صورة السلالة التي تمزقت... فتوزعت مصائر أفرادها
بين قتيل وأسير وشريد
|
لم يكن صدام
حسين سليل عائلة سياسية او معروفة، فأراد تعويض ذلك بسلالة امبراطورية
حاكمة. خلال السبعينيات لم يتضح بعد ان وريثاً يمكن ان يرث صدام الذي
لم تكن سلطته تعززت سوى كنائب قوي للرئيس. في (استوديو ارشاك) الارمني
في شارع الرشيد قرب ساحة القاضي، وفي وقت مبكر بعد تسلم البعث السلطة
في تموز 1968وقف صدام، يرافقه اخوه الاصغر برزان، لالتقاط صورة في
الاستوديو الذي اختص بتصوير رؤساء العراق والشخصيات البارزة، ومنها صور
الشعراء الزهاوي والرصافي والجواهري والرئيسين عبدالكريم قاسم
وعبدالسلام عارف. صورة رسمية تدشن صعود العائلة.
جاء صدام بأخيه برزان منذ عام 1970 مديراً لمكتبه الخاص، قبل ان يعيّنه
مديراً لجهاز الاستخبارات الحديث التأسيس والذي أحكم قبضة صدام عليه،
ومن خلاله أحكم القبضة على العراق. لم يكن اخواه الآخران، وطبان
وسبعاوي، ظهرا بعد. كانا منزويين في صالة انتظار ستتسع حين يتولى صدام
السلطة وحده.
نسج صدام الشبكة الاولى من ابناء الاعمام والاخوال قبل ان ينتهي الى
التقاط صورة العائلة في منتصف الثمانينيات التي كانت بمثابة صورة سلالة
وصورة امبراطورية مختارة بعناية ومصيرية نهائية كما خطط وفق حساباته
الشهيرة التي لم تصح ابداً: يجلس والى جانبه زوجته، ابنة خاله، ساجدة
طلفاح، وبينهما ابنتهما الصغرى حلا. ولداه عدي وقصي يقفان حوله مع
زوجتيهما، كما يقف حوله صهراه وابنا عمه الاخوان حسين كامل وصدام كامل
مع زوجتيهما ابنتي صدام رغد ورنا مع مرافقه آنذاك، ابن خالته وزوج اخته
مهرب الاثار الشهير في ما بعد ارشد ياسين.
تم تسويق الصورة كعائلة حاكمة، ومصدر سلالة قادمة. ولم يكن احد يتنبأ
بمصير آخر درامي على النحو الذي حدث حتى قبل سقوط بغداد وانهيار النظام
والعائلة التي مثلته.
كان عدي الاكثر شهرة في العائلة كوريث مدلل. وراثته المحتملة ودلاله
لعبا بمصير الصورة قبل ان يلعب بها صدام حسين نفسه وينهي تأثيرها. لكن
رصاصات استقرت في جسمه أواخر عام 1996 عطلته عن الوراثة، فذهب الدور
الى قصي. شبح سلالة حاكمة كان يخيم على العراق كما لم يخيم على بلد
عربي جمهوري آخر.
لم يكن احد يتصور ان السلالة ستنتهي الى ما انتهت اليه بعد التاسع من
نيسان 2003. فأين اصبحت العائلة؟
عدي صدام حسين: ولد في مرحلة فقر ابيه وتشرده السياسي عام 1964. بعد
تسلم ابيه منصب نائب الرئيس كانت كلية بغداد التي تدرس باللغة
الانكليزية المرتع الاول لظهور عدي كمراهق مدلل يذهب الى المدرسة تحف
به سيارات حماية لا ترحم العراقيين الذين يتأخرون في فسح المجال امام
سيارته. بعد تخرجه في كلية الهندسة بامتياز وحصوله على دكتوراه صورية
في العلوم السياسية حول السياسة الاميركية تجاه العراق وسيطرته على
الصحافة والتلفزيون واتحادات الكتاب والصحافيين وتدخله في السياسة
الخارجية للعراق ونقده لطارق عزيز اتضح دوره كوريث لا منازع له. اصبحت
له امبراطورية تكاد تكون مستقلة عن ابيه على رغم ملاحقة الاخير
لتجاوزات عدي للخطوط الحمر داخلياً وخارجياً.
تزوج ثلاث مرات من دون ان ينجب على رغم اشتهاره بعمليات خطف واغتصاب
لفتيات ومتزوجات ربما كانت تعويضاً لعدم قدرته على الانجاب. زوجته
الاولى ابنة عزت الدوري نائب صدام. طلقها قبل الدخول بها وطردها الى
بيت ابيها. زوجته الثانية ابنة عمه برزان التكريتي طلقها وطردها ايضاً
وهي موجودة الآن في جنيف. زوجته الثالثة هبة بنت علي حسن المجيد (علي
الكيماوي). تزوجها حين كان راقداً في المستشفى اثر محاولة اغتياله. ظل
يتنقل سراً خلال الحرب كونه مقعداً وشوهد للمرة الأخيرة في بغداد يوم
دخول الاميركيين في مبنى جمعية الاخوان المسلمين في المنصور مع مرافقه
قبل ان يغادر في الحادية عشرة ليلاً ولم تعرف أخباره الا بعد قتله في
الموصل في 22 تموز من العام الماضي بعد اكثر من ثلاثة شهور من الهرب
والاختفاء.
قصي صدام حسين: صعد وريثاً للحكم بعد اصابة عدي. أنهى دراسته في كلية
الادارة والقانون حين كان محمد الدوري آخر سفير لحكم صدام في الامم
المتحدة عميداً لها. كان يؤدي الامتحانات في شكل تعسفي حيث يجيب عن
الاسئلة من قبل آخرين بعد ان يحتل غرفة العمادة من دون ان يدخل عليه
احد. تولى المؤسسات الامنية والاجهزة الضاربة والاشراف على الحرس
الجمهوري وتولى قيادة منطقة بغداد خلال الحرب وكان تحت امرته وزير
الدفاع الفريق سلطان هاشم. كان يجلس الى جانب والده في الاجتماعات
المهمة في رسالة واضحة للجميع خصوصاً بعد ما اصبح عضواً في القيادة
القطرية لحزب البعث. تزوج من ابنة الفريق ماهر عبدالرشيد التكريتي قائد
الفيلق الثالث خلال الحرب العراقية - الايرانية الذي احيل على التقاعد
فور انتهاء الحرب بعد شعوره بالتفوق والغطرسة وابقي رهين البيت يتاجر
بالجمال والنوق. ولقصي ثلاثة ابناء هم مصطفى الذي قتل معه في الموصل
وموج التي تبلغ الثانية عشرة من عمرها وهي مع عماتها في عمان وصدام
الذي يبلغ من العمر اربع سنوات وهو الآن في عهدة جده لأمه الفريق ماهر
عبدالرشيد في تكريت. قتل في 22 تموز الماضي مع عدي في بيت واحد بعد
اكثر من ثلاثة شهور من الهرب والاختفاء.
علي صدام حسين: قصة علي هي بداية الدراما التي واجهت العائلة. كانت امه
سميرة الشاهبندر على علاقة بصدام انتهت بزواج سري، ذهب مرافق صدام
ومتذوق طعامه كامل حنا ججو ضحيتها بعدما انهال عليه عدي ضرباً بقضيب من
حديد امام زوجة احد الرؤساء العرب في حفل لاتحاد نساء العراق في مطعم
في متنزه الزوراء عام 1989، الامر الذي جعل صدام حسين يهرع ببنطلون
اسود وقميص ابيض مفتوح الازرار وبنعل بيتي. كان عدي يضرب بفظاظته
وقسوته (الوسيط) الذي رتب العلاقة والزواج وليس مرافق الأب، بعدما
اوغرت امه ساجدة صدره على (سمسار) ابيه الذي شرخ صورة العائلة. وذهب
ابعد من ذلك حين شرخ العائلة نفسها وجعل لها صورتين، واحدة علنية يعرف
العراقيون كلهم ان صورة ثانية، سرية، اصبحت توازيها وتنافسها. ظل علي
لغزاً حتى الآن. اشاعات سرت في طول بغداد وعرضها آنذاك، قبل اكثر من
عشر سنوات، تقول ان صدام يخاف عليه من انتقام عدي او قصي او ساجدة لذلك
اخفاه ولم يكن يخرج الا سراً وبحراسة مشددة ولا يعرف احد اين يسكن هو
وامه التي طلقها صدام قهراً من زوجها مدير الخطوط الجوية العراقية
السابق نور الدين الصافي الذي انجبت منه ابناً هو محمد الذي يعيش في
نيوزيلندا منذ سنوات. ولكن لماذا في نيوزيلندا بعدما كان ضابطاً مؤثراً
في جهاز الاستخبارات يشغل منصباً في الشعبة الايرانية في الجهاز؟ يروي
شاهد عيان ان عدي منعه عام 1996 من دخول فندق الرشيد الذي كان يتردد
عليه بعدما طرد صحافيين من جريدة (بابل) التابعة لعدي من الفندق في
خطوة انضمت لخطوات لاحقة لتوسيع الشرخ في صورة العائلة. ذهب محمد الى
نيوزيلندا بعدما طلق صدام امه قبل الحرب بسنتين في حين ان شقيق الزوجة
الذي يعيش في لبنان ينفي الطلاق. ولذلك يؤكد شهود ان سميرة الشاهبندر
وابنها علي هم الآن في لبنان، في حين يؤكد آخرون ان علي في نيوزيلندا
مع شقيقه محمد.
هذه هي قصة الاولاد. اما قصة البنات فتختلف قليلاً. تظهر البنات في
صورة العائلة العلنية سعيدات مفعمات بالغطرسة والامل. رغد ورنا مع
زوجيهما حسين كامل وصدام كامل وابنائهما الأبكار الذين سيكبرون
ويترعرعون في كنف قصور الرئيس ومزارعه وسلطانه الرهيب من دون ادنى شعور
بتقلبات الدهر. ابتسامات الجميع تغطي الصورة بأكملها. صدور الجميع
بارزة. عيون الجميع تتطلع نحو الامام. ليس نحو الكاميرا ولكن نحو غد
فوق العراقيين الذين لا وجود لهم في الصورة حتى على الحائط الذي شكل
الخلفية. كان صدام يجلس في الوسط ليعبر تاريخ عقود من الحكم من خلال
ابنائه واحفاده الذين سيحفظون السلالة والحكم والمغامرات التي خاضها
ابوهم وجدهم وجدهم الاعلى الذي كون الشجرة العائلية. هل خطر بباله وهو
يرى الصورة بعد تحميضها انها ستتمزق بعد سنوات في شكل درامي ومخيف؟
اطلق عدي النار على عمه وطبان وزير الداخلية واصابه في قدمه. صعّد
خلافاته مع انسبائه حسين وصدام كامل واراد اخضاعهما ففرا الى الاردن مع
زوجتيهما وابنائهما في لحظة اصابت صدام بالذعر اكثر مما اصابته
بالمفاجأة. اين المصور الذي التقط الصورة؟ هل يستطيع اعادة اجزائها
التي اخذت بالتمزق وعناصرها التي اخذت بالفرار من حدود الصورة؟
بعد اندلاع الانتفاضة عام 1991 جمع صدام عناصر الصورة واخبرهم ان
مصيرهم مرتبط بمصيره. هكذا انطلقوا في هبة عائلية وعشائرية ليحفروا
المقابر الجماعية لتبقى عائلة حاكمة وتؤسس سلالة امبراطورية. لكن القدر
بدأ يحفر قبور العائلة وصورتها. عاد حسين كامل وصدام كامل نادمين في
شباط عام 1996 بعد ثمانية شهور من فرارهما. كان عدي يترصدهما عند
الحدود. اخذ الرجلين الواقفين في الصورة مبتسمين الى جانب زوجتيهما،
الى منزل في حي السيدية التي سيدخل منه الاميركيون الى بغداد بعد سبع
سنوات اخرى ثم جرى قتلهم بالطريقة التي قتلوا خصومهم بها واخرجوا من
الصورة الى الابد. تم اكتشاف صدام كامل عام 1979 ليمثل دور صدام حسين
في فيلم (الايام الطويلة) الذي يروي في شكل مبالغ فيه قصة صدام حسين
وصعوده الحزبي بعد محاولة اغتيال الزعيم عبدالكريم قاسم عام 1959 ثم
فراره الى سورية. ومن هذا الدور تحول الى مشرف على حماية الرئيس ثم
مشرفاً على قوات الحرس الخاص.
