آراء وقضايا

بهية مارديني

مجرد دردشة

لورا نصره

وداعاً... إدوارد

محمد عبد المجيد

سلام على أم الدنيا .. البيان والتبيين في أوجاع مصر وأحزان المصريين

د. عبد الخالق حسين

أخطر رجل على العراق الجديد

ابراهيم محمود

كتاب (وي وي)

د. رياض الأمير

عرس عراقي تحت خيمة الشيطان الأكبر

علاء اللامي

حول رسالة مجموعة من المثقفين العراقيين إلى جورج بوش : أمريكيون أكثر من رامسفليد !

عصام البغدادي

المسافة القصيرة بين مقتل آنا ليند وعقيلة الهاشمي

ممدوح الشيخ

هل أصبحت الوطنية أفيون الشعوب؟

محمد الرميحي

العلاقات الكويتية العراقية... ملفات ساخنة وأخرى عاجلة

مصطفى محمد غريب

موقف النواب الكويتيين من التعويضات ومسؤولية مجلس الحكم

أشرف عبد الفتاح عبد القادر

الحجاب وحيرة المرأة العربية بين فتاوى الفقهاء .. هل فرضه الإسلام فرضاً

سامي البحيري

تعليق على مقال د. شاكر النابلسى عن محمد حسنين هيكل (عبد المهم)

سعد داود قرياقوس

قانون الاستثمار الجديد: الإعلان عن بيع وطن

عزيز الحاج

الشعب العراقي المنهك في حاجة للدعم لا لدفع فواتير جرائم صدام

 















 

 

 


 










