|
قبل نحو
أربعين يوماً استيقظ مئير دغان، رئيس الموساد، (جهاز الاستخبارات
الإسرائيلي الخارجية)، فلم يجد هاتفه النقال، وعندما تأكد بان هاتفه
سرق، توجه إلى الشرطة وقدم بلاغا عن سرقة جهازه، ينما منعت الرقابة
الإسرائيلية نشر أي خبر عن الموضوع حتى رفعت الحظر مؤخرا،لتفتح
التساؤلات على مصراعيها مثل: من الذي سرق الهاتف النقال؟ وكيف؟ وهل
هدف السرقة جنائي أم أمني؟ وكيف عرف السارق انه هاتف رئيس الموساد؟
وما هي المعلومات التي يمكن أن يحصل عليها السارق من خلال هذا
الهاتف؟ وما هي أهمية أرقام الهواتف المخزنة على هاتف رئيس الموساد؟
وما هي نوعية هذا الهاتف؟؟.
بالإضافة إلى التساؤلات أضحى رئيس الموساد هدفا لنكات وسخرية لاذعة.
مثل قول أحدهم: (ذهب دغان ليصيد وإذا به سمكة..)، وقول آخر: (إذا
سرقوا رئيس الموساد فماذا بالنسبة لنا نحن الغلابة..!).
وذكرت مسألة السرقة بحادث آخر وقع قبل أربع سنوات ،ولكنه كان اكثر
خطورة، عندما سرق لص محترف جهاز الحاسوب المتنقل لعمرام ليفين، نائب
رئيس الموساد السابق، من منزله في مدينة قيسارية الساحلية، ولكن
الأمر انتهى بخاتمة (سعيدة) نسبياً حيث تم إلقاء القبض على اللص
وتبين انه مجرد لص..فقط..!
والطريف في مسالة سرقة هاتف ليفين، انه كان يوصف بأنه صاحب (ثورة
الحاسوب) في الموساد حيث ركز على إدخال التكنولوجيا بصورة واسعة،
وإشاعة استخدام الحواسيب ولكنه في النهاية لم يحافظ على حاسوبه.
ولكن الأهم في مسالة سرقة الهاتف انه فتح من جديد سلسلة اخفاقات هذا
الجهاز الذي لا يكف القائمون عليه من القول انه من أقوى أجهزة
الاستخبارات في العالم ،ويستندون في ذلك على (أمجاد) الجهاز في
ملاحقة القادة الفلسطينيين طوال عشرين عاما في عواصم مختلفة، وهي
مطاردات شهدت اخفاقات أيضا، بالإضافة إلى عمليات اعتبرها الجهاز
نوعية مثل اختطاف ايخمان من الأرجنتين وإعدامه في إسرائيل، واختطاف
رجل الذرة الإسرائيلي فعنونو بعد أن كشف أسرار البرنامج النووي
الإسرائيلي لصحيفة الصاندي تايمز اللندنية، وأيضا عمليات كان الموساد
طرفاً فيها وأحدثت دويا مثل عمليتي ميونخ وعنتيبي.
ولكن الأمر ومنذ سنوات لم يعد كما كان، وبدأت صورة الموساد تختلف رغم
تعاقب اكثر من رئيس عليه.
داني ياتوم: بطل الفشل الميداني
كان يوم 25/9/1997م ، يوماً غير عادي في العاصمة الأردنية عمان، من
الصعب أن تنساه المدينة لسنوات تالية كثيرة.
في الساعة العاشرة والربع من صباح ذلك اليوم، كان شخصان بديا كسائحين
يتحركان جيئة وذهابا أمام مكتب حركة حماس في شارع وصفي التل في عمان،
في الوقت الذي وصلت فيه سيارة رئيس المكتب السياسي لحماس خالد مشعل
يرافقه ثلاثة من أطفاله ومرافقه الشخصي محمد أبو سيف.