اما حسين كامل فكان نائب عريف في الجيش وعمل في البداية في موكب حماية
ساجدة طلفاح زوجة نائب الرئيس آنذاك قبل ان يتقدم لحماية الرئيس في ما
بعد، ليصبح على رأس اهم خمس وزارات في العراق ويبدأ الاعتقاد انه
الوريث للسلالة، فقاده هذا الاعتقاد الى الموت مذبوحاً.
اما زوجتاهما فأسدل ستار من العتمة عليهما. بعد الحرب ظهرتا في الاردن
الى جانب تسعة من ابناء القتيلين: خمسة اولاد واربع بنات في مدارس
اميركية وبموافقة الاميركيين مع حماية خاصة واموال كثيرة.
كانت هناك نكتة سوداء ربما كانت شعبة الاشاعات في جهاز الاستخبارات
وراءها. نكتة اصابت العراقيين بالغم والقهر وفقدان الامل. تقول النكتة
ان شخصاً مات في عهد صدام حسين. لكنه بعث بعد اكثر من سبعين عاماً فظن
ان حكم صدام وعائلته انتهى، لكن تظاهرة قدمت امامه يهتف فيها
المتظاهرون: هلا. هلا . بابن حلا.
كانت حلا مدللة ابيها صدام حسين و(آخر العنقود). زوّجها ابوها الى
الرائد جمال مصطفى التكريتي شقيق الفريق كمال مصطفى التكريتي قائد قوات
الحرس الجمهوري الخاص، القوة الضاربة الاولى لصدام لجميع القوى
العسكرية الاخرى. زوجها في الاسر الاميركي الان. اما هي فتعيش مع ابنها
ذي العام ونصف عام في سورية مع امها ساجدة خير الله طلفاح بموافقة
الاميركيين.
صدام لم ير اباه في حياته. لكنه رأى امه التي رأته رئيساً للعراق وربما
لم تصدق حتى مماتها في منتصف الثمانينيات حيث مشى قادة البعث في
جنازتها باعتبارها (ام المعجزة) التي حدثت في العراق بارادة السماء كما
كان صدام يحب ان يكتب عنه كتاب سيرته. صبحة طلفاح امه وام اشقائه برزان
الذي يقبع الآن في الاسر الاميركي بعد العثور عليه في نيسان من العام
الماضي في مزرعة في الرمادي غرب العراق.
زرع برزان صورة الرعب في العراق برغم انه كان خارج الصورة العائلية
التي التقطت. كان في جنيف ينظر الى الوراء حيث انتهى سلم صعوده، الذي
بدأ مع اول صورة لصدام في استوديو رسمي، بصعود عدي اليه الذي سيلتحق به
بعد مقتل كامل حنا ججو. لم تنفع المصاهرات التي خطط لها صدام بعناية،
اذ اهان عدي ابنة برزان التي تزوجها وطلقها وطردها قعيدة بيت والدها.
اما محمد ابن برزان الذي كان يأتي الى مدرسة الموسيقى والباليه مطلع
السبعينيات محاطاً بالحماية فسبق عدي صدام بهذا المشهد. محمد برزان ما
يزال في العراق الآن. اما زوجة عدي المطلقة ابنة برزان فتعيش مع اختها
في جنيف.
صبحة طلفاح أيضاً هي ام سبعاوي شقيقه الاصغر الذي شغل منصب مدير الامن
العام وما يزال طليقاً وورد اسمه في قائمة المطلوبين الخمسة والخمسين
على ورق اللعب، اثنان من أبنائه الثلاثة في الاردن هما ياسر الرائد في
الحرس الخاص وعمر نائب رئيس الاتحاد الوطني لطلبة العراق، وهما مطلوبان
للعدالة، اما الثالث، محمد، فما يزال صغير السن في حين تعيش اربع من
بناته في الاردن ايضاً.
شقيقه الآخر وطبان في الاسر، وابنه احمد ما يزال طليقاً في تكريت مع
اخيه باسل. اما شقيقاتهما الثلاث، فاثنتان منهن في الاردن والثالثة مع
امها قريبة علي الكيماوي تعيشان في العوجة حتى الآن.
لصدام في العائلة وداخل صورة العائلة شخص اشتهر بأنه اكبر مهرب للآثار
العراقية في التسعينيات. انه يقف في الصورة برغم انه ربما كان الابعد
ضمن المجموعة التي تضمها حدود الصورة. انه مرافقه الاقدم وابن خالته
ارشد ياسين. وهو زوج شقيقة صدام، سهام ابراهيم التكريتي. زوجها في
الاسر وقيل أيضاً أنه في عمان وهي في الاردن. ارشد هو شقيق اسعد الذي
يعتقد انه اعترف للأميركيين بعد إلقاء القبض عليه بمكان صدام الذي
اعتقل فيه. كان اسعد في خط المرافقين الاول وغادر معه بعد سقوط بغداد
وظل مختفياً معه طيلة تلك الاشهر التي ربما لم يفكر صدام خلالها
بالصورة التي التقطها للعائلة في منتصف الثمانينيات.
اما الشقيقة الثانية لصدام فهي متزوجة من مثنى الناصري التكريتي معاون
مدير العمليات في جهاز الاستخبارات وهو مسؤول عن اكبر مقبرة جماعية في
بغداد تضم نحو 15 ألفاً وما تزال غير مكتشفة، ومثنى هذا ما يزال هارباً
ومختفياً.
كانت الصورة محاطة بالتعاويذ والرقى والطلاسم التي نفث بخورها السام
ابناء عمومة صدام: علي حسن المجيد (الكيماوي) اشهرهم الذي كان خبر
مقتله في الناصرية اثناء الحرب طغى على اخبار ذلك اليوم ثم اتضح انه لم
يقتل وهو الان في الاسر الاميركي. ثم هاشم علي المجيد محافظ بابل
السابق وكامل حسن المجيد الذي قتل مع ولديه حسين وصدام، ثم شبيب سليمان
المجيد وعبد القادر سليمان المجيد.
من جانب آخر كانت الصورة محاطة بتعاويذ ورقى من جهة الأم. ابناء خاله
طلفاح والي بغداد في السبعينيات، اخوال ابناء صدام. عدنان خير الله
طلفاح وزير الدفاع الذي قتله صدام وحسين كامل بحادث هليوكوبتر في
الموصل عام 1989 ليمهد لصعود الاصهار وابناء الاعمام وينقل الولاء من
الام الى الاب. ثم لؤي خير الله طلفاح شريك ابن اخته عدي في مغامراته
وتجارته وطيشه وطموحاته وهو معتقل الآن في الاسر الاميركي ايضاً. ثم
المقدم معن مدير مكتب اخيه القتيل عدنان، وهو يغادر بغداد الى عمان
ويعود منها الى بغداد من دون عقبات، والرائد معد المرافق في خط الحماية
الثاني لصدام والذي خرج الى الاردن ثم عاد الى بغداد، وكهلان المختفي
في تكريت من دون اثر حتى اليوم.
هؤلاء هم اخوة بطلة دراما العائلة ساجدة خير الله طلفاح، زوجة صدام
التي شاعت عنها نكتة في بغداد في نهاية التسعينيات، مفادها ان امرأة
وقفت على بابها تسألها حاجة لانها ارملة قتيل حرب وام لايتام فردت
عليها ساجدة بالقول: انا اتعس منك. لدي ارملتان وتسعة ايتام وابن
معوّق...
تشترك ساجدة مع صدام في العودة الى الجد السادس مسلط الذي يُستخدم لقبه
من قبل خيرالله طلفاح. ومسلط هذا بحسب وثيقة موقعة من الدولة العثمانية
كان قاطع طريق شهير. وهو اسود، طويل، اتقن فنون الفروسية وسيطر على
منطقة قوافل بين مدينتي الكوت وتكريت. ومسلط هو ابو عبدالغفور وابو
خطاب اللذين ينبثق منهما فرعا صدام وساجدة حيث ينتهيان عند خيرالله
طلفاح من جهة الام وعند حسين المجيد من جهة الاب، وهذان يعودان الى شخص
اسمه (عْمّر) (بتسكين العين وتشديد الميم) الذي خلّف ناصر الذي يلقب
صدام وآخرون من خلاله بلقب (الناصري).
صدام مزق صورة كل عائلة عراقية وجمع عائلته لالتقاط صورة سلالة، من دون
ان يدرك انه ليس هو الذي يصنع الصورة، وغاب المصور الذي لم يعد مرة
اخرى لالتقاط مصائر الذين توزعوا بين القتل والتشرد والاسر، في استعادة
لتواريخ سحيقة شهدتها بلاد الرافدين.
|
فقاعة التفوق الأميركي
إبراهيم غرايبة
|
|
غلاف
الكتاب
- اسم الكتاب: فقاعة التفوق الأميركي
- المؤلف: جورج سورس
- عدد الصفحات: 203
- الطبعة: الأولى 2004
- الناشر: ويدندفيلد ونيكولسن، لندن
عرض/ كامبردج بوك ريفيوز
جورج سورس الملياردير الأميركي ذو الأصول الأوروبية الشرقية يفاجئ
قراءه في كل مرة يكتب فيها، فهو وإن كان مدينا بامتياز للعولمة التي
جمع من خلالها ثروته الهائلة، فقد كتب بشراسة ضدها وضد انفلاتاتها
وآثارها على الدول النامية في كتابه عن العولمة.
وإن كانت أمواله قد طافت الأسواق المالية في العالم أجمع فتضاعفت عبر
الطواف ذاك، وخاصة في أسواق شرق آسيا، واتهم بأنه كان وراء انهيار
بعضها، فقد كتب بضراوة ضد هشاشة النظام المالي العالمي ودعا إلى ضبطه
ومراقبته في كتابه عن إصلاح النظام المالي المعولم.
والآن وهو الذي كان قد هاجر إلى الولايات المتحدة بلد الفرص
والأحلام، وحقق فيها ربما ما لم يحلم به أصلاً، فإنه يكتب بلا هوادة
ضد نظامها الداخلي وسياستها الخارجية، ويحمل حملة شعواء على يمينها
المحافظ الحاكم اليوم.
هدفه من وراء الكتاب واضح وصريح ويُسَطّره في الصفحة الأولى: سأبذل
كل جهدي حتى لا يفوز جورج بوش في الانتخابات الرئاسية القادمة.
وفي سياق هذا الجهد يشرّح أوجه الخراب التي ألحقتها إدارة بوش
الجمهورية بالولايات المتحدة داخليا وخارجياً حيث يقول سورس في السطر
الأول من الكتاب (إنني أعتبر سياسة بوش التي تتبنى الضربة العسكرية
الوقائية مدمرة، وكذا يعتبرها كثيرون حول العالم).
