كتاب دائمون
سنة أولى عراق: بوش لم يخطئ!

سعد محيو         

(I)
ثمة إجماع الآن بين العديد من المحللين الغربيين، كما الشرقيين، على أن حرب بوش في العراق، كانت خطأ فادحا.
فهي (كما يقول هؤلاء) حرّفت الانظار عن معركة مكافحة الإرهاب، وهي قسمت المعسكر الغربي بشكل لم يسبق له مثيل منذ الحرب الفيتنامية، كما أنها لم تنجح بعد في نقل العراق من جحيم الحرب الى جنّة السلام.
وانطلاقا من هذه المقدمات نصل الى النتيجة: لن يكون أمام أميركا الآن سوى البحث عن مخارج ما من هذه الورطة التي باتت تشبه، في بعض وجوهها الأمنية على الأقل، الورطة الفيتنامية.
وجهة النظر هذه حصلت مؤخرا على حقنة قوية في العضل، حين ترافقت الذكرى السنوية الأولى لبدء الغزو الأميركي للعراق مع جملة أحداث أمنية وسياسية كبرى: تدمير فندق (جبل لبنان) في وسط بغداد على رأس من فيه من مدنيين أجانب، وقبلها تدمير قطارات مدريد بمن فيها من عمال ونساء وأطفال، وبعدها تدمير حكومة أزنار اليمينية الإسبانية بسبب دعمها الحرب الأميركية على العراق.
(II)
هل هذه النظرية صحيحة؟ هل أخطأت إدارة بوش حقا في قرار اجتياح العراق؟
لا يبدو الأمر كذلك. لا يبدو البتة.
فالبيت الابيض البوشي لم يخض أصلا حرب العراق لاستئصال الارهاب.. صحيح أنه كذب مرتين حين قال إن صدام حسين على علاقة بابن لادن وإنه يمتلك أسلحة دمار شامل، إلا أن هذا الكذب كان مجرد (اكسسوار) إعلامي لتغطية اهداف سياسية.
وعلى أية حال، واشنطن وكل حلفائها الأوروبيين كانوا يعرفون منذ البداية أن حرب العراق لا علاقة مباشرة لها بحرب الارهاب. فالأولى كان لها، ولايزال، أهداف استراتيجية كبرى طموحة تتجاوز بكثير العراق، لتصل الى الشرق الأوسط الكبير وحتى الى أوروبا نفسها، فيما الثانية نطاقها محدود في الأطر التكتيكية الاستخبارية الأمنية.
والبيت الابيض البوشي لم يسعَ مرة لكي يوحّد المعسكر الغربي، حتى يقال إنه قسمه بحربه على العراق. فالنظرية التي وصلت الى السلطة في أميركا غداة فوز بوش بالرئاسة العام ،2000 كانت تلك التي تعلي من شأن الانفرادية الأميركية في العالم، وتقدس مبدأ القوة في العلاقات الدولية، ولا تستحي من الإعلان عن أنها تريد أميركا دولة امبريالية وامبراطورية بالكامل.
وأخيراً، البيت الابيض البوشي لم يتبنَ مبدأي محاور الشر والحروب الاستباقية لكي يتخلى عنهما عند الاصطدام بأول عقبة. فطموحه هنا لا يقل عن كونه مشروعا حقيقيا للسيطرة على السياسات الخارجية الأميركية لعقود عدة مقبلة، تماما كما سيطر مبدأ ترومان على التوجهات الأميركية طيلة 50 سنة من الحرب الباردة.
(III)
هل يعني كل ذلك أن إدارة بوش لن تهتم بكل العقبات الراهنة التي تعترضها الآن في العراق؟.
بالطبع لا. فاستحقاق الانتخابات الرئاسية والتشريعية على الأبواب. وبوش يبذل قصارى جهده الان لسحب ورقة العراق من التداول في السوق الانتخابي.
فهو ظهر فجأة خلال الاشهر القليلة الماضية في الساحة الدولية مرتديا حلة الاعتدال، والتعددية، والوفاق.
وهو نحى جانبا شعاره الشهير (من ليس معنا فهو ضدنا) الذي سيطر على السياسة الخارجية الأميركية منذ 11 أيلول/ سبتمبر وأثار حنق الكثير من الحلفاء والأصدقاء.
كما انه أطلق (مبادرة الشرق الاوسط الكبير) التي تركز على الجوانب الاقتصادية والاجتماعية والثقافية للحرب على الارهاب، مفسحا بذلك في المجال واسعا أمام الأوروبيين لتعديلها كما شاؤوا. ثم إنه بدأ يعطي (وسيعطي أكثر) دوراً مهماً للأمم المتحدة في العراق، وللاتحاد الاوروبي في إيران.
وكل هذه التغييرات تعني أن الرئيس الأميركي يهتم فعلا ويقلق فعلا لما يجري في العراق.
لكن هذا شيء، والقول إن بوش أخطأ في العراق شيء آخر.
بوش ومحافظوه الجدد ورطوا أميركا برمتها في مشروعهم الكبير في الشرق الاوسط الكبير وانقضى الأمر. وجون كيري، في حال فوزه، لن يستطيع الخروج من هذه الورطة، ناهيك عن انه لم يعلن مرة أنه ينوي الانسحاب من العراق كما انسحب الجمهوريون القدماء (نيكسون) من فيتنام.
لا بل اكثر: الاوروبيون أنفسهم الذين يدينون غزو العراق بسبب معرفتهم لأهدافه الحقيقية، يقولون الآن إن تصحيح (خطأ) العراق لا يكون بإفشال المشروع الأميركي بل بإنجاحه، بعد تعديله بما يخدم المصالح الأوروبية.
والحصيلة؟
إنها بسيطة: يتعين علينا العمل على رؤية غابة المصالح الغربية التي تختفي وراء شجرة الخلافات حول العراق. حينذاك سنكتشف ان بوش لم يخطئ الهدف في العراق. فهذا ما كان يريده من البداية. إنه غامر وقد يفشل، لكنه لم يخطئ.
 


للإتصال بالإتجاه الآخر

mj_group@hotmail.com

للإتصال بالسيد مشعان الجبوري


[تحت المجهر]