، تخلط المرجعيات خلطا يؤدي إلى إبهام حضاري تتخبّط فيه
ثقافتنا بشكل مأساوي.
خطاب المساواة بين التسلّط وغيبوبة المجتمع المدني.
إن التمييز أداة عنف رمزي ومادي لمنع السياسي كتنظيم للمدنية ولتدمير
أية محاولة لقيام مواثيق للمواطنة، تسمح بإنتاج معرفة وممارسة مدنية
تحدّ من التسلّط والاستبداد.
إن سعي أغلب السلطات في بلداننا، سياسية كانت أم إيديولوجية أم دينية
للحفاظ على أنماط التمييز في الممارسة السياسية وفي تنظيم المجتمع
وفي المعرفة، هو في حقيقة الأمر وسيلة أساسية لإدامة نمط من الرؤية
للإنسان وموقعه في الوجود تتعارض في جوهرها مع المقاربة الكونية
الحديثة لحقوق الإنسان الذي تتأسس على المساواة بين البشر بقطع النظر
عن جنسهم أو لونهم أو لغتهم أو دينهم أو قناعاتهم الفكرية والسياسية،
وتحويل مبدأ المساواة إلى قاعدة قانونية ملزمة يقوم عليها تنظيم
المجتمع.
إن مقاومة السلطات لهذه المقاربة الكونية لحقوق الإنسان بعدم
الاعتراف بالمساواة والتملّص من الالتزامات بدعوى الخصوصية لا يؤدي
فقط إلى ما نراه من انتهاكات لحقوق الإنسان، مدنية وسياسية كانت أم
اقتصادية واجتماعية وثقافية، بل هو في العمق ضرب لجوهر حقوق الإنسان
ولقيام أية تجربة للمواطنة الفعلية.
لذلك تواجه المناداة بالمساواة خاصة بين الجنسين بترسانة مرعبة من
خطاب ذكوري ماثل في كل تفاصيل الثقافة وتشريعات تمييزية وعنف مادي
وخطاب إعلامي يسجن النساء في مشهد الاستهلاك أو ينتقص من حقوقهن باسم
التباهي بالإرث والهوية وصفاء المرجع الديني.
ولعلّ التساؤل عن فشل مشاريع التنمية يجد جوابا في العجز عن تفكيك
خطاب ممارسة التمييز، الذي هو في حقيقة الأمر تحطيم للأسس التي تقوم
عليها السلطة كإعادة إنتاج للاستبداد والإقصاء.
إن معوقات المساواة في بلداننا لا تقتصر على سياسة الاستبداد
وثقافتها، بل تمتدّ إلى عجز المجتمع المدني ومنظماته عن تمثل خطاب
المساواة كهمّ معرفي يفككّ أسس التمييز ويضع استراتيجيات لمواجهته
واقتراح سياسات لتفعيل المواطنة القائمة على المشاركة الحرّة.
فكيف يمكن لمنظمات المجتمع المدني أن تقوم بدورها كقوّة نقد واقتراح
في حين أن معظمها، ومن بينها منظمات حقوق الإنسان، لم تجعل من قيم
المساواة والمشاركة جوهر وجودها ومنطلق برامجها؟
فلا يمكن لأي عمل في مجال حماية حقوق الإنسان أو نشر ثقافتها أن يكون
ذا مصداقية وفاعلية إذا لم يقم على موقف واضح من التمييز بدون مداهنة
أو مراوغة أو تبريرات تعتمد منطق الأولويات.
إن اعتبار المساواة خيارا استراتيجيا لمنظمات المجتمع المدني هو أداة
لتوسيع أفق المنظمات وتعميق حضورها داخل مجتمعاتها ووسيلة لإنتاج
معرفة عملية تتجاوز التوتر المفهومي بين ثقافة سائدة متعلقّة بمفاهيم
الأصول والهوية المغلقة وثقافة حديثة تستند على قيم الحرية والكرامة
والعدالة والمساواة.
حقوق الإنسان والديمقراطية كإبداع للفرص التاريخية:
ينفتح المشهد العربي على لحظات غائمة معالمها، فضلاً عن أصوات عديدة
مختلفة إلى حد التناقض أحيانا، تنادي بالإصلاح والتطوير الديمقراطي
والنهوض بحقوق الإنسان في واقع تتواصل فيه الانتهاكات لأبسط الحقوق
في المستويين المحلي والدولي. وتكاد فيه إيديولوجية (محاربة الإرهاب)
بآلتها الدعائية والأمنية أن تهدّد جوهر المبادئ التي قامت عليها
نظرية حقوق الإنسان : الكرامة والمساواة والعدالة والحريّة.
ويحتدم النقاش في هذا الظرف حول التغيير والإصلاح، هل يأتيان من
(الداخل) أو (الخارج) ليعيدنا إلى نقاشات قديمة / جديدة حول (الأصالة
) و(المعاصرة) كانت بمثابة الحرث في الماء ومصارعة طواحين الهواء.
كل هذه التحّولات في جوانبها الإيجابية والسلبية تمثّل فرصا تاريخية
يمكن لحركة حقوق الإنسان أن تنصت إليها وأن تتحوّل من حركة احتجاج
إلى قوّة نقد واقتراح تتجاوز هذه الرغبة في احتواء خطاب الديمقراطية
وحقوق الإنسان لإفراغه من محتواه وإلى إبداع فرص تحرّك الجماعات
والأفراد لإحياء المبادئ التي قام عليها مفهوم المجتمع المدني وجعل
المساواة مدخلا للمواطنة الفعلية.
يقول ألبير كامو في الطاعون:
(الكارثة ليست في حجم الإنسان، لذلك نسرّ لأنفسنا بأن الكارثة لن تقع
أبدا وأنها كابوس سيزول. ولكن الكابوس لا يزول، ومن كابوس إلى كابوس
يفني البشر، والمدافعون عن الإنسانية أول الفانين لأنهم لم يأخذوا
حذرهم...).
شاعر من تونس، ومدير المعهد العربي لحقوق الإنسان
|
|
الخطورة في ازدواجية الجنسية
خالد طه عيسى |
الجنسية هي هوية المواطن وعن طريقها يحصل على جواز السفر وبها يملك
حق التملك في العراق ويملك الشخصية القانونية بكل التصرفات
الحياتية المطلوبة، ومن أهم النقاط في معطيات الدستور الدائم هو
الجنسية العراقية والحفاظ عليها وعدم فسح المجال لأسقاطها وهذا من
الأساسيات لتحقيق العدالة والحماية القانونية للمواطن.
ومهما اختلف الناس في نظرتهم للدستور المقترح فهناك حد أدنى من
العوامل المشتركة الأساسية في الاتفاق على مفردات مكونات نصوصه
ومنها باب الجنسية وحق العراقي في أن يحمل أكثر من جنسية واحدة.
ولأن العراق عانى ما عانى من بطش واضطهاد وانحراف في التشريعات
التي تمثل حقوق المواطنة الرئيسية ومنها الجنسية، اذ قد مارست
السلطة على مر العهود وخاصة في نظام العراق الأخير، حيث أمعن صدام
حسين بالقسوة فجعل العراقيين قسمين في تدرج جنسيتهم الى قسمين ( أ
) و ( ب)، وفيما يخص القسم الأول ( أ ) وهي التي يملكها القسم
الذين كانوا مسجلين في الولايات العثمانية يوم كان العراق تحت
سيطرة الدولة العثمانية، وهذه التسمية ما هي الا تسمية سياسية أراد
بها العثمانيون تمييز حاملي جنسيتهم عن سواهم من عوام الناس، أما
قسم ( ب) وهو ما يطلق عليهم التبعية فأن معظمهم من سكان الجنوب
وأكثرهم أمتنع عن السوق كالخراف في حروب مستمرة كان العثمانيون
يوسعون في رقعة سيطرتهم، فكان العرب يشكلون أرتالا وجيوشا بأمرة
الأتراك يحاربون على مدى عقود مع الجيش العثماني في مختلف أنحاء
العالم كأوربا في حرب البلقان وفي القوقاز في روسيا. فلا شفيع لأهل
الجنوب الا ان يدعوا انهم من سكنة أيران، وجاءت تسميات عوائل شيعية
مهمة كالقزويني والشهرستاني والبهبهاني وغيرهم، وكان لا خيار
للعراقيين، أما السفر للحرب والموت فيه أو الأختباء في سراديب
النجف أو الأنتماء الى المدارس الدينية الجعفرية، وكان شبح التسويق
لـ(السفر بر) وهو ما يعادل التجنيد الأجباري في القوانين المعاصرة.
ان السلطة تعمل على استعمال تجريد العراقي من جنسيته كسلاح فعال
للمعارضين كما في عهد النظام الملكي وبوزارة نوري السعيد بالخصوص
فقد أقدمت الحكومة العراقية آنذاك بأسقاط الجنسية عن ثلاثة من
أعلام الديمقراطيين هم :
1- عزيز شريف المحامي والنائب في المجلس ورئيس أنصار السلام
العالمية، مما دفعته أن يهرب عن طريق عنة الى الخارج.
2- الأستاذ كامل قزانجي وهو من الأعلام النيرة للفكر الديمقراطي
اليساري حينها.
3- الأستاذ توفيق منير المحامي والعضو النشيط في لجنة معاونة
العدالة ونائب رئيس أنصار السلام والقائد القانوني لكل المرافعات
السياسية والمحاكمات التاريخية التي أجراها نوري السعيد على
الوطنيين، وكان صوته يجلجل في قاعات المحاكم كما جلجل صوت (ميرابو)
في عام 1848 أيام الثورة الفرنسية وسقوط الباستيل.
منير وقازنجي أبعدهما النظام العراقي بالتعاون مع السلطة التركية
الى قرية نائية اسمها ( يوزكات ) على الحدود الروسية، وكان شرف لي
أن أزورهم في هذه القرية النائية احتراما لآرائهم ولارتباطي مع
الاثنين بصداقة حميمة وكزملاء لي في المحاماة.
أما في عهد الفاشية العصرية الجديدة أيام صدام، فانه تفنن في اسقاط
الجنسية جماعياً، وبدأ هذا العمل اللاقانوني واللاانساني مع
الأكراد الفيلية ورماهم كما ترمى الحجارة الى الحدود الإيرانية
وأبقى شبابهم في السجون ثم الحقهم بمقابر جماعية، هذه القسوة
والمغالاة في العقوبة سواء أكانت مع المعارضين أم لاختلاف في
العنصر أو الدين أو المذهب يجب ان لا تعود في ظل نظام جديد
ديمقراطي حر خاصة بعد هذه التضحيات الكبيرة للخلاص من صدام.