أحد الشخصين كان يحمل في يده حزمة صغيرة مغلفة بكيس نايلون، وعندما
نزل مشعل من سيارته اقترب منه أحد (السائحين) وهو ذو شعر أشقر ولحية
صغيرة، وبدا كأنه يريد أن يسأله عن أمر ما، في الوقت الذي اقترب منه
بسرعة (السائح) الآخر وضربه بجهاز كان يحمله على رأسه.
وحسب بيان أصدرته حماس، في حينه، فإن محمد أبو سيف مرافق مشعل حال
دون أن يلامس هذا الجهاز رأس مشعل، ولكن الجهاز أصدر صوتا مدويا قرب
الأذن اليسرى لمشعل الذي شعر بصعقة قوية أصابت جسده بهزة قوية.
وهرب (السائحان) إلى سيارة كانت متوقفة في انتظارهما من نوع (هونداي)
خضراء اللون، دون أن يخطر ببالهما أن حارس مشعل الشخصي محمد أبو سيف،
لحق بهما، وأوقف سيارة أجرة عمومية وجرت مطاردة للسيارة الهاربة
مسافة 3 كيلومترات، من المركز التجاري المكتظ في شارع وصفي التل
المشهور باسم شارع الجاردنز حيث مكتب حماس، إلى شارع مكة، حيث نزل
الرجلان من سيارتهما واجتازا الشارع بسرعة نحو سيارة أخرى كانت في
انتظارهما، ولكن محمد أبو سيف الذي نزل من السيارة العمومية
(التاكسي) التي ركبها ولاحق بها الرجلان سجل رقم سيارة الهونداي
الخضراء، التي تبين فيما بعد أنها مستأجرة، ولحق بالرجلين وجرت
مشاجرة عنيفة تجمع على إثرها المواطنون وساعدوا أبو سيف في القبض على
الرجلين، وحضرت الشرطة وتم اعتقال الرجلين بينما هرب ثلاثة آخرون
كانوا في السيارة الثانية و سائق السيارة الأولى إلى السفارة
الإسرائيلية في عمان.
وبعد ساعات بدأت تتدهور صحة خالد مشعل، من أثر السم الذي وضعه أحد
عملاء الموساد في أذنه بواسطة الجهاز الذي ضربه به على رأسه، ونقل
مشعل إلى المستشفى في حالة سيئة جداً بسبب ما تبين أنه محاولة
للموساد لاستهدافه، وتدخل الملك الأردني الراحل حسين وتم إبرام صفقة
لإعطاء مشعل الترياق الشافي وإطلاق سراح الشيخ أحمد ياسين زعيم حماس
المعتقل لدى إسرائيل مقابل إعادة عميلي الموساد اللذين تم القبض
عليهما.
هذه هي الخطوط العامة المثيرة لمحاولة اغتيال خالد مشعل في العاصمة
الأردنية عمان والتي كانت بداية لسلسة فضائح علنية مدوية للموساد.
وفي يوم محاولة الاغتيال، في الساعة الثانية عشرة ظهراً و بعد أقل من
ساعتين من وقوع الحادث كان رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو،
يقوم بزيارة روتينية إلى مقر الموساد، لشرب نخب العام العبري الجديد،
وليلقي خطاباً قصيراً في غرفة الطعام، كما يحدث عادة في هذا النوع من
الزيارات الروتينية التي يقوم بها رؤساء الوزارات الإسرائيلية كل عام
لمقر الموساد.
ولكن عندما وصل موكب نتنياهو إلى مقر الموساد، وجد مفاجأة في
انتظاره، فرئيس الموساد داني ياتوم، الذي ارتبط اسمه بفضيحة قتل
أسيرين فلسطينيين بعد إلقاء القبض عليهما، والذي كان يقف في انتظار
نتنياهو، طلب منه بعد أن نزل من سيارته أن يتحدث معه على انفراد،
وقال له إن اثنين من رجال الموساد اعتقلا في الأردن قبل نحو ساعة من
الآن بعد أن نفذا ما أوكل إليهما وأصابا خالد مشعل.
