اتجاهات ثقافية

البرصان والعرجان والعميان والحولان/ في مرآة الجاحظ..!
هذا كتاب غير معروف للجاحظ وان كان يستحق أن يوضع في نفس مكانة كتب الجاحظ الأخرى الشهيرة: الحيوان، البيان والتبيين والبخلاء، وربما فاق بعضها أهمية.
اسم الكتاب (البرصان والعرجان والعميان والحولان) لا يخلو من طرافة ودهشة، كتبه أبو عثمان عمرو بن بحر بن محبوب الجاحظ، وبقي عدة قرون في غياهب الغيب حتى حققه الدكتور محمد مرسي الخولي وصدرت طبعته الأولى عام 1972م.

وقصة تحقيقه للكتاب ذكرها الدكتور الخولي بتوسع، مشيرا إلى ورود ذكر لهذا الكتاب النادر لدى العديد من (مؤرخي) الأدب العربي مثل ابن المعتز وابن حجر.
ووجدت نسخة من مخطوطة هذا الكتاب النادر الطريف في الزاوية العياشية في (بزو) بالمغرب بين (تادلة) و(السراغنة) جنوب شرق الدار البيضاء.
وتضم المخطوطة بالإضافة إلى كتابنا هذا كتاب آخر لكن مسؤول المكتبة في (بزو) لم يسمح إلا بتصوير نسخة عن مخطوطة هذا الكتاب فقط.
ووصلت تلك النسخة إلى معهد المخطوطات بالجامعة العربية عام (1959م) عندما زار الدكتور صلاح الدين المنجد مدير المعهد آنذاك المغرب وزار (بزو) وحصل على نسخة من المخطوطة، وكان ذلك العام بدء التحاق الدكتور مرسي بالمعهد، حتى تسنت الفرصة للدكتور مرسي أن يحققها عام 1969م كرسالة دكتوراه، معتمدا على مخطوطة واحدة، وهو أمر غير شائع في عالم تحقيق المخطوطات.
وشرح الدكتور مرسي موقفه بتحقيقه الكتاب اعتمادا على مخطوطة واحدة، مشيرا إلى أن كتب التراث ذات النسخة الواحدة ليست قليلة، وكثير منها من كتب القرون الثلاثة الأولى، وإن هذه الكتب متناثرة في الزوايا السحيقة بقرى الوطن العربي، ولو لم تنشر فماذا سيكون مصيرها؟؟
تكأة الهيثم بن عدي
وواضح أن الجاحظ كان يعد لتأليف هذا الكتاب من مخزونه، ربما ليس بالشكل الذي بين أيدينا، ولكن (كتابا) للهيثم بن عدي، وهو مؤرخ عالم بالأدب والأنساب، عن أصحاب (العاهات)، اتخذه الجاحظ (تكأة) ليضع كتابه هذا.
ومن الغريب أن (كتاب) الهيثم، الملحق بكتاب الجاحظ هو عبارة عن بضع صفحات يورد فيه أسماء أعلام وأشراف العرب أصحاب العاهات، ومن الصعب وصفه بالكتاب، ولكن ربما ما وصلنا هو جزء يسير منه.
ويعلق الدكتور مرسي على ذلك (بعض الناس يقولون: إن قصد الهيثم من كتابه هذا كان الحط من أقدار هؤلاء الأشراف والتهوين من أمرهم بذكر مثالبهم، أما الدافع له على ذلك فهو ما كان يلقاه من حط لشأنه هو لأنه كان مغموز النسب دعي الأصل، وذلك ما صرح به أبو نواس في قوله:
إذا نسبت عديا في بني ثعل فقدم الدال قبل العين في النسب)
موضوعية..!
ولكن الجاحظ في كتابه الرائع هذا يوضح ما يراه الطريقة الصحيحة التي يقبل بها الأمور بصرف النظر عما يقال عن الدافع إليها، وهو ما يمكن أن نسميه، بمفاهيم وقتنا (النظرة الموضوعية)..أو إن شئتم (المنهج العلمي)..!
ويمكن أن نستخلص من مقدمته للكتاب أن الذين أصيبوا بعاهات تعالوا عليها فلم تعقهم عن أن يصبحوا ما اصبحوا عليه: قادة وعلماء وأدباء وشعراء، وان هؤلاء قالوا أشعارا كثيرة تعبر عن واقعهم، جمعه وسجله الجاحظ ليكون تعبيرا صادقا عن نفوس مرهفة حساسة..!
يبدأ الجاحظ كتابه بالأسلوب الأثير إليه بمخاطبة شخص ما، ربما يكون طلب منه ردا على أمر ما كما في هذا الكتاب (رد على الهيثم بن عدي) أو للقارئ المجرد بشكل عام يريد أن يشركه في الموضوع مباشرة، ولا يجعله متلقيا أصما، فيقول /وهب الله لك حسن الاستماع، واشعر قلبك حب التثبت، وجعل احسن الأمور في عينيك، وأحلاها في صدرك، وأبقاها أثرا عليك في دينك ودنياك علما تفيده وضالا ترشده، وبابا من الخير تفتحه، وأعاذك من التكلف، وعصمك من التلون، وبغض إليك اللجاج، وكره إليك الاستبداد، ونزهك عن الفضول، وعرفك سوء عاقبة المراء/
ويضمن الجاحظ (شيخ العربية) ورائد (الأدب الواقعي) العربي كتابه تضمينات شعرية وأدبية لا حصر لها ويربط بين الأحداث بشكل جدلي مدهش ، يليق بمفكر معتزلي كبير مثله، يتخلله ترجمات (للبرصان والعرجان والعميان والحولان) وغيرهم.
أبو سفيان الأعور وأبو جهل الأحول..!
وسيدهش القراء عندما يعلم أن أبطاله يتصفون بتلك الصفات ليس لكونها عيبا أو تنتقص من أقدار أصحابها ولكنه ربما لم يخطر على بالهم أن يكونوا كذلك.
وربما يأخذ صناع المسلسلات والأفلام التاريخية كتاب الجاحظ على محمل الجد حين يقدمون على إنتاج مسلسلات تظهر بها تلك الشخصيات وأخرها المسلسل الذي تناول حياة عمرو بن العاص مثلا والذي صنفه الهيثم بن عدي في خانة (الفقم) مع كل من: يزيد بن عبد الملك، وعمرو بن الزبير.
وأيضا يمكن الإشارة بشكل سريع إلى أعلام نتخيلهم دائما بغير هيئتهم الحقيقية:
*العميان: عبد المطلب بن هاشم، العباس بن عبد المطلب، الحكم بن أبي العاص، حسان بن ثابت، عبد الله بن العباس، وغيرهم
*العور: أبو سفيان بن حرب: ذهبت عينه يوم الطائف.
*عتبة بن أبي سفيان: ذهبت عينه يوم الجمل.
*الأشعث بن قيس: ذهبت عينه يوم اليرموك.
وغيرهم من أشراف العرب وأعلامهم.
*الحولان: أبو جهل بن هاشم، عمرو ابن عتبة بن أبي سفيان، أبان بن عثمان بن عفان، أبو بكر بن أبي موسى الاشعري، هشام بن عبد الملك، زياد بن أبيه...وغيرهم..!
..وغيرهم..!
ولا يقتصر حديث الجاحظ (عن البرصان والعرجان والعميان والحولان) فقط ولا اعرف لماذا وضع هذا العنوان لكتابه أو وضعه غيره، فهو لا يشي بمضمونه، فالجاحظ (يعالج) في كتابه أصحاب صفات أخرى غريبة عجيبة قد لا تخطر على بال أحد.
ومثال ذلك حديثه عن (من قتلت الصواعق والرياح) ويقول الجاحظ إن /الصاعقة تقتل بشدة الصوت كما تحرق بالنار التي فيها/.
وحديثه عن (الحدب) و(الوقص) وهي جمع (اوقص) أي قصير العنق، وخصص بابا عنونه (ما يحضرنا في اللقوة وما شابه ذلك) واللقوة داء يعوج منه الوجه، واخر للمفاليج واشهر المفاليج حسب الجاحظ النبي إدريس وعلق على ذلك بالقول (ورووا أن الفالج من أمراض الأنبياء، ولا اعرف إسناد هذين القولين، وهذا يحتاج فيه إلى الرواية عن الثقات...)
ويمضي الجاحظ في هذا الحديث من زاوية نظر (عقلانية علمية تمحيصية) كانت سمة لكتابه.
ويخصص بابا ل (ما جاء في شبيه الأعضاء المرغوب عنها من أعضاء الذئاب والكلاب وغير ذلك) وهو باب جميل وعميق ومن الصعب وصفه بكلمات.
ويتماهى في هذا الباب مع كتابه الحيوان ومما يذكره /ومن أعاجيب الدنيا شم الفرس لريح الحجر (أنثى الخيل) وبينها عدة دور، وشم النملة لما لا رائحة له عند الناس، والسباع توصف بجودة الشم، وفي الناس الاخشم المصمت الذي لا يجد رائحة البتة، وإذا كان كذلك لم يجد طعما البتة/
ويقول /أهل البدو أجود شما والطف حسا من غيرهم، وأولادهم أجود شما منهم/.
ويعقد مقارنات جميلة في (باب القول في الرؤوس صغارها وكبارها)، ومن صغار الرؤوس يذكر الجاحظ هشام بن عبد الملك الذي حين (مدحه) الفرزدق قال:
وقبلت رأسا لم يكن راس سيد وكفا ككف الكلب بل هي أحقر
فأعطاه هشام بن عبد الملك خمس مائة درهم فقط..!
وكما أصبحنا نعرف الان فان هشاما من (الحولان) أيضا..!
وهناك باب عن (ما قالوا في الأعناق في الصنفين جميعا من الرجال والنساء) ومن الطبيعي أن يضمنه ارق ما قاله الشعر العربي القديم.
واخر عن (القول في الأيمن والأعسر والأضبط وفي كل اعسر يسر)
وينتقل للحديث عن (الصلع والقرع) وما بنيهما مثل (الجلحان) والجلح هو انحسار الشعر عن جانبي الرأس..! وكذلك (القزعان) والقزع هو سقوط بعض الشعر وبقاء الآخر متفرقا..!
ويقول الجاحظ في نهاية هذا الباب عبارة لها مغزى /وليس اشد على الرجال واشنع عندهم في عقوبة السلطان من حلق الرؤوس واللحى/.
وهي عقوبة ما يزال يمارسها جيش الاحتلال الإسرائيلي ضد الأسرى الفلسطينيين في مراكز الاعتقال ومارستها أجهزة السلطة الفلسطينية عندما كانت تمارس الاعتقال السياسي، وكذلك تمارس في مراكز توقيف تابعة لأجهزة مخابرات عربية، وربما أن المأثور الشعبي الذي ما زال يتردد على الأقل في بر الشام (حلقوه له على الناشف)..!، يعود، على الأقل إلى زمان الجاحظ...!
هل التاريخ ثابت في هذا الشرق لا يتغير..؟؟!!
 