ان العراق باقراره هذا الدستور أعطى للعراقي الذي اكتسب جنسية
البلد الذي يقيم فيه في أوربا أو أمريكا ضمن حقه أن يحتفظ بها مع
الإبقاء على جنسيته العراقية، يعني هذا ان المشروع قد أهمل كل
الملاحظات التي ابداها المعترضون على ازدواج مبدأ الجنسية بما نص
عليه الدستور المقترح ومن هذه الاعتراضات أن الولاء الذي يحمله من
يملك جنسية مزدوجة قد تكون أقل من المواطن العادي باعتباره انه قد
عاش وتأثر بالبلد مانح الجنسية خاصة وانه يوم منحه الجنسية الجديدة
قد أقسم الولاء للدولة التي احتضنته وكما انه من يملك جنسيتين يجعل
من الدولة التي يحمل جنسيتها مسؤولية عن حمايته في الدولة الأم
ويمنع من محاكمته باعتباره مواطناً أجنبياً ومثال ذلك أن العراقي
الذي يملك جنسية بريطانية فان علاقته بالسفارة البريطانية تبقى
لحماية مواطنته الإنكليزية وهناك عدة اشكالات قانونية في التعامل
مع أصحاب الجنسيتين بأعتبارهم من مزدوجي الجنسية. وهناك خطر آخر
وأكثر الأخطاء أهمية، فقد يكون عراقي قد اكتسب جنسية دولة معادية
للعراق فكيف يتعامل القانون مع مثل هذه الحالة، أو ان عراقيين
بالجملة ذهبوا الى دولة أخرى لا زال اعلان الحرب بين هذه الدولة
والعراق قائماً، فما موقف القانون مع أكثر من بضع مئات آلاف يهود
عراقيين يحملون الجنسية الإسرائيلية والآن لهم الحق بأن يحصلوا على
الجنسية العراقية.
هذا ما يجب أن نتأنى في معالجته، الأمور وبرأيي ان لا تمنح الجنسية
العراقية الا بإجراءات قانونية تضمن السلام الأمني للعراق وحدوده.
أنا مع الذين يؤمنون ان العبرة ليست في صياغة الدستور ولا في أي
قانون آخر، انما العبرة في اليد التي تطبق هذا القانون، فالقانون
مع وجوب سلسلة حمله وصراحتها وعدم قابليتها للتأويل، الا ان هناك
دائما اجتهاداً للجهاز الذي يطبق مثل هذا القانون.
علينا جميعا أن نضع مصلحة العراق قبل أية مصلحة أخرى، شعار عراق
قوي موحد متآلف النسيج وواعي ومدرك لما يحيط به من صعاب بأن لا
نجعل ثغرات قانونية تدخل جسم العراق كما تدخل الأرضة في جدران
البيوت الرطبة، وهذا المبدأ وغيره الذي يضمن الدستور الجديد في
قانون المحافظات من فدرالية جغرافية وأحقية قيام ميزانيات خاصة لكل
محافظة ولها الحق في فرض نوع يعف من الضرائب تغطي مصاريف تلك
المحافظة.
كل هذا يستدعي توعية مبرمجة بين الناس وايصال الواقع الحقيقي في
خطورة هذه المفاهيم الجديدة على الواقع السياسي العراقي.
اذ لا يخفى على الذين ينوون العمل لصالح العراق ان يفكروا مرتين
قبل أخذ مبادئ جديدة على ما تعارف عليه التشريع العراقي، خاصة في
القضايا المهمة مثل حمل أكثر من جنسية واحدة ( أزدواجية ألجنسية )،
وكذلك علينا ان نتأنى في دعوة ألشركات الأجنبية للأستثمار في
مشاريع كبيرة أنمائية وغيرها، هذا وذاك هي قضايا مصيرية يجب ان لا
نذهب مع ما يأتي به بول بريمر في حقيبته العسكرية ونحن لا نعي ما
تعني هذه القوانين.
* مستشار قانوني
Email: tahaet@yahoo.co.uk
الجنسية هي هوية المواطن وعن طريقها يحصل على جواز السفر وبها يملك
حق التملك في العراق ويملك الشخصية القانونية بكل التصرفات
الحياتية المطلوبة، ومن أهم النقاط في معطيات الدستور الدائم هو
الجنسية العراقية والحفاظ عليها وعدم فسح المجال لأسقاطها وهذا من
الأساسيات لتحقيق العدالة والحماية القانونية للمواطن.
ومهما اختلف الناس في نظرتهم للدستور المقترح فهناك حد أدنى من
العوامل المشتركة الأساسية في الاتفاق على مفردات مكونات نصوصه
ومنها باب الجنسية وحق العراقي في أن يحمل أكثر من جنسية واحدة.
ولأن العراق عانى ما عانى من بطش واضطهاد وانحراف في التشريعات
التي تمثل حقوق المواطنة الرئيسية ومنها الجنسية، اذ قد مارست
السلطة على مر العهود وخاصة في نظام العراق الأخير، حيث أمعن صدام
حسين بالقسوة فجعل العراقيين قسمين في تدرج جنسيتهم الى قسمين ( أ
) و ( ب)، وفيما يخص القسم الأول ( أ ) وهي التي يملكها القسم
الذين كانوا مسجلين في الولايات العثمانية يوم كان العراق تحت
سيطرة الدولة العثمانية، وهذه التسمية ما هي الا تسمية سياسية أراد
بها العثمانيون تمييز حاملي جنسيتهم عن سواهم من عوام الناس، أما
قسم ( ب) وهو ما يطلق عليهم التبعية فأن معظمهم من سكان الجنوب
وأكثرهم أمتنع عن السوق كالخراف في حروب مستمرة كان العثمانيون
يوسعون في رقعة سيطرتهم، فكان العرب يشكلون أرتالا وجيوشا بأمرة
الأتراك يحاربون على مدى عقود مع الجيش العثماني في مختلف أنحاء
العالم كأوربا في حرب البلقان وفي القوقاز في روسيا. فلا شفيع لأهل
الجنوب الا ان يدعوا انهم من سكنة أيران، وجاءت تسميات عوائل شيعية
مهمة كالقزويني والشهرستاني والبهبهاني وغيرهم، وكان لا خيار
للعراقيين، أما السفر للحرب والموت فيه أو الأختباء في سراديب
النجف أو الأنتماء الى المدارس الدينية الجعفرية، وكان شبح التسويق
لـ(السفر بر) وهو ما يعادل التجنيد الأجباري في القوانين المعاصرة.
ان السلطة تعمل على استعمال تجريد العراقي من جنسيته كسلاح فعال
للمعارضين كما في عهد النظام الملكي وبوزارة نوري السعيد بالخصوص
فقد أقدمت الحكومة العراقية آنذاك بأسقاط الجنسية عن ثلاثة من
أعلام الديمقراطيين هم :
1- عزيز شريف المحامي والنائب في المجلس ورئيس أنصار السلام
العالمية، مما دفعته أن يهرب عن طريق عنة الى الخارج.
2- الأستاذ كامل قزانجي وهو من الأعلام النيرة للفكر الديمقراطي
اليساري حينها.
3- الأستاذ توفيق منير المحامي والعضو النشيط في لجنة معاونة
العدالة ونائب رئيس أنصار السلام والقائد القانوني لكل المرافعات
السياسية والمحاكمات التاريخية التي أجراها نوري السعيد على
الوطنيين، وكان صوته يجلجل في قاعات المحاكم كما جلجل صوت (ميرابو)
في عام 1848 أيام الثورة الفرنسية وسقوط الباستيل.
منير وقازنجي أبعدهما النظام العراقي بالتعاون مع السلطة التركية
الى قرية نائية اسمها ( يوزكات ) على الحدود الروسية، وكان شرف لي
أن أزورهم في هذه القرية النائية احتراما لآرائهم ولارتباطي مع
الاثنين بصداقة حميمة وكزملاء لي في المحاماة.
أما في عهد الفاشية العصرية الجديدة أيام صدام، فانه تفنن في اسقاط
الجنسية جماعياً، وبدأ هذا العمل اللاقانوني واللاانساني مع
الأكراد الفيلية ورماهم كما ترمى الحجارة الى الحدود الإيرانية
وأبقى شبابهم في السجون ثم الحقهم بمقابر جماعية، هذه القسوة
والمغالاة في العقوبة سواء أكانت مع المعارضين أم لاختلاف في
العنصر أو الدين أو المذهب يجب ان لا تعود في ظل نظام جديد
ديمقراطي حر خاصة بعد هذه التضحيات الكبيرة للخلاص من صدام.
ان العراق باقراره هذا الدستور أعطى للعراقي الذي اكتسب جنسية
البلد الذي يقيم فيه في أوربا أو أمريكا ضمن حقه أن يحتفظ بها مع
الإبقاء على جنسيته العراقية، يعني هذا ان المشروع قد أهمل كل
الملاحظات التي ابداها المعترضون على ازدواج مبدأ الجنسية بما نص
عليه الدستور المقترح ومن هذه الاعتراضات أن الولاء الذي يحمله من
يملك جنسية مزدوجة قد تكون أقل من المواطن العادي باعتباره انه قد
عاش وتأثر بالبلد مانح الجنسية خاصة وانه يوم منحه الجنسية الجديدة
قد أقسم الولاء للدولة التي احتضنته وكما انه من يملك جنسيتين يجعل
من الدولة التي يحمل جنسيتها مسؤولية عن حمايته في الدولة الأم
ويمنع من محاكمته باعتباره مواطناً أجنبياً ومثال ذلك أن العراقي
الذي يملك جنسية بريطانية فان علاقته بالسفارة البريطانية تبقى
لحماية مواطنته الإنكليزية وهناك عدة اشكالات قانونية في التعامل
مع أصحاب الجنسيتين بأعتبارهم من مزدوجي الجنسية. وهناك خطر آخر
وأكثر الأخطاء أهمية، فقد يكون عراقي قد اكتسب جنسية دولة معادية
للعراق فكيف يتعامل القانون مع مثل هذه الحالة، أو ان عراقيين
بالجملة ذهبوا الى دولة أخرى لا زال اعلان الحرب بين هذه الدولة
والعراق قائماً، فما موقف القانون مع أكثر من بضع مئات آلاف يهود
عراقيين يحملون الجنسية الإسرائيلية والآن لهم الحق بأن يحصلوا على
الجنسية العراقية.
هذا ما يجب أن نتأنى في معالجته، الأمور وبرأيي ان لا تمنح الجنسية
العراقية الا بإجراءات قانونية تضمن السلام الأمني للعراق وحدوده.