وبالطبع لم تكن مفاجأة سارة لنتنياهو، الذي دخل مع ياتوم إلى مكتب
الأخير، وطلب إجراء مكالمة عاجلة مع الملك الأردني الراحل حسين، الذي
كان على الطرف الآخر من الخط بعد وقت قصير.
ولم يخبر نتنياهو الملك حسين عن ما حدث أو عن مطلبه ولكنه طلب منه أن
يلتقي مع داني ياتوم في عمان، ووافق الملك على الالتقاء مع ياتوم،
وربما كان الملك الذي عرفت أجهزته بالحدث بعد اعتقال رجلي الموساد،
حدس بهدف زيارة ياتوم المفاجأة إلى عمان.
وجرت لقاءات ومباحثات عديدة تدخلت فيها العواصم المقررة في سياسة
العالم وانتهت بخروج الشيخ احمد ياسين وبإحراج شديد لنتانياهو
ولياتوم لما وصف حينها انه اكبر فشل للموساد في تاريخه، وفي إجراء
ليس كثير الحدوث حذفت الرقابة الإسرائيلية أجزاء من تقرير لوكالة
رويترز تحدث فيه محلّلون ، معتبرين أن ما حدث في عمان هو (أسوأ خطأ
في تاريخ عمليات الموساد).
ولم يكن يعرف أحد في مطبخ صنع القرار في إسرائيل أن هناك المزيد من
الفشل والأخطاء ينتظر الموساد، الجهاز الذي يفترض أن لا يخطئ.
ياتوم: مرة أخرى مع الفشل
استمر النقاش طويلا في وسائل الإعلام الإسرائيلية حول عملية اغتيال
مشعل الفاشلة والتساؤل عن من يتحمل المسؤولية ، هل نتنياهو أم داني
ياتوم؟ وكان كلا من الطرفين: ياتوم وجهازه، ونتنياهو والسياسيون
يحاولون من خلال (تفاصيل) و(أخبار خاصة) تسرب للصحف الإسرائيلية
والعالمية رمي الكرة في الملعب الآخر.
وحتى بعد سنوات من تلك العملية كان النقاش ما زال مستمراً، وبعد نحو
ثلاثة أعوام خرج أحد منفذي العملية عن صمته ليتحدث لصحيفة معاريف
العبرية (18/5/2000)، وعزا موشيه بن دافيد أحد كبار المسؤولين في قسم
العمليات التابع للموساد حتى قبل إدلائه بالحديث بعدة أشهر، فشل
العملية لعدة أسباب: منها حسب قوله إن العملية نفّذت في ساحة ليس
للموساد عهد بها، لأنه كما قال إن إسحاق رابين رئيس الوزراء السابق،
حظر على الموساد العمل في الأردن بعد عملية توقيع اتفاقية السلام،
وهذا كلام غير مقنع تنفيه تجارب الموساد السابقة في دول أكثر من
صديقة ،كأميركا مثلاً ، وفضيحة الجاسوس بولارد وزوجته، إضافة إلى أن
الدول تمارس الأعمال الاستخبارية سواء كانت في حالة السلم أم حالة
الحرب، و أن نتنياهو أجبرهم على إتباع أسلوب أيضاً غير معهود، لأنه
لم يرغب بحدوث انفجار أو إطلاق نار في الشارع ، و إجمالاً كان يريد
عملية هادئة، و أيضاً بسبب ما وصفه بالسرعة .
ووجه بن ديفيد انتقادات حادة للسياسيين، والغريب أن هذا الكلام أتى
من بن ديفيد الذي اهتمت به الصحف العبرية، بعد أن أصدر عن منشورات
معاريف كتابه (الإمكانيات المحدودة) عن فترة عمله بالموساد، ووجه
الغرابة أن بن ديفيد هو من عرض على المستوى السياسي خطة اغتيال مشعل.