عن القتل باسم الله...قالوا

عادل حزين

يقتل العراقيون -ضحايا الأمس القريب- مواطنيهم، إما لأنهم على غير دين الاسلام (مسيحيون يبيعون الخمر أو غير متحجبات) أو لأنهم أكراد، أو لأنهم شرطة، أو إعمالا لأحكام التترس العجيبة الخ...تعددت الأسباب والقتل واحد.
هل من المعقول أن ديناً ما يدعو للقتل؟؟؟ إن ما يدعو للقتل بغير حق، وكل من يلبس ذلك الحق بثوب الباطل هو يدين بدين زائف زائف زائف.
أولئك الذين يعانقون الوهم باسم الذي
فيقـتـُلون ويـُقـتـَلون
حتى الملحد يحصل على بركة الله فلا تفخر بدينك
إنه يوقد في خشوع مصباح العقل ويقدم تمجيده
لا إلى الكتب ولكن لكل شئ طيب في الإنسان
إن الطائفي يلعن دينه
حين يقتل إنساناً من غير دينه
وهو لا يقوم السلوك على ضوء العقل
ويرفع في المعبد العلم الملطخ بالدماء
ويعبد الشيطان في صورة الإله
***
كل هذا الذي تم عبر الأحقاب والعصور
مخجل ووحشي قد وجد ملاذه في معابدكم
التي تحولت إلى سجون
لقد سمعت أصوات أبواق التدمير تبلغ الزمن بمكنستها الجارفة لتكنس كل المهملات
كل ما يحرر الإنسان يحولونه إلى قيود
وكل ما يوحده يحولونه إلى سيوف
وكل ما يحمل الحب من النبع الخالد يحولونه إلى سجون
يحاولون اجتياز النهر في سفينة مثقوبة
يا إلهي دمر الدين الزائف
وانقذ الأعمى
ولتهشم
ولتهشم المعبد الملطخ بالدماء
ودع هزيم الرعد ينفذ إلى سجن الدين الزائف
واحمل إلى هذه الأرض التعسة نور المعرفة
شاعر الهند الأعظم طاغور
نيويورك
 