أنا مع الذين يؤمنون ان العبرة ليست في صياغة الدستور ولا في أي
قانون آخر، انما العبرة في اليد التي تطبق هذا القانون، فالقانون
مع وجوب سلسلة حمله وصراحتها وعدم قابليتها للتأويل، الا ان هناك
دائما اجتهاداً للجهاز الذي يطبق مثل هذا القانون.
علينا جميعا أن نضع مصلحة العراق قبل أية مصلحة أخرى، شعار عراق
قوي موحد متآلف النسيج وواعي ومدرك لما يحيط به من صعاب بأن لا
نجعل ثغرات قانونية تدخل جسم العراق كما تدخل الأرضة في جدران
البيوت الرطبة، وهذا المبدأ وغيره الذي يضمن الدستور الجديد في
قانون المحافظات من فدرالية جغرافية وأحقية قيام ميزانيات خاصة لكل
محافظة ولها الحق في فرض نوع يعف من الضرائب تغطي مصاريف تلك
المحافظة.
كل هذا يستدعي توعية مبرمجة بين الناس وايصال الواقع الحقيقي في
خطورة هذه المفاهيم الجديدة على الواقع السياسي العراقي.
اذ لا يخفى على الذين ينوون العمل لصالح العراق ان يفكروا مرتين
قبل أخذ مبادئ جديدة على ما تعارف عليه التشريع العراقي، خاصة في
القضايا المهمة مثل حمل أكثر من جنسية واحدة ( أزدواجية ألجنسية )،
وكذلك علينا ان نتأنى في دعوة ألشركات الأجنبية للأستثمار في
مشاريع كبيرة أنمائية وغيرها، هذا وذاك هي قضايا مصيرية يجب ان لا
نذهب مع ما يأتي به بول بريمر في حقيبته العسكرية ونحن لا نعي ما
تعني هذه القوانين.
* مستشار قانوني
Email: tahaet@yahoo.co.uk
|
رسالة إلى الأميركيين :
أتريدون مخاطبتنا عبر إعلاميين عرب كارهين للعروبة والإسلام؟
د. فيصل القاسم |
|
لاحظنا في
المقال السابق أن الإعلاميين الذين يدبكون على إيقاعات اليانكي في
وسائل الإعلام العربية المتأمركة هم- في معظمهم- من نوعية رديئة
ومسيئة. وفي هذا الجزء الأخير من الموضوع سنرى أن ما يزيدهم سوءا هو
استهدافهم للثوابت الأساسية للعرب والمسلمين كالعروبة والإسلام.
فبالرغم من كل المحاولات الرامية إلى ضرب وتجفيف منابع التيارين
القومي والإسلامي في الوطن العربي، إلا أنهما لا يزالان الأقوى على
الساحة العربية شئنا أم أبينا. صحيح أن وسائل الإعلام العربية ( صحف
مهاجرة ومجلات وإذاعات وفضائيات) فتحت أبوابها واسعاً أمام الأصوات
والأقلام الشعوبية كي تنال من التيارين المذكورين وتنفـّر الجماهير
منهما، إلا أنها فشلت فشلاً ذريعاً في تحقيق أهدافها المفضوحة،
وبدلاً من الإساءة إلى العروبة والإسلام أساءت تلك الأقلام كثيراً
إلى نفسها وإلى الجهات العربية المتخلفة التي تقف وراءها والى
الولايات المتحدة الأميركية التي تدعمها .
واستطيع أن أؤكد من موقعي كإعلامي يرصد اتجاهات الرأي المتصارعة على
الساحة العربية أن القارئ أو المشاهد العربي مازال يتأرجح بين تيارين
لا ثالث لهما، العروبة والإسلام اتفقنا معهما أم اختلفنا.
فبالرغم من الانكسارات التي لحقت بالحركة القومية والضربات التي
تتعرض لها الحركات الإسلامية إلا أن ذلك لم يفت في عضد الإنسان
العربي بأي حال من الأحوال. بعبارة أخرى، فإن إيمانه بعروبته وإسلامه
يزداد يوماً بعد يوم بدلاً من العكس. فالفشل الحزبي لم ينعكس على
الشارع العربي أبداً. وهذا يعني انه كلما تصدت مواقع وصحف العرب
الحاقدين وحماتهم الأميركيين للقومية والإسلام كلما زاد تمسك الرأي
العام بهما. هذه حقيقة موضوعية يجب أن يراها كل ذي بصيرة.
لقد رأينا صحفاً عربية تفرد صفحات بأكملها لأقلام النفاق والتزلف كي
تبث سمومها وأفكارها المريضة ضد ثقافة الأمة، و شاهدنا مواقع
الكترونية تفرد مساحات واسعة لنوع محدد من ليبراليي القشرة والمظهر
لشتم التوجهات العروبية والإسلامية بشكل مفضوح، لكن النتيجة كانت
عكسية تماماً على أصحاب تلك الأقلام وعلى أميركا ذاتها.
واعترف أنني أتلقى من المشاهدين سيلاً من الشتائم واللعنات ضد تلك
الأصوات بعد انتهاء بعض حلقات برنامجي المتعلقة بمستقبل الفكر
الإسلامي أو القومي. وألاحظ من خلالها أن الكراهية العربية
للأميركيين تضاعفت تماماً لأنهم يظهرون أمام الرأي العام وكأنهم
يناصرون ويحتضنون الإعلاميين من أعداء العروبة والإسلام من أبناء
جلدتنا.
ولا تستطيع واشنطن التبرؤ من أزلامها وكتبتها العرب عندما يبالغون في
نشر نفاياتهم أمام الرأي العام العربي، فالعرب ليسوا سذجا ليغفروا
ويتسامحوا ساعة يـُراد لهم ذلك وهم يرون بأم العين ماما أميركا وقد
اختارت بعض المحسوبين على التيار المذكور كمسؤولين عن وسائل إعلام
أميركية. ناهيك عن أن بعض الصحفيين الإسرائيليين والأميركيين
المتصهينين لا يترددون في كيل المديح لهؤلاء الإعلاميين العرب
بالضبط، لأنهم أخذوا على عاتقهم التهجم على كل ما هو عربي وإسلامي
بطريقة لا تخطئها عين. إذن فلتعفنا واشنطن من مساعيها الظرفية للتبرؤ
من هؤلاء، ولتكن شجاعة في الدفاع عنهم حتى النهاية، ولتتحمل
المسؤولية عن حماقاتهم التي لاحظنا ونلاحظ أنها تحمل العرب أكثر
فأكثر على دعم القوميين والإسلاميين وغفران كل أخطائهم والتسامح مع
كل خطاياهم والامتناع عن الإصغاء لأي نقد لهم.
لست ممن يعتقدون أن كل الأميركيين معادون للعرب، فليس للأميركان ميل
طبيعي لكره العرب لأنهم عرب، فنحن نعرف أن هناك الكثير من الأميركيين
المتعاطفين مع قضايانا حتى في الإدارات الرسمية. وبالتالي فإن الحديث
عن أن كل الأميركيين يمقتون العرب والمسلمين هو ضرب من التخريف
والهذيان السخيف، لكن هذا الواقع المفارق لا يحظى باهتمام الرأي
العام العربي وإن سأل الأميركيون لماذا؟ لن يكون الجواب صعبا.
للأسف الشديد يكمن السبب في (عرب العام سام) أي الصحفيين والكتاب
الذين يضربون بسيف (اليانكي) في الصحف ومواقع الانترنت العربية ذلك
انه عندما يكون محامي الدفاع بحاجة لمن يدافع عنه وفاقد الصدقية لدى
العرب، فمن الطبيعي أن يخسر القضية التي يدافع عنها وان يحمل موكله
الأميركي على تحمل الخسائر والأتعاب والمصائب أيضا.
لنأخذ بعض الكتاب والمعلقين الذين يكتبون في بعض الصحف العربية
الصادرة في أوروبا، ولنعاين ما تجود به قرائحهم . إنهم يمطروننا من
خلال أعمدتهم الهزيلة اليومية بمقالات يطلبون فيها من الناس الركوع
والسجود وتقبيل أيدي الحاكم ولي نعمتهم والردح على الحاكم الذي لا
يعجب حاكمهم والدس الرخيص على العرب والإسلام بداعي الليبرالية التي
يجهلون ألف باءها. فكيف يراد لهذه الكوارث اليومية التي تدين
بأقلامها للحكام الغائبين عن الوعي وعن العصر أن تحسن الدفاع عن قضية
عادلة؟فما بالك بقضايا أميركا الخاسرة أصلا والتي ينقلها هؤلاء من
حالة الخسارة التي يمكن أن تعوض افتراضا إلى حالة الخسارة الأبدية؟
لقد تساءلت كثيراً وأنا أقرأ مقالات هؤلاء الكتبة: هل أهم أوراق
اعتمادهم الأساسية لدى الدوائر الأميركية هو عداؤهم المفضوح للعروبة
والإسلام؟ لا أعتقد أن الأميركيين يريدونهم كذلك أبداً، فهم مشهورون
بقدرتهم على التسلل إلى الأفكار والمفاهيم ومحاولة التأثير عليها من
الداخل. لكن ما حيلة أميركا إن كان الله يحب العرب والمسلمين بدليل
انه سلط عليها لمساعدتها كل هذا القدر من الأغبياء والانتهازيين
والوصوليين.
هل يعرف بنو أميركا لماذا لا يستطيعون صون مصالحهم والتفاعل مع
الشعوب العربية من خلال السماح( أو السكوت) لمناصريهم في الصحف
العربية بالتهجم المستمر على كل ما هو قومي أو إسلامي. هل تعرفون أن
جماعتكم يوقدون نار ما يسمى بصراع الحضارات بسرعة قياسية وربما بأسرع
مما يريد متطرفوكم والمتعصبون عندكم؟ فإذا كان هذا هو هدفكم أيها
الأميركيون (فصحتين على قلبكم).
وأقول لبني أميركا: إنكم إذا استطعتم إخضاع العرب عسكرياً كما فعلتم
في العراق، فإنه من المستحيل عليكم إخضاعهم إعلامياً خصوصاً عن طريق
ثلة انكشارية من الصحفيين والإعلاميين العرب الذين يغمسون أقلامهم
بالزيت ويكتبون بإيقاع وسرعة البنزين، ويعدون نصوصا كبقايا الناريت
الصالحة لقازانات الحمامات القديمة ويمطروننا بوابل من المقالات
اليومية باللغة العربية كلها مكرسة لاحتقار القيم والثوابت العربية
والإسلامية. (هل هذا معقول) يتساءل كاتب عربي: (أيكون كتاب بريطانيون
وأميركيون أشد عروبة من كتاب ومعلقين عرب؟ فبينما ينهمك بعض الكتاب
والمعلقين العرب في تبرير الاحتلال الأميركي للعراق وتجميل صورته
القبيحة ينبري لفضح الأهداف الحقيقية الأميركية من وراء الغزو أمثال
روبرت فسك وديفيد هرست.. فهل هم قوميون أكثر من بعض العرب الذين
فقدوا أي شعور بالانتماء؟) صحيح أن الغزو الأميركي خلص العراقيين من
نظام طاغوتي، وهذه هي حسنته الوحيدة كما قلت في الجزء الأول من هذا
المقال. لكن كي لا يفهم البعض أنني كنت ابرر الغزو المغولي الجديد
لبلاد الرافدين، فقد قصدت بذلك أن الله قد دفع الظالمين بالظالمين.