مجرد دردشة

بهية مارديني

قل لي من تصاحب أقل لك من أنت؟
هذا القول الذي كنا نردده ونسمعه كثيراً لم يعد له ألق في معناه مع دخول عصر الانترنت والدردشة الألكترونية الـ(Chat) فقد أصبح الناس يدخلون بيوتنا شئنا أم أبينا دون أن نعرف إن كانوا أصدقاء أم لا، ودون أن نكتشف من هو المجهول الذي نتحدث معه وما هو انتماؤه وما مدى صدقه؟.
وإن رفضنا تسلل الغرباء إلى حياتنا فلن نستطيع منع أولادنا من اصطحابهم إلينا والتواصل مع الهجوم (الانترنيتي) و(الشتشتة) مع من يريدون فقد أصبح الكومبيوتر والانترنت جزءاً أساسياً من حياتهم اليومية وأسوق (بيانسا) وصديقها كنموذج كتبت عنه الصحف مؤخراً باستفاضة، بيانسا شابة أمريكية في الرابعة والعشرين من العمر متواضعة الجمال وقليلة الحظ والجاذبية الأمر الذي جعلها تهرب من مشاكلها إلى الانترنت أملاً في الحصول على إنسان يحل لها عقدتها اليائسة في الوصول إلى الزوج المناسب وفي رحلتها عبر الانترنت والكمبيوتر وضغط الأزرار ودخولها غرف الدردشة أو الثرثرة الالكترونية الافتراضية (سمها ما شئت) وتعرفت على شاب في الثلاثين من عمره كما قال لها وبعد دردشات متتالية توطدت معرفتهما فاعترفت له بحبها وجن جنونها عندما كتب لها أنه يبادلها ذات الشعور وتحدثت بيانسا معه عن نفسها بإسهاب وبمنتهى الصراحة وقالت إنها تخشى أن يمر قطار العمر دون أن تجد شريكاً لها وأنها تخاف الوحدة لأن الحب يأتي إلى بابها وينسى أن يدقه.. فالشباب يهربون منها باستمرار بسبب شكلها العادي ويصرح لها صديقها الشاب بأنه يحبها ولا يهتم لمنظرها وأنها فتاة أحلامه لعدم خوضها التجارب السابقة ويقررا الالتقاء مؤخراً فتكتشف بيانسا بأنها وقعت ضحية طفل في الرابعة عشر من عمره ...
وإذا سألت أصدقاءك فلا بد أن يعترف أحدهم لك بأنه كان يثرثر على الانترنت فهذا شاب قال لي مؤخراً بأنه دردش مع شاب آخر يدعى كاظم وادعى أنه فتاة تدعى نجوى وخاضا معاً علاقة حب عنيفة واتفقا على اللقاء فسافر كاظم من بلده إلى بلد نجوى لملاقاتها لكنها لم تأتِ بالطبع في الموعد المتفق عليه..
لم يعد موضوع الدردشة مجرد حوار بين أطراف متعددة أو عواطف تُهدر أو يتلاعب بها عن طريق الانترنت بل أصبح الأمر متطوراً إلى درجة أنه بات يشكل أمراضاً ومشاكل اجتماعية حادة، فقد يدمن أحد الزوجين الدردشة على الانترنت مما يجعله يبتعد عن الطرف الآخر وقد يروق لأحدهما خوض التجارب مما يسبب المشاكل ويقود إلى الطلاق وفي العام الماضي نقلت لنا صفحات الحوادث أخبار الزوجة التي ضاقت من مغامرات زوجها مع نساء وخوضه معهن علاقات عاطفية عبر الانترنت فينصحها محاميها أن تحضر الدليل على ذلك فتتخذ لنفسها اسماً مستعاراً وترسل إلى زوجها إيميلات ثم تدعوه إلى دردشات طويلة وتقوم بتسجيل حواره معها ليتمكن القاضي من معرفة صدق كلامها وإثبات إدمان زوجها على ملاحقة النساء وارتباطه بعلاقات محرمة عبر الانترنت فتحكم المحكمة لها بالطلاق..
ونقرأ أيضاً عن أطفال تعرضوا للاستدراج والاستغلال، ومراهقين تم إفسادهم من قبل رفاق السوء والحكايات كثيرة عن الدردشة والانترنت .
إن الحديث مع المجهول أمر خطير والمشكلة تكمن في هذا الجيل من اليافعين والأطفال الذين تسود حياتهم الفوضى في كل شيء وهم ضحايا التقدم والتطور والغزو الثقافي بشكل أو بآخر وقد حاولت الإدارة الأمريكية السابقة منع انتشار المواد الإباحية عبر الانترنت، وفشلت فشلاً ذريعاً، والغريب أنها طرحت موضوع الانترنت فقط ولم تناقش موضوع القنوات المتلفزة المشفرة وغير المشفرة ولم تضع ضوابط حازمة على هذا الموضوع رغم خطورته على النشىء وها نحن الآن أمام غزو من نوع جديد وهو أغاني الفيديو كليب الأجنبية التي أصبحت تتخلى عن كل معيار أخلاقي وتقتحم جلساتنا في أية لحظة... وكل ما قمنا بطرحه سيظل مجرد دردشة إن لم نجد له حلولاً ناجعة في القريب العاجل..

   مسافة الى الحد الفاصل   

ما الحاجة الى المطر
فوق كؤوس
الانهار المترعة؟
ما الحاجة الى
العشب الصغير
تذروه الرياح
في كل مكان؟
ما الحاجة الى
الكلمة المتأخرة
تغلفها الانكسارات؟
ما الحاجة الى تعبير
يغوص الى الداخل؟
ما الحاجة إلى
قطعة من جهنم؟
ترجم السنين
ما الحاجة إلى حبك
في غير أوانه؟

 

وداعاً... إدوارد

لورا نصره

إدوارد سعيد المفكر الفلسطيني المنفتح على إنسانيته والمخلص حتى النهاية لوطنيته، إدوارد الذي استطاع أن يكسر قيد الجنسية ويحول فلسطينيته إلى طاقة للانفتاح على الآخر العالمي والنضال من أجل كشف الصورة