عشتـــانــوســـترا

عزيز التميمي

لحظة فجر طائشة ، بؤرة وغور وانمحاء أكيد ، سياط الحر والضجر ووجه المتاهة يتصحّر وأنا أصلّي ، الفتى يسجد ويبتهل وكلانا لعاب وفم مشلوح الزغب ، خطوة ترسم حد ابتداء وابتداء من ساقية الصدر، من ملاسة راحة عارية ، ينبئ بالتواء يغيب في وهدة الصدر وربما الخاصرة ، استلقاء مخدر وثمة موجودات ، بوابة خشبية وصفائح بترول ، حرّاس مقنعون ببوسترات الطفولة المضطهدة ، فوق الجميع الهٌ غاضب ، سكوت يحبِّر شفاه السكوت ، والسكوت يطامن الخرس، في حُدبة الالتواء تنمحي امرأة من صلصال ، كائنة مخضرمة العصور .
* * *
* أغوص في بؤرتي ، العمق يضيق ويضيق ، أمارس الابتعاد ، الابتعاد هبوطاً ، من طمث الصمت أزوق برعم الحركة ، ولاحركة تلد فيّ ، لانغمة تدغدغ وهني ، فأترسب كالغرين ، ينبت الشوك والطحلب على ربوة ظهري ، أستكين ، اللاّئب في قاعي يحث عجفة يقظتي ، فـأظن العواء ، العواء يستبيح لابوحـي .
* * *
* تتشكل الأنثى ، تنسلخ ، تنثال رائحة عروقها ، تمد يدها ، وتدعك شفتها ، تطرف الريح نحافة رمشها ، النسوة بالذات يخربشن أثدائهن حين يلمحن عريها ، يجرفها ديدن الطرقات ، في النخاع ، تندرس شهوتها ، تعبر طيّات الغبش ، ينسحب وراءها الفتيان حفاة ، يطبعون بصمات سياحتهم أوراقاً صفر ، ببشرات معصورة ، يسكنون صوفية أفكارهم ، سامانات مراهقون ، متحذلقون ، متناقضون ، يشجون أحشاء الأسمر الطويل ويبذرون ، انفلاتهم جنوح وأسطر زحفهم فنون ، الكف والضلوع ، الصدر وشحمة الثدي ، ربلة الساق وانقصاف الوسط ، وواحدة تستحثهم في اللاّحدود ، من جليد مشاكس ، من جمرة باردة تتجاوز حز الصبر والحرج ، تفضض دكنة غورها ، حين تستلقي بين يديه يبجل الفتى طيف عرّافته والنبوءة .
* * *
* كنت في العمق ، من جديد ، من فجوتي أتابع استلقاءها ، ذلك الالتواء المخيف ، دهست راحتي ، طقطقت أسناني ، لمحت هوامش الرؤوس تقرض ذؤابات الريح ، الأرجل تقضم المسافات ، والإله الغاضب يتفلّت نتف أزيز يزرع الانكماش في جلود حرّاسه ، لم أكن لك ، من سماءين مختلفين ، عبس الفتى واغترف الريح بنفاذ صبر، كن وتكوّن في فوّهة شارع أقرع مجذوم ، متهرّىء الأرصفة ، كلمة مغسولة باللاّيقين ، نشرت دفئها حوله فتوهم حنكتها ، جريٌ وجريٌ وانصهار أنفاس ، شك في تميعها ، طراوة عودها ، فجّر في رأسه أقنية معسولها ، واعتقد للحظة انه يحشد أثقاله وراء إنثيالات الضباب ، مسحت عرقه ، ابتسم ، جامل صرخته وسد خياشيمه ، موسم الدسم ولحم الأضحيات ، أنت خيوط من سراب ، قال وانقطع نفسه ، رؤوس أشجار التوت انحنت وأرخت هطولها ، الحرّ فجيعة ، مثل رحيل غامض ، أنت الوشم المهدد بالانقراض والانمحـاء ، بقايا حكاية ، أشلاء ظلمة تنوس في مسامات الجلد ، امرأة وكف تجرد قحط الأخاديد ، حيث ثورة الزبد ترمم التهالك ، ربما يتأرجح بين إحداثيات الحقيقة والوهم ، لم يستعذب فكاهتها ، مروق كالحلم ، تمرُّ المزحة باردة ، تغادر نقطة التبؤر ، تتناسى موسم النداء ، تمشي مشيتها ، قالوا عنها الكثير ، تصافح الرجال بحرارة ، تمارس الحب دون مقدمات ، تتوارى عن الأنظار ، تتكور في شرانق خاصة ، تشرب لبن العجول ، بخواء عينيها ترسم خرائط حاضرها ، تتقمص أدوارها ، تسمعه يعلن نفوره ، تسكن هجيرتها ، في ليلة يتنكر ماردها بزي عامل سكة حديد ، قاطع تذاكر أو مقص حركة، تغريه ، فيأوي إليها ، تؤثث له الحنين ، تمسرح له الضجر ، في الغبش تقيد أطرافه بضفيرتها وتغيب عنه .
* * *
* تزحف عشتانوسترا ، تحت بطانة جلدي ، تجوس امتدادات ضلوعي، تتأمل اتساع مداي ، فتلجم ثورها المجنح ، تتوغل في أجمات جسدي ، اختراق لفجوة الطين ، لينبوع الغموض ، تحاصر أسواري ، تبعثر تناسقات رياضي ، تشعرني بالرحيل ، بالانمحاء ، فأصحو ، أجد دموع السماء تسقي حرثي ، والغيوم ترابط كالخيول من حولي ، تهمس في سكوتي .. ( أنت ) ، أسمع فحيح الهمس ، أرفع رأسي ... ( أنتِ ) ، أيها العائد من حصون خصومك المتهدمة، تسيّد جواريك ليلة أخرى وعفِّر جلدك بترف السراري والغانيات ، يومك ترتيلة ختام سمفونية وجودك ، ساعاتك جرعات خدر زوالـك ، ذبولك ، صفقة جماجم السذج وقع بريدها قلم الرب الغاضب ، أتساءل عن هذا الإله أو هذا الرب ، الله ، أهو الله الحقيقي رب فرعون وموسى أم ربٌ وثني مخلوع مازال يمارس ربوبية فترته الانتقالية، فراشك أتلفه القمل ، أعرف معلومة سرية ، جلد مليكتي خدشته أنامل أخرى ، أقول خدشته ، وتقول بعد صراحتها، وقاحتها ، جلدي شربت دفأه أنامل هواي ، ميل قلبي ، ولم يعد أسير وحشيتك ، أعوي وأعوي وأضيع في العمق ، على الجدران أجد إعلانات موت أغاممنون ، شهيد مخدع الخداع ، تحتشد حوله صناديد طروادة الصرعى ، فأشرع ماشياً أتحاشى تقاطعات الأضوية المرورية . كانت كينونتها وانسربت في الانحدار ، انسلت إلى الغور ، إلى العتمة المتواشجة والهسيس ، إلى فضاءات الزرقة ورمد العيون ، ( مرّت من هنا ) ذكروها له ، قامة متلفعة بالسواد والسواد مائل للسمرة ، غروب زبد ودم ، وفوق الأغشية رماد، مرّت تخوض مرورها ، السمرة ملس ونعومة وشفرة برد ، الحواف أنطقة مغامريـن ، بقع ، رقط ، ويشماغ كهل عرسته الليالي ، براحتيها مسحت ضباب الإسفلت ، شرخت كثافة الدبق ، ذكروها ، فانتفض يطحن استلقاء الأسمر الطويل ، كتبوا له المبررات ، الإيضاحات ، لم تكن عادية ، الفتى يصد صدوده ، تلبس أوراق اليقطين ، تأكل حصى الشواطئ، تلد دون حيض ، سرطانات ، ضفادع ، سحالي ، تلد أشياءها وتغيب ، ذكروا له كل ذلك ، قالوا له : تحلب ثدييها أفواه ربوتات آلية ، دكة صدرها انحناءة رمل ، شيء عجيب ، ما يذكر يذكي فيه جذوة طموح ، كائنة مخضرمة ، طور التكوين ، سلالة الانقراض ، يجد الفتى في الجري ، تضيق به الدروب ، فيخترق عمقه والقرار . المشي عزاء آخر ، حكاية ركيكة السرد ، بالية على شواطئ لاوجود لها في جغرافيات التضاريس ، تتناول شعلة برومثيوس ، تلتقط تفاحة الدمار ، تفاحة وداع العري وتفاحة عزاء الأولمب ، المدللة تلحس أساورها ، فيتجلى الذهب ويتلألأ وجه هيلانة في غبشة البحر ، فأمشي ، أعتقد بتهشم الجدران الشتائية ، الوصيفة تطلق الأنوار ، تمهد لخطاي فألهج باسمها ، أجوب المتاهة ، أواسي جدب حقول جلدها ، أقاطع أشرعة الذاهبين إلى بحيرات الهلاك ، انهم نسيان وراء ظهورهم ، تركوها تعبث بقلوب خليلاتهم ، أبتهل ، علّ حدسي يقودني إليها ، القلاع والحصون ومزاغل الحرب ، مشاعل الحرس ، كلها تخدر لحظة النشوء ، فتمر خلسة من هناك ، أذكر وجهها الخلاسي إلى سيافي المرميدون ، الكل متفقون ، لاجواب ، الحراس مسحورون بحب إلههم الغاضب ، فأمشي ، كل الوقت أضرج قامات الأعمدة بتفاهات ذاكرتي وسيول تبولي . رؤوس تشج خاصرة أبي الهول ، الطاعون ، الطوفان ، أفواج الجراد والقراد والقمل تحصد مايزرعون ، أنامل الفتى تهرس حبات العرق ، أرق وغثيان ، بوابة سحر ، تزوق هيكل بنيانها ، نياشين ورحلة ابتعاد في حقل عوسج ، تموز الحائر يكفكف سيح دموعه ، في لهب الظهيرة يترك جسده للتآكل ، صهد الإسفلت ينهش قشوره ، من يزحف نحو من ؟ ، امرأة تُسكب في الفلاة ، في السكـون ، في السكوت ، زلال يشع نواته ، صفرته المنسوجة من خيوط الأنفاس الحارة ، تترك توابعها ، يحترق زغب جلدها ، تطير خصلات شعرها مع النسمة الملتفّة حول عنقها ، وتطير شتلات النظر ، يلوب تمّوز ، يداري هزاله ، مشيته ، صوت في القفا ، سحيق في الضلوع ، ذعر في المخيّلة ، يتوزع غيم الذاكرة نتف منهكة في منحنيات الهبوط ، كانت هنا ، خفض بصره ، بؤرة ملوثة برحيقها ، تكلم الشجر ، تكلّم المطر ، تكلمت أشياء كثيرة ، هنا ، هناك ، فوهات الأزقة أشارت عليه ، اهتزّت درفتا البوابة ، التحمت الخرسانة ومقاطع الفولاذ ، إنها هناك ، في الوهدة المنبسطة ، في المنحدر الشمعي ، تضاجع كتلة مرمرية ، ترتل دعاءها ، تحرر أسئلة منفاها ، في خضم حشد الشوك والملح ، تروح ، تجيء ، ترتجي يقظة أخيرة ، محاولة بائسة للرجوع ، تلتفت صوب الفتى تتأمل قامته وملامحه ، دون جدوى من سماع صدىً تنزلق خطوتها التالية .
* * *
* أفكار تضرب رأسي ، تلد في رأسي ، المطلوب مفروض أتلفه الإسهاب ، ضياع التنوين أفرغ محتوى جملة البدء من حماسة المكابـدة، ها أنا أقبل الانزلاق ببرود ، بجفاء لغوي مسلوق بالملل، انقرضت قطرات المورفين وتطهّر دمي من جديد ، عدت أشتهي المزيد ، أشتهي صيحات التكبيل وصور الغور والتلاشي ، أشم رائحة التراب ، أشم رائحتها وأشطب خيبتي ، لن تجدها ولن تفوز بليلتك المزعومة ، أهذي وأرتب هذياني ، حبل أفكاري ، أبتكر محاكاة مثالية، ربما أقتنع بهذا التأويل ، يشتعل في مخيلتي حلم الرغيف ، فأذكرها كما الرغيف وأغادر إجاباتي .
* * *
* تستقبلها ترانيم الترحاب ، أطفأت المشاعل وابتعد خميس الخيل والأشرعة، ستارة هيلانة تحبس نورها ، تسللْت إليها ، كانت تذكر تلك اللحظات ، وحين يعود تستقبله دعابات الخدم ، عاد المغوار لبؤرة موته ، أيها المسكين لم أتيت ؟ ، الدرب بوجهك تشاؤم ، لو تنتظره حتى يلفظ جملته البائسة ، منهم من قال سقته المدام ومنهم من قال نصل ساخن بأخدود ، تعددت الأقاويل وذاب خيط الحكاية في انسفاح المتاهة ، رأوها ، ريح الفجر تغسل درن حبلها السري ، تمشط تجاعيد صدرها ، سهم الاتجاه يتشظى ، يرى تموز الحلم واليقظة ، يسكن وجودها المرهق ، فيرتجف ، ملامح العجف ، خيط أسمر مدفون في ظلي ، التصقت بالجدار ، رممت فكرة الاقتناع ، يضيق العمق ويضيق ، ، أتحايل في إرساء نشوء بأسفل قيعاني ، شيء ما يحشد في الجوف ، أسمع مقولة تخدش حدسي ، أحدس، أتصدّع ، تخوم تصبرها شفرات ، يغمض الأصيل عيونه ، الإله الغاضب يحرك لحظتها ، رغبتها الطرية حين يداعب مفاتيح أنوثتها ، فأتدرّج في ولادة رقبتي . يندفع الفتى خارج أسواره ، يشهد مصرع ثورها المجنّح ، عزلاء تمر الغيوم في حضرة أرباب الأولمب ، يد ناعمة تجوس شفيف ظلمة عولس ، وأخرى تأكل ثألول جلد الكائنة المخضرمة ، تأزف لحظة التتويج ، من نقطة غور كنت أشيع أشلاء قامة البازلت ، سكرت بتسابيح الحسم ، لا مناص من السكوت .
* * *
* تواشيح ، تسابيح ، أرقام حاسوب تقصد الصفر ، تصطف رؤوس الحرس وعسس الظلمة ، هامات بركانية ، السنة تبلل شفاهها بالفضول ، وخزات بسملة وصحوة فجر ، تموز يلفظ دعاء الأرق ، على الجانبين تنهض أسوار المتاهة ، من حولها يضيق الاستلقاء ، ينطوي الالتواء ، يتدفق ، اختناق الأنفاس ، يشخب سكوت الجوف ، إعلان صمت ، انتفاء حركة ، وحدها تركل تصحر الممر ، تلتفت ، جدران بوجوه كالحة ، وراءها في البعيد ، قامة الفتى تضمحل ، الحراس أطفأوا الإنارة رُفعت أيد راعشة صوب السماء ، الخرس نخر هسيس الوجود.
* * *
* كنت عاشر عشرة أشهد ، يتقيؤني فم الزقاق ، صرّت البوابة، أمطر السكوت ضجر الإله ، تكبير متواصل ، تتماهى الهدنة ، ساعة القيلولة تسرد الحكاية بتأمل وخشوع ، تلفظ عشتانوسترا جملتها البكر فيبتسم الإله الغاضب .