بعد الفشل المدوّي لعملية اغتيال مشعل في عمان، يبدو أن داني ياتوم
رئيس الموساد الذي عينه إسحاق رابين، رئيساً للموساد من خارج صفوفه
حيث جاء به من الشاباك، أراد أن يمحو ذلك الفشل المزري، أو يخفف من
وقعه بعمليات أخرى للموساد في الخارج، ولكنه وجد نفسه يتورط في فضيحة
أخرى في سويسرا اضطر بعدها للاستقالة.
والتفاصيل انه بعد نحو خمسة شهور من فشل عملية اغتيال مشعل، وفي شباط
عام 1998م ، دخلت مجموعة من عملاء الموساد إلى المبنى رقم 27 من شارع
فابر ساكر في بلدة ليبليفيد بالقرب من مدينة كونيتس في مقاطعة بيرن،
الذي يقطن فيه مواطن سويسري من أصل لبناني يدعى عبد الله الزين،
والنزول إلى أسفل المبنى لفحص إمكانية زرع أجهزة تنصت على هاتفه،
باعتباره أحد مناصري حزب الله في لبنان.
وكان عميل الموساد في لبنان أخبر رؤساءه أن المواطن اللبناني المغترب
عبد الله الزين، الذي عاد في زيارة إلى بلاده التقى بمسؤولين في حزب
الله واجتمع معهم في بيروت، قبل أن يتوجه إلى قريته الجنوبية ليلتقي
بعائلته. ورصد عميل الموساد، الزين وهو عائد إلى سويسرا حيث يقيم،
عناصر من حزب الله رافقته حتى مطار بيروت.
وتستنتج عدة مصادر مهتمة بأن الموساد كان يبحث عن عملية تعيد صورته
الأولى أمام الرأي العام وتنقذ مديره داني ياتوم من الإقالة بعد فشل
محاولة اغتيال مشعل. وحسب ما سربه جهاز الموساد نفسه، فإن الزين كان
يجمع التبرعات لحزب الله من أغنياء الشيعة في أوروبا.
وطارد رجال الموساد، بناء على أوامر ياتوم ومتابعته، الزين في عدة
مدن أوروبية، حتى عثروا عليه في بلدة ليبليفد، وتم استئجار بيت سري
يقيم فيه رجال الموساد على مقربة من بيت الزين، لتبدأ فصول عملية فشل
جديدة للموساد.
كثف رجال الموساد من مراقبة الزين، بينما تابع ياتوم التخطيط
لعمليته، وحسب الصحافي البريطاني غوردون طوماس في كتاب له عن
الموساد، فإن ياتوم (أرسل خبيراً بالاتصالات إلى ليبليفد لفحص صندوق
الوصل الهاتفي، فالتقط مجموعة من الصور للقسم الداخلي وعاد بها إلى
تل أبيب حيث تولى درسها قسم الأبحاث والتطوير، وتبعاً لذلك أدخلت
تعديلات على الأدوات قيد التحضير، كان بين هذه الأدوات جهاز صغير
متطوّر يمكّن من مراقبة جميع المكالمات في شقة الزين، وقد ربط هذا
الجهاز بآلة تسجيل ضئيلة الحجم تختزن ساعات من المكالمات الهاتفية،
وكان لآلة التسجيل قدرة ذاتية على التفريغ الإلكتروني بإشارة معدة
مسبقاً تأتيها من البيت السري، وهناك في هذا البيت يجري نقل فحوى
المكالمات خطياً وترسل إلى تل أبيب عبر جهاز فاكسميلي سري).
