|
|
1-
ليلٌ يخلعُ سترتهُ
راكضاً ... خلفَ الحلمِ
2-
نجمٌ ... يعضُّ شفتيهِ
ندماً على... هبوبِ الوقتِ
3-
أحمقُ ... نسيَ كتابةَ
التاريخِ... على جدرانِ الوباءِ...
4-
طفلٌ يلوّحُ ... بالهزائمِ
يحضِّر طيناً ... لأبجديةٍ مقبلهْ...
5-
كانوا ...في الأسفلِ
موتى...مبعثرينَ...
يتناسونَ...
تناسوا...تدوينَ ألقابهم
على ...شاهداتِ القبورِ...
6-
غرفةٌ...تطردُ القاطنينَ
فيها...لتجهِّزَ العزلةَ...
7-
أنا...أوزِّعُ...دموعَ
صفحاتي...على عظامِ الموتى...
8-
ليلٌ...آخرُ...يقضمُ غرفةً
مليئةً...برائحةِ الورقِ...
9-
(المشهد الأخير)
حلمٌ... ينقضُّ
على وسادةٍ... مليئةٍ
بالخفافيشِ... وَ ... الأحرفِ...
*شاعر من سورية
|
|
|
|
عن دار
رياض الريس للكتب والنشر في بيروت صدرت مؤخراً رواية / فخاخ الرائحة/
للروائي يوسف المحيميد، وهي رواية تتحدث عن علائق إنسانية بين ثلاث
شخصيات رئيسية، أحدها شخصية رجل بدوي، واسمه /طراد/ ،رمى به الزمن في
وحشة المدينة وقسوتها، بعد أن كان حرّاً وشرساً كقاطع طريق لا يفتقد
إلى النبل والكرم والعفو، والآخر شخصية رجل سوداني اسمه الجديد
/توفيق/ بعد أن تعرّض في طفولته إلى سطو (الجلابة)، الذين يجلبون
الرقيق من وسط وجنوب وشرق السودان، والشخصية الثالثة شخصية شاب غامض،
جاء إلى العالم نتيجة علاقة جنسية محرّمة. تلتقي الشخصيات معا، ذات
زمن في مكان ما، أحدهم حارساً لبوابة والآخر بستانياً والثالث ابنا
بالتبني.
|
عرنوس يُصلب من جديد
وليد علاء الدين
|
|
[1]
/ثلاث قامات مشدودة ظهرت في الفجر واختفت قبل الضحى/
لحظة .. لم يتحرك خلالها أحد، كانوا ثلاثة، صعد اثنان إلى حيث تعلقت
جثته أعلى النخلة، أراحه أحدهم على ظهره، وساعده الآخر الذي طوق
وسطيهما بحبل من الكتان، هبطا به إلى حيث ينتظر ثالثهم : أطولهم
وأشدهم سمرة، مال عليه بعد أن مدداه على الرمال، أسبل جفنيه بأطراف
أصابعه، نفخ ريشات وزغباً كثيراً تعلّق بشعره الكثيف الخشن، ضموا
ساقيه وأراحوا ذراعيه على صدره العاري، فصار كأنما يحتضن الهواء
ويقبله، مغمضاً عينيه اللتين غرقتا وسط هالتين واسعتين من السواد
العظيم، تجولوا قليلاً في الأرض المحيطة، تخيروا مكاناً قريباً،
حفروا فيه، حملوه إليه برفق وأهالوا التراب. كبّر أطولهم .. فكبّروا
وتمتموا ... ثم مضوا.
لا أحد يعرف من أين جاءوا، أو كيف، إنما فوجئوا بوجودهم خارج القرية
في الفجر، وسرعان ما كانوا أسفل نخلة، تحركوا صوبها بدقة محسوبة، لم
يوجهوا حديثاً إلى أحد، ولم يستفسروا عن طريق، فقط كانوا يسيرون،
ثلاث قامات مشدودة، ظهرت في الفجر واختفت قبل الضحى.
لم يكن صاحب النخلات قد علم بما حدث بعد، وحين سمع الناس يتحدثون،
سكب الماء على الجمرات المتقدة أمامه، دس قدميه في حذائه القديم،
وأسرع إلى هناك، أسفل ذكر النخل المنتصب منتصف أرضه تماماً، وجد
الناس متحلقين حول قبة رملية نتأت تحت الذكر، لم يكن لها وجود من
قبل، دقق النظر، رآها منقوشةً وكأن آلافاً من الطير أقامت حفل
تزاوجها الموسمي عليها مخلفة رياشاً خضراً متناثرة وزغباً كثيراً.
راح يسأل الواقفين عساه يظفر منهم بشرح، ولكن ألسنتهم كانت معقودة
وأفواههم فاغرة، ولم يستطع أحد من ذوي العيون المحدقة أن يساعده.
انحنى صاحب الأرض على القبة الرملية ينبشها بكفيه العاريتين، ثائراً
وقلقاً، طفرت حبيبات العرق كثيفة على جبهته، وسرعان ما غطت جسده
كاملاً، راحت تتقطر حوله فتلتهمها الرمال الساخنة في شبق يئز، كست
الرمال وجهه ورقبته وتوغلت في ثنايا جلبابه الواسع، وهو يهتاج وينبش.
تباعد الواقفون لما تدافعت حبيبات الرمال الناعمة تسفع وجوههم
وثيابهم، ومازال الساعدان المشمران عن عروق نافرة يغوصان في القبة
التي راحت تتقلص شيئاً فشيئاً، امتلأ فمه وأنفه وجفناه بذرات الرمال
الناعمة، ولما أوشك على الفراغ .. دعك جفنيه المحمرين براحتي كفيه
فدمعت عيناه وتغبشت رؤيته، اتسعت حدقتاه في عناد ظاهر للنار التي
تسري بداخلهما، دقق النظر، حدّق.. تأكد أن ما يراه ليس أكثر من كومة
ضخمة من رياش الطير والزغب .. لم تلبث أن أطاحت بها ريح قوية قامت من
دون أوانٍ يعرفه الواقفون، تخللت الفُرج بينهم وكأنما نبتت من الأرض،
رفعت الكتلة الخضراء وحلقت بها مرتفعة، فرقتها عالياً .. عالياً ..
كانوا يتابعونها مشدوهين حتى استقرت هادئة فوق هام النخيل.
تراءت الرياش في تحليقها للناظرين عصافير خضراً تحرك الريح بأجنحة
هادئة، تخفق كما يخفق قلب الوليد، رآها صاحب النخلات عيوناً تحدق
وتذرف دمعات لؤلؤية ذات بريق يثير الاشتهاء، هطلت عمودياً وكأن الريح
لم ترها لتستقر على هام نخلاته في قرار مكين، الأطفال أقسموا أن
ضحكات عذبةً كانت تصدر عن تلك الأجساد المرفرفة في بهاء، وأن أصحابها
لوحوا لهم بأكف رقيقة قبل أن يرتفع بهم بساط من حرير أخضر له أهداب
ترفرف في جلال.