قاص عراقي
عشتانوسترا : اسم امرأة مشتق من كلمات عشتار وفينوس وكليوباترا
 

ما قبل القيامة

غادة فؤاد السمان

لا أهاب القيامة
لكن هدوء الروح
مقلق كالجحيم
بكل اتّجاه عتمة مؤكّدة
ومعظم الوجوه التي
عرفتها
سقطت ملامحها في غمرة
النفاق



لا أهاب القيامة لكنني وشعبا
بأكمله
أمضيت دهرا حالكا
توهّج بالفجور
لم يكن الدويّ وحده
كفيلا بالنحيب
وليست الاْجساد
التي تناثرت
فداء دعابة
قهقه لها طويلا
مجلس الشيوخ
مدعاة للنواح



ولاحتّى الاْماكن التي تقطّعت
أوصالها والجسور
توجب النزيف

إنّما عينا طفلي
ذي الربيعين
وبضع السنابل
كانتا تسألاني بإلحاح شديد
حين ضممته إلى صدري
باحثة عن جدار أكثر صلابة
أواري به ماهدّمته الغارة
من أعصابي
وماردمه الحياد من بقيتي الباقية
كيف تستباح سماؤنا
هكذا أمّي
 

باسط بن حسن
التجربة الشعرية آخر أغنيات العشق التي نواجه بها هذا الخراب المعمم

من مواليد عام 1964 بحمام الغزاز/ تونس. صدرت له المجاميع الشعرية التالية: عطر واحد للموتى (دار توبقال للنشر بالمغرب عام 1987)، الصباح لا يبادلنا جواهره (منشورات مجلة انترسينيه - باريس- عام 1996)، أبعد من الحضيض (منشورات تبر الزمان في طبعة فاخرة مزينة برسوم لحفريات الفنان يوسف عبدلكي). وهو الآن رئيس تحرير المجلة العربية لحقوق الانسان، كما يشغل منصب مدير المعهد العربي لحقوق الانسان.
الجسد اللقيط: تساؤلات حول قصيدة النثر
حين ينفتح الجرح ويبلغ النص مداه، حين نفرش طرق مغامرتنا بدموع ألمنا ورعشة عشقنا فتزهو زهرة اللغة وتهبنا حقيقتها، يعود السؤال ملحا عن كُنه هذا السر الذي يرعاه الشعر ويديم غموضه، عن هذه الرغبة المحرقة في إعادة طرق باب الكلمات وطرح آلام أجسادنا على عتباتها.قد تكون التجربة الشعرية آخر أغنيات العشق التي نواجه بها هذا الخراب المعمم. نحمل ثمارها الى الأجساد الصدئة فتينع رغباتها. ندخل بها قبور واقعنا فتنتفض الحياة وتعلن الولادة.
إننا في بحث دائم عن القصيدة التي تحمل الينا يواقيت المعاني المتعددة وصرخات المتعة المتجددة. هذه القصيدة تقبع هنا والآن نقبض على روحها الأثيرية لوهلة ثم تنتفض من سجن لهفتنا لتواصل رحلة تغربها. ولكن للغة أوهامها التي يجب أن نسألها أحيانا حتى لا يغلب إغراء النص بحثنا عن متعة الحياة. إن قصيدة النثر تتجاوز الانجاز الأدبي المحض لتطرح علينا مشروعا أعظم هو رؤية جديدة للحياة واكتشاف لغة جديدة لجسد الفرد والمجموعة من خلال حركية حضارية أشمل وحوار قاس مع كنوز الإرث ومقدساته. إنها دعوة من خلال تجربة الكتابة الى الذهاب الى أجواء بدايات الشعر حيث تردد وارتباك وبساطة وحشية تنبئ بولادة الجديد المتجدد أبدا. إن الكتابة الشعرية قد ولدت في الغربة وهي منذورة لأن تواصل رحلة وحدتها بصبر وشجاعة.ومأساة الكتابة الجديدة في لغتنا انها تعيش غربتين، غربة خروجها عن الجذور وتعميتها للإرث بأدواته [اللغة] وغربة سياحتها في رحابة الوجود متعدد اللغات.
إننا نعيش أزمة حضارية هائلة علينا أن لا ننسى قسوتها المعششة في كامل زوايا الحياة، وأن نحاول بلوغ النص الذي لا يتوقف عند حدود الرعشة الجمالية العابرة أو بلاغة الصور المدهشة، بل يذهب بعيدا في أعماق الكائن، ويعيد بناء التجربة الانسانية والتواصل الحقّ. وإن خطورة التجربة الشعرية تكمن في قدرتها على رعاية سؤال الوجود في عملية هدم وبناء دائمة تهب الذات طاقة لاكتشاف أبعادها والتطهر من عبوديتها وفضح كذب الخطب والشعارات المحيقة بها.
إن ما يجعل من قصيدة النثر أسطورة مغلقة هو العجز الذي يغمرنا كلما هممنا بتتبع تفاصيل ولادتها الغائمة وهو نفس العجز الذي يحيق بنا في بحثنا داخل لغز الحداثة.
يردُّ الشاعر أدونيس بقوة في مقالة له بعنوان في قصيدة النثر على تلك الذهنية القديمة التي ترى في قصيدة النثر لقيطا مخيفا ومخلوقا مشوها لا يمكن أن يعيش.. وإذا تجاوزنا النظرة التبسيطية الى ثنائية القديم/ الجديد، فإننا سنقف على مفارقة رهيبة وهي إن قصيدة النثر هي فعلا جسد لقيط مخيف ومخلوق مشوه، وهي مثلها مثل كل منجزات الحداثة، نتاج تدمير قواعد النظرة القديمة الى العالم والانسان. فمن الكائن الكامل الذي تحكمه رؤية مركزية للعالم، انتقلنا الى الكائن المجزء المرتحل في عراء مصيره وقد هجرته الحقائق المطمئنة.