بعبارة أخرى، فقد خلص العراقيين من الظالم الداخلي بظالم خارجي يمكن
طرده وتحرير البلاد من رجسه بسهولة أكبر بكثير من طرد الطاغية المحلي
الذي يعيث خراباً وفساداً في العديد من بلداننا بأشكاله المختلفة.
أما مبيضو وجه الغزاة في الصحف والمواقع العربية المتأمركة، فهم ما
برحوا يروجون الاحتلال الأميركي للعراق على أنه تحرير وخير وبركة.
أتظنون- أيها الأميركيون - أنكم ستدخلون قلوب العرب بمثل هؤلاء
(الكتبانجية)؟ أتعتقدون أنكم ستخوضون حوار حضارات بواسطة نصوص تفوح
منها روائح المازوت؟ أتراهنون حقا على إعلاميين عرب وصلوا إلى حيث هم
لأنهم يجيدون التهريج ورواية النكات لأولياء الأمور؟
وأقول لمعشر الأميركان: لقد خيبتم ظن خصومكم في العالم العربي، فهم
ينسبون إليكم عادة الذكاء وحسن التدبير وبراعة الاختيار والنظرة
العقلانية والقدرة على صوغ المؤامرات الدائمة، فإذا بهم يكتشفون خلال
حرب العراق وبعدها أن تابعيكم من الإعلاميين العرب وأزلامكم الكتبة
يدافعون عنكم بأقلام خشبية وبأفكار خشبية وبمقالات خنفشارية. لقد
خيبتم ظن خصومكم الذين يحسنون الخصام وانكشفتم أمامهم كما لم تنكشفوا
من قبل.
وأقول لكم وانتم تخوضون هذه الأيام معركة الإصلاح والإصلاحات في
العالم العربي وتطرحون مشاريع (الشرق الأوسط الكبير) وتريدون من حكام
العرب أن يكونوا على غير ما هم عليه الآن وترغبون في أن تنتشر دعوتكم
وتلاقي مؤيدين وتلتف حولها الشعوب، فهل تراهنون على مواقع الانترنت
والصحف المذكورة لتحقيق غاياتكم؟ هل تعتقدون أن العرب أغبياء إلى حد
منح ثقتهم لكم من خلال غلمان الصحافة وحجـّاب الحرية عن الرأي العام
وظلال أسوأ الحكام و سماسرة أسوأ أجهزة المخابرات ومبيضي المتسلطين
والمستبدين ومهرجي الدواويين والديوانيات؟
لست أنا من يشفق على مشاريعكم من الانهيار وليس التيار العربي
والإسلامي في وارد إنقاذكم من ورطتكم، فانتم اخترتم هؤلاء
(الكتبنجية) وانتم تتحملون مسؤولية الاختيار.
لماذا تظنون أن الرأي العام العربي يمكن أن يرضى بهؤلاء؟ ألا تعتقدون
أن ظنكم هذا ينطوي على احتقار للعرب ما بعده احتقار؟ العربي يريد
صحفيين وكتاباً ومتحدثين يقنعونه بما يقولون بطريقة حضارية حديثه كما
يفعل الصحفيون والكتاب والمعلقون داخل أميركا نفسها مع قرائهم
ومستمعيهم. فلماذا تريدون للعربي أن يقبل بما ترفضونه وبما يرفضه
شعبكم من وسائل ومناهج إعلامية شبيهة بمناهج ووسائل تحتقر العرب
وتحقد على ديانتهم وتعادي قيمهم وثقافتهم دون تمييز بين الطالح منها
والصالح.
متى تفهمون أن الإنسان العربي سئم أساليب التعبئة الإعلامية العربية
التقليدية ولا يريد لأميركا أن تبدأ من حيث انتهى الإعلام العربي
الرديء الذي فشل على مدى السنين في مخاطبة الإنسان العربي ناهيك عن
التأثير فيه؟
لا أخفيكم أنني كنت والعديد من أصدقائي نتساءل عن كيفية المنافسة
التي ستنشأ معكم من خلال وسائل إعلامكم الجديدة التي اخترتموها
مباشرة ربما لأنكم فقدتم الثقة بأزلامكم والسماسرة الإعلاميين الذين
يعملون لصالحكم في الصحف ومواقع الانترنت العربية المذكورة.
ثم كانت دهشتنا كبيرة عندما اكتشفنا أنكم جئتم بإعلاميين من نفس
الطراز لا بل أحيانا من فئة واحدة يكره أصحابها العرب والعروبة
والإسلام والمسلمين وكل من ينطق عربا وعروبة. وقلنا أصدقائي وأنا لا
حاجة للبحث في أي شيء، فالفئة التي تدير باسمكم مشاريعكم الإعلامية
الجديدة تتكفل شهرتها وحدها وسمعتها بتوسيع الهوة بينكم وبين الرأي
العام العربي وتتكفل وحدها بصم الآذان وإدارة الظهر لما تقولون
وتدعون أن هذا هو المصير الذي تريدونه فعلا لمشاريعكم ؟ هل بواسطة
هؤلاء الكارهين للعرب تريد ون فتح حوار حضارات مع العرب والمسلمين؟
نحن نعرفكم أهل اختراعات وخيالكم السينمائي يغزو العالم ولديكم طاقات
فكرية مشهورة على مستوى الكرة الأرضية وتصل طروحاتها إلى أقاصي الكون
بأسرع من صواريخكم العابرة للقارات وعندكم وسائل للسيطرة والتحكم
بالعقول وأشياء كثيرة لا أريد تعدادها تريدون من خلالها إقناع الشعوب
بأنكم عباقرة لا تقهرون. فما هذه العبقرية التي قادتكم إلى الاستعانة
على العرب بنفايات العرب الإعلامية؟ وما هذه العبقرية التي جعلتكم
تقتنعون بمخاطبة العرب في وسائل إعلام ناطقة بلغة العرب بواسطة
إعلاميين كارهين للعرب وحاقدين عليهم.؟ اطرح السؤال ولا أجد إلا
جوابا واحدا وهو أن إسرائيل وحدها ولوبياتها تعودت على اختيار كارهي
العرب لمخاطبتهم. فما بالكم تسلكون دروب إسرائيل حتى في اختيار
إعلاميين عرب للنطق باسمكم؟ وسلامتكم!
|
|
الفيدرالية نظام اتحادي أم انفصال
علي صبري |
|
أثارت
مطالبة ممثلي الأكراد في مجلس الحكم الانتقالي بتطبيق النظام
الفدرالي في العراق الجديد سخطا شديدا في العالم العربي، واعتبرته
الغالبية العربية مطلبا غير
مشروع، وينطوي على عمالة للغزو الأجنبي للمنطقة وتوجيه طعنة لظهر
الأمة, ويتداول معظم المتابعين للشأن العراقي هذه القناعة كحقيقة
مسلمة، ويعتبرون انفصال
كوردستان عن العراق خطوة منطقية وطبيعية إذا ما حصل الأكراد على
الفدرالية.
إلا أن هذه النظرة المتعجلة تبتعد كثيرا عن مقتضى العدل والإنصاف
في قراءة الحالة الكوردية ومحركاتها، فنحتاج إلى مناقشة الحق
المجرد للأكراد في إقامة دولتهم
المستقلة، والنظر في ما إذا كان الأكراد يسعون اليوم بالفعل إلى
الانفصال أم أن هناك خلطا بين الفدرالية والانفصال؟.
بداية ينبغي الاعتراف، بأن الأكراد بعمومهم يمتلكون مقومات أمة
متمايزة عن الأمم المحيطة بها العربية والفارسية والتركية، فهم
يملكون لغة خاصة عريقة وتسبق مثيلاتها
في المنطقة، ولهم ثقافتهم وإرثهم التاريخي الخاص بهم، ويستوطنون
أرضا واسعة حكرا عليهم، أو يشكلون الأغلبية الساحقة من سكان هذه
المنطقة الممتدة على جغرافية
خمس دول بفضل الاستعمار.
وبحكم منطق تشكيل الأمم والدول، فإن للأكراد الحق الطبيعي في تأسيس
دولتهم الخاصة بهم، إلا أن الاستعمار الذي امتن مبضعه السياسي على
قبائل وعوائل في المنطقة
لا يزيد تعدادها عن عشرات الآلاف بحدود دولة معترف بها، هو ذاته
الذي حرم أكثر من 30 مليون كوردي من التمتع بهذا الحق، وفتت كيانهم
المتماسك على خمس
دول، كان العراق واحدا منها.
وللأسف فإنه بات ينظر إلى الحدود الاستعمارية نظرة التقديس حتى في
عيون القوميين والمطالبين بوحدة الشعوب العربية تحت لافتة القومية
واللغة والجوامع المشتركة
باعتباره حقا طبيعيا على العرب تحقيقه، مانعين في الوقت نفسه هذا
الحق عن القومية الكوردية وهي التي سبقت في كيانيتها واستيطانها
أرضها القومية العربية التي امتدت
على مدى خريطتها الحديثة لاحقا مع انتشار الإسلام. والعدالة تقضي
ألا نكون ثنائيين في معاييرنا لحقوق الشعوب منحا ومنعا.
التذكير بهذه الحقيقة التي لا ينكرها غالبية رافضي ممارسات الأكراد
السياسية وسعيهم للحكم الذاتي ضروري لفهم دواعي التحرك السياسي لدى
الأكراد لتأمين
استقلاليتهم بصورة أو بأخرى، إذ الحكم عليهم باعتبارهم جزءا أصيلا
من الوطن العراقي والانطلاق من هذه النقطة لتفسير ممارساتهم يقود
حتما إلى نتائج غير صحيحة،
ويظهر الأكراد بمظهر طاعن وطنه في ظهره عمالة للأجنبي، وهذا فيه
ظلم كبير.