[2]
/ لا يفنى في الله من لم يعرف قوة الرقص/
جلال الدين الرومي
عروق رقبته منتفضة بارزة، تأبى الركون إلى أماكنها، سترته المبللة
بالعرق المالح تبرز تفاصيل جسده الأسمر النحيف. في بطء وحذر شديدين،
يرفع الثقل الذي حاول أن يوازنه بينه وبين الرجل الصاعد إلى جواره،
والذي راح يتمتم بكلمات وكأنها قراءة في سفر قديم تآكلت بعض حروفه.
لم يكن الصعود سهلاً، لكنه كان مهيباً أسطورياً، كان يشعر أن قدميه
ليستا قدميه، إنما هما لكائن خرافي سمع عنه قديماً في حكايات أمه،
وجده الذي لا يتذكر ملامحه، لكنه يستطيع حتى الآن أن يستحضر صوته
الضعيف الواهن، وسعلته الخشنة، والخيالات التي كانت ترافق ليله إثر
كل حكاية يسمعها منه: الوحوش الكاسرة، الساحرات الطيبات، والحصان
الذي يطير، الطيور المنقذة، كرامات الأولياء.. يستطيع أن يتذكر كل
هذا وأكثر دون عناء، يكفي أن يتذكر جده لتنهال عليه التذكارات صوراً
وأصواتاً وخيالات.
/ ألم أقل لك يا عرنوس، أن الله خلقك في هذه الدنيا لكي تصدق كلام
الآخرين، لم تكن كلمة قالها فواز وأنت تصعد الخط إلى جواره، لم تكن
كلمة تلك يا عرنوس، ألم تعمل حساباً للموقف، للظروف، ألم تفكر أن
حرارة الشمس وصهد الرمال والعرق الغزير قد تدفع بالرجل إلى
التخاريف... ألم تدرك ذلك؟!/
البيادة السمراء الغليظة تساعده على التنقل والتواثب في خفة ومهارة،
كفاه الخشنتان تحملان عن هذا، وتلتقطان الأحمال من ذاك، يصعد الخط،
يثبت السلم المصنوع من الأحبال والأخشاب، يقفز سريعاً لمكان يحتاج
إليه.
يحب الاستماع، يقترب كثيراً ممن يجيدون الحديث، الحكي - لذته
السارقة- يرهف أذنيه لهم ولا يكف عن الحركة، يقفز بعيداً ويعود
سريعاً، ينجز أعمالاً كثيرة حين يقص عليه أحدهم قصته.
/ هو لم يكن يكلمك، ولكنها صدفة أن تشتركا في حمل مدفع واحد... صدفة
يا عرنوس ، وأنت تصدق/
الخوذة المعدنية تخفي نصف رأسه الأعلى، وجهه الدقيق، وجنتيه
البارزتين، وشفتيه المزمومتين، جسده الناحل كآلة بشرية متوثبة،
متأهبة دائماً للقفز، في جيب سترته الكالحة، قلم رصاص وعلب سجائر
فارغة، هم يكتبون وهو يطوي الأوراق في سرعة ويدسها في جيوبه.
/ كنت تشارك الرجال بعزم، تدفع هذا للصعود، وترفع عن هذا حمله، وتحمل
الرسائل ممن يريد، وكأنك الوحيد الذي سيبقى، أليس هذا غريباً يا
عرنوس: أن يرحل كل من أعطاك رسالة وتبقى؟!/
على الضفة الأخرى، صار يدور ويرقص، عيناه لا تستقران، قدماه لا
تلامسان الأرض إلا لترتفعا من جديد، دارت الأشياء من حوله، قوة الرقص
دفعت به إلى المزيد، كان يرقص كالفهد، وأحياناً كالغزال..... ثم حلق
بعيداً وحط في كل المدائن والقرى.
/ تجوب البلاد كلها يا عرنوس، تدق أبواب الأقوام، وترتمي في أحضان كل
الأمهات لأنك تذكرهن بالغالي، وترمقك البنات بإعجاب لأن بطلهن وثق
فيك وحملك الرسالة، ولولا إصرارك الدائم على الرحيل السريع، لبقيت
شهوراً لدى كل أسرة ثكلى، تمسح حزنهم عنهم، وتحكي أمجاد الغالين
لهم./
ما زال مدفوعاً بقوة الرقص، يحط في كل المدائن والقرى، سترته الكالحة
أرهقها العرق والملح، تنازل عن بيادته الغليظة لما أضناها السير
والتجوال، فواز يلح على ذاكرته، رمال الخط، وعيون الرفاق، صوت جده
الواهن في أيامه الأخيرة، تراتيله المسائية وأوراده اليومية، دائرة
الرجال من حوله، ومسبحته الكبيرة التي أرهقه حملها من باب بيتهم إلى
غرفة الاعتكاف الصغيرة المظلمة حيث حيره أن جده لم يبادله الضحك
والحديث بداخلها، وأحزنه أنه رحل قبل أن يعاتبه على ذلك، رحل الرجل
وبقيت أوراقه الصفراء التي طالما قلّبها بين يديه ليعرف سرّ الطيور
الصغيرة التي رافقته إلى قبره، ولم يذكر سيرتها لأحد خشية العقاب.
/صور كثيرة بجيوبك يا عرنوس، خرز أزرق، سلاسل فضية، ماشاءالله
وشهادتان، أشياء كثيرة حملت نفسك أمانة ردها... عناوين أكثر./
يغذّ السير، لا يحتفظ في ذاكرته بملامح المدائن والقرى، كلها أرض،
يكفيه أن تصل الرسالة، ثم يواصل الرقص ، رقصة إيقاعية خاصة، لا يعلم
كيف بدأت ولا متى تنتهي، لكنه سعيد بها، أشار إليه مولانا جلال الدين
الرومي من بين أوراق الجد وخاطبه : / لا يفنى في الله من لم يعرف قوة
الرقص/ ... وها هو يرقص، يشعر بالزهو .. تحسس جيوبه المنتفخة وواصل
الرقص.
/ قد كان يكفيك هذا، ولكنك صدقت فواز، صدقته يا عرنوس... وهل يعقل أن
أرواح الشهداء تصير طيوراً خضراً تحلق حتى تسقط على قمم النخيل تاركة
رسائل تنتظر من يجمعها، لتبرد دماء القتلى وترتاح قلوب الثكالى، هل
يعقل يا عرنوس؟..... وإذا كان.. فلماذا أنت .. لماذا اختارك هذا
المصير؟./
الطيور الخضر تزوره في منامه، ترفرف في صحن صدره، تنقر فوق قلبه
وكأنها شيفرة، فيصحو من نومه مدفوعاً إلى نخلة بعينها، قد تكون في
أرض لم يرها من قبل، ولا يجد شيئاً فيعود، وتعود الطيور الخضر.