فمن التسمية ذاتها ينطلق الإشكال. إذ كيف لنا بفهم هذا الجسد اللقيط المشوه بدون تتبع جديد لشجرة نسبه ونحن نعلم ان هذه العملية صعبة ومحفوفة بالمخاطر ذلك ان البحث في شجرة نسب اللقيط اكتشاف للهاوية الاولى المعماة وتتبع للمجهول ولجميع الشروخ التي صاحبت الولادة؟ فأن نبحث عن النسب هو أن نفتح أعيننا على حقيقة الهاوية وعلى اللحظة التي فقد فيها المرجع الذي كان يشكل أساس تصوراتنا ويحكم ابداعاتنا. والحفر في النَّسب يتجاوز حدود الشعر ليذهب الى كينونتنا ووجودنا. فهو بحث في اللحظات التي عصفت بالقديم وأخرجت الحديث الحامل لتشوهات الولادة التي ستلازم المولود وتطبع مصيره. وسيعيش اللقيط على حلم الانتساب والبحث الأليم عن قوانين وجوده وشرعيته.
وما قصيدة النثر في حقيقتها إلا وجه من وجوه لقطاء آلام الحداثة وصرختهم المدوية لدى احتكاكهم بأسرارها. هؤلاء الذين لا يملكون سوى جرأة تجربتهم وتحررهم من المرجعيات في العراء المطلق. إن قصيدة النثر تعبير عن علاقتنا بالحداثة وطريقة تقبلنا لأسئلة الحداثة. فما عاشه الآخر كتجربة أصيلة واكتشاف للغة الحياة الجديدة، عشناه نحن في أغلب الأحيان تراكما لتجارب القول في نطاق الأدب. أما صرخاتنا الصادقة المعبرة عن ألم فَقْدِ الماضي، ورعب الحاضر، فهي سرعان ما تتخثر في قوالب القصيدة وفي الواقع المسخ الذي تتعطل فيه كل اللغات.
أبعد من الحضيض
[مقاطع]
[.........]
ر
م
ا
د
نورك
نعيمك
لحيتك
التي دغدغت
كوابيس الطفولة
صورتك الممنوعة
في
الخيال
صورتك
المترقرق
سمها
في
الخيال
أيها
الهذيان
العقل
الموت
الكامن
في
العواطف
والجمال
أيها الكلام
[.........]
الحقيقة
لا
تعمر
طويلا
يكفي أن تطل الخديعة
بأقنعتها
ينكمش الأبطال في ترددهم
ويهملون أساطيرهم
في المتاحف
وحدع الكذب
يعانق الأبد
يوزع على العالم
أدواره
الكذب الغازي
الزاحف في عراء الأرواح
الكذب المنتصر
يشيد جناته.
[.............]
الداخلون الى القرن الجديد
على عربات اليقين
ينكس الحزن راياتهم
آمالهم تجتر الضباب
والفراغ
ينهش رئاتهم
الذين يسحبون التاريخ
بلغاتهم العرجاء
ويطلعون من الخراب
بلا حياة
تتبعثر حكاياتهم في طلسمات
الجذور
[............]
أبي
حين أناديك
يا أبي
يطلع الي وجهك
ثقيلا
مرعبا
خذ روحك
انصرف
بعيدا
مع ديدانك التي تنخر
صفحتي
وذبابك الذي يلعق
شهد أيامي
أبي
حين أصرخ
يا
أبي
تخرج من غاباتك
ضباع وغيلان
وكائنات أخرى مشوهة
لا أعرفها
أفتح لها مسامي
الصدئة
وبقايا عظامي
تقبل جراحها جراحي
وتدخل..
[........]
أخرج من جحيمك
أجرّ جثتك
جثتك تلبسني
تتفتح أشواكها في جروحي
أيها الأب
حين أناديك
أرحني من حملك
يضيع النداء في الغبار الكلام.
[........]
ألفظ رحمتك
أغتسل بدموعي لأطفئ أسرارك
ألفظ زينتك
مساحيقك
أيها الخصاء الجليل
أتأمل عرائي. أفتح بديّ. ألملم الأصابع
المهشمة. أمططها. أتلذذ بقرقعة الغضاريف
المستفيقة. أرفع أصابعي نحو السماء. أمتلك
السماء. أتلمس وجهي. أعيد تشكيل صورته
غشاوات العمى أزيحها عن العينين. أكسر زجاجة
أنوارك وأمدّ للفراغ مداه. أصابعي النهمة،
أصابعي الحرة أطلقها تلاعب شعرات الصدر.
أغرز الأظافر في حلقة السرّة. أخرج حبل
المشيمة من كهوف ذكرياته وأضيعه في
الهواء.
أُبعد ما بين الفخذين. أقبض على الذّكر
ولؤلؤتيه المنطفأتين. تستفيق لغاته
وتنتصب في اتجاه الشهوات.
هذه رغبتي تعوي في وجهك
تلطخ عرشك
وتترقرق في جداول رقتك الآسنة.
[.........]
أرى البلاد
قفرا تموت فيها الشموس
مصاصو الدماء يرقصون
على أشلاء الأحلام والفكر المهجور
الحقد يرتل آياته
في المحاريب
والحروب القادمة، بأمجادها العفنة
تقرع النواقيس
لا شيء
يشبه
هذا
الانحدار
لا شيء
أبعد
من
هذا
الحضيض.
 