وفي ليلة 19/2/1998، تحرّك خمسة من عملاء الموساد لتنفيذ المهمة، نزل
إلى أسفل المبنى ثلاثة من العملاء: رجلان وامرأة، وبقي اثنان يقومان
بمهمة الحراسة في الخارج، وبدأ الثلاثة ينفذون مهمتهم وهي وضع جهاز
تنصت على هاتف عبد الله الزين، وأثناء ذلك وصلت السرداب تحت المبنى
سيارة شرطة استدعتها إحدى النساء التي استرعى انتباهها حركة غير
عادية أسفل المنزل، وضبط الشرط عملاء الموساد الثلاثة، وزعم العملاء
الثلاثة، أنهم ليسوا إلا سياحاً قدِموا من إسرائيل واختاروا هذا
المكان لممارسة الجنس بشكل جماعي بعيدا عن الأعين، ولكن رجال الشرطة
لاحظوا سلكا مشبوكا في الحقيبة الدبلوماسية مع العملاء، فتم إلقاء
القبض على العملاء الخمسة، الذين نجح أربعة منهم بالهروب بطريقة
غريبة، عن طريق الادعاء بالمرض والهروب من المستشفى، ولا يستبعد أن
يكون تم ذلك بتعاون بين الموساد والمخابرات السويسرية أو من تدبير
الموساد لوحده، ولم يقم المدّعي العام الاتحادي في سويسرا بالتحقيق
في هروب العملاء الأربعة ، بينما بقي في حوزة الأمن السويسري عميل
واحد، كان يحمل جوازي سفر إسرائيليين غير مزيّفين اسمه في الجواز
الأول: إسحاق بنتال، وفي الثاني يعقوب تراك، وتم إطلاق سراحه بكفالة
في أواخر نيسان 1998م، قيمتها ثلاثة ملايين فرانك دفعتها الحكومة
الإسرائيلية، مع تعهد (إسرائيلي) بعودته لمحاكمته، قدمه المستشار
القانوني للحكومة (الإسرائيلية) إليكيم روبنشتاين، وفعلاً عاد في
بداية شهر تموز 2000 ، ليحضر جلسات المحكمة في محكمة العقوبات
الاتحادية في لوزان.
وبالطبع كان أول إجراء اتخذه القاضي هو التأكد إذا ما كان (السيد
موساد) غير المعروف اسمه الحقيقي الماثل أمام المحكمة هو نفسه المتهم
الذي أفرج عنه بالكفالة، وتم التأكد من ذلك بشهادة اثنين من رجال
الشرطة كانا مكلفين بمراقبة العميل مجهول الهوية.
وجرت محاكمة غريبة عجيبة لا تحدث حتى في دول العالم الثالث، لا مجال
لذكر تفاصيلها هنا، والمهم انه في يوم الجمعة (7/7/2000) التأمت
المحكمة للنطق بالحكم، ولم يكن متوقعاً من خلال سير المحكمة، أن يكون
بغير ما أتى عليه.
جرّمت هيئة المحكمة المتهم بالتعامل المحظور لصالح دولة أجنبية،
والقيام بنشاط استخباري سياسي، وتزوير وثائق ثبوتية، وحكمت على
المتهم الذي لا يعرف له اسم، بالحكم عاماً مع وقف التنفيذ ومنعه من
دخول سويسرا لمدة خمس سنوات، ودفع نفقات المحكمة البالغة 65 ألف
دولار تخصم من الكفالة التي دفعتها حكومة إسرائيل على أن يعاد الباقي
لإسرائيل.
وحاول القاضي التخفيف من الانتقادات التي رافقت هذا الحكم على المتهم
المجهول الهوية، فقال إن ما قام به (يشكل انتهاكاً عظيماً لسيادة
سويسرا، ولكن المتهم كان مجرد شخصٍ مأمور في دائرة رفيعة المستوى)،
وهو كلام يمكن أن يثير السخرية من قاضٍ بارز في سويسرا كهانز
فيبريختيغر.