الداروينية الأميركية الحاكمة
يقسم سورس كتابه إلى جزأين: الأول (رؤية ناقدة)، والثاني (رؤية
بنّاءة)، ويتوزع كل قسم على عدة فصول. في الجزء الأول يفكك وينتقد
ويهاجم ويتهم، وفي الثاني يقدم البدائل، فيصوغ ما يراه حلولا
ومقترحات تخرج بأميركا من الوحل الذي ورطها فيه جورج بوش كما يرى.
قاعدة انطلاقه في نقده لأميركا بوش وإدارته هي ما يراه من أن حكومة
أقوى دولة على وجه الأرض وقعت في يد من يراهم (مجموعة من المتطرفين
الذين تقودهم الصيغة الفجة من الداروينية الاجتماعية).
وهو يفضل استخدام وصف (الداروينية الاجتماعية) للإشارة إلى اليمين
الأميركي الحاكم، عوضا عن وصف (المحافظين الجدد). فالداروينية تعني
(البقاء للأصلح)، وهي متوحشة وتعبر عن توحشها في الاقتصاد عن طريق
حصر التنافس بين الشركات الكبرى وقتل الصغرى. وفي السياسة تحصر
التنافس بين الدول، فتطيح الكبرى بالصغرى أيضا.
يرصد سورس جذور الداروينية الأميركية الحاكمة في (مشروع القرن
الأميركي الجديد) الذي صاغته عام 1997 مجموعة من المحافظين الجدد،
دعوا فيه إلى انتقال أميركا إلى مرحلة الهجوم والسيطرة العالمية من
دون تحفظ، من أجل الحفاظ على الموقع القيادي لها في القرن الحادي
والعشرين.
أميركا (بحسب المشروع ذاك) يجب أن تنطلق لتحقيق أهدافها غير آبهة
باعتراض الأمم الأخرى، وهي لن تتوقف كثيرا عند مسألة التعاون مع
الدول أو الأمم المتحدة إن هي رأت أن مصالحها يمكن أن يتم تحقيقها من
دون ذلك. على أميركا أن تواجه بالقوة العسكرية والحزم أي دولة
تتحداها، وعليها أن تثبت أن بمقدورها القيام بذلك من دون تردد.
وتُوِّج المشروع بوثيقة يوردها سورس في كتابه عنوانها (بيان
المبادئ). ولا تتمثل خطورتها في نبرتها الهجومية والشبق نحو السيطرة
فحسب، بل في مجموعة الأسماء الموقعة عليها.
فهي تحتوي على شخصيات أصبحوا فيما بعد حكاماً مباشرين للولايات
المتحدة في إدارة بوش، ومن ضمنهم: نائب الرئيس ديك تشيني، ووزير
الدفاع دونالد رامسفيلد، ونائبه بول ولفويتز، وغيرهم ممن أصبحوا
مستشارين ومقربين، إضافة إلى عدد من مفكري اليمين المشهورين مثل
(فرانسيس فوكوياما) و(دونالد كيغان).
كانت تلك (المبادئ) والمشروع الذي تحمله بحاجة ماسة إلى ظرف تاريخي
كي تقتنصه، فتنقل من أفكار على الورق إلى تطبيق على الأرض، وهذا ما
وفرته تفجيرات 11 أيلول (الإرهابية الغبية) على طبق من ذهب.
فالذي حدث كما يقول سورس أن (داروينيي)، إدارة بوش لم يضيعوا دقيقة
واحدة وهم يفركون أيديهم غبطة على توفر الفرصة السانحة، لذلك كانت
ردة الفعل الأميركية على تلك التفجيرات مفاجئة للجميع، لأنها في
الواقع لم تكن خاصة بالتعامل مع حدث ظرفي، بقدر ما كانت معنية بتطبيق
إستراتيجية جاهزة انتظرت لحظة نضوج ظرفها الموضوعي.
ويلحظ سورس كيف أن (مبادئ) وشعارات (المشروع الأميركي للقرن الجديد)
سيطرت وطغت على الخطاب الرسمي السياسي والإعلامي في حقبة ما بعد 11
أيلول. فقد كرر بوش بلا ملل أن قيم الحرية هي القيم الأميركية وهي
التي يجب أن تنتشر، وساوى بين مصالح أميركا الخاصة ومصالح العالم
بأسره، بما يعني أن السير نحو تحقيق المصلحة الأميركية يخدم بالتوازي
المصلحة العالمية.
هذا الفكر الإمبريالي قيمياً والمطبق عسكرياً في أفغانستان والعراق،
هو الإطار العام (لفقاعة التفوق الأميركي) كما يراها سورس، وهو يرى
أيضاً أن نهاية تفوق أميركا وفقدانها لموقعها القيادي في العالم
سيكون النتيجة الحتمية لمثل هذا الفكر.
ولهذا السبب فإنه يستشعر (ضرورة أن يهب هو والمخلصون من الأميركيين)
لوقف هذا الانحطاط السياسي وإنقاذ أميركا من العصبة اليمينية
الحاكمة. والغريب في تشكيلة هذه العصبة كما يرصد سورس، أنها تتكون من
مجموعات متنافرة فكريا.
أصوليون أميركيون
فمن جهة هناك أصوليو المسيحية المتصهينة المتطرفة المنضوية تحت الحزب
الجمهوري، والذي يرى في جورج بوش صورة من صور الإيمان المسيحي النقي،
ومن جهة ثانية هناك أصوليو السوق الذين يؤمنون بقدرتها الخارقة على
تحريك وقيادة العالم نحو سعادته المرجوة، ولا يترددون في فرض هذا
الإيمان على العالم بكل الوسائل. وكما أن الأولين ليسوا بالضرورة
أصوليي سوق، فإن الآخرين ليسوا حتما ملتزمين دينيا أو حتى مؤمنين.
إضافة إلى هؤلاء وأولئك، هناك أصوليو الهيمنة الأميركية الذين يؤمنون
بحتمية ومركزية وضرورة بقاء أميركا في موقع متحكم في العالم، استنادا
إلى مزيج من التحليل الإستراتيجي والشعور بنوع من الرسالية التي
تعتقد أن الله يقف إلى جانب الولايات المتحدة.
(جورج سورس) يفكك كل هذا التشكيل ويشبعه نقدا، ويرى أنه يمثل الخطر
الداخلي الحقيقي على الولايات المتحدة، لكنه ينبه في الوقت ذاته إلى
أن خطورة الوضع الأميركي الحالي - المرتكزة شرعيته على حتميات (الحرب
ضد الإرهاب) والإعلاء من وطنية من يؤيدها، تمتد لتصل حد اغتيال تقليد
من أهم تقاليد الحياة السياسية والديمقراطية الأميركية، وهو تقليد
المعارضة والتمرد.
ففي عهد بوش وحروبه (الإلهية والتبشيرية والوطنية) تحول نقاد السياسة
الخارجية والمعارضون لها إلى خونة ولا وطنيين يُشك في ولائهم للوطن.
وصار التقييم يعتمد مبدأ (معنا أو ضدنا) من دون تفاصيل أو لكن!.
يقول سورس -محقاً- إن أحداث 11 أيلول كان يجب أن تُعامل على أنها
جريمة ضد الإنسانية وليس عملا يستدعي إعلان الحرب في كل مكان، فتلك
الجريمة تم التنديد بها من قبل كل دول العالم ومجتمعاته، وحظيت
الولايات المتحدة والأميركيون على أوسع قدر متخيل من التعاطف
العالمي.
وكان بالإمكان استثمار ذلك التعاطف، لتقوية العلاقات الأميركية بكل
دول ومجتمعات العالم وتجييشها برغبتها للعمل ضد الإرهاب، على قاعدة
التعاون المتكافئ وليس الفرض الفوقي القسري.
لكن ما حدث هو أن أميركا أرادت أن تتحرك بانفرادية معتمدة سياسة فرض
لا نقاش فيها، مما أفقدها لحظة التعاطف التاريخية تلك التي كان
بالإمكان جعلها نقطة مفصلية للحد من العداء المتبادل بين أميركا
والعالم.
والخلاصة لذلك كله هي - كما يجملها سورس - أنه لم يمر وقت على
الولايات المتحدة تدهور فيه وضعها في العالم في وقت قياسي وقصير جدا
كما هو في عهد جورج بوش الابن.
تواطؤ الأمم المتحدة
(سورس) لا يوفر الأمم المتحدة من نقده ويرى أنها تواطأت مع إدارة بوش
برغم محاولات المقاومة التي أبدتها. وأكثر ما ينتقده في أدائها هو
شرعنتها للاحتلال في العراق عبر قرار مجلس الأمن رقم 1483 الذي فوض
سلطة التحالف بحكم العراق منتهكا سيادة دولة مستقلة عضو في الأمم
المتحدة.
ربما يكون سورس محقا في هذا، لكن يسجل للأمم المتحدة أنها وصفت (قوة
التحرير) التي كانت قوات التحالف تصف نفسها بها (بقوات احتلال)،
وبذلك مهدت شرعيا وقانونياً لمقاومتها. لكن الأهم من ذلك هو أن مجلس
الأمن رفض بقوة إصدار قرار يعطي الشرعية للقيام بالحرب ضد العراق
وحتى تكون تحت مظلة الأمم المتحدة.
لكن.. إن كان القارئ العربي يتوافق بالمجمل مع قراءة سورس لما تحدثه
إدارة جورج بوش من خراب على المستوى الداخلي والخارجي، فإنه سيفقد
أعصابه في الحالات التي يتحدث فيها سورس عن القضية الفلسطينية، إذ
هنا يفقد هذا الملياردير الذي ينفق على مئات المؤسسات الخيرية في
العالم الداعمة لحقوق الإنسان والمشجعة للديمقراطية، يفقد القدر
الأدنى من التحليل المنصف، فضلا عن التحلي بالأخلاقية المطلوبة.
فمثلا يفرد صفحات للحديث عن كيفية تحول الضحية إلى جلاد للتدليل على
ردة الفعل الأميركية القاسية على أحداث 11 أيلول. وفي سياق هذا
الحديث يذكر كيف أن إسرائيل -التجمع اليهودي بعد الهولوكوست - تحول
جزءا من سياستها إلى سياسة تضر (بالسكان الموجودين هناك). ويتفادى
التلفظ أو ذكر اسم (الفلسطينيين) أكثر من مرة، وكأنهم شعب لا اسم له
ولا هوية. وفي المرات القليلة التي يذكرهم فيها، فإن ذلك يكون في
سياق غير إيجابي مثل (الإرهاب الذي يقوم به الفلسطينيون أو غير ذلك).
أسوأ من ذلك، فإنه يعتبر إسرائيل هي حجر الزاوية، وأنها الشيء
الطبيعي، وأن ما تتعرض له شيء غير طبيعي، من دون أن يركز كما ينبغي
على أوليات الصراع، ومركزية فكرة الاحتلال وطرد ملايين اللاجئين
الذين يشطبهم بجرة قلم، قائلا إن حقهم في العودة يهدد الدولة
اليهودية.