/ أوهامُ يا عرنوس.. أوهامُ تطاردك في كلّ وقت./
الطيور الخضر، ومولانا جلال الدين، أوراق الجد، حكايات الرفاق التي
استقرت بداخله، اختلط الإيقاع وما زال يرقص، أصبح خبيراً بمواقع
النخيل ، صار كلّ همه أن يعرف أيّ النخلات يصعد أولاً، وراح يصعد
ويهبط، يصعد باحثاً عن شيء هو يقيناً لا يعرفه.
/ كيف يا عرنوس؟ ... فتضحك ملء شدقيك حتى تنهمر دموعك وتخبرني أنك
ستعرفه فقط حين تعثر عليه.. ثم يجذبك الإيقاع/.
يغدو خفيفاً كنحلة حين يوصل رسالة، لا يستقر، يواصل الرقص منفوشاً
زاهياً، وكأن الله غفر له خطيئته، تتزاحم الصور أمام عينيه، عيون
الرفاق، ذرات الرمال المشعة ببريق أصفر، دائماً هناك رمال، خوذ
معدنية مقلوبة، أشلاء مبعثرة، دماء ..... ودائماً هناك دماء.
/ ما حدث منك لم يكن شهوة للدماء.. أكدت لي .. وأنا أصدقك، لكنه
الغل، والصرخة الحبيسة في صدرك دفعا بك إلى قتله، أنت لم تسع إلى شيء
سوى اختبار رجولته وجهاً لوجه، وازداد وقوع الأسرى لديك وازداد
إصرارك على اختبار رجولتهم بزندك، تختلف المقاييس عندك يا عرنوس ....
تختلف./
دار .. صال وجال كثيراً في ميادين النخيل، بقدميه الحافيتين، وصدره
العاري شابه النخيل، صار ناحلاً فارع العود، لم يأبه لرأي الناس ولم
يستثره قولهم أن فلاناً يعرف جده فلان، وعلاناً يعرف جده الآخر،
وكلهم - يا ألطاف الله- كانوا من العينة نفسها.
/ يضحكك كلامهم يا عرنوس، وتأسى لحالهم، وتصبر عليهم، فأنت أمهر من
صعد النخيل، ومن صعد النخيل تعلّم الصبر./
دميت قدماه صعوداً، وتهرأ لحمه هبوطاً، ومازال يرقص يبحث عن شيء لا
يعرفه، شغفٌ ألمّ بقلبه شغلَهُ عن كل فعل، إلا الصعود، كان يصعد
يملؤه اليقين بالوجود، ويهبط ولم يتغير يقينه، فيكرر المحاولة،
مندفعاً، محاطاً بخليط من إيقاعات شتى وأصداء كلمات، ومولانا جلال
الدين، الطيور الخضر، دماء القتلى وقلوب الثكالى.
/هكذا كنت دائماً يا عرنوس، تحب اقتحام القمم، ولكنك لم تحسن
الاختيار، رأيتك بعيني مصلوباً على جذع نخلة بعد أن أعجزك النزول،
تتدلى رأسك على صدرك قلادة كالتي لم ترغبها يوماً أو تتمنها.... هل
استحالت روحك الآن طائراً أخضر، يرتفع ويرتفع حتى يسقط إعياءً على
هام النخيل؟/.
|
عُيونُ طِفْل..!!
محمد البغدادي
|
|
لا شَكَّ
أنِّي لَمْ أزَلْ
لا أفهَمُكْ
يَبنِيكَ صِدقيَ
حينَ ظَنًّكَ
يَهدِمُكْ!!
تَبدو قَوَيّاً
لا تَهَابُ
وَعِنْدَما
تَرنُو إلَيكَ عُيُونُ طِفْلٍ
تَهْزِمُكْ!!
يَا صَارِخاً
في داخِلي
يَحتَلًّنِي
أحتَارُ كيفَ
وأنتَ صَوتِي
أكتُمُكْ؟
أحتَارُ في:
هَلْ لَمْ تَزَلْ مُستَنْفَراً
تَغلِي بِآلامِ الحيَاةِ
جَهَنَّمُكْ؟
أمْ هَلْ تَرَكْتَ الأرضَ
تُغْرِقُ نَفسَها
وَظَنَنْتَ أنَّ جِبالَ صَمتِكَ
تَعصِمُكْ؟
يَا أيُّها الباكِي عَلَيكَ...
مَتاهَةٌ
حَمَلَتْ وَرِيدَكَ
أنْ يُغَادِرَهُ
دَمُكْ!!
فَنَشَرْتَ جِلدَكَ
لِلرِّياحِ
دَريئَةً
إذْ كانَ جِلدُكَ
مِلْءَ سَمعِكَ
يَشتُمُكْ..!!
وَقَطعْتَ فِيكَ
لِسَانَكَ الحرَّ الَّذِي
لَمْ يَدرِ بَينَ يَدَيكَ
كَيفَ يُكَلِّمُكْ..؟!!
وَأخَذْتَ تَستَجْدِي فَمَاً
وَتُلِحُّ في اسْتِجدائِهِ
وَيُلِحُّ
وَهْوَ فَمٌ
فَمُكْ..!!
وَبَقيتَ ...
تَنطَفِئُ النُّجومُ جَميعُها
وَيموتُ فيها الضَّوءُ
لكِنْ أنجمُكْ..!!
وَبَقيتَ
تَبحَثُ عَنْ مِياهِكَ
في المدى
أوقِفْ جُنونَكَ
إنَّ وَهمَكَ زَمْزَمُكْ..!!
أوقَفْ جُنونَكَ حيثُ أنتَ ..
وَعُدْ إلى ماضِيكَ
وَانْكَأ أيَّ جُرحٍ يُؤلِمُكْ
سَتَرى رِمَالَ الكَبتِ
تَطمُرُ جَذْوَةً
وَتَرى طُموحَكَ
كُلَّ يَومٍ
يُضْرِمُكْ..!!
***
وَالآنَ كالمِرآةِ أنتَ ..
تكونُ صُورَةَ مَنْ تَراهُ ..!!
وَأنتَ
سَوفَ تُحطِّمُكْ..!!
شَظَّتْكَ فَأسُ الشِّعرِ
حِينَ حَملْتَها
مَنْ ..
يَا شَظايا ..
مَنْ تُراهُ ..
يُلَمْلِمُكْ..؟!