هليفي: بديل غير مناسب
بعد الفشل في سويسرا استقال ياتوم، وأوكل نتنياهو، في نيسان 1998 ،
رئاسة الموساد لأفراهيم ليفي، الذي ارتبط اسمه بفضيحة الاغتيال في
عمان، عندما فاوض على إبرام الصفقة مع الملك حسين مستغلاً العلاقة
القوية التي تربطه به، وكان هو على الأغلب، وفقاً لمصادر متعددة،
صاحب فكرة الإفراج عن الشيخ أحمد ياسين ، مقابل الإفراج عن عميلي
الموساد في الأردن.
ولقي تعيينه ترحيباً لأنه من رجال الموساد السابقين أي من داخل
المؤسسة، ويتمتع بشخصية متزنة بالإضافة إلى كونه شديد الحذر، ومن
المستبعد أن يتورط بعملية فاشلة أخرى، كما كانت التقديرات بشأنه،
وبدأ بمحاولة إصلاح الأخطاء التي تسبب بها سلفه أو حدثت في عهد سلفه
وإعادة الروح المعنوية لأفراد الموساد الذين تلاحقهم الفضائح من عمان
إلى سويسرا.
وبدا هليفي محاولاً الإفراج عن رجل الموساد (مجهول الهوية) الذي بقيَ
من مجموعة العملاء الذين حاولوا زرع جهاز التنصت في هاتف عبد الله
الزين في بيرن ، بعد أن ساهم الجهاز، على الأغلب، بالإفراج عن زملائه
بطريقة التمارض والذهاب إلى المستشفى والهروب، دون أن يقوم جهاز
الادعاء العام السويسري بالتحقيق بملابسات عمليات الهروب تلك.
و لكن كانت اللعنة التي أصابت الموساد ما زال تأثيرها موجودا، فتفاجأ
بإلقاء القبض في قبرص على عملاء للموساد، اتهمتهم الحكومة القبرصية
بجمع معلومات لصالح الحكومة التركية، ووجدها القبارصة فرصة لتلقين
عملاء الموساد الذين يسرحون و يمرحون في جزيرتهم درسا، كي لا يعودوا
لممارستهم تلك أو يخففوا منها، لذلك لم تستجب الأجهزة القبرصية لجهود
هليفي بإطلاق هؤلاء العملاء المقبوض عليهم، و لكن جهودا سياسية
مكثّفة و تدخلات أطراف أخرى أدّت إلى الإفراج عن العملاء من قبرص و
إعادتهم إلى (إسرائيل) .
وتفجّرت بعد وقت قصير فضيحة رجل الموساد إيهود جيل، وهي فضيحة غريبة
عجيبة، فجيل هذا قدّم تقارير مفبركة لجهازه وحكومته عن استعدادات
سورية لشن حرب ومعلومات أخرى غير صحيحة ادعى أنه استقاها من عميل
رفيع المستوى للموساد في سوريا، ولم تعرف ملابسات القصة أو الأسباب
التي أدّت برجل الموساد لفعل ذلك، وانتهى ليكون أحد نزلاء السجون
الإسرائيلية.
ولم تمض ستة أشهر على تعيين هليفي، حتى عيّن شخص آخر قويّ هو عميرام
ليفين نائباً لرئيس الموساد، ليساهم في ترميم الجهاز من الداخل بعد
الهزات التي لحقت به، وجعلته أضحوكة على صفحات الصحف العالمية.
وجاءت النتيجة عكسية ومدمّرة حسب تعبيرات الصحافة الإسرائيلية،
فالجهاز أصبح يديره رأسان وبدا لكلّ منهما له فريق في الموساد، لا
يعملان دائماً في وفاق.
ووصل التدهور إلى درجة أن مقدّم برنامج إخباري في الإذاعة العبرية
كان يستضيف نائب وزير الدفاع في حكومة إيهود باراك، أفرام سنيه و
أبلغه بالمعلومات التي تحدّثت عن امتناع عملاء الموساد الميدانيين في
الخارج عن العمل ورفضهم تنفيذ أي عمل في الخارج احتجاجاً على ما وصل
إليه الوضع في جهازهم، وقابل سنيه ذلك بدهشة كبيرة.