ربما كانت هذه التفريعة هامشية في الكتاب المخصص لإطلاق معركة قاسية
ضد جورج بوش، لكنها تفريعة ذات دلالة، فإن كان سورس الديمقراطي
والليبرالي -بخلاف بوش الجمهوري المحافظ - لا يكاد يختلف قيد أنملة
عنه، فيما يتعلق بالنظر إلى قضية الشرق الأوسط، فإن من حق القارئ
العربي أن يظل فاقدا للثقة في كثير من الكلام الأميركي حول الأخلاقية
السياسية كما يظل يرددها سورس، واحترام العدل والحد الأدنى من حقوق
الإنسان الفردية منها والجماعية.
|
المفكر العراقي سيّار الجميل: يؤكد بحزم : رجال
الدين لا يستطيعون بناء العراق الجديد
أقسى ما يواجهه المفكرون الحقيقيون من العرب يكمن في التعامل مع
الجهلاء الذين لا يفهمون معاني التأريخ والزمن والحياة
هناك طفيليون في التعليم والقضاء والصحافة والجامعات العربية
|
|
ـ في قراءة
التاريخ قراءة نقدية ـ جذرية معمّقة، وفي دراسته (أو كتابته) وفقاً
لذلك، هناك منظورات ومناهج متعددة ومتباينة، مختلفة ومتقاطعة،
تواجهنا، وغالبا ما نجدها تشكل (منظومة مهيمنة): فهناك المنظور
الديني.. وهناك المنظور السلطوي (أو منظورات رجال الحكم والسلطة)
وهناك المنظورات السياسية لكل حقبة ممن الحقب.. الخ. فكيف ترى امكان
أن يمشي مؤرخ مثلك، وهو يكتب، بين هذا كله، بكل ما يعتوره أو يصدر
عنه؟
ـ انه شقاء الوعي النقدي بالواقع والمصير وفي عصر عربي مهين يزداد
ضراوة سياسية ودينية واعلامية على المعرفة ورجالاتها.. والمشكلة ان
هناك من يتدرع باسم العلم والمنهج والموضوعية في اشاعة ما يريده.. ان
ما يواجهنا اليوم من (منظورات) ـ كما أسميتها ـ لا مناهج، قد واجهت
من سبقنا من الاباء والاجداد قبل ازمان خلت تحت ذرائع مختلفة. وأقسى
ما يواجهه المفكرون الحقيقيون اليوم من العرب يكمن في التعامل مع
الجهلاء الذين لا يفهمون معاني التاريخ والزمن والحياة. أريد القول
بأن للحقيقة وجه واحد لا أكثر من وجه، ويقول الانشائيون والمتفذلكون
والمتحذلقون والمدلسون والكذابون والمفبركون.. عكس ذلك وهنا يحدث
الخلاف! من المشكلات الاخرى عدم التمييز بين المعلومات الاساسية
كحقائق قائمة بذاتها وبين وجهات النظر العادية التي لا تستند الى اي
توثيق ، فلا يفهم البعض كيف يقدم الاولى مهما كانت طبيعتها ويحترم
الثانية حتى وان اختلف معها.. من المشكلات الاخرى غياب النقد المعرفي
والادبي معا وغيبوبتهما في خضم تشخيص الاخطاء، سواء عند الصغار ام
الكبار لا فرق عندي.. من المشكلات الاخرى عدم الاعتراف بالخطأ
والاصرار عليه بل والتمادي فيه، كيلا تؤخذ العزة العربية بالاثم،
علماً بان الاعتراف بالخطأ فضيلة عند اجدادنا القدماء.. من المشكلات
الاخرى منح العلامات العالية والدرجات والمرتبات العلمية والجوائز
عند العرب ممن يسمون انفسهم بأساتذة ودكاترة ومفكرين ومبدعين كما
تمنح الحلوى للاطفال.. من المشكلات الاخرى، ليس تسلط المنظور السياسي
كما قلت، بل انعدام تكافؤ الفرص، وعدم وضع الانسان المناسب في المكان
المناسب بحيث يتسلط الجهلاء على المؤسسات العلمية والفقهية وحتى
اللغوية والفكرية.. فليس هناك طفيليون في السوق فقط، بل هناك طفيليون
في التعليم وفي القضاء وفي الصحافة وفي الجامعات العربية .. المهم ان
لا يخاف المرء وهو بين هذه الجدران، والمهم ان يتوكأ على عكاز وهو
يمر في هكذا دهاليز مظلمة، والمهم ان يزرع من يجد عنده أية فكرة
جديدة في المجتمع.. والمهم ان لا يبحث ابناء النخبة العربية عن
الاضواء والضجيج، صحيح انني متشائم مما يعتور حياتنا العربية اليوم
من منظورات وضجيج وشعارات خاوية من المضامين خصوصا عند جيلنا الذي
كان ضحية تكوين صعب في عموم قسمات الامة، الا ان الامل يمكن ان نلمحه
في الاجيال القادمة التي ستقل عندها المفارقات، مقارنة بما تزدحم به
اليوم في حياتنا، ولابد للحقائق ان تنجلي في المستقبل، كي يقف
الانسان هناك، ويتأمل هذه البنية العربية التي تتجاذبها منظورات
وشعارات هشة اوجدتها سلطويات قوى واحزاب وفئات القرن العشرين بعيدا
عن منتجات النخب الرائعة في المعرفة والتقدم.
ـ ولكنك لا تتجرد مما تحمل من رؤية وموقف.. وانت المعروف بالدقة
والموضوعية وتفكيك الرزايا العربية ان سمحت لي ان اصفك
ـ نعم، وهذا حق طبيعي لكل انسان له القدرة على التفكير، ولكن ربما
كنت مخطئاً، فالانسان ليس معصوما من الخطأ، وعليه لا بد ان ينتبه كل
كاتب وباحث عربي الى نفسه ويراجع ان كان قد اخطأ في كتاباته او
محاضراته.. وازعم بكل تواضع ان لي رؤية معينة للاشياء وللتاريخ
وللحياة وللشعر وللفن وللموسيقى وللرواية وللغة وللمعرفة.. اما انني
صاحب موقف فهذا ما يمكن ان يحدده غيري عني، ولكن بكل تأكيد لي
استقلاليتي السياسية والفكرية، اذ لم انتم الى أي خط سياسي او
ايديولوجي، لا عربي ولا اجنبي، ولكن هذا لا يمنع ان اكون عاشقاً
لوطني ولعروبتي (واقول العروبة وليس القومية، فالفرق عندي بين
الاثنتين كالفرق بين الارض والسماء) واعتز بتاريخ العرب وكل الشعوب
والمجتمعات التي شاركتنا تاريخنا، كما ان تاريخ العراق هو سجل من
ازمان مثقلة بكل المعاني والاشياء والحضارات، برغم كل ما يثار حوله
من سجال اذ يكفي ان العراق كان مهدا لنشأة المدينة والزراعة والدولة
والقانون والموسيقى والمكتبة والنظام.. اعتز بالعروبة واقدس الاسلام
واحترم الاديان واؤمن بالتقدم والحرية والديمقراطية وادافع عن حقوق
الانسان في كل مكان وأناشد كل الدنيا بالوقوف الى جانب الشعب العراقي
وكل الاهل في العراق الحبيب وهم يفتتحون طورا جديدا من تاريخهم الصعب
بعد انهيار النظام السابق.
ـ الى أي حد يمكن ان يؤثر عليك (الوضع الخاص) للمرحلة التاريخية التي
نمر فيها اليوم وأنت تقرأ التاريخ (في اطارها) مثل هذه القراءة
النقدية والرؤيوية التفكيكية التي تقوم بها، وتدعو اليها؟
ـ انه تأثير كبير لأن ضغوطات المرحلة المعاصرة ثقيلة جدا، ولم يسبق
ابدا ان مرت مجتمعاتنا بمثلها في سابق الازمان وبمثل هذا المخاض من
العلاقات المتشابكة مع العالم سياسيا واقتصاديا وثقافيا واعلاميا،
وخصوصا وان تأثيرها بالغ التحدي بالنسبة للنخب والفئات الواعية..
طبيعي هناك من يهرب وهناك من يعجز وهناك من يستسلم وهناك من يستجيب
للتحدي. من يقرأ تاريخ العرب عموما وتاريخ منطقتنا في تحدياتها
وازماتها سيجد ان سلسلتها سوف لن تنتهي او تستقر ببساطة متناهية، كما
يفسر ذلك السياسيون والاعلاميون بتفكيرهم الافقي، او حتى ضمن
شعاراتهم واكاذيبهم في بياناتهم وتصريحاتهم التي اشبعوا الناس بها !!
اما بالنسبة لي كقارىء متواضع لاطوار التاريخ وتحدياته فسيجد ان
مخاضات صعبة ستمر على اجيال هذه الامة (والمنطقة بالذات التي اسميتها
بمربع الازمات في الشرق الاوسط بعد ان عاشت في الخمسين سنة الماضية
مثلث الازمات) في المستقبل فيعمل على تقليل الفجوة من خلال تفكير
عمودي ان استطاع ان يستفيد من قراءة الماضي وتوظيفه لمعالجة الحاضر
من اجل بناء لبنة اساسية يعتقد انها ستفيد، او يشعل شمعة يؤمن بأنها
ستضيىء في بناء المستقبل. ان الاستجابة للتحديات لا تكمن بالوسائل
الشائعة اليوم في فكرنا العربي المعاصر والتي اعتقد، وربما كنت
مخطئاً، انها ستفيد مستقبلنا للخلاص من مشكلاتنا العربية الصعبة
والقاسية، خصوصا وان العرب افتقدوا زمناً رائعاً في القرن العشرين،
كان عليهم ان يتقدموا فيه خطوات الى الامام. ان أبرز ما يمكنني
الاشارة اليه ضمن ما أدعو اليه في المنهج والرؤية والتفكير: العمل
على مجابهة التحديات بالاستجابة لها باحلال التوافقات بدل التعقيدات
وان اي حلول يمكنها ان تحافظ على الحد الادنى من الحقوق التاريخية
ستفيد حقا بدل حرق المنطقة بالحروب والارهابيات والتصدعات
والانقسامات.. ونحن لا نملك الا الشعارات والخطب الرنانة!
ـ وهل تجد نفسك وانت المفكر ليس بالواقع حسب، بل المفكر بالمستقبل
وخطوطه ، بعملك هذا ان تسهم اسهاما فاعلا في التاريخ؟ كيف؟ وعلى أي
نحو يتمّ لك ذلك؟
ـ مرة اخرى تريدوني ان اتحدث عن نفسي وهذا صعب جدا عليّ! انني لا
استطيع القول بأن لي اسهام فاعل في التاريخ! انني لست من صنّاع
القرارات! انا مجرد مؤرخ يتابع خطوطاً وبيانات وأحداثاً وإحصاءات،
ويحلل وينقد ويستبطن ويستنتج.. اتمنى ذلك من صميم القلب.. اتمنى اسوة
بغيرى من المختصين والمؤرخين والمفكرين العرب المعاصرين ان أرى ثمرات
ما امكننا زراعته قبل ان نموت، خصوصا امنيتي بحصول تغيير في تفكير
الجيل القادم نحو الافضل، ولكن الامة يكبر حجمها السكاني ومعها تكبر
مشكلاتها، ومع هذه المشكلات تتفاقم المخاطر الآتية، ولكن الأمة بقدر
زيادة سكانها وتفاقم مشكلاتها تقل فيها يوماً بعد آخر فرص التقدم
ويقل فيها المفكرون والمبدعون الجادون. في خمسينيات القرن العشرين
اوصل العرب ابداعهم الى اعلى مداه ضمن الامكانات المتاحة وقتئذ،
واليوم لا تجد ذلك! لماذا؟ لأن ثلاثين سنة من حياتنا الفكرية
والابداعية ذهبت هدرا في مسائل لا تجدي نفعا مع الاسف! وهذا ما
عالجته في اكثر من كتاب كمساهمات متواضعة في تقييم تفكيرنا العربي
المعاصر وقمت بكل تواضع برسم بيانات واستنتاجات وتوقعات عن سيرورة
المستقبل.. فكرنا وابداعنا العربي لم يصل حتى يومنا هذا الى المرتبة
العالمية.. وأساليب التفكير في محيطنا العربي محاطة داخليا بالاسيجة
الشائكة والاسوار العالية.. فرص الحرية المسؤولة غير متوفرة..