الأكراد قاموا بثورتهم في الأربعينيات من القرن الماضي لاستعادة
سيطرتهم على أرضهم التاريخية، وتفكيك الحدود التي فرضها الاستعمار
عليهم، إلا أن مواقف قوى
الغرب التي زرعت أزمة الأمة الكوردية كما زرعت بين كل بلدين في
المنطقة العربية أزمة حدود، وكذلك مواقف دول الجوار حالت دون تحقيق
هذا الحلم، وبعد انهيار
جمهورية مهاباد في كوردستان إيران، وهي أول دولة كوردية أعلنت
استقلالها على يد القاضي محمد، وأبيدت في مهدها، بعدها تركز النضال
الكوردي في تركيا
والعراق.
وبينما لم يفلح حزب العمال الكوردستاني بتركيا في إنجاز ما أراد
حتى اليوم، نجحت الأحزاب الكوردية في شمال العراق في التمتع بإدارة
ذاتية شبه مستقلة لمناطقها عام
1991 تحت رعاية الولايات المتحدة، بعد أن عانت من سلسلة من حملات
الإبادة والقمع من النظام السابق الذي أتاح سقوطه للأكراد فرصة
تاريخية قد لا يمن الزمان
عليهم بمثلها، وهو ممارسة حقهم في تقرير مصيرهم دون وصاية أو قهر
من طرف خارجي، ولذلك سارعوا بإعلان مطلبهم بالفدرالية التي أقرها
البرلمان الكوردي
الموحد كمطلب للشعب الكوردي بأكمله.
ويحتج البعض بأن الأكراد في العراق أصبحوا جزءا من الوطن العراقي،
وليس من حقهم الإضرار بمصلحة العراق العليا لتحقيق مصالحهم الضيقة،
وردا على هذا القول
نشير إضافة لما تقدم إلى أن المطالبة بحق تقرير المصير هو مطلب
يجمع عليه كل الأكراد بكل أطيافهم السياسية والفكرية وحتى من
عوامهم.
وهنا نذكر المقولة الذهبية للمفكر الإسلامي د. حسن الترابي بأن
(المواطنة عقد لا يتم إلا بالتراضي ولا يكون قسرا)، وهو ما سعى
لتحقيقه في بلاده السودان مع
الجنوبيين، (الذين اختاروا سودانيتهم على انفصالهم عندما منحوا حق
القرار وأعيدت لهم حقوقهم السياسية والاقتصادية المغتصبة من حكومة
المركز).
والحالة في كوردستان العراق أحوج لإنفاذ هذا المبدأ الذي أقرته
الشرائع الدولية في مواثيقها وحرمته بسياساتها تجاه الأكراد
وغيرهم، ففي السودان لا يقف الجنوبيون
على موقف سياسي واحد من مسألة الانفصال، إنما كانت قوى سياسية
مدعومة من الخارج تشكل ثقلا عسكريا وسياسيا في هذا الاتجاه، أما في
كوردستان فكل القوى
السياسية وغير السياسية تجمع على هذا المطلب، وبذلت في سبيله
الكثير من الجهد والضحايا.
كما أن الاحتجاج بأن كوردستان العراق أصبحت جزءا من الوطن العراقي
في فترة تاريخية ما، يسلب الأكراد حق الاستقلال، فعلينا في هذا
السياق أن نتذكر كيف استنكر
عموم العرب شعوبا وحكومات غزو النظام العراقي للكويت تحت مبرر
إعادة الفرع للأصل، ورغم صحة هذه المقولة تاريخيا، فإنها غير صحيحة
بمنطق العدل، لأن
الشعب الكويتي رفض هذا الضم عنوة، وأصر بالإجماع على استقلالية
بلاده، فوقف الجميع وراء هذا الحق، وإن اختلف في آلية إصلاح الخلل
وإعادة الوطن لأهله.
وعندما صرح ممثلو مجلس الحكم الانتقالي بقرار البرلمان الكوردي
الحصول على الفدرالية لإقليمهم، ثار من ضمن ما ثار من اعتراضات أن
الفدرالية لا يمكن أن تكون
على أساس عرقي أو طائفي، في حين نرى في تجارب انفصالية وفدرالية
تمت منذ عقود يتقبلها الجميع دون حرج، فانفصال باكستان عن الهند
كان على أساس طائفي،
انطلاقا من نظرية (الأمتين) التي نادي بها العلامة محمد إقبال،
لكننا نحن كعرب نعتبره من إنجازات المسلمين في شبه القارة الهندية،
وتبعه انفصال بنغلاديش عن
باكستان لدواع لغوية، إذ اعتبر البنغاليون أن الحكومة المركزية في
باكستان سعت لفرض لغتها (الأوردو) على الشعب البنغالي المعتز بلغته
الأم.
أما عن الفدرالية، فإن الوطن الباكستاني قسم فدراليا على أساس
عرقي، فالبلد يتكون من أربعة أقاليم كل إقليم يخضع لعرقية مختلفة
(إقليم السند للسنود، والبنجاب
للبنجابيين، وسرحد للبشتون، وبلوشستان للبلوش)، ولم تقع صراعات
عرقية في البلد كما يخشى أن يحدث في العراق، بل على العكس، فإن هذا
التقسيم متع كل عرقية
بحكم ذاتها في إطار إقليمها، دون احتكاك بالعرقيات الأخرى
والاصطدام بها من أجل المصالح. فلماذا يصح الانفصال أو العمل
بالاتحاد الفدرالي على أساس عرقي
هنا وهناك ولا يصح بحق الأكراد وحدهم؟
وبتفحص الحركات الساعية للاستقلال بإقليم ما عن الحكومة المركزية،
فإننا سنجد محركها الأساس هو رد الظلم السياسي والاقتصادي، والديني
أحيانا الذي تمارسه
حكومات المركز، كما يحدث في أقاليم إندونيسيا (آتشه، وأريان جايا،
وكاليمنتان، وكما استقل إقليم تيمور الشرقية فعلا)، ومحاولة مسلمي
الفلبين الانفصال ببعض أقاليم
الجنوب، ويسعى مسلمو جنوب تايلند للهدف نفسه، والتاميل في
سريلانكا، وفي جنوب السودان، والكشميريون في الهند مع أخذ المسألة
هنا بعدا قانونيا إضافيا، وغيرها من
الأمثلة، ولو تمت معالجة الاختلالات في هذه البلدان لما سعى بعض
أبناء الوطن إلى الانفصال ودفع ثمن ذلك باهظا.
قصدت مما سبق أنه علينا أن نتفهم سعي الأكراد للتمتع بكيانهم
المستقل الذي يأمنون فيه على حياتهم وثقافتهم ومصالحهم من السحق،
وإذا كان هذا (الحق) هو الحلم
التاريخي للأكراد جميعا، فإنهم في العراق خفضوا سقف أحلامهم إلى
النظام الفدرالي، والفدرالية نظام اتحادي وليس انفصاليا كما يفهم
البعض، وهذا الخفض ليس تنازلا
عن الحلم، وإنما قبول بشروط اللعبة الإقليمية والدولية الراهنة
التي لا تسمح لهم ببلوغ هذا الحلم تحت أي ظرف.
ويدرك الأكراد قبل غيرهم أن مصلحتهم -بالحسابات السياسية والمصلحية
البحتة- لا تكمن في إقامة دولة صغيرة لا يزيد سكانها عن خمسة
ملايين على رقعة صغيرة
من الأرض تحيط بها دول قوية وكبرى (العراق وإيران وتركيا)، وهي دول
معادية بطبيعة الحال لأي نظام كوردي مستقل، فستكون هذه الدولة عرضة
لتحرشات وربما
اعتداءات لا قبل لها بها، وبقاء الكيان الكوردي ضمن إطار عراق موحد
قوي يوفر الحماية والعمق الإستراتيجي لهذا الكيان، ولهذا يستبعد أن
يسعى الأكراد إلى الانفصال
حتى وإن كان الانفصال حقا من حيث المبدأ.
ولأن الأكراد تمتعوا بحكم ذاتي غير رسمي طوال الأعوام الـ12
الماضية في وجود النظام الذي عانوا بسببه، فإنه من غير المقبول
عندهم أن يتراجع وضعهم السياسي
بعد زوال هذا النظام وتمتعهم بالحرية، والحد الأدنى المقبول لديهم
هو تقنين وتثبيت وضعهم السابق في المرحلة القادمة. وهم لديهم الآن
برلمان موحد وسيجري دمج
حكومتي السليمانية وأربيل في غضون الأيام القليلة القادمة.
ولعل أشد الانتقادات التي توجه للأكراد في العراق تخص علاقتهم
بالولايات المتحدة واعتبارهم حليفها القوي في العراق، واتصالات بعض
رموزهم التاريخية بإسرائيل
قبل عقود، وهي مسألة حساسة لدى الشارع العربي، ولا يمكن تبريرها
والدفاع عنها، لكنني أدعو لإعادة النظر في الظروف التي دعتهم لمثل
هذه الخطوة.
فعندما توجه الأكراد لإسرائيل من أجل التدريب وربما التسليح، كان
الشارع العربي يتقدمه التيار القومي قد أدار ظهره لمعاناة الأكراد
ولم يعرهم أدنى اهتمام، رافقه
خذلان فارسي وتركي وأميركي، ما أوقعهم في كمائن سياسية عديدة
وجردهم من كل نصير، حتى قيلت المقولة الكوردية الشهيرة (الكوردي
ليس له صديق إلا الجبل
). في هذه الظروف استغلت إسرائيل حاجة الأكراد وقدمت لهم يد
المساعدة فقبلوها.
ولا ننسى أن الولايات المتحدة هي التي أمنتهم في إقليمهم على مدى
12 عاما ومنحتهم فرصة حكمهم لذاتهم، وتممت فضلها عليهم بإسقاط
النظام الذي قمعهم، وما كان
ليسقط لولا التدخل الأميركي، فكيف سنطالبهم في هذه الحالة بأن تكون
نظرتهم للولايات المتحدة كنظرتنا نحن العرب الذين عانينا معاناة
مرة من السياسة الأميركية في
منطقتنا؟ كيف نطالبهم بأن يتفاعلوا مع قضايانا ويناصرونا في الوقت
الذي لا نبادلهم فيه مثل هذا التفاعل، وتجاهل إعلامنا وسياسيونا
معاناتهم طوال عقود؟
لم أقصد من هذا المقال مصادمة قناعات عامة المجتمع العربي، وإنما
توضيح بعض خلفيات ومحركات الحالة الكوردية في العراق، وعكس بعض ما
لمسته من معايشة هذا
المجتمع لبضعة أشهر، وهي دعوة لمثقفينا وإعلاميينا وحتى سياسيينا
العرب إلى إيلاء أشقائنا الأكراد مزيدا من الاهتمام وقراءة حالتهم
بعين الحياد، وبعيدا عن الأحكام
المسبقة التي تلقيناها من أفواه السياسيين غير المنصفين.