***
يَدُكَ الجريحَةُ
بِالحِجَارَةِ
تَرجُمُكْ
وَإلى عَدوِّكَ
رَغمَ أنفِكَ
تُسلِمُكْ..!!
***
يَا كِذْبَةً
صَدَّقْتَها
وَرَضِيتَ أنْ تَرضَى
فَيهزَأ مِنْ رِضاكَ
تَوهُّمُكْ !!
كَم فُلَّ في رَهَجِ المعارِكِ
مِخذَمُكْ
وَكَبا على أعتابِ نَصرِكَ
أدهَمُكْ !؟
وَلَكَمْ شَدَدْتَ القَوسَ ..
كَمْ أرخَيتَهُ وَرَمَيتَ ..
ثُمَّ ...
تُصِيبُ صَدرَكَ
أسهُمُكْ..!!
***
يَا لَلْمُفارَقَةِ ..
انْطَلقْتَ ..
عَدَوتَ
ثُمَّ ...
عَدَوتَ ..
ثُمَّ ...
طَغَى وَفَارَ
عَرَمْرَمُكْ ..
فَإذا بهِ
لا شَيءَ
كُلُّ عَطائِكَ المجنونِ ..
بَلْ هُوَ
سَيفُ مَنْ لا يَرحَمُكْ..!!
*شاعر عراقي مقيم في سورية
|
المرأة واللون .. لغزان متلازمان
جبر علوان في عيني عبد الرحمن منيف
المحرر الثقافي
|
|
نعرف أنه
لاشيء مؤكد في الفن، وهذا ما يدفعنا دائماً لمزيد من التأمل في
محاولة للوصول إلى أنفسنا عبر ما نقرأ أو نرى أو نسمع.
في النظر إلى أعمال الفنان العراقي المبدع جبر علوان لابد من حساسية
خاصة للتعامل مع لوحاته، فالاقتصاد المتعمد في التفاصيل ليس سوى مظهر
خادع .
ولفهم لوحاته وأعماله بشكل وافٍ أعد الروائي العربي الراحل عبد
الرحمن منيف دراسة عن علوان وأعماله بعنوان /جبر... موسيقا الألوان/
ورغم الدراسات العديدة التي تناولت أعمال جبر إلا أن كتاب منيف مازال
المرجع الأساسي للدخول إلى عالم هذا الفنان.
ولد جبر علوان عام 1948 في العراق، وعن هذه الولادة وأثرها كتب
منيف:/ أن يولد الإنسان في العراق، في منطقة الفرات الأوسط، بالقرب
من بابل، وخلال تلك الفترة الرمادية من تاريخ العراق، أواخر
الأربعينيات، لابد أن يكتسب من التاريخ والجغرافيا ،ومن الأحزان
القديمة المتواترة، صفات وملامح تلازمه إلى الأبد/.
تخرج علوان في معهد الفنون الجميلة في بغداد عام 1970، وبعد ذلك
بعامين انتقل إلى روما ليدرس الفن ويقيم هناك متفرغاً للرسم. أكثر من
ثلاثين عاماً في الغرب، إنما الذاكرة تحمل كل التراث الشرقي، فهل
يفسر ذلك قدرته على التعبير عن كل شيء تقريباً في صمت تام؟! ربما ،
إنما السؤال الذي لا يختفي إلا ويعود لطرح نفسه بإلحاح: كيف لا تكون
هذه الألوان الصاخبة مزعجة، لماذا لا تثير هذه الألوان الأحادية....
الضيق، رغم أنها كانت ستكون كذلك في حالة أخرى؟
وعن لغزي جبر المتلازمين..المرأة واللون يقول منيف: إن الموقف تجاه
المرأة، بالنسبة لهذا الفنان، أخذ يتكون من خلال عزلة الأم وشعورها
بالوحدة، وسوف يتأكد هذا الموقف يوماً بعد آخر، حادثة بعد أخرى نتيجة
القسوة والظلم وعدم الاعتراف بأي حق للمرأة، وسيتأكد هذا أكثر حين
تنزف الدماء أمام الجميع، بمن فيهم الصغار، في وضح النهار، على طرف
النهر أو في مخادع النوم، لتقول في النهاية إنها القيم السائدة،
وطبيعة العلاقة التي يجب أن تمتثل لها المرأة/.
هذا المناخ سيجد تعبيراته لاحقاً في الكثير من الأعمال التي قام بها
جبر: المرأة وحيدة، في حالة عزلة، ورغم مظاهر الزينة فهي حزينة. لا
يجوز أن تكون لها رغبات، أو تكون مختلفة. عليها أن تمتثل للتقاليد
السائدة، لرغبة الرجل، لتراتبية من نمط معين. ومجتمع الرجال، الذكور،
هو الذي يشرع القيم، ويحدد المنازل، أما ألوان جبر التي قد لا نصادف
مثلها ثانية فيفسرها منيف بتأثره بطقس العراق: /الطقس في العراق،
خلافاً لأماكن كثيرة، فصلان: الصيف والشتاء، وما عداهما تحضير
واستعداد لواحد من هذين الفصلين. والطقس هنا لا يعني درجة الحرارة
فقط، بل ويعني أيضا الألوان التي تسيطر على الطبيعة، أو على الأقل ما
يراه المصور، والذي يعتبر الطبيعة وألوانها أحد المصادر التي يستمد
منها ألوانه، أو كيف يرى الألوان خلال الطبيعة /ويمضي منيف شارحا:
/لابد هنا من الإشارة إلى إضافتين تبرزان في العراق أكثر من الأماكن
الأخرى: صراحة الألوان إلى الدرجة القصوى، حيث تتبدى: متفردة، كاملة،
مستقلة، وبعض الأحيان جارحة، مما يحفز الفنان على التعامل معها كما
رأتها عين الطفولة بشكل خاص.
وهكذا فإن منيف يتأمل لوحات جبر علوان مانحاً مشاهدها الخلفية
المناسبة لتأملها بصورة أكثر إدراكا. وهو لم يفعل سوى الاستسلام
للكتابة بعد أن استفزته أعمال علوان ، إذ وجد نفسه مدفوعاً للكتابة
تعبيراً عن الكم الهائل من الحالات والتساؤلات التي تلتقطها عين
المتأمل المهتم في كل لوحة من لوحات جبر علوان.
|
|
|
|
ينحو
الفنان التشكيلي والمخرج المسرحي السوري سمير صروي منحى هادئاً في
تعامله مع اللوحة،فهو يلتقط وبشكل مبالغ فيه، المشاهد الطبيعية التي
نفتقدها،ولا يقتصد في استخدامه للألوان ،إذ إنه يتعمد الإتيان
بالألوان الفاقعة،فيباغت المتلقي بالكم الهائل من المساحات التي
تغطيها ألوانه،ونادراً ماتعثر عين المتلقي على مساحات لونية
هادئة.سمير صروي يبحث من خلال لوحته الانطباعية عما يجعل العالم
الشاحب يبدو زاهي الألوان،دون افتعال.