ووضعت خطط منها تحويل شعبة البحث في الموساد إلى شعبة استخبارية
وتكليفها بجمع المعلومات، إلى جانب وظيفتها الأصلية والتي كانت تنحصر
بتحليل المعلومات واستخلاص النتائج، وتعيين هيئة ناطقة باسم الجهاز
ترتبط بعلاقات دائمة مع وسائل الإعلام، والقيام بتجنيد عملاء بشكلٍ
علني كما تفعل وكالة المخابرات المركزية الأميركية، و ذلك لسد النقص
الشديد في القوى البشرية المدربّة، والتي تبيّن أن الموساد يحتاج
إليها بعدما لاحقته ولاحقت رجاله اللعنة التي رافقت محاولة اغتيال
مشعل من العاصمة عمان إلى بيرن في سويسرا ... إلى قبرص .. !
دغان: لم يكبح التدهور
جاء مئير دغان رئيس الموساد الحالي الى موقعه قبل نحو 18 شهرا، وحسب
الصحفي الإسرائيلي رونين برغمان في صحيفة يديعوت احرنوت (12/3/2004)،
فان دغان لم يستطع إيقاف التدهور في الموساد، مثلما لم ينجح في
الحفاظ على هاتفه النقال..!
ومن اخفاقات دغان كما أشار إليها برغمان:
* الفشل في تتبع برامج ليبيا التسليحية وعدم معرفة المفاوضات
اللبيبة-الأميرية-البريطانية السرية.
* تدهور علاقة الموساد بالأجهزة الغربية في مسالة تبادل المعلومات
والتي تقوم على مبدا (خذ وهات)، بينما الموساد لم يعد لديه شيء
ليعطيه.
* تقديرات الموساد كانت أن إيران ستمتلك أسلحة نووية في عام 2005،
ولكن الواقع كشف أن الأمر غير ذلك، ولم يستطع كشف ما تقوم به شبكة
عالم الذرة الباكستاني عبد القدير خان.
*لم يعرف الموساد بسلسلة العمليات التي نفذها تنظيم القاعدة ضد أهداف
إسرائيلية ويهودية في مناطق مختلفة من العالم.
*لم ينجح الموساد في اختراق حزب الله أو الوصول إلى عماد مغنية
(المطلوب اسرائيلياً وأميركياً).
ولا يلوم الصحفي رونين برغمان، دغان كثيراً، مشيراً إلى أن التدهور
بدا في عهد شبتاي شبيط في عام 1989 الذي قاد العمل بشكل دكتاتوري
وهمش رؤساء الأقسام وكرس وقتا للصراع مع أجهزة استخبارية موازية له.
وبشان داني ياتوم يقول برغمان بأنه حاول إدخال طرق وأساليب عمل منظمة
ونفذ عدة تعيينات ناجحة إلا انه خرج بعد فشله الميداني المتكرر كما
أوضحنا سابقا، وعندما جاء هليفي خلفاً له خشي المصادقة على بعض
العمليات خوفاً من الفشل، والعمليات التي صادقت عليها في دول تسمى في
الموساد (دول القاعدة) التي يوجد للموساد فيها مراكز كالدول
الأوروبية، لأن الفشل فيها يعني أنها ستنتهي في السجن في ظروف مريحة
ثم لفلفة القضية، كما حدث مع عبد الله الزين، وركز على جمع المعلومات
وتحليلها مع إقامة قسم قوي للأبحاث.
وعندما جاء دغان وجد تركة ثقيلة بانتظاره، ويبدو أن أخر ما كان
يجتاحه سرقة جهازه الخلوي، لينفتح عليه وعلى جهازه (عش الدبابير)،
دون أن يستطع تجنب اللسعات، فهو يترأس جهازا كان مخيفا لكنه اصبح
الآن نمراً من ورق...!
|