لوحة عباس سياحة روح صوفية في محراب الوطن

حوار: عبد الرافع محمد

لوحة الفنان العراقي عباس سلمان هي سياحة في محاريب قدسية تتألق فيها الروح وتتعانق خلالها قيم الأصالة والخلود، الأرض والوطن والمعبد والحرف كلها مفردات في لوحة عباس تأخذك إلى فضاءات رحبة في كون ناسك، في صوفية رائعة تجعل العين والقلب والنفس أيقونة واحدة ترتل آيات الخلود وحب الوطن والانتماء للتراث العراقي.
طرحنا هذه الأسئلة كمحاولة للتوقف عند لحظة الإبداع في حياة فنان..
حوار: عبد الرافع محمد
عندما تقف أمام لوحات سلمان عباس تشعر وكأنك داخل مكان تحوي مفرداته شخصية العراق.. ما رافدك في مفردات لوحتك وكيف توائم بين ما بداخلك من إرادة الإبداع وما في يدك من ريشة الفنان؟
هذا العمق الروحي في أعمالي وبهذا الحجم يأتي من خلال المخزون القديم والتواصل المستمر منذ النشأة الأولى في حياتي، منذ الطفولة وأنا مشغول بزيارة الأماكن والمزارات المقدسة المنتشرة في العراق، ما منح اللوحة عندي هذا الزخم الروحي والصوفي.
إذن نسأل مباشرة عن البعد الفني في اختيارك لمفردات اللوحة
أشرت من قبل إلى البعد الروحي وهناك الجوانب الفنية المتوفرة في الأماكن المقدسة والمزارات وكذلك الأماكن الآثارية والمعمارية هذا الثراء يجعل لحظة الإبداع تقفز إلى خاطر الفنان وما عليه إلا أن ينهل من هذا الكنز الهائل من المفردات والمشاهد الفنية.
فماذا عن الطبيعة التي نعرف أنك تعشقها؟
أقول صراحة إنه ليس للطبيعة بمفهومها التقليدي تأثير كبير في لوحتي، الذي يؤثر في لوحتي هو الفضاء والكون الرحب إضافة إلى الأثر المعماري والمزار المقدس.
خلال السباحة في مفردات إحدى لوحات سلمان عباس خطفت أبصارنا مرة واحدة الورقة المالية كيف تفسر ذلك؟
اللوحة عندي أحيانا تحمل طابعا ملحميا وتركيبيا أي أنها تتضمن كما من الموضوعات في لوحة واحدة، أما سؤالك عن الورقة المالية فهي جزئية من لوحة كبيرة تتضمن عشرات من الجزئيات والتفاصيل تبلغ أكثر من ثمانين مفردة، التعبيرات في اللوحة كثيرة ومختلفة مثلت فيها امرأة ضعفت أمام مفردات وماديات الحياة.
ولكن ما هذا التمازج بين الحرف والشكل في لوحتك؟
للشكل مفهوم أكاديمي عندي وله سطوته على لوحتي من الناحية المعمارية المستقرة والخط يعطي الشكل توازنا جميلا ويمنحه القدرة على الاستقرار، ومن ناحية المضمون هو يمنح اللوحة بعدا ومعنى إضافيا يغني ويثري العناصر التي تتكون منها، ما يجعلها لوحة حديثة متكاملة.
وهذا التمازج بين الأرض والروح وبين التراث الآشوري والإسلامي؟
فني ليس فنا دينيا وإن كانت بعض لوحاتي لها مظهر ديني لكن أعود وأقول إن لوحتي تراثية حديثة وتمثل كل العصور ولو كان هناك عصر أو تراث إلكتروني لضمنت لوحاتي شيئا منه وقد يأتي ذلك.
إذن ما مفهوم الالتزام في فن عباس سلمان؟
الالتزام حالة مبدئية تترجم بمفاهيم وطرق متعددة سواء في الأدب والسياسة والاقتصاد، وكذلك الفن كحالة حضارية، وبمجرد وقوفك أمام لوحتي والتركيز عليها تجدها فعلا حالة من حالات الالتزام بالإنسان وتراثه بل وكل تركاته الإنسانية.
تجربتك مع الحصار وإحساسك كفنان وكإنسان عراقي وهل كان له تاثير في أعمالك؟
الحصار كان عند الإنسان العراقي حالة مؤلمة وغير منصفة سببت له الأذي الذي ستستمر آثاره طويلا على كل العراقيين ومنهم الفنانون التشكيليون، ورغم الهجرة بأعداد كبيرة بقي الفنان التشكيلي رغم شحة الموارد ونفاد أدواته بقي بإبداعه.
أخيرا.. ما رؤيتك لمستقبل الفن التشكيلي العراقي باعتبارك أستاذا أكاديميا تخرجت عليه أجيال من الفنانين العراقيين؟
للفن في العراق تاريخ طويل وجذور عميقة وكان له في الواقع الإداري الرسمي والشعبي موقع مهم، ولا يمكن أن يهمش بسهولة، لأن هناك روافد حية ومستمرة تمده بأسباب البقاء، منها معاهد وأكاديميات، إضافة إلى جمعية الفنانين وفروعها في المحافظات ونقابة الفنانين وفروعها وغير ذلك، توجد قاعدة عريضة لهذا القطاع، والأهم أن هناك فهما صحيحا لدور الفن في الحياة الحديثة بالعراق، وبمجرد عودة الحياة الطبيعية سيقف العراق من جديد ليؤدي دوره الإنساني والحضاري، وسيعود ساحة للفعاليات الفنية والبيناليات والمهرجانات التشكيلية إن شاء الله
 

شذوذ وخوارق!!