ومايميز لوحاته التي يعرضها في صالة دمشق للفنون هو طغيان المادة
الطبيعية على ماعداها،فلا وجود في لوحاته للأشكال الإنسانية،إذ تغمر
الزهور مختلف جوانب اللوحة غير مفسحة المجال لسواها،وعن هذا يقول
صروي:أريح عيني بالتقاط ماتراه،أجعلها تقتنص المشاهدات،ولا أفكر
أثناء اللوحة خارج إطارها،لا أدع المسرح أو سواه يؤثر في
لوحتي،أريدها أن تكون مجردة من المعارف وأي شيء آخر،المهم أن تكون
اللوحة،في تلك اللحظة،لوحة مليئة باللون،أعتبر نفسي ملوِّناً،أكثر
مما أعتبر نفسي رساماً،أنا ألون ولا أرسم،ألون انطباعتي
الأولية،فتصير لوحة.
|
قراءة في كتاب
(أنثى لا تحب المطر) قصص بمستوى الطموح
كُليزار أنور
|
|
تتطلب
القصة القصيرة تنويرحدث صغير ، ثم تفجير طاقاته. لا إيراد الأحداث من
أجل إطالة القصة!.
من هذا المنطلق يكتب القاص البحريني أحمد المؤذّن قصصه .. إذ أنهُ
فهم سر اللعبة منذ البداية .. وأدرك بأن عليه - هو - الإمساك برأس
الخيط !
قصصه نقطةٌ باتجاه العمق ، وليست دائرة (تتفلش) كلما إتسعَ قطرها !
أحمد المؤذّن .. قاص مثابر ، مخلص لفنه يكتب بوعي ونضج فني . ولهُ
لغة خاصة به لها جرسها وإيقاعها وكثافتها .. ووجدتُ في سرده دقة
بالغة في الملاحظة والتصور .. وسعدتُ كثيراً وأنا أقرأ /أنثى لا تحب
المطر / . سعدتُ بهذه الخطوات الواثقة رغم إنها الإصدار الأول له .
ست عشرة قصة انسابت إلينا بيسر ودون مباشرة .
· (كلما رأيتها)..قصة طفل يحلم أن يقتني شاحنة ملونة وجدها في دكان
الألعاب القريب من بيتهم ، لكنه لا يملك ثمنها / أُمي تستكثر ديناراً
في سبيل فرحتي . / ص 8 .
وبدافع من صديقه يسرقها .. وتُسرق منه ، فيحاول أن يعيدها .. ويتفاجأ
عندما يرى أُمه أمام الدكان تسأل عن تلك الشاحنة لتشتريها له !
· (صراخ)..هنا أيضاً يدخل عنصر المفاجأة . إذْ يُسمع صراخ امرأة ..
يمزق هدوء الحي ، فتحتشد الجارات - بفضول - على باب بيتها متسائلات
.. وتتلون وجوههن بالتوقعات السلبية ليكشف لنا الكاتب في النهاية
وبعد استدعاء الشرطة / كان عليكن أن تتصلن بالاسعاف ، المرأة أنجبت
طفلاً !/ ص 18 .
·(أنا والأستاذ ناجي)..وقفة شجاعة من طالب أمام استاذه / يجب أن أكون
شجاعاً أمام مدرسي ، أمام نفسي والفصل كله ، ولن أخاف هذه المرة فقد
مللت الخوف . / ص 26 .
(صفعات العطش ).. امرأة حلم حياتها أن تكون أُماً ! وعندما تتزوج
تُحرم من هذه العاطفة الأساسية السامية في حياتها / أبداً لا
تستطيعين ، تراكمت في وجهك سنون من الانتظار ، بقي فراغهم يصرخ من
رحم الجفاف .. لن يكون للبستان رونق دون أمطار الشتاء ، فلا ربيع في
الأغصان والألوان / ص 32 .
استطاع القاص ببراعة أن يترجم هذا الشعور القاسي المؤلم بحق .
(ويذوب العطش )..تكملة للقصة السابقة . تُحاول أن تنتحر .. مجرد
أقراص ويخلد الجسد لسكون أبدي / أحلامها مطحونة ، عطشها صخر لايتفتت
، زمنها وحش كاسر جبار ، حياة عبثية مليئة بالألم والسخرية / ص 38 .
وتناغيها الذكريات .. تتشبث بالحياة ، فالحياة أجدى بها أن تُعاش !
تلاحقها الصور .. تدور في دوامة أفكارها . كل شيء وأي شيء ممكن أن
تحولهُ إلى تعويذة قد تُنجيها من قدرها التعس ، فالغريق يتعلق بقشة .
وما أصعب أن لا تكون المرأة أُماً !
(تنتظرين).. دراما شفافة في غاية الروعة والرومانسية .. تطرقت لمسألة
العنوسة المنتشرة بكثافة في العالم العربي . المرأة ما عليها سوى
الانتظار .. انتظار فارس الأحلام الذي سيأتي في يومٍ ما .. وربما لن
يأتي أبداً !
/مَن يحكي لكِ وتسمعينه حديث قارورة المسك المهجورة ، وحيدة لم يفتح
جنتها أحد ، لم ينقذ آهاتها المسفوحة نذور وتمائم العجائز . / ص 50 .
القصة .. بقيت مفتوحة كما الانتظار !
(نافذة لا تفتح)..الوحدة ما أقساها ! مونولوج داخلي مسكون بالألم
والوحشة والندم .. الندم على زوجة صبرت إلى آخر أيامها معه / ويهز
رأسهُ الطاووسية بالتعالي والغطرسة ، هي بين يديه كما أرادها خرقة
يمسح فيها غرورهُ وعقده الداخلية . / ص 53 .
(يوم صيفي)..حكاية قاص . وطقوس كتابة القصة / قفزت الفكرة مثل عود
الثقاب يشتعل فجأةً في عتمة نفق ، تركت القلم يلثم الورق / ص 75 .
تزاوج جميل بين محفظة النقود الفارغة وبين الجلوس لكتابة قصة جديدة .
فهل الهدف من الكتابة .. هو استلام مكافأتها فقط ؟!
(سين أحبها).. حب من أول نظرة تجاه صاحبة مكتبة ورثتها مؤخراً . حب
وليد لحظة مبهمة، حركت رمال صحرائه العطشى . وصف ساحر / الضجة ترتفع
داخلي تدور حرب عالمية تروم فتح عالم هذهِ الفراشة ، إطلالة من وجهها
وأكتشف المجهول . عينان لم أُحدد لونهما ، كبلني سحرهما ، شفتان
رقيقتان ، خصلة شعر مائلة أحسبها موجة بحرٍ تأخذني ، أغرق أغرق ، ما
أروع الغرق ! / ص 84 .