التناقضات تزداد بشكل مفجع.. الانغلاق على المواريث يشكل عقبة كأداء
في تربية الاجيال وعتمة المجتمع.. ازدواجية التفكير الاجتماعي
ودوغمائية في التفكير السياسي واكاذيب الخطاب الاعلامي وتشوهاته..
الخ ماذا سيخلق هذا كله عند الجيل الجديد؟ وكيف سيغدو هذا الجيل
مؤهلا للتعامل مع العالم في قابل الايام؟ اما تسأليني عن الكيفية في
ان يكون الاسهام فاعلا في التاريخ؟ فتلك مسألة شائكة اخرى في عالم
عربي يزداد شرخه يوما بعد اخر، وتتشظى ثقافته الى دكاكين قطرية
مستلبة يوما بعد آخر، المشكلة ان ثقافتنا عربية وواقعنا غير عربي فكل
يغني على هواه.. والمشكلة ان هناك دعاية لهذا وتعتيم على ذاك..
والمشكلة ان يعترف بفكر متحجر او بفكر مستلب او بفكر اجنبي ولا يعترف
بما هو حيوي وصادر من تفكير ابناء النخبة.. المشكلة معاصرة وخطيرة
الى حد النخاع! ولكن على أي نحو يعمل العقلاء من المفكرين العرب؟
وعلى أي نحو يتم أي اسهام فاعل لهم في التاريخ فربما سيكون ذلك في
المستقبل البعيد.. وسيذكرهم احفادهم بالذكر الجميل لأنهم قدموا
مشروعات اقل ما يقال عنها انها ذات نفع في المستقبل ان لم يكن لها
تأثير في حياتهم.
ـ هنا أريد أن أتعّرف على كيفية استنباط التوقعات التاريخية.. كما
كتبت في قضايا وانشغالات فكرية راهنة لها واقعها / بعدها السياسي.
فأين هو الترابط في ما كتبت؟ وما الفكرة المحركة عندك لهذا كله؟
ـ تعرفون انني متخصص في التاريخ الحديث والمعاصر ولي شغف في قراءات
نقدية وادبية وموسوعية وقد نشرت في النقد الادبي وعن الرواية وعن
الشعر.. كما ويحركني التاريخ الثقافي بشكل خاص. وعملي هو حذقة وحرفة
ومهنة اذ انه ليس مجرد توظيف ادبي لرمز تاريخي في حياتنا المعاصرة.
في التاريخ الحديث دفعني التفكير الذي احمله الى صياغة افكار مشروع
اسميتها بـ (تكوين العرب الحديث) وجاء بثلاث مجلدات تدارست فيه اطوار
العرب التاريخية على امتداد اربعة قرون وساحاول اكماله عن تكوين
العرب المعاصر ودراسة تاريخهم في القرن العشرين ضمن نفس الرؤية
والمنهج. اما المشروع الاخر فهو الذي تتضمنه نظرية المجايلة
التاريخية في فلسفة التكوين التاريخي والتي طبقتها على المعرفة
العربية الاسلامية من خلال تحقيب جديد للتاريخ لا يقوم على أي من
التقسيمات المعروفة سياسية كانت ام سلطوية او سلالية.. بل تقوم على
اساس الوحدات الكبرى والصغرى فالجيل هو اصغر وحدة تاريخية (30 سنة)
وكل عشرة اجيال تؤلف وحدة تاريخية كبرى يمثلها عصر تاريخي (300 سنة).
وعليه، فان 1500 سنة من حياتنا التاريخية العربية الاسلامية بدءا بـ
599 م (= انطلاق الاسلام ) وانتهاء بـ 2099 م تحقب بخمسة عصور،لكل
عصر سماته ومواصفاته، كما وتحقب بخمسين جيلا لكل جيل سماته
ومواصفاته.. ونحن اليوم ابناء الجيل السابع والاربعين.. علما بأن
هناك عصرين تاريخيين كاملين (= 600 سنة بالضبط بين ولادة المسيح
وولادة الاسلام) سبقا العصور الخمسة وسأحاول ان أطبق هذه النظرية على
التاريخ البشري كله -.
تسألوني عن الترابط فيما كتبت؟ الرابط قوي لأن لولا دراستي للتاريخ
وتخصصي بالذات في الحديث والمعاصر والانتقال من دراسة حوادثه
وووقائعه الى التفكير في ظواهره وعناصره ما كنت لأصل الى معالجة
الحاضر ورؤية المستقبل. أما الفكرة المحركة عندي فهي التي تبلورها
ثقافة متجددة تكاد تكون يومية بعض الاحيان.. ولكن عيوني مسمّرة دوما
نحو المستقبل وما قراءة التاريخ الا توظيف نقدي مشروع من اجل بناء
المستقبل. وأزيدك بأن اهتمامي بالتواريخ الاجتماعية والاقتصادية
والثقافية بعيدا عن التواريخ السياسية هو الذي خلق هذه البنية
العضوية في التفكير والترابط القوي بين الاعمال.
ـ بالنسبة لأعمالك الاخرى فانها تعالج قضايا وانشغالات فكرية راهنة
بالفعل، ومنها كتابك (العرب والاتراك: الانبعاث والتحديث) وكتابك
(التحولات العربية) وكتابك الاخر (العولمة الجديدة والمجال الحيوي)
وكتابك (العولمة والمستقبل: استراتيجية تفكير).. في النقد السياسي لك
كتاب (تفكيك هيكل) في نقد محمد حسنين هيكل.. في النقد الفكري كتبت
الرؤية المختلفة في نقد الجابري.. هل ستكملها باعمال نقدية بنفس
المنهج؟
لدي عمل سادفعه للطبع بعنوان (على المشرحة) في النقد التاريخي، ولدى
عمل آخر بعنوان (مشروع رؤيوي: من أجل تفكير جديد) في تحديث الحياة
العربية وبناء المستقبل. وسينشر قريبا كتاب (المزامنات العربية) وهو
مجموعة مقالات.. ساقوم بنشر كتاب (مانفيستو العراق: 2003- 2009 )
قريبا واعمال اخرى.
ـ واين وصل بحثك التوثيقي عن جمال الدين الافغاني.. وقد سمعنا انك
تعيد كتابة تاريخه من جديد على ضوء وثائق نادرة وخطيرة؟
- نعم، انه عمل صعب في النقد التاريخي سانشره حال انجازه وقد اقترب
معظمه من النهاية وهو عمل متعب جدا عن تاريخ السيد جمال الدين
الافغاني وسيقلب تاريخ هذا الرجل رأسا على عقب! ولقد تأخر عملي فيه
منذ سنوات نظرا لانشغالي بكتابة عدة دراسات بالانكليزية في التاريخ
الموسوعي..
ـ وماذا عن تاريخ العراق؟
- وفي تاريخ العراق، نشرت كتابي عن حصار الموصل ،وكتابي زعماء
وأفندية ،وكتابي الجديد انتلجينسيا العراق الذي اعمل على ان اضيف
عليه معلومات وتحليلات جديدة .. وكتبت عن العلاقات بين العراق وايران
وبين العراق وتركيا وغيرها.
ـ هل تواجه او بالاحرى تتمثّل نمطا، أو تتخذ نموذجا في هذا الذي
تكتب؟ لقد سألك احد الذين حاوروك سابقا هذا السؤال ولم اجد جوابا
شافيا منك عليه؟
ـ لا اعتقد أبدا انني اتمثّل نمطا معينا او انني اتخذ نموذجا،
فقراءاتي كثيرة ومتجددة كما قلت لك مع الايام، قولي لي من هو صاحب
نمط متنوع؟ نعم ربما اعجب بشخصيات فكرية ورجال علم واصدقاء من مفكرين
عرب ومستشرقين ولكن انماطها تخضع عندي دوما للنقد، ولا تعجب فحتى
اعمالي نفسها اخضعها للنقد دوما قبل او بعد نشرها. ربما تربيتي
العلمية والادبية منذ طفولتي في البيت الذي نشأت وما ورثته من اسرتي
في العراق ومن ثم تكويني في ما بعد وخصوصا عندما عشت في كل من
بريطانيا والمانيا قد حددا نمط تفكيري التجريبي او كما يسمونه
بالامبريقي، ولكن لا يمكنني أن أرضى عن شيء ابدا حتى وان كان هو نفسه
الذي اكتبه! ومع كل هذا وذاك فأنا لا اخفي اعجابي بفلاسفة ومؤرخين
وروائيين وكتاب اتابع شأنهم في هذا العالم.
ـ ان معظم ما كتبت هو مما يمكن أن نطلق عليه (الكتابة في بيئة
اكاديمية). والسؤال هنا هو: ماذا أعطتك هذه (البيئة) في مستوى ما
حققت من منجز؟ ولقد سئلت هذا السؤال قبل سنوات واعيد السؤال عليك
ثانية
ـ بصراحة اقول بأن البيئة (الاكاديمية) أخذت مني أكثر مما أعطتني
،وخصوصا الجامعات العربية التي خدمت فيها في كل من المشرق والمغرب
العربيين.. وهذا واحد من الواجبات المقدسة المفروضة علينا نحن العرب
في مثل هذا العصر.. لقد اعطتني كل من الجامعات العربية والغربية: بعض
صداقات اعتز بها لزملاء كرام وطلبة نجباء واصدقاء رائعين، اعطتني
قاعات درس ومحاضرات ممتلئة بشباب زرعت عندهم تنمية الشخصية والتفكير
وشحذ الذهن وحب المعرفة وتأسيس منهج واستفدت من بعض كتب ومجلات
ومقالات وخرائط واطالس وتقارير.. ولكنها - بصراحة وانا اتكلم عن
الجامعات العربية - لم تكن بيئات اكاديمية صرفة كما هي عليه في
مجتمعات متقدمة كانت قد افادتني بزاد المعرفة في التخصص والثقافة! ان
بيئات كالتي تسمى بالجامعات العربية هي أشبه بالمدارس العادية تستنزف
الزمن يقف على ادارتها اناس يعبدون الروتين والسذاجة والتفخيم
والندوات المخملية ولا تعترف تلك التي يسمونها بالجامعات العربية
بالاعمال الحيوية وانها خاوية من اية تقاليد اكاديمية كما آلت اليه
لا كما نشأت عليه، تضيع فيها حقوق الاستاذ ضياعا حقيقيا.. انها لم
تعطني أي شيء! ثمة مراكز علمية ومؤسسات بحثية عربية واجنبية غير
اكاديمية اعطتني اكثر بكثير من الجامعات سواء على مستوى الجوائز ام
شهادات التقدير.
ـ ولكن هل وجدت تلك البيئة الاكاديمية العربية في بعض المشاهد
والمواقف والحالات، تحاصرك رؤية وموقفا فكريا، حين واجهت ـ تحديدا ـ
بعض القضايا المثارة راهنا؟
ـ كلا، انها لا تستطيع أبدا، المسألة لا تعتمد على البيئة
(الاكاديمية) كما تصرين على تسميتها، بل تعتمد على مدى ارتباط تلك
(البيئة) بالمناخ السياسي الذي يغلف البلد كله، فبيئات جامعية في
بلدان مثل المغرب ولبنان وتونس والاردن (والجزائر لاحقا) هي اكثر
انفتاحا وحيوية ومرونة بكل تأكيد من بيئات جامعية في بلدان غير التي
ذكرت. وبشكل عام لا تستطيع أي بيئة جامعية عربية الا ان يخضع اعضاؤها
من الهيئة التدريسية لمجموعة من القوانين والتعليمات والطقوس، ولكن
باستطاعتها ليس محاصرة الرؤية وتكبيل الموقف الفكري، بل باستطاعتها
فعل اكثر من ذلك! وعلى أية حال، فان الباحث والمفكر مهما كان موقفه
الفكري او رؤيته وفلسفته عليه ان يكون ذكيا جدا وحذرا جدا في التعامل
مع اولويات وثوابت كل بلد وكل مناخ وكل بيئة.. وان يسعى لخدمة
المعرفة قبل أي شيى آخر وعليه ان يوازن بل ويفصل عمله الاكاديمي في
المنهج والتدريس عن عمله الفكري في الكتابة والتأليف لأنه في الاول
متخصص ومرب ومرشد وصاحب منهج ولكنه في الثاني مفكر وكاتب وربما سياسي
ان اراد او ربما اعتبروه فيلسوفا ان ارادوا!