هالة جديد

الإجماع على إعدام العرافة أورسولا ـ سوثيل فوق الخازوق، كان مطلباً عادلاً إبان القرون الوسطى، فكل من يمارس السحر والشعوذة والادعاء بمعرفة الغيب يلقى هذا المصير.
لقد أثارت أورسولا حفيظة سكان قريتها، وحركت هياج الرهبان في أديرتهم، بينما كبير الأساقفة يصفها بامرأة ملعونة تقمصتها الأرواح الشريرة. لكن رغم اتفاق الآراء على قتلها، أحجم الجميع عن تنفيذ الحكم، بعد أن أدبت الذعر في الصدور وهي تطلق تهديدها: (من يمس قلامة ظفري لن يسطع عليه صباح الغد، وسوف يلقى حتفه قبل صياح الديك!).
وهكذا كُتب لها العمر المديد حسب ولادتها عام 1488، ثم وفاتها عن عمر ناهز السبعين.
مسرح الحدث ينقلنا إلى قرية نائية، ملحقة بمقاطعة يوركشير البريطانية، حيث البساتين الغناء التي يؤمها المزارعون مع مطلع الفجر، وإذ سمع أحدهم بكاء متقطعاً ينبعث كمواء القطط، تسارعت خطواته بحثاً عن مصدر الصوت، ليقع نظره على مهد من القش بداخله مولودة لم يقوَ على تركها ضحية للبرد القارص، أو لقمة سائغة تنهشها الذئاب.
حمل المزارع الطفلة إلى منزله، وبموافقة زوجته ضمها إلى أسرته، يمنحها لقب كنيته، كي لا يشار إليها يا للقيطة، ليصبح نداءها أورسولا ـ سوثيل.
مع قصتها التي تستدعي العجب هناك أمر آخر يثير الدهشة بمجرد النظر إلى وجه يماثل قبح الضفدع، وحركة لا تفتر وهي تتخبط بقماطها، كجرذ يحاول الإفلات من مخالب هرٍ.
الطفلة البائسة فاق نموها الحد الطبيعي، وقبل أن تصل إلى طور المراهقة قفز طولها إلى العملقة، وبدانتها المفرطة توضعت كتلاً لحمية مترهلة، وما زاد حالتها تفاقماً حدبة قوست قامتها. من شناعة أورسولا استمد مؤلفو الأساطير وحكايات الأطفال نموذجاً مرعباً، انطلاقاً من الصورة والمضمون. وبالوصول إلى عصرنا الحديث بقيت تشد منتجي برامج الأطفال الكرتونية، باستعارة هيئتها للقيام بالأدوار الشريرة!.
لكن اللافت في أمرها مقدرة تبصر خارقة تبلورت مع بلوغها سن العشرين، مما أمدها بسلاح الدفاع عن النفس وهي المنبوذة المستضعفة. كانت أورسولا تتنبأت بكل ما سيحدث في بلدتها، تعطي تواريخ دقيقة لموت شخصيات مرموقة، ومع هبوط الليل يقصدها العشاق الخائبون، لتزودهم بتعاويذ تجلب الحظ السعيد، كما لم يخلو مجلسها من الذين يودون معرفة أصدقائهم من أعدائهم. وإذ بالقرية الهادئة تنقلب إلى ساحة عمت فيها النزاعات بعد أن تحولت إلى محطة للغرباء اللاهثين وراء قراءة طالعهم.
بلقب الساحرة الملعونة ساد وصفها، وبينما المواطن (ثوبي) يترأس مسيرة تنادي بإعدامها استفاق الجوار على خبر زفافه من أورسولا. أما كيف أصبح طوع بنانها وهو أكثر من ناصبها العداء، فيخرج جوابها باستخفاف: (لم العجب أيها القوم الضعفاء من قوة امرأة تمسك بزمام الأمور تحول المستحيل إلى هدف سهل المنال).
قضية أورسولا وصلت إلى بلاط الملكة إليزابيث الأولى، لتمثل بين يدي جلالتها. هذه الزيارة أخذت مظهراً يختلف عن باطنها. لغاية في نفس الملكة، قامت باحتجازها في مكتبة القصر، وبعد خلوة امتدت لأيام معدودة تركت العرافة كتيباً وما سطرته بخط يدها من توقعات وتنبؤات بقي طي الكتمان، إلى جوار أثمن المخطوطات الملكية.
عودة أورسولا إلى منزلها حملت الجانب المعلن، والقرية تتنفس الصعداء بخلاصها من شرور ساحرة لم يردعها سوى أوامر الملكة المعظمة.
مع مرور الزمن كُشف النقاب عن فحوى ما أودعته عرافة القرون الوسطى بحوذة إليزابيث الأولى، وهي تنبؤات تناولت ما سيقع في الحاضر القريب والمستقبل البعيد.
حريق لندن المروع ورد في كتيب أورسولا كما حددته عام 1666. الفتنة الأهلية في بريطانيا حصلت بمثل ما وصفته من ضراوة، لقد بلغت حدة استبصارها إلى غيبيات القرن العشرين، لنجد ما ذكرته بشأن اندلاع حربين عالميتين أشارت إلى تاريخ نشوبهما.
بعيداً عن الكوارث والطامات الكبرى تنبأت بتفجر مادة خام من باطن الأرض ستكون عصب الحياة وقصدها يفسره تدفق النفط ثمة نبوءة لم تصدق بها عرافة القرون الوسطى عندما دونت فناء المعمورة عام 1985.
 


للإتصال بالإتجاه الآخر

mj_group@hotmail.com

للإتصال بالسيد مشعان الجبوري


 

[تحت المجهر]