فهم -أي الأكراد- أقرب العرقيات لنا نحن العرب دينا وثقافة ومشاعر،
وعلينا تعزيز هذه الجوامع لا توسيع الهوة التي خلقتها المصالح
السياسية الضيقة، ورصد كل
طرف أخطاء الطرف الآخر، مع وجود أخطاء من السياسيين الأكراد دون
شك، لكن خطأ الآخر لا يبرر ظلمه في فهمه والتعامل معه عملا بقوله
تعالى (ولا يجرمنكم
شنآن قوم على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى). صدق الله العظيم.
كاتب فلسطيني
|
|
الأصغر بيوم أفهم بسنة
د. مفيد مسوح |
|
من منــا
لم تتردد على مسمعه مئات المرات في أيام طفولتـه وشبابـه عبـارة
(الأكبر منك بيوم أفهم منك بسنة).. كل منـا استخدم نفس العبـارة
موجهـاً النصح والإرشاد إلى أولاده أو أولاد الجيران أو الأصدقاء أو
حتى من حادثهم مصادفة.. لقد تربينـا وكبرنـا ونمت معنـا القنـاعة بأن
خبرة الحيـاة تـُثري المعرفة وتـرفع مستوى الإدراك، فتميز الأكبر
سنـاً عن أولئك الأصغر، بالفهم والحكمة والذكـاء وحجم المعرفة
وبالتالي صحة الرؤية وصواب الرأي، وكنتيجة بديهية إمكانية البت
بالأمور واتخـاذ القرار السليم في وقته، على عكس الشباب الأقل حنكة
ومعرفة وقدرة على الإستيعاب والسرعة في التوصل إلى جواهر
القضايا!!...
كذلك كانوا يقولون (عندما يتكلم الكبار يسكت الصغار) و(اللي ما عنده
كبير يشتري) و(عيش كثيـر بتشوف كثير)، وفي معرض السخرية (خود أسرارهم
من صغـارهم) دلالة على حالة غير طبيعية اطلع فيها الصغار بدون وجه حق
على أسرار الكبـار أو تدخلوا بمسائل محظورة على من هم بسنهم..
ربمـا كان في الأمر شيء يسير من الصحة في شروط مـا في الزمن الذي
كانت وسائله بسيطة والقدرات الذهنية للناس كذلك.. كان الفارق بين
المتعلم ونصف الأمي بسيطـاً نسبياً مقارنةً مع حالنا اليوم..
ومع هذا كنت ترى بعض الحالات التي يضطر فيها الكبار لسماع تحليل
الأصغر سناً وعرض معلوماتهم الغريبة على الكبار، غير أن هذا لم يكن
يتعدى حجم المعرفة ونوعها.. ولم يسمح بتبديل القاعدة المسلم بها دون
نقاش وهي أن المعيار الرئيسي للشخصية المعرفية السن!!
وكجزء أساسي من الولاء الأبوي، لم يكن الأولاد يشعرون بالحرج أو
يحتجون على هذه المقولة ومـا يحيط بهـا لا بل كان الحديث عن عبقرية
الكبار وحكمتهم الخارقة هاجس الأولاد الذي استمر معهم إلى سن
الشباب.. هنـاك الكثير من الأوساط الشعبية البسيطة
مازالت تفتخر بالالتزام المطلق بهذه القاعدة عند من هم أصغر سنـاً
تجـاه الأكبر سواء كانوا أخوة أم آباء أم أعماماً وأخوالا أو عمداء
أسرة وشيوخ قبائل إلخ..
والجدير بالذكـر أن هذه القضية تخص الرجـال فقط ولا علاقة للنسـاء
بهـا.. فالمرأة غالبـاً تأخذ عنـاصر القوة في شخصيتهـا من موقع
زوجهـا حتى وإن كـانت أصغر سنـاً من
المحيطات بهـا.
أولادنـا اليوم لا يقبلـون هذه القـاعدة.. وهـم على حـق!!
لـم يعد الأكبر بيوم أفهم بسنة!
أحـد الأولاد، وعمره اثنتا عشرة سنة تقريباً، قفز مرةً من حـالة
الغضب التي أثارهـا تحذير جدته بضرورة إظهار الطاعة لأخيه الذي يكبره
بثلاثة أعوام تقريبـاً والإلتزام بمـا يقدمه من نصح ومعلومات وتقبل
التنبيه والتحذير وحتى العقوبة مهما كان شكلها ودرجتهـا، والتقط آلة
حاسبة انتهى بعد ثوان إلى الإستنتاج المضحك الذي زال معه التوتر، بأن
الفارق بينه وبين أخيه يعادل مرحلة حضـارية كامـــلة..
صرخ وهو يقهقـه بفرح: سنتان وثمـانية أشهر وأحد عشر يومـاً تساوي 985
يومـاً تعادل عشرة قرون من الفرق في الفهم والإدراك!! وأضاف:
قفــا نبك من ذكرى حبيب ومنزل
بسقط اللوى بين الدخول فحـومل
حاورني ابني ذات مرةً:
- هـل جاءت القاعدة المكرسة لتفوق الأكبر سنـاً بالصدفة؟
- لا طبعـاً.. إنهـا موروث ثقـافي مرتبط بالمجتمع الأبوي وقواعده
الذكورية.
- هـل كان لهذه القـاعدة فوائد؟
- أبـداً.. إطلاقـاً.. لقد جعلت الجيـل الأحدث مكبـلاً وأسيراً
لمفـاهيم الجيـل الأقدم.. لقـد كرست عبوديةً جيليةً حدت من إبداعات
الأجيــال الناشئة.. وحصرت التطور والتقدم العلمي والاجتماعي
والعطـاءات الفكرية والفنية، ضمن حـدود وجدران
صلبة ووفق قوالب ونصوص ثابتة لا يسمح بتغييرهـا أبداً!! كانت حجة
الجيل الكهل مبنية على قربه من الأصالة مقارنة مع الأحدث المتباعد..
- أرى أن في هذه القـاعدة مقاومة للحرية ومحاربة للتطور
- هـو بالفعـل كذلك.. لك أن تتصور لو أن آلاف المبدعين والمبدعـات
والعلمـاء والفنـانين عبر العصور كـانت لهم الحرية المطلقة في عملهـم
وإبداعهم وعطـاءاتهم بعيـداً عن الشروط الظـالمة والقيود والخطوط
الحمـراء كيف ستكون صورة العـالم!! لـو أن الجيـل الأقدم فسح المجـال
حراً لجيل الشباب للخلق والإبداع والتغيير والتطوير دون التقيد
القسري بنصوص وقواعد جيلهم المنسوخة حرفيا ً وبمهـارة عن الأجيال
السابقة.. لو كانت القاعدة معكوسة منذ البداية فتقـر صراحة وعن
قنـاعة تـامة بـأن الأصغر سنـاً أكثر قدرة على الإستفادة من منجزات
وعطاءات الحضـارة وبالتـالي فإن التحكم بسيرورتها يتم بأيديهم لا
بأيدي جيـل الآبـاء وبهذا يكون مستوى التطور الحضـاري وانتشار
الثقافات الإنسانية أرفع وأعمق وأكثر جوهريةً مـا كـان سيجد
انعكاساته حتمـاً على العدالة الإجتماعية ومستويات المعيشة والسلم
والحرية!!
- لقد قرأت أدبيات وطنية وتاريخية كثيرة تربط الإخلاص للوطن بالتفاني
من أجل الحفاظ على الهوية والإنتماء القومي أو الديني وعلى تراث
الأجداد أكثر ممـا تهتم لما نفعله الآن أو يجب أن يفعله القادمون!!
- صحيـح.. وهذه أيضاً إحدى صور الثقافة الأبوية.. فالتراث يشمل
المنجزات الفكرية والعمرانية والإقتصادية وثوابت حاجة الآخرين إليك..
في المجتمعات البدائية أخذت هذه العناصر صفة الملكية وتحددت معها
درجة الثراء لذا طالب الآباء أبناءهم بضرورة الحفاظ عليها بعدهم،
فأصبح الإخلاص لهذا الميرث معياراً للوطنية.. وكلمـا كانت قيمة
الميراث أكبر وامتداده أوسع كلمـا ازدادت درجة الولاء للمورثين (بكسر
الراء المشددة).. في كثير من الأحوال كرس النظر إلى الآبـاء المورثين
كأنصاف آلهة لا بد أن يوليهم الأبنـاء المورثون (بفتح الراء
المشددة)!!
......
تعـالوا نقارن مرونة أبنائنـا عند تشغيلهم أجهزة حديثة إليكترونية أو
ميكانيكية بما هي الحـال عند أي منـا.. سنجد بدون شك أن قدرة الإبن
أو البنت على الإستيعاب والتمكن من معرفة الوظائف ومراحل التشغيل
وخطواته أكبر بكثير ممـا هي عليه عند الأب!!
ربمـا حاول البعض تبريـر هذا الواقع الذي يتعرض إليه كثير جداً من
الآبـاء وتفسيره تفادياً لاضطرارهم الإقرار بأن قدرات أبنـاء هذا
الجيل ستجعلهم يتجـاوزوننا بسرعة فائقة.. لقـد قمت شخصيــاً بتعيين
ابني (مديــراً فنيــاً) لشؤون التكنولوجيـا في البيت منذ أن دخل سن
المراهقـة وأقـر بأنني حصدت نتـائج طيبة.
ولكن هـل يقتصر الأمـر على مسائل الكومبيوتر وبرامجه والإنتيرنيت
والموبـايل والكـاميرا الرقمية والصوتيات والمرئيات والأدوات
الموسيقية والكهربائيات والسيارة
إلخ..؟؟
كـــلا!!! إن الأمـر يتعدى هـذا الحد بكثيــر!!
القناعة بأن أبناء الجيل الأسبق أكثر إدراكـاً وعلمـاً وأقدر على
محاكمة الأمـور من أبنـاء الجيل الأحدث قنـاعة خـاطئة ورجعية وتقوم
على أسس مقوماتها قصر النظر والتمسك المتزمت بمفاهيم الأبوية
الباطلة.. هذه القناعة تعادل التصور بأن السيرورة الحضارية تمشي إلى
الخلف!! الآبـاء أصحاب هذه العقلية يرفضون الإعتراف للتكنولوجيـا
والتقدم العلمي والتنوع المعرفي بتأثيرهـا العميق والجوهري على
القدرات العقلية والذهنية للجيل الشاب.. وهم إذ يستندون إلى قرائن
تميز متعلمي ومثقفي الحقب الماضية عن أشباه المثقفين أو متوسطي
التعليم في هذه الأيام، كحفظ المعلقات وقصائد العرب في عصورهم
القديمة أو النصوص الدينية والتفسيرات وأخبار الغزوات والفتوحات
وغيرها من الأحداث التاريخيـــــة أو حفظ معادلات وقوانين الفيزياء
والكيمياء والرياضيات إلخ.. فإن ذلك لا ينفي القدرات الكبيرة لأبنـاء
الجيل الشاب، ضمن أطر التخصص، على التحليل والربط والإستقراء في
مجـالات تتعدى التكنولوجيا لتشمل قضايا التاريخ
والفكر والفلسفة والسياسة والإقتصاد وحتى القراءة والكتابة وأشكـال
الإبداع الفني..