ـ ما الاشياء التي تجدها تلازمك دوما؟ وما الاشياء الاخرى التي تحاول
/ وتعمل على الانفكاك عنها والتخلص من تأثيراتها، وأنت منغمر في ما
أنت منغمر فيه من كتابة عن الحاضر؟
ـ يعجب الكثيرون سواء من الزملاء والاصدقاء والطلبة او حتى من القراء
الكرام الذين لا أعرفهم كيف ابرمج الزمن الذي اتحرك في خضمه، وكيف
أكتب واعمل وانا في غمرة من الاتعاب؟ والحقيقة ثمة اشياء تشغلني حول
العراق، فهو الوطن والاهل والتراب وكل الوجود هناك والدتي واهلي
ومصير ابناء وطني في ظل هذه الاوضاع التي افتقد فيها الامن
والاستقرار.. انها مشاغل نفسية لا استسلم لها لأنها ربما تحطمني..
الهموم الاخرى ربما اتعايش معها واحاول ان اجد حلولا لها، يهمني
طلبتي في الدرجة الاساس اذ افترض دوما مع نفسي: هل في قدرتي ان اصنع
منهم شيئا في المستقبل لأنهم الامل الوحيد الذي بقي لنا، فليس لي أي
ثقة برجال هذه المرحلة ونسوتها! واشكر الله ان صداقاتي محدودة لأن
العلاقات الاجتماعية تستنزف الوقت بحقوق وواجبات.. وكلما ندرت هذه
العلاقات عند رجال الفكر والعلم كلما ابتعد الانسان عن توافه الحديث
ومنحدر القال والقيل وما اكثرها في الاوساط العربية خصوصا وان
مرحلتنا العربية الحالية تشهد نضوبا فظيعا في عالم الجماعات وطواقم
العمل الفاعلة كالتي الفتها الاجيال السابقة ،سواء في مجالسهم
الادبية ام في مقاهيهم الثقافية او في جماعاتهم الفنية.. والتي
توهجّت في الخمسينيات من القرن العشرين. لي نظام عمل لا استطيع كسره
ابدا وقد تأقلمت عائلتي الصغيرة عليه وشغفت به هي الاخرى..
ـ كتاباتك، في المدة الاخيرة قد اخذت طابعا سجاليا مع اخوة من الكتاب
والمفكرين العرب. فهل أنت، في هذا التوجه منك، تعّبر عن ميل خاص
للسجال الفكري، أم أن ما يعنيك هو اثارة وعي االقارىء بما يثار أمامه
من قضايا، أو يطرح من مشكلات؟
ـ هل تعتقدون ان سجالاتي ولدت مؤخرا؟ ربما جاءت بشكل كتب وانت تقصدين
الجابري او هيكل على وجه التحديد! اذكر ان اول مقالة نشرت لي في
العام 1967 وكان عمري 15 سنة كانت مقالة نقدية مثيرة عن قصص نشرتها
احدى الاديبات العربيات وكنت قاسيا عليها ولم تنشر المسكينة بعدها
شيئا لأنني اكتشفت ان احد الروائيين قد كتبها لها!! وفي سنوات
الدراسة نشرت مقالة نقدية صارخة ضد احد اساتذتي، ثم الحقت بها مقالة
نقدية كشفت فيها عن بعض السرقات فأزبد ذلك الاستاذ وتوعد وبعد سنوات
غدا صديقا حميما لي.. وعلى امتداد عشرين سنة نشرت مقالات نقدية
سجالية عن كل من: د. علي الوردي و د. عبد المالك مرتاض و د. عبد الله
العروي ومحمد عابد الجابري وعبد المجيد فريد ود. واطسن والمستشرق
برنارد لويس ومحمد حسنين هيكل ومؤخرا عن: خلدون النقيب وحسن حنفي
وامين هويدي ورضوان السيد وعبد الرحمن منيف.. وغيرهم كثير. أما طبيعة
التوجه نحو السجال الفكري فهو موجود عندي منذ طفولتي.. وقد غدا اليوم
ضرورة ليس من اجل اثارة الوعي حسب، بل من اجل تأسيس مدرسة عربية
معرفية وليست ايديولوجية في النقد الفكري، وان يتعود المثقف على
الرأي الاخر من اجل ايجاد حلول عملية وجماعية لمشكلاته ومعضلاته.
ـ وما الفكرة / أو مجموعة الافكار المحركة لك في هذا الاتجاه /
التوجّه؟
ـ لقد كانت ثقافتنا العربية في قديمها وحديثها من اغنى الثقافات
البشرية في السجالات الفكرية والحوارات الفلسفية والمعارك الادبية..
وبقدر ما كان فيها من هنات، الا انها ظاهرة صحية ومتطورة في حياة
الامم وتفكير نخبها. وأعجب ان العرب الذين تميزوا بهذه الظاهرة
النقدية في ثقافتهم قد غابت عنهم في الخمسين سنة الثانية من القرن
العشرين جملة من الحوارات والنقاشات والسجالات والمعارك في الادب
والتفكير والثقافة والسياسة بفعل عوامل انتم والقارىء أدرى بها دون
تفصيل مني وخصوصا انعدام الحريات.. علما بأن النصف الاول من القرن
العشرين شهد قوة مميزة في هذه الظاهرة.. الا يستدعي ذلك كله من
الشجعان والقادرين على البوح في نقد الاخر، اعلاء صوت الاخر ورأي
الاخر..؟؟ ان هناك هدفا اساسيا من وراء تلك السجالات هو تصويب
المعلومات وابداء وجهات نظر مخالفة يرى الناقد المعرفي صوابها.
ـ يمكنني القول بأن اتجاهك الى معالجة موضوعات معاصرة، في التاريخ
والفكر، يطرح سؤالا حيويا عن مهمة رجل التاريخ ومهمات رجل الفكر ـ
وأنت شخصيا تجمع بينهما ـ أين يلتقيان؟ وأين يفترقان؟ رؤية وعملا
ـ أعتقد انهما يلتقيان خارج أطواق التخصصات الضيقة ويتعانقان خارج
شرانق التفكير الاحادي.. نعم يلتقيان في موسوعية الاشياء وفلسفة
الامور الجماعية (لا المشتركة تحديدا).. يلتقيان عند اصحاب الافق
الواسع والعريض والذهنية المتوقدة مهما تنوعت المرجعيات او تعددت
الثقافات.. يلتقيان عند الحدود العليا لمصالح الامة العليا.. يلتقيان
في امتلاك قدر مميز من الثقافة العليا للمجتمع.. يلتقيان في العمل كل
من موقعه في اثارة الاشكاليات التي يثيرونها من اجل ايجاد حلول
للمشكلات المستعصية وأخيرا يلتقيان في اجواء من الحرية فبدونها لا
يمكن ان يتحرك التفكير ولا يمكن اثراء الفكر بالمعنى الواسع للكلمة.
أما الافتراق بين الاثنين فيحدث عند تقوقع هذا او ذاك في نصيبه من
التخصص ولا يستطيعان ان يمشيا الا بظله.. ونحن العرب احوج ما نكون
الى رجل التاريخ (التاريخاني المنفتح وفيلسوف التاريخ لا المؤرخ
المتقوقع في ظله) من اجل اغناء التفكير العربي المعاصر. وفي الوقت
نفسه، استطيع القول، أن ليس هناك من ينجح من المفكرين بعيدا عن
الرؤية والمنهج التاريخيين.
ـ كما يتجلى في عديد الدراسات التي كتبت، أنك تنظر الى الحاضر بوصفه
جزء من التاريخ، وأن ما يسوده من عناصر فعالة ومواقف ذات تأثير، انما
تمثل عندك: الطريقة التي يستمر فيها التاريخ. ما تعليقك دكتور سيّار؟
ـ وهذه حقيقة عندي في تفكيري وانتاجي الفكري والعلمي منطلقا من فكرة
التحقيب ونظرية فلسفة التكوين التاريخي التي عالجتها بالتفصيل في
كتاب (المجايلة التاريخية) الذي يمثل عصارة سنوات من العمل والتي
طبقت جوانب منها في اعمال اخرى لي نشرت بالعربية والانكليزية. انني
لم انظر الى الحاضر بوصفه جزءا من التاريخ، بل اعتبر كل من الحاضر
والمستقبل المنظور لمئة سنة قادمة جزءا عضويا من سلاسل تاريخية ممتدة
عندنا منذ القدم، وكل سلسلة تأخذ عن الاخرى سواء في التفكير ام
الممارسات ام صنع القرارات ام بقايا الموروثات او التقاليد والعادات
وحتى في الابداع ووحدة الجماعات والمجتمعات.. الخ ومهما تنوعت اساليب
التحديث والاصلاحيات في القرن التاسع عشر او اساليب الحداثة
والمعاصرة العربية منذ بدايات القرن العشرين، الا أن الارتباط بما
تركه فينا كل من بقايا التاريخ والموروث / التراث هو الاكبر سلبا كان
ام ايجابا. وبعيدا عن معزوفة التراث والمعاصرة وعن الاساليب
التوفيقية / التلفيقية ،فان كلا من المنهج التشخيصي والمنهج الرؤيوي
في نقد الفكر والتاريخ وحياة الحاضر يسعفان هنا في بناء رؤية من نوع
ما للمستقبل. ربما خسرنا نحن العرب بعض ايجابيات كانت تعيش في
مجتمعاتنا ومنها مثلا: التعايش الديني والقومي والادبي وحتى الطبقي..
وربما خسرنا الحريات الفردية التي كانت متاحة للتفكير والابداع على
حساب قيم طفيلية وسياسية ولكن تبقى المسألة عضوية في ارتباط الماضي
بالحاضر والمستقبل. وأتوقع ان اختتام دورة العصر الاخير (300 سنة)
التي بدأت مع مطالع القرن التاسع عشر والتي ستتختم فصولها عند نهايات
القرن الحادي والعشرين ستنقل التفكير العربي والثقافة العربية
والسياسة العربية وحتى اللغة العربية الى عصر تاريخي جديد عند
الاجيال البعيدة في مخاض صعب للغاية ستكرسها تحولات العرب على امتداد
هذا القرن.
ـ كما تبدو يا دكتور سّيار لمن يقرأك قراءة متأنية ودقيقة وذهنية أنك
منشغل، في ما تكتب، بمشروع ثقافي
ـ هذا السؤال أكبر من أن أجيب عنه بنفسي وأطمح أن يقول ذلك غيري عني،
كل ما استطيع قوله ان انشغالاتي بهموم العرب والشعوب المجاورة وحركة
الثقافة فيها تستدعي مني ان اعمل لتقديم رؤى وافكار ونقدات وتشخيصات
ازعم انها نافعة من اجل معالجة الواقع وبناء المستقبل وعندي الكثير
مما يستوجب تحليله وتوظيفه وقوله ما حييت وخصوصا ما أتوجه به للاجيال
القادمة.