وماذا بعد كل ذلك ؟ لا شيء .. مجرد خروج من المكتبة !!
(ما أروع الضجيج)..فقدان السمع كارثة حقيقية . سجن للاحتضار البطيء /
أنا لا أسمع .. ما قيمة الحياة وأهميتها دون أصوات ؟ / ص 92 .
تصوير دقيق وصاخب لحالة مرضية تَعرضَ لها بطل القصة لفترة زمنية
قصيرة .
(أنثى لا تحب المطر)..أجمل عنوان .. موحٍ ، شفاف ، رومانسي .توج به
القاص مجموعته وكان محقاً في ذلك ، رغم أن القصة التي تحمل العنوان
ليست الأبرز كقصة بين قصص مجموعته!
المطر .. رمز الحب والنماء والعطاء والخير . ولا أظن أن هناك امرأة
لا تحب هذهِ الرموز التي هي جزء من كينونتها كأُنثى !
ما أقسى الحب عندما يكون من طرفٍ واحد .. إنهُ محكومٌ بالإعدام /
والحلم لم ينجب طفلاً يتنفس / ص 101 .
(رجل للبيع)..رجل فقير ، مُعدم ، عاطل عن العمل .. يضطر في النهاية
أن يدخل شبكة الأنترنيت ليعلن / مَن يشتريني ؟ نعم أنا للبيع ... ..
/ ص 106 .
استطاع القاص أن يضع اصبعه على الجرح .. طالما نحن في زمنٍ ،كل شيء
فيه قابل للبيع وبالدولار الأميركي فقط !!
* * *
في فن كتابة القصة .. يحتاج الكاتب إلى أكثر من موهبة .. إنهُ يحتاج
إلى الروح أو النَفَس القصصي. وهذا ما وجدتُهُ في قصص أحمد المؤذّن ،
فلديه قدرة سردية متمكنة ، لو استغلها بالمران والتجربة ، فسيتحول
إلى مشروع روائي كبير ، فهو يتغلغل في أعماق شخصياته ليخرج مكنوناتها
الإنسانية بدون رتوش مصطنعة ، فأبطالهُ دائماً من الواقع !
· / أنثى لا تحب المطر /. مجموعة قصصية للقاص أحمد المؤذّن . صدرت عن
المؤسسة العربية للدراسات والنشر - بيروت / 2003 .
كاتبة من العراق
gulizaranwar@yahoo.com
|
|
|
|
قادنا الدليل حتى تخوم الجبل، وقبل أن يختفي عبر التواءات الدروب
قال: /عليكم انتظار من سوف يكمل الرحلة بعدي. مهمتي تتوقف هنا. هدفكم
بعد هذا الجبل الذي أمامكم/... ولج الظلمة و تركنا نكابد مشقة اكتشاف
المكان الذي لم يكن يبدو من ملامحه سوى تلك الأضواء التي تبرق مثل
سيوف مشرعة. قال قائل منا: /إنها يراعات الليل، سوف يطفئها انبلاج
الفجر القريب/.أطمأن الآخرون لهذا الرأي، غير أن الخوف ظل ينسج خيوطه
التي بدأت تكبلنا، وما عدنا قادرين على الحركة، فسقطنا منهكين
مستسلمين لنعاس عجيب هاجمنا بقسوة كأننا لم ننم منذ قرون. توسدنا
حقائبنا وغفونا غير مبالين لصوت ضفدعة يملأ الليل و الوديان.
مرّ الصباح ندياً، مسرعاً، و داهمتنا الظهيرة، و بدأت تضيّق المكان
علينا حيث لم يكن من مأوى سوى تلك الأشجار الصغيرة و المتناثرة، تصنع
ظلالاً ضيقة، الأمر الذي فرّقنا باتجاه تلك الأشجار. ثمانية وجوه
يغلفها الذهول و غبار الرحيل. نتنتقل من مكان إلى آخر، حاملين فوق
أكتافنا المكدودة شطآنا و نخيلاً و أحلاماً مؤجلة و أمنيات النساء و
الأطفال. أهلنا الذين خلفناهم وراءنا.
عبر الأنوار شاهدنا الغبار المتصاعد مثل غيمة منذرة بالعاصفة، و ثمة
ثغاء، ونباح كلاب قريبة. حاولنا الاختفاء، غير أننا سرعان ما تجمعنا
من جديد بعد أن تبين لنا أنه أحد الرعاة. كان يقود أغنامه بالقرب من
المكان. ترك أغنامه عند سفح الجبل برعاية الكلاب التي لم تتوقف عن
النباح، كأنها لمحت أشباحاً لوحوش ضارية، وتوجه نحونا كمن يعرف
بوجودنا. تجمعنا حوله معتقدين أنه ربما يحمل أخباراً عن دليلنا
المقبل، غير أنه بادرنا بشكل بدا أنه لم ينتظر جواباً حين قال:
/تريدون عبور الجبل، أليس كذلك؟ ...إنها آخر نقطة في الحدود/. ثم بدأ
يثرثر عن أشياء تشبه حكايات العجائز، عن السحالي و الغيلان ووحوش
الليل و اختفاء العابرين... أخيراً انتشلنا من دوامة الحزن الذي
أغرقنا فيها بكلمتين: /كونوا حذرين.../! أنفض الرجال من حوله ضجرين و
عادوا إلى حقائبهم التي صارت وسائد لرقابهم المتعبة. وحين لاحظ عدم
اهتمامنا بما يقول، وجه حديثه لي بشكل مباشر: /أردت مساعدتكم فقط/..
ثم أردف: /إذا كنتم عطاشى فستجدون الماء عند السفح من الجهة الأخرى.
يوجد هناك دلو مليء بالماء/. ترك لدينا ما نأكله، ثم عاد بعدها إلى
أغنامه التي كانت لاهيةً بقضم الرؤوس المتدلية لأزهار شقائق النعمان
الحمراء. توجهت بعد رحيله مع أربعة آخرين بالاتجاه الذي أشار إليه، و
حين وصلنا تقلصت الوجوه بقرف. لقد كان هناك عصفور غارق في الدلو، سقط
حينما حاول أن يشرب الماء... حملت الطير الصغير على راحتي محاولاً أن
أجد أثراً لحياة في جسده الذابل، إلا أنه كان قد أنطفأ تماماً...
وضعته برفق على الأرض، ليس بعيداً عن دلو الماء. في البدء لم يشرب
أحد... وبعد فترة قصيرة، وصل بقية الرجال، يدفعهم العطش وانحسار
الظل، و اجتمعنا نحن الثمانية هناك.