لو فكر كل فرد بأنه ابنٌ لجيل مـا مفصول عن الذي مضى ومعزول عن
اللاحق المتمثل بالأبنـاء، لبقيت كـارثة التخلف، ولمـا تمكن أبناء
الجيل الشاب من فرض إضافاتهم الحضارية.. أمـا إذا اقتنعنـا بأن
الفواصل بين الأجيال شفافة إلى درجة الإمتزاج
الفكري والحضاري لضمنـا سيرورة حضارية متصلة يتحول فيها صراع
الأجيـال إلى تفاعـل إيجابي يلعب فيه الفرد دور المبدع المطور
والنــاقل لإبداعات السابقين بـآن واحـد..
في بيئة من هذا النوع سيستخدم الشباب طاقاتهم في التطوير والتحسين
دون قيود أو مخـاوف وبعيداً عن ضوابط صارمة تفرضهـا مفاهيـم جيـل لم
يعد يعيش بينهم!!
وبعكس ما كانت عليه السياسات الأبوية والتي كانت من أهم أسباب
النزاعات والحروب المدمرة، والمتمثلة برسم الآباء خطط وبرامج الأجيال
التالية وتحديد أولوياتها وأهدافها انطلاقاً من انتماءاتهم الفكرية
والقومية، فإن تحديد متطلبات وبرامج المجتمع سيكون مهمة أبناء اليوم،
وليس آباء الأمس وبنفس المنطق سيترك هؤلاء الأبنـاء لأبنائهم حرية
تكوين مجتمع الغد وتطوير عناصره وقوانينـه وثقافتــه..
هكذا فقط ستتوفر الحرية الكاملة لأبناء المجتمع لتطويره وتحديد
طموحات تتناسب مع قدراتهم ورغباتهم..
وهكذا سيبتعد أبناؤنـا عن الإختباء وراء رسائل وشعارات وأغاني الفخر
بآبائهم إخفاءً لعجزهـم..
وبهذا ستكون لهم الحرية المطلقة للإبداع بعيداً عن قيود توارثتهـا
الأجيال بحجة الحفاظ على الموروث القيـم وخصوصية الشخصية
والإنتمـاء.. وستزول أشكال الإضطهاد وعقلية قمع الآخر المبنية على
ثقافات التعالي والفوقية والتميز العرقي والجنسي والديني.. لأن
السلفية وحدهـا هي السبب في بقاء كل أشكال التميز. أمـا الأجيال
الشابة المتطلعة إلى الأمام بحيوية وإيمان بالمساواة فإنهـا بتحررهـا
من الإنتمائية الأبوية وقيودها الصارمة، فسترمي جانباً ثقافات التعصب
والتميز والفوقية هذه..
سيكون لهذا الإنقلاب الكبير والجذري في مفاهيم النـاس وحركـة المجتمع
أثره البالغ على العلاقة بين السلطة والنـاس.. فأبناء عصر
التكنولوجيـا المتقدمة المتحررين من قيـود ومفاهيم الأبوة المطلقة لن
ينظروا بعد إلى الحكومات والأحزاب والقادة والمفكرين على أنهم جهات
أو أناس غير عاديين ولهم الجلالة والقدسية وعليهم كرعيـة إبداء
الطاعة المطلقة.. الأبنـاء سيتعاونون مع بعضهم على إجراء عمليات فرز
مرن يصنف الناس تبعاً لوظائفهم والحاجة الإجتماعية لها ولن تكون
المناصب الحكومية والحزبية فرصـاً للتظاهر والعنجهية وتحقيق
المكتسبات الشخصية وإنما مجرد وظائف محددة المهمات.. وهنا ستلتغي
حتمـاً عـادة توريث الحكم واستغلاله وستزول أشكال الصراع على اعتلاء
سدته بزوال المغريات وستزول الفرص غير المتساوية وتزول مصطلحاتها
(رزق، حظ، فهلوة).. وستختفي عـادة التلميح والإنتقادات المبطنة
للقيادات الكهلة والديناصورات بانتقالهم في الوقت المناسب إلى حالة
التقاعد متمتعين بالإحترام والإعتبار والمزايا أيضـاً وسيفرز المجتمع
قيادات شابة حيوية متجددة الدم تعبر قوتهـا عن قوة أفراد مجتمعاتها
ولن تكون بالضرورة من (حملة الدم الأزرق صـاحبة الحق الإلهي بالملك
والتحكم بالخلق).. ستأخذ المرأة حتمـاً مكانتها الطبيعية في كـافة
المجـالات دون أي حذر أو قيود.. وطبعـاً سيحل العمل الجمـاعي محل
العمل الفردي وستزول أهمية العبقريات والجهابذة والصناديد وفلتات
عصورهم!!..
في عصر التقدم الهائل والسريع للتكنولوجيا ودخولهـا إلى كافة مجالات
الحياة اليومية لا مكان بعد للفخر بالأجداد وأمجادهم والتباهي بشدة
التمسك بمفاهيمهم.. لم يعد أحد بحاجة إلى هذه الأمجـاد التي لا تغني
محتاجاً ولا تشبع جـائعاً ولا تحل مشكلة..
والمكان الوحيد لما ورثناه من أجداد وآبـاء الأمس هو أقفاص ورفوف
المتاحف المحترمة والتي ستستقبل آليـاً منجزات أبناء اليوم عندما
تنسخهـا ابتكارات أطفال الغد. ويجب ألا يقلقنـا هذا الإنقلاب أبداً،
فموقع الآباء لن يكون في خطر!!.. والمسألة هي تغير في اتجـاه الولاء
ينسجم مع الشروط البديهية للتطور لا أكثر.. بكلمة أخرى هي ثقــة
بالأحفـاد بدلاً عن الولاء للأسلاف!! ففي حين أثبتت تجارب الشرق في
التمسك بدون جدل بالولاء للأسلاف تراجعـاً في المكـانة الحضـارية أدى
إلى حالة الإحباط التي نحن عليهـا ستؤدي ثقتنـا بأولادنـا، إن هم
حظوا بجميع مقومـات الحرية، إلى ضمـان مواكبة السيرورة الحضارية
والمساهمة في تطويرها بالطرق السلمية والعادلة بشكل فاعل لا مستهلك
فحسب. وستبقى لنـا نحن الآباء مكانتنا الكبيرة لدى الأجيـال القادمة،
وأفرادهـا آباء بدورهم، بقدر ما نمهد لهم الطريق إلى المعرفة وحرية
التفكير والتغيير والتطوير واختيـار ما يناسب عصرهم..
لقد انكسرت قاعدة العلاقة الطردية بين الوعي وكمية الأيام المعاشة
وصححت باتجـاه العكس، فوجب إذن أن نعلنهــا بدون تردد: (الأصغر منك
بيـوم أفهـم منك بسنـة).
|
|
حتى أنتَ يا محمود درويش!
د. احسان الطرابلسي |
لعل
فضيحة كوبونات النفط السوداء التي كان الهُمام صدام يستعملها كطُعم
لفئران الصحافة والثقافة والإعلام العربي ولغيرهم من المنتفعين
الراقصين المُطبلين، تعتبر أكبر فضيحة للثقافة العربية، بعد فضيحة
مجلة (حوار) المشهورة في بداية الستينيات من القرن الماضي التي
قادها مجموعة من القومجية المتعربجين في ذلك الوقت.
*
لقد كنا نعتقد أن الهُمام صدام كان يستطيع أن يغري من الصحافة
فئرانها لكي تدخل مصيدته الجهنيمة، وتقضم من قطعة الجبن المسمومة،
وتهرب. ولكنا لم نكن نعتقد أن جهابذة الصحافة العربية وأساتذتها
ومالكي الصحف والمجلات فيها هم أيضاً جراذين صدام الذين أكلوا من
قطعة الجبن المسمومة التي كان يقدمها لهم صدام على شكل كوبونات
نفطية سوداء.
*
ولقد كان نعتقد أن مثقفي الدرجة العاشرة في الثقافة العربية هم
الذين كانوا يمدّون أيديهم للطاغية طلباً للحسنات والصدقات
والمكرمات، ففوجئنا أن ما كان يسمى بـ(أعناق الجياد النافرة) على
رأي الشاعر الراحل الماجد فواز عيد هي في حقيقتها أعناق فئران
مستلمة متزلفة، لا تفتأ أن تنحني بخنوع مخجل لذهب الطاغية الأسود
سواد وجهه، وسواد الأيام التي عاشها العراق تحت بسطاره.
*
ولقد كنا نعتقد أن المعارضة العربية التي ملأت الفضاء العربي
والإسلامي بشعارات الحرية والقومية والعروبة والكرامة والعزة
والبسالة والجهاد والفداء والتضحية والاستبسال.. الخ، هي معارضة
شريفة لكل أنواع الديكتاتوريات في العالم العربي، العسكرية
والحزبية والقبلية، ففوجئنا أن هذه المعارضة كانت عبارة عن أرانب
وديعة في حضن الديكتاتور المقبور، يجنّدها ويوظفها للدعاية له،
ولمباركة عهده الأسود.
*
اعتقدنا كل ذلك، واعتقدنا أن شاعراً جماهيرياً قومجياً عالي الصوت،
ذرب اللسان، كان عبارة عن صوت الأمة العربية الشعري المدوي في
الندوات والمهرجانات والزفات والمؤتمرات كنزار قباني هو الوحيد
الذي كان يقبض من صدام في الصباح، ويشتم الديكتاتورية في المساء،
لكي يبيع دواوين أكثر، ولكي يكسب مالاً أكبر، وهو صاحب دكان
(السِمانة الشعرية الشامية) لا يعرف للشعر معنى إلا كم (المصاري)
الذي يجنيه هذا الشعر له من كتابته وبيعه للآخرين ليصبحوا به شعراء
مزيفين، كما قال لنا جهاد فاضل في كتابه (فتافيت شاعر). ومن هنا
احتكر نزار قباني نشر شعره وتوزيعه، وأنشأ له داراً للنشر، أطلق
عليها (منشورات نزار قباني). وهو الذي قال في صدام يوماً:
لقد جئت إلى بغداد مكسوراً.. فاذا بصدام حسين يلصق أجزائي
وجئت كافراً بممارسات العرب وإذ بصدام يردّ إليَّ ايماني، ويشدّ
أعصابي
وهكذا أعود من بغداد وأنا ممتلئ بالشمس والعافية
فشكراً لصدام حسين الذي قطّر في عيني اللون الأخضر!