ـ ألا يكفي ذلك في ان يسمّى بمشروع ثقافي؟
ـ لا حياة لأي أمة من الامم من دون ثقافة، والعرب ليسوا بعاجزين ان
يصلوا الى مستوى عالمي وابداعي فيها بالمشاركة الفعلية لا الرمزية
ولكن ثمة سلبيات ومثبطات منعتهم وستمنعهم من ذلك خلال الخمسين سنة
القادمة على اقل تقدير - كما ارى - .. فما زالت نغمة المركزية هي
المسيطرة، وارتفاع السواتر والحدود بين بلداننا، وما زالت الامية هي
المتفاقمة.. وما زال الغبن واقصاء الاخر هو الساري.. وما زالت
الحريات معتقلة.. وقد ازدادت قوى العتمة والانغلاق هيمنة.. مع تفاقم
العزلة عن العالم وندرة البعثات الى الخارج واستشراء مخاطر البيئة
وصعوبة العيش والسكن والحياة وفوارقها الصعبة بين الناس .. وكلها كما
تعلم عوامل في انتاج التفكير الخاوي او المستنسخ او الماضوي.
ـ السؤال هنا هو: ما الطريقة / او الاسلوب الذي توظف به (مفهوم
التاريخ) في كتاباتك هذه، في الحدود النظرية والعملية معا؟
ـ أنا لا اقول بـ (مفهوم التاريخ / التاريخانية) التي يدعو لها
المفكر المغربي المعروف عبد الله العروي وقد نشرت نقدا لها مع
احترامي لمشروعه، ولكنني أقول بـ (فلسفة التكوين التاريخي) الذي أزعم
أن له القدرة في توظيف مناهج عديدة وأبرزها المنهج الكمي في المعرفة
النظرية التاريخية، والمنهج الرؤيوي في غرس الوعي التاريخي /
المستقبلي بمعرفة اين نحن الان في سلم التاريخ البشري والكوني من
خلال قدرتنا على المشاركة فيه ابداعيا من ناحية عملية على مستويات
عدة، منها على سبيل المثال لا الحصر:
* معرفتنا باوضاعنا العربية الحالية ثقافيا وسياسيا ومدى قدرة تغليب
المعرفي على الايديولوجي في تفكيرنا من اجل التخلص من ربقة مواريث
سالبة عاشتها اجيال ما سمي بعصر النهضة على امتداد القرنين التاسع
عشر والعشرين.
* معرفتنا بالتحولات التاريخية العالمية الحديثة والتفكير بكيفية
اختراق الظواهر التاريخية التي سيطرت علينا على امتداد التاريخ
الحديث كالاستعمار والثورة الصناعية والثورة التكنولوجية واليوم ثورة
المعلومات باتجاه ظاهرة العولمة التي لابد من ايجاد ثوابت عربية
واسلامية فقهية واجتهادية وتشريعية وقانونية وثقافية وسياسية
واقتصادية واجتماعية ليس للقضاء عليها فنحن أضعف في الصراع ضدها، بل
للتعامل معها بذكاء وبأقصى درجات التاريخ.
* معرفتنا بمدى اهمية المجالات الحيوية في منطقتنا العربية
والاقليمية التي تمتلك دوائر جيوستراتيجية منذ القدم ازاء المركزية
الغربية ولعبة مصالح الامم، وقدرتنا في الحفاظ على بيئتنا وثرواتنا
ومصالحنا المشتركة بايجاد سبل جديدة في الانفتاح الداخلي من خلال أي
نوع من التكتل الاقتصادي وفتح الحدود وصناعة القرارات المشتركة
والتجسير الثقافي بالتعاون الفعال مع دول العالم الاسلامي. وهذا ما
أوضحته بتفصيلات موسعة في كتابي: (العولمة والمستقبل: استراتيجية
تفكير!).
ـ آخر ما يمكننا قوله: شكرا جزيلا على ما قدمته لنا..
|
لا بابييس.. جمهورية مدهشة في كل شيء
خليط عجيب و غريب من الأخبار و البشر و الثقافات
|
|
في قلب
العاصمة الإسبانية مدريد، يوجد مكان يحمل ألف حكاية وحكاية. متاهة
حقيقية من الشوارع والأزقة بسكان من كل كوكب الارض. مكان مفعم بمشاكل
كثيرة وبنشاط وحيوية أكثر. فيه يتعايش الإسبان والمغاربة والصينيون
والأفارقة والفيتناميون وكل الأجناس التي يمكن تصورها. وهذا المكان
يلقبونه بجمهورية (لابا
بييس)، وترجمته بالعربية يمكن ان تكون (غسل الرجلين) أو (غاسل
الرجلين).. لا يهم..!. من يزور مدريد ولا يزور هذا المكان فكأنه لم
ير شيئاً.
بين الفينة والأخرى تشهد ساحاته معارك قاسية بين مجموعات من
المهاجرين المتصارعين على القوة والنفوذ. قبل أكثر من سنة تقابل
المهاجرون المغاربة مع نظرائهم
الصينيين في معركة شرسة استخدمت فيها كل أنواع الأسلحة البيضاء، بدءا
بالسكاكين وانتهاء بالسيوف. المعركة انتهت بلا غالب ولا مغلوب، وعادت
كل مجموعة
إلى قواعدها سالمة!.
وقبل أيام فقط، أعلنت السلطات الإسبانية أنها ألقت القبض في هذا الحي
على شبان مغاربة يشتبه بتورطهم في تفجيرات 11 آذار الجاري قطارات
ركاب في مدريد، مخلفة
ما يزيد عن مائتي قتيل، والتي قلبت الوضع السياسي في البلاد رأسا على
عقب.
صحيفة (البايس) الإسبانية نشرت من قبلُ تحقيقاً مطولاً عن هذا الحي
الغرائبي في قلب العاصمة الذي يأوي بين ظهرانيه المتناقضات بكل
ألوانها، بدءاً من بقايا (
الهيبيز) الستيني، وانتهاء بأنصار طالبان.
وبالإضافة إلى لقب الجمهورية الذي يحمله المكان، فإن البعض يسميه
الميناء. ميناء من دون بحر. الناس يدخلون ويخرجون منه، وتمر عبره كل
أنواع السلع.
وباستثناء الدعارة والداعرات، فإنك يمكن أن تجد كل شيء في جمهورية،
أو ميناء (لابا بييس).
على رصيف في الساحة الرئيسية في (لابا بييس) يجلس شاب من هايتي في
السابعة والثلاثين من عمره. خلال ساعة فقط من الجلوس حيا حوالي عشرة
اشخاص،
ما بين تحية بالأيدي أو عناق خفيف أو دردشة عابرة. تبادل كلاما قصيرا
مع موسيقي من غينيا بيساو، بعد ذلك رفض دعوة لحضور سهرة حمراء في
حانة سرية
قريبة عند مقدمة الشارع العلوي.
(هنا يوجد كل شيء ويحدث كل شيء، إنه مكان غني بكل الاشياء ـ يقول
الشاب الهايتي ـ.
منطقة (لابا بييس) صارت اليوم مختبرا حيا لتجربة عدد من أنماط
التنظيم الاجتماعي. ساحة لتجربة وتصور ما يمكن أن يكون وسط مدينة
كبيرة مثل مدريد في
عالم معولم. إنه مكان لا يستقر على حال ويشهد كل يوم تغييرات كثيرة.
كان هذا المكان حياً يهوديا قبل 800 عام. لكنه يتغير بسرعة كبيرة حتى
أن أي دليل محترف يمكن أن يتيه فيه إن غاب عنه عاما كاملاً. وفي
داخله يمكن العثور
على جثة متعفنة في شقة فارغة، كما يمكن العثور على أعمال إبداعية
هامة في مجال الفن المعاصر. لا عجب في ذلك، ففي حدوده الجغرافية يوجد
متحف الملكة
صوفيا الذي يخضع الآن لأعمال ترميم وإصلاح.
بالنسبة للمصطلحات الإدارية فإن (لابا بييس) مجرد ساحة، شارع ومحطة
مترو. لكن لغة الإدارة لا تتلاءم دائما مع الواقع. فهذه الساحة ومحطة
المترو تجمع
بحدود عشرين ألف ساكن يعيشون على مساحة 35 هكتاراً. واحد من بين كل
أربعة سكان تراه مهاجراً.
(لابا بييس) اليوم خليط من الاجناس والبشر والثقافات. تصعد في شارع
فتجد نفسك في، الصين، تنزل من شارع آخر فتجد نفسك في المغرب.
المغاربة
والصينيون يشكلون اغلبية كبيرة ويتعايشون ويتنافرون حسب ما تقتضيه
الظروف. قبل عدة أشهر وصل التنافر بينهم أقصاه فاحتكموا للغة
السكاكين والسيوف. كانت
معركة قوية استمرت ليلة بكاملها تقريباً قبل ان تتدخل قوات الأمن.
الصينيون يتهمون المغاربة بالاستفزاز، فيما يبادلهم المغاربة بذات
الاتهام. لا أحد خسر ولا أحد
ربح في هذه المعركة. اليوم يتعايش الجميع وكأن شيئا لم يكن.
في الأزقة الضيقة لـ(لابا بييس) توجد الكثير من المتاجر التي يملكها
تجار شرقيون. محلات لبيع وشراء الأعمال الفنية. مطاعم مكروسكوبية
تحتوي على كل
أنواع الاكل في العالم. هنا سلع ذات قيمة كبيرة بمال قليل جدا.
السكان القدامى في (لابا بييس) تعودوا منذ مدة على التعايش مع هؤلاء
القادمين الجدد من كل أصقاع العالم. أغلب القادمين مهاجرون شباب
أغراهم السكن في
شقق بوسط العاصمة بثمن زهيد.
قاعدة هرم سكان (لابا بييس) يشكلها سكان تزيد أعمارهم عن الخامسة
والستين عاما. لكن السنوات الاخيرة بدأت تشهد تغيرا ملموسا في خارطة
السكان.
أعداد السكان الذين تراوح أعمارهم الثلاثين عاما بدأت تزداد، وهذا
يعني أن الحي يستقطب في كل يوم المزيد من المهاجرين الشباب.
ليس خليط الأعمار والاجناس فقط هنا في (لابا بييس)، بل ثمة خليط
المهن أيضا. الممثل الإسباني الباسكي (إينياكي فونت)، 24 عاما، جاء
إلى العاصمة مدريد
قبل خمس سنوات وانتهى به الطواف إلى اقتسام شقة مع سبعة من زملائه في
(لابا بييس). يقول، إنه يحس بأنه يعيش في مكان حي.
الكاتبة (ياسمين رضا) في أواسط العشرينيات من عمرها، جاءت قبل سنتين
من العاصمة الأرجنتينية (بوينوس آيرس)، واستقرت في البداية في فندق
بسيط، ثم
طافت على عدد من منازل المعارف والأصدقاء في العاصمة قبل أن ينتهي
بها الطواف إلى هذا الحي الغرائبي في شقة صغيرة مقابل 300 أورو في
الشهر. (أنا
كسولة) تقول ياسمين، وتضيف (هذا الحي يسمح لكسلاء مثلي بالعيش داخله،
لا معنى للقلق والعجلة هنا).
توجد في الحي حوالي 12 ألف شقة، نصفها لا تزيد مساحتها عن خمسين مترا
مربعا. شقة واحدة من بين خمسة تفتقر لحمام. وواحدة من بين ثلاث شقق
لا يسكنها
أحد. في سنة 2001 كانت 71 بالمائة من شقق (لابا بييس) في وضع عادي أو
سيء ورديء.
(جوردي كلارامونتي)، واحد من هؤلاء الشباب الذين اختاروا المقام في
(لابا بييس). جاء جوردي، 33 عاماً، من بلنسية شرق إسبانيا. يجمع هذا
الشاب بين
مهنتين، أو صفتين غريبتين، إنه فيلسوف وكهربائي. حين وصل أول الأمر
إلى هذا الميناء البري اعتقد أنه رآه قبل ذلك. لكنه في الحقيقة لم
يره، ربما كان فقط
مشتاقا إلى رؤيته.