مرت الظهيرة تتمطى ببطء في الوديان، و بدأت الظلال تستطيل، ثم أسلمت
الشمس نفسها بغير اهتمام لمساء آخر. وعبر الظلام الذي أحاط بنا
وحاصرنا من كل جانب، ظهرت لنا من جديد تلك الأضواء التي ومضت مثل
عيون الذئاب و أخذت تقترب منا. كان عددها كبيراً جداً، بعدد نجوم
السماء في ليلة مظلمة كليلتنا هذه. في ذلك الوقت، كنا متحلقين بصمت
حول دلوٍ فارغ، بجانبه عصفور مسجى على التراب، ينظر نحونا بعين جامدة
لا حياة فيها.
|
الموقف من الوجود في الأغنية العربية
محمد سعيد الريحاني
|
|
هناك ثلاثة
اتجاهات في تصنيف الأغنية العربية:
*تصنيف الأغنية انطلاقا من الغرض الشعري لموضوعها:
وهو تصنيف شائع لدى متلقي الأغنية الذي يميز أغنية عن أخرى على خلفية
الأغراض الشعرية المعروفة ( فخر، رثاء، مديح، غزل، حكم، ابتهال...)
وبذلك تصبح الأغنية، إما أغنية عاطفية أو وطنية أو دينية أو غير
ذالك. وهذا التصنيف تصنيف موضوعاتي .
* تصنيف الأغنية انطلاقا من الإيقاع الموسيقي:
وهو تصنيف إيقاعي يتقصد التمييز بين القطع الغنائية انطلاقا من
إيقاعها المهيمن ( المقام،... ).وبذالك تصنف الأغنية في إيقاعها
الحضاري ( عربية / غربية )، أو مدرستها الفنية ( كلاسيكية / شبابية
)، أو انتمائها القطري أو الجهوي ( مغربية / شامية )، أو انتمائها
الإثني ( أندلسية / كناوية )...
*تصنيف الأغنية انطلاقا من موقعها من الوجود: وهو تصنيف وجودي يتغيا
النبش في انتماءات الأغنية للمثال أم للواقع، للحرية أم للطاعة،
للإبداع أم للتكرار، للوجود أم للعدم...
- التصنيف الوجودي للأغنية العربية:
في التعبير الغنائي، يمكننا التمييز بوضوح بين دعامتين أساسيتين لكل
رسالة غنائية: دعامة الواقع ودعامة المثال، وكل انتصار للواقع على
المثال أو العكس يشكل جهرا فصيحا بالموقف من الوجود. هكذا يمكننا
التمييز بين مواقف من الوجود في الأغنية العربية من خلال تأرجحها بين
ثنائية الواقع والمثال:
* الواقع كمحبط لكل المثل .
* الواقع كمأزق بحاجة للمثال .
* المثال كبديل يلغي الواقع.
* الواقع كمعادل للمثال.
- أنماط المواقف الوجودية في الأغنية العربية:
* الواقع كمحبط لكل المثل:
الأغاني العربية المتبنية لهذا الموقف الشاهد على انحطاط الواقع
العربي لدرجة يطبق فيها اليأس على حناجر الجميع فيستحيل كل تعبير إما
إلى تعبير محبط صامت أو إلى تعبير محبط صارخ من اليأس: نموذج الإحباط
الصامت: أغنية / ياك جرحي /، ألحان عبد القادر الراشدي وغناء نعيمة
سميح :
ياك جرحي ، جريت وجاريت
حيى شيء ما عزيته فيـــك
نموذج الإحباط الصارخ:
أغنية/ غير خدوني/ ، شعر عبد الرحمن المجدون، ألحان وغناء مجموعة/
ناس الغيوان/ المغربية:
قلبي جا بين ا يدين حـــــــداد
حداد ما يرحم ما يشفق عليه
* الواقع كمأزق ينتظر المثال:
الأغنية المتبنية لهذا الموقف الشاهد على انحطاط الواقع تنقسم إلى
ثلاثة نماذج :
* النموذج الأول : نموذج ماضوي يجد في ذكريات الماضي المشعة حلا
للخروج من ورطة الوجود ، ورطة الواقع.
* النموذج الثاني : نموذج غدوي يرى في الغد مفتاح الفرج واكتمال
الشروط لبداية جديدة وحياة جديرة .
* النموذج الثالث : نموذج تعبوي يستنهض الهمم ويشحذها أمام انسداد كل
الآفاق ونفاد كل الخيارات.
النموذج الماضوي : أغنية /مرسول الحب/، ألحان وغناء عبد الوهاب
الدكالي:
مرسول الحب ، فيــن مشــــيت
وفين غبت علينــــــــــــــــــــا
النموذج الغدوي : أغنية/شيد قصورك/، كلمات أحمد فؤاد نجم ، ألحان
وغناء الشيخ إمام:
شيد قصورك ع المـــزارع
من كدنا وعرق إ يــديــــــنا
النموذج التعبوي : أغنية / وين الملايين/، كلمات وألحان علي الكيلاني
، غناء جوليا بطرس:
وين الملايين؟ الشعب العربي وين ؟
الغضب العربي وين ؟ الدم العربي وين ؟
الشرف العربي وين ؟ وين الملايين ؟
*المثال كبديل يلغي الواقع:
الأغاني المتبنية لهذا الموقف تفصح عن رفض مطلق لواقع مخز ومهين غير
جدير بالمهادنة ( النموذج الأول ) ولا حتى بالحياة حيث يقترح علينا
النموذج الثاني الحياة في الحلم ، في الأعالي في البعيد : الحياة في
أي مكان إلا هنا...
النموذج الأول : أغنية/ بيروت لا/ ، شعر محمود درويش : ألحان إيلي
شوري وغناء ماجدة الرومي:
سقط القناع.. عن القناع.. عن القناع
قد أخسر الدنيا نعم لكني أقول الآن لا
النموذج الثاني:أغنية / أعطني الناي/ شعر جبران خليل جبران، ألحان
عاصي الرحباني : غناء فيروز:
أعطني الناي وغـــــــــــــــــــن
فالغنا ســــــــــر الوجــــود
*الواقع كمعـــادل للمـثال :
الأغاني المتبنية لهذا الموقف تطابق الواقع بالمثال فما ينتظره
الأحياء نحن نعيشه . ولكن الخلفية التي تتحكم في هذا الموقف تجعل منه
، في الحقيقة ، نموذجين :
* نموذج يرى في الخطر الخارجي تهديدا حقيقيا ويطور قناعة بضرورة
الاستمتاع باللحظة الآنية فثمة السعادة المثلي الوحيدة الممكنة .
* نموذج يرى في اليأس والشكوى من الواقع هدما لإرادة الوجود ، ويتبنى
خيار ر وحنة الواقع بجعله جميلا ومحفزا على العمل والوجود
والاستمرارية .