وكنا نعلم أن شاعراً (أرزقياً) كنزار قباني، لا يقفل يده أمام لمعة
أي قرش من أية جهة، بل هو سعى إلى الشحاذة من دول الخليج، ومن
السعودية بالذات التي أقفلت بابها في وجهه، بعد أن وسّط (طوب
الأرض) لكي يزور السعودية ويقيم فيها مهرجاناته الشعرية، ويبيع
فيها دواوينه.
*
كل هذا كنا نعلمه، وكنا نتوقعه، وان لم نعلنه في حياة نزار قباني
الذي كان مُحتَضناً من معظم قبضايات الصفحات الثقافية، ويا ويل من
كان يمسه بسوء أو يحاول أن يقلل من مكانته الشعرية. وكلنا يذكر
الأذى الذي أصاب شاكر النابلسي عندما كتب كتابه الموسوعي عنه
(الضوء واللعبة، 1986) وحاول أن يضع نزار قباني في ميزان نقدي جديد
بعيداً عن اعجاب الغوغاء، والجماهير الهوجاء، ووله النساء.
*
كلنا كان يعلم كل هذا وكان يتخيله. ولكن الذي لم نكن نعلمه ولم
نتخيله، ووددنا أن نموت قبل أن نعلمه هو ما أعلنه الشاعر
والديبلوماسي العراقي السابق أرشد توفيق، في حديثه الذي أجراه
أسامه مهدي، من أن الشاعر الفلسطيني الثائر، والأممي الحائر، ورمز
الثورة والثوار النادر، محمود درويش كان من (القبيضة) الذين تسلموا
أموالاً من الهُمام صدام عن طريق أرشد توفيق الذي قال:
(أما هل قمت أنا شخصياً بإيصال عطايا؟ نعم. استلم ادباء مرموقون
عراقيون وعرب ظروفا ملأى بالدولارات. واستلم مني أثناء عملي
سفيراً، قادة لأحزاب ورؤساء وزارات مبالغ طائلة حتى ان احدهم استلم
الدولارات ولم يرجع لي حقيبتي أيضا. وفي حفلات الاستقبال الرسمية
كنت التقي بهؤلاء. وكنت اخجل من النظر في وجوههم، الا انهم لم
يخجلوا قط من ذلك. وكنت اتساءل دائما لماذا تدفع هذه الأموال؟
*
والأن يبدو أن المستور قد انكشف. في حين أن نقاد درويش الأدبيين -
على قلتهم - لم يستطيعوا كشف ذلك من خلال ما كان يكتب درويش إلا
عندما همس أحدهم بان ديوان درويش (مديح الظل العالي) كان مُهدى
لصدام، وأن صدام هو المعني بـ (الظل العالي) كحارسٍ للبوابة
الشرقية، وهو كان في حقيقته (حاميها حراميها). وقد قرأت كل ما كتبه
النقاد عن محمود درويش، وخاصة كتاب شاكر النابلسي المهم (مجنون
التراب، 1987) الذي يعتبر أوفى المراجع النقدية واضخمها عن شعر
درويش حتى العام 1990، فلم أجد أثراً لرائحة النفط العراقي الصدامي
فيما كتبه النابلسي. ولكني عندما رجعت إلى ما كان يقوله محمود
درويش عن الديكتاتور الفلسطيني ياسر عرفات، ومنه قوله فيه (مجلة
الكرمل عدد 10، 1983):
ليكن هو نحلة الفكرة وخليتها التي تبدع مكاناً على اية زهرة ممكنة
لأنه هو الممكن الوحيد للتفاوض مع المستحيل
لأنه هو المكان اينما كان
عليه ان يحيا لندرك ما البحر عليه أن يحيا لنبلغ البر
وهذا الرجل واقف أمام البحر
فهل يبحر
وهل يلقي خطبة البحر
هل يتسع له هذا البحر
وهل رأيتم من قبل رجلاً لا تتسع له الكرة الأرضية لأنه يحمل حلم
فلسطين بديع
انه ياسر عرفات قائدي وصديقي
ونشيد البحر
وحين قرأت تعليق شاكر النابلسي على هذه المقطوعة في كتابه
(أًَكَلَه الذئب، 1999) (والذئب هنا ياسر عرفات والمأكول هو ناجي
العلي) وهو السيرة الفنية لرسام الكاريكاتير الفلسطيني الأشهر ناجي
العلي الذي قتله ياسر عرفات في لندن عام 1987، والذي كان الشهيد
الفلسطيني الثقافي الوحيد الذي لم يرثه درويش في أشعاره، ولم
يؤبّنه في مجلته الثقافية (الكرمل)، ولم يأتِ على ذكر استشهاده قط،
وهو مدّاح الشهداء الفلسطينيين، وذلك لأن الديكتاتور (قائد درويش
وصديقه) كان هو القاتل.. ساعتها عرفتُ فقط أن درويش لم يكن مدّاح
الشهداء فقط، ولكنه كان مدّاح الديكتاتوريين أيضاً.
إذن، ولاء درويش للديكتاتور صدام لم يكن هو الأول والأخير. فقد كان
ولاؤه للديكتاتور الفلسطيني سابقاً، ولكن رائحة الدم الفلسطيني
الذي كان يتفجر ويتدفق كل يوم، حالت دوننا ودون باقي الروائح
الكريهة المنبعثة التي كانت تزكم الأنوف. ومنظر الشهداء المتقاطرين
على المذبح الفلسطيني حال بيننا وبين رؤية الأيدي القذرة التي كانت
تمتد في جيوب الديكتاتوريين لكي تقبض المعلوم.
انها فجيعة كبيرة تلك التي كشفت عن أن (شاعر المقاومة الأول) كان
يرتهن لصدام كما كان يرتهن أي مرتزق آخر.
انها فجيعة كبرى للناس الذين صدقوا نبوءة الأنبياء الكذبة.
انها فجيعة كبرى حيث تؤمن فتكفر.
وحين تثق فتخسر،
وحين تتبع فتُنحر،
وحين تحب فتُسحر،
وحين تنتصب فتُكسر.
وسامح الله كل الأنبياء الكذبة في السياسة والوطنية، وأدعياء الشرف
والطهارة.
|
|
الأديان.. وخراب العراق!
ابراهيم الجندي |
|
يكاد
التاريخ يكرر نفسه في العراق بذات السمات والملامح التي حدثت بعد
نكسة 1967 في مصر، فمصر لم تعرف الدين السياسي، أو ما يسمى بالجماعات
الاصولية التي تسعى للوصول الى السلطة عبر الشعارات الدينية، الا بعد
هزيمة مصر والعرب امام اسرائيل، ففي عهد عبد الناصر الذي تميز
بالديكتاتورية والفقر، تجذرت هذه الجماعات وقويت شوكتها، حيث وجدت
التربة الصالحة لنموها في بيئة من الفقر والجهل والاستبداد!!ا
وان كان السادات قد دعم هذه الجماعات، إلا أن أساسها كان موجودا
كنتيجة طبيعية للهزيمة، وظلت تلك الجماعات على الساحة حتى الآن،
لاستمرار مبررات وجودها مع اختلاف الأنظمة.. هذا على الساحة المصرية،
اما على الساحة العراقية فقد وجدت تلك الجماعات ارضاً صالحة لنموها
مع استبداد صدام حسين وتزايد معدلات التي تلت هزائمه المتكررة، لكنه
كان يقمع هذه الجماعات بكل ما أوتي من قوة، فظلت حبيسة كالبخار
المكتوم، ثم انفجرت الان بعد سقوط النظام، بل انها وجدت الدعم
والمساندة من الجماعات الاصولية في العديد من الدول والتي تدفقت الى
(ارض الخلافة لاعلان الجهاد الاسلامي ضد المحتل الصليبي الكافر )
ولنا ان نعلم ان بين 9 آلاف معتقل لدى القوات الاميركية يوجد 30
عراقياً فقط والباقي من دول أخرى، مما يعني ان العراق اصبح هدفاً
ومقصداً لهذه الجماعات من كل الدول، وتشير الانباء الى زيادة نشاط
الاصولية الاسلامية في العراق والتي بدأت في رش الجدران بشعارات
تتحدث عن جيش محمد، واصدار بيانات باسم فرقة صلاح الدين، وأخرى باسم
انصار السنة، وثالثة باسم المتوكلين، بل والادهى من ذلك، ان أحد
الانتحاريين قرأ وصيته في شريط فيديو، وأكد ان الجهاد سوف يستمر حتى
يعود الاقصى والاندلس، وقد بات مؤكداً وجود تنظيم القاعدة الآن في
العراق، والذي يضع توقيعه ويعلن مسؤوليته عن بعض العمليات ضد قوات
التحالف وقوات الشرطة العراقية!!!
تلك اشارة سريعة لتشخيص حالة الاصولية الاسلامية بالعراق، وما يمكن
أن يحل بهذا البلد على يديها بعد رحيل قوات التحالف في حزيران
القادم.
وعلى الجانب الآخر لم تتوان بعض الهيئات الاميركية عن تقديم دعمها
للتبشير بالمسيحية في العراق، فقد تواردت الانباء عن ان الكنيسة
الاميركية فتحت تسع كنائس في بغداد، وقدمت مائة ألف دولار لكل كنيسة،
مع تزويدها بالاف النسخ من الانجيل باللغة العربية، بالاضافة الى
تقديم الدواء والغذاء، كما أن الواقع لا يدعو الى التفاؤل على
الاطلاق، بعد ان تم التصديق على أن الدين الاسلامي أحد مصادر التشريع
في الدستور العراقي المؤقت، وهذا يعني سيادة التيار الاصولي داخل
مجلس الحكم.
أنني أعتقد أن صراع الاديان الذي تشهده الساحة العراقية الآن سوف
يعرض البلاد الى مصير مجهول، لأن الدين اذا أُقحم في الحياة فسد
وأفسدها، ونحن ننادي بدستور علماني لا مكان فيه للدين على الاطلاق،
مع تقوية سلطة الدولة لفرض سطوتها وطرد كل هؤلاء الأصوليين المسلمين
والمسيحيين على حد سواء، وترك العراقيين لحالهم، من شاء منهم فليؤمن
ومن شاء منهم فليكفر .
صحفي مصري مقيم في واشنطن
|
|
|
|
|