منذ سنة 1996 تحاول سلطات العاصمة الإسبانية مدريد إعادة هيكلة هذا
الحي بدعوى تدهور العديد من مرافقه، وخصصت لذلك مبلغ 150 مليون أورو.
من بين
اهداف هذا المشروع تحسين الفضاءات العمومية ومنح مساعدات لأصحاب
الشقق القديمة والمتداعية من أجل إصلاحها وبناء مراكز ترفيه وأنشطة
مثل مسرح (
أولمبيا) وخلق سيرك في مقر لشركة قديمة ورفع مستوى العيش داخله.
يبدو مشروعا طموحا لسلطات العاصمة، لكنه ليس كذلك بالنسبة لأغلبية
السكان. فحين سيتم إدخال كل هذه الإصلاحات على الحي، فمعنى ذلك أنه
سيتحول من حي
يقبل الجميع إلى حي غالي الثمن، وبالتالي سيهجره أغلب ساكنيه بحثا عن
منطقة أرخص. هذا ما حدث في حي (ويليامز بورغ) في مدينة نيويورك
الأميركية، أو
في (بريكستون) في العاصمة الإنجليزية لندن.
المهندس الشاب (إدواردو غوتييريث) يتهم السلطات الإسبانية بمحاولة
محو الصلات الاجتماعية بين سكان (لابا بييس) وإفراغهم من المكان
تدريجيا عبر مشروع
إعادة الهيكلة. (ما تقوم به السلطات ليس من أجل السكان، إنها تحاول
أن تجعل المكان خاصاً بالسياح والزوار فقط، أما نحن فلن يعود
بإمكاننا البقاء هنا بعد إعادة
هيكلة الحي. ستنشأ مرافق جديدة ومطاعم غالية لن يستطيع السكان
التلاؤم معها. مشروع إعادة الهيكلة مشروع سياسي هدفه فسخ الروابط بين
سكان الحي لأن ذلك
في مصلحة السلطات ـ يقول إدواردو ـ.
من أجل تقوية الروابط الاجتماعية في (لابا بييس) تأسست سنة 1997
(شبكة لابا بييس) التي ينتسب إليها (إدواردو). نشأت هذه الشبكة من
خلال اجتماع
عام لجمعيات سكان الحي المتشكلة من إسبان ومهاجرين. إنها شبكة يمكن
أن تناقش فيها كل مشاكل السكان ورغباتهم، بدءا بتعلم اللغة
الإسبانية، وانتهاء بمناهضة
الحرب.
تدهور حالة الشقق والفضاء العام يأتي في المرتبة الثانية من حيث
مشاغل سكان (لابا بييس). ثمة أمر يقلق السكان الآن، هو تدهور الأمن
في المنطقة.
الشرطة تقول إن الجرائم التي تحدث في مناطق أخرى أعلى مما يحدث في
(لابا بييس)، وأن أكثر من مائة شرطي مكلفون بحفظ الأمن في الحي، لكن
المشكلة حسب
الشرطة، هو إحساس الناس الداخلي بانعدام الأمن.
الكاتبة (ياسمين رضا) تعرضت يوما للسرقة، لكن النهاية كانت سعيدة.
(كانت ليلة رأس السنة وكنت عائدة من احتفال عند صديق. أوقفني شخص
وطلب مني
سيجارة ثم خطف مني حقيبة يدي. تبعته وقلت له إنه لا يوجد شيء في
الحقيبة. بعد ذلك استدار نحوي وسلمني الحقيبة).. تحكي ياسمين.
هناك حكايات بنهايات سعيدة، وأخرى بنهايات سيئة. لكن في كل زاوية من
هذه الشوارع والأزقة يوجد كم هائل من الحكايات.
المخرجة السينمائية (إيثيار بويايين) لها رؤية أخرى للوضع: (هذا
المكان حي جدا وشديد الحيوية. كل واحد منا هنا ابن أمه وأبيه، لكننا
نحس بيننا بعاطفة
تضامن قوية جداً).
|
هكذا تحدثوا عن ليلة عرسهم!!
|
|
ليلة
الزفاف، لحظة فاصلة في حياة اي فتاة، في البدء تعيش عمرها تحلم بهذه
الليلة وتتخيل فارسها الذي اعتاد امتطاء حصانه الابيض المشابه للون
ثوب الزفاف، ربما ان البياض يمتزج بالسواد حينما يكون الفارس مجرد
رجل لا يحرك المشاعر الكامنة في دواخلها، وربما يتسلل الحزن الى
اعماقها حينما يكون (فارسها) الوسيم لا يجيد فن دغدغة أحاسيس الانثى،
وبين هذا وذاك، تحتل الرهبة صدر الفتاة في ليلة الزفاف، مواقف كثيرة
تحملها الليلة الاولى بين العروسين، بعضها لا يخلو من الطرافة،
والغرابة والجزء الاكبر من أحداث تلك الليلة يظل حبيس الصدور فهو
يعتبر من الاسرار الزوجية التي لا يحق لأي شخص الاطلاع عليها.
منى تتذكر ليلة عمرها فتقول: (الخوف من المجهول، كانت سمة تلك
الليلة، صديقاتي حاولن ان يخففن علي، واكدن لي ان هذه هي سنة الحياة،
وكل فتاة يجب ان تمر عليها هذه الليلة، وهناك امور مبالغ فيها، وهي
غير حقيقية، وبعض الفتيات ينسجن حكايات من وحي خيالهن) وعن نفسها
وكيف استقبلت ليلتها تقول أيضاً: (منذ صباح تلك الليلة، وانا اراقب
عقارب الساعة، وكل دقيقة تمر، اشعر انها تقربني من اللحظة الحاسمة،
فقدت سيطرتي على نفسي، وانتابتني رعشة شديدة، لدرجة انني لم اقدر على
الكلام، واستسلمت لقدري، وتذكرت ان هذه الليلة امر طبيعي يجب ان
تعيشه كل فتاة).
أما أحمد فيقول: (القلق الذي يساور العروسين في ليلة الزفاف، مرده
التراكمات النفسية والاجتماعية، فهناك من خيل له ان ليلة العمر عبارة
عن معركة لا بد ان ينتصر فيها احد الطرفين على الآخر كي يتمكن من
تحقيق الفوز الدائم، الذي لا يتحقق ان لم تكن الهيمنة تنبع من تلك
الليلة، ولا اظن ان هذا يستحق كل هذه المعاناة، فلو عرف كل منهما ان
هذه الليلة للتعارف والتغلب على الحالة النفسية التي تستبد بهما، لما
سيطرت الرهبة على تصرفاتهما، ولما اعتبرا ليلتهما التي لا تعوض اشبه
بمعركة، الغاية منها فرض السيطرة والتحكم) ويمضي: (الرهبة من الفشل
من اهم الاسباب التي تؤدي الى الانفعال فحسب العرف السائد ان الرجل
يجب ان يثبت قدرته في تلك الليلة فهناك من يتربص به صباحا، ليلقي هذا
السؤال في وجهه، ومن اجل التخلص من هذا الحرج، يقضي ليلته متوتراً،
ويمني نفسه بتحقيق الانتصار الذي يمنحه الثقة للرد على المتطفلين).
فاطمة ترى (ان الجهل، حتما سيقود الى الارتباك والقلق والخوف
والبكاء، وعن نفسي كنت في غاية القلق خصوصا وإنني اعرف ان هذه الليلة
هي ليلة فاصلة وحاسمة وعلى اساسها تتبلور الحياة الزوجية وجهة نظري
ان الرجل هو سيد الموقف، في ليلة الزفاف، فبإمكانه ان يحول الليلة
الى حلم وردي، وفي المقابل يجعل منها كابوسا مزعجا، فإذا تعامل برفق
وديبلوماسية تزول كل علامات الخجل، واذا لم يحسن التصرف فلن تمر
الليلة بسلام).
أما شيماء فتقول: (قبل ليلة الزفاف، كنت منهمكة في التحضير، ولم يكن
لدي متسع من الوقت لترتيب نفسي، والكثير من الامور التي يجب تجهيزها،
اجلتها الى بعد حفل الزفاف، واكثر ما كان يشغلني هو الظهور بمظهر
جميل، وبالفعل كنت متخوفة، لكن الامور سارت والحمد لله على ما يرام،
وجاءت وفق هواي وتخطيطي ولا ريب ان هذه الليلة تنتظرها كل فتاة بفارغ
الصبر فلذلك تحرص على ان تظهر بالشكل اللائق).
أما محمد فقد تعامل برومانسية مع ليلة عمره: (لم اكن متخوفاً، وكل ما
سمعته عن هذه الليلة غير صحيح البتة، فلم اشعر بالارتباك، ولم
يساورني الخوف، ولم يتصبب العرق من جبيني، هي ليلة مختلفة، لا ريب في
ذلك، ولكنها مزدانة بالفرح، ومغمسة بالسعادة خصوصا انني تزوجت من
انسانة اخترتها بنفسي، وسعيت من اجل الارتباط بها).
لكن سعاد تقول: (انها ليلة لن تتكرر، فبكل تأكيد ان الفتاة تبذل كل
ما في وسعها من اجل ان تظهر بأبهى صورة، والشعور لدى كل فتاة يختلف
عن الاخرى.
لكن ناصر قد سرح كثيرا قبل الرد: (ربما ان الضغط النفسي الذي يصاحب
تلك الليلة يؤثر بشكل سلبي على معنويات العروسين، فحسب التقاليد
البدوية التي ننتمي اليها يجب ان يثبت الزوج رجولته منذ الليلة
الاولى، فهناك طابور من (الفضوليين) ينتظرون ليعرفوا احداث ليلة
زفافه، ومما يدعو الى الدهشة ان الغالبية لا يكتفون بالحد الادنى،
وانما يريدون معلومات تفصيلية ودقيقة لدرجة انني خجلت من الاسئلة
التي طرحها على احد اصدقائي المقربين فقد تمادى في استجوابي، ولم
يترك صغيرة ولا كبيرة، إلا واستفسر عنها)، ويضيف ناصر (كنت متوتراً،
ولكن كل شيء ـ الحمد لله ـ قد جاء كما ينبغي).
دعا عمر وهو (اختصاصي اجتماعي) الى (ضرورة اخضاع الزوجين الى محاضرات
خاصة تتعلق بأمور الزواج، ويكون ذلك قبل الزواج، كي نتفادى جهل
العروسين بعدم فهم طبيعة الزواج، ولا ريب ان هذا الجهل يولد نوعا من
التنافر، الذي يؤدي في الغالب الى الانفصال) وينصح عمر بـ (رفع سن
الزواج لدى الطرفين، وذلك لضمان استيعابهما العقلي لهذه العلاقة،
التي يجب ان تقوم على التفاهم والانسجام، المحزن ان هناك اشخاصاً
تسدى اليهم النصائح، ومع ذلك لا يعيرونها اهتماما، ويتصرفون وفق
الاهواء الشخصية، وفي المقابل هناك اشخاص ينفذون النصائح بحذافيرها،
ويعتمدون بشكل كلي على تجارب الآخرين، ولا يخرجون عن الاطر التي قدمت
اليهم حتى ولو استجدت في ليلتهم امور)..
وأخيراً فإن أهل الطب يقولون على لسان الدكتور عبد اللطيف: إن
الضرورة تقتضي بإجراء الزوجين لفحص شامل يشمل الكثير من الفحوصات
المختبرية للتأكد من عدم وجود عوائق صحية أو تشوهات أو ضعف يعيق
الزواج..
|
|
|
|
|
|
|