النموذج الأول : أغنية /هذه ليلتي / شعر جورج جرداق ، ألحان محمد عبد
الوهاب وغناء أم كلثوم :
هذه ليـــلـتي وحلم حياتــي
بيـن ماض من الزمان وآت
النموذج الثاني : أغنية/ الحلوة دي/ كلمات وألحان وغناء سيد درويش :
الحلو ذي قامت تعجن في البدرية
والديك بيكدن كو كو كو كو في الفجــرية
-تركيب :
الفرق بين المبدأ والموقف هو ذات الفرق بين الثابت والمتحرك. المبدأ
ثابت من حيث الوجود لكنه إزاء الأحداث المتحركة والمتسارعة يصدر
مواقف. الأغنية العربية، من حيث المبدأ،لا يمكنها أن تكون إلا
متعاطفة مع القيم الإنسانية والمثل العليا والتوق للتغيير. فهي
تبشيرية من حيث المبدأ. لذلك فمواقف الأغنية من الوجود لا يمكنها
الانسجام مع ذاتها إلا إذا كانت مبشرة بانتصار القيم العليا مهما كان
النفس التعبيري ( متشائم / متفائل، ، ذم الحاضر / روحنته... ) ومهما
بلغت قسوة الواقع وصعوبة الوجود.
*محمد سعيد الريحاني- كاتب وباحث مغربي
|
مفتاح الحظ المعقوف!!
هالة جديد
|
|
من
الجانب غير المرئي الذي يصح وصفه بما يدفنه المرء في سريرته، تكمن
هواجس باطنية لها مؤشراتها في أعماق أودولف هتلر. منذ كان فتى يافعاً
تستحوذ اهتمامه قراءة المؤلفات المشبعة بالأساطير البيزنطية
والرومانية ذات المضمون الديني، وإذ يفرغ من مطالعتها يعاود بيعها أو
مقايضاتها بمجموعة أخرى من سوق الكتب المستعملة ليقع بين يدي (والتر
ـ شاين) مجلداً تاريخياً يعود إصداره إلى القرن الثالث عشر، وفحواه
يتوسع بسرد تفاصيل العشاء الأخير للسيد المسيح مع حواريه، كما يستفيض
بذكر حكاية الحربة المقدسة، وهي السلاح الذي سدده أحد الجنود الرومان
إلى جسد المخلص يسوع في محنة صلبه لكن أكثر ما استوقف الدكتور
"ستاين" الملاحظات العنصرية المكتوبة بخط اليد، حيث دب به الفضول،
يسأل صاحب المكتبة عن مالك النسخة الأصلي، وحيرته لم تدم سوى لدقائق
بمصادفة حضور مدون التعليقات الخبيثة، وستاين يجد نفسه أمام أدولف
هتلر المتعمق بمتاهات الغيب. وقد استقرت الحربة في ذلك المكان إثر
تعاقب الحملات الصليبية وهي تنتقل من فاتح لآخر. فالإمبراطور شارلمان
حرص على حملها لتدرأ الأخطار المحدقة به، والملك هنريش الذي طرد
البولنديين من جنوب ألمانيا تمسك بملكيتها لرد شؤم الأقدار، بينما
مصدر قوة الفاتح (بارباس) وانتصاره على الإيطاليين بعد اقتلاح الحبر
الأعظم من حاضرة الفاتيكان ثم نفيه، يُعزى إلى الذخيرة المقدسة التي
سددت خطاه. وما نطق به هتلر عند نهاية حديثه أصابت محدثه بالدوار
(سيأتي يوم يحمل خبر اقتنائي تلك الأدلة المباركة)!
بعد هذه البداية نغلق فصلاً جرت وقائعه عام 1912 وهتر ما يزال شخصاً
مغموراً، ليأتي سطوع نجمه عام 1930 بانتخابه رئيساً للحزب النازي.
وبوصوله إلى سدة الحكم عام 1938 رفعت ألمانيا رمز الصليب المعقوف
علماً رسمياً، وهنا يجدر التنويه إلى مصدر شعار انتقاه هتلر من صلب
الأساطير الهندية الغابرة، فهو يمثل مفتاح الحظ، ومبعث التفاؤل بين
معتقدات قوم خلدوا هذا الشعار في قبضة إله الحرب والرعد. لقد نجح
هتلر بما استمده من الوثنية لينافس علم الشيوعية، برسم المنجل
والمطرقة.
إن ولع القائد بقراءة الأساطير أمر لا يضاهيه سوى شغفه بعلم الفلك،
ليراه معاونه محاطاً بحشد من العرافين. وإذ همس أحدهم في أذنه بقرب
وقوع حدث سوف يكدره أمضى هتلر ليلة مضطربة، يستيقظ من رقاده وهو
يرتعد كالمقرور يطلب النجدة بعبارات مبهمة.
قرار توسيع الحرب لم يتخذه هتلر قبل حيازته على الحربة المقدسة،
لتصونه كما صانت من سبقوه، وبهجوم خاطف اجتاح النمسا وقواته تطبق على
مقر المتحف الوطني، في فينا لتصبح الغنيمة الكبرى ملك يديه، حيث أمر
بحفظها داخل كنيسة القديسة كاترين، ملاذه الروحي، وما أدخل الطمأنينة
إلى قلبه يقف وراء توريط أوروبا في حرب عالمية ثانية.
خلال السنوات الأربع ظهرت قوة هتلر الأسطورية بـ (حصد النصر تلو
الآخر بينما أعداء النازية يفرون خارج البلاد ومن بينهم الدكتور
(ستاين) الذي حل ضيفاً على وزير حربية بريطانيا وينستون تشرشل) يفشي
له لقاء الأمس البعيد، مشدداً على قصة الحربة المقدسة ومدى تأثيرها
في شخصية هتلر.
بحلول عام 1945 اكتسح الحلفاء ألمانيا، لكن هتلر كان يحدوه الأمل
بحدوث معجزة سوف تقلب موازين القوى لصالحه، لو تمكنت قواته سحب
الذخيرة المقدسة من موضعها لتلازمه في محنته. لقد جازف هتلر بـ(22)
ألف مقاتل اقتحموا كنيسة القديسة كاترين محققين رغبة الفوهرر ليتم
إخفاء الحربة المباركة في سرداب محض قرب مدينة نيومبرغ.
استجواب الجنود الجرحى والأسرى الألمان أوصل فرقة (طيور البرق)
الأميركية إلى المكان السري، ليقع في قبضتهم ما حرص هتلر على إخفائه.
وبذلك فقد القائد قوته الروحية، فأدرك بأنه هالك لا محالة ليأتي
يقينه في محله!.
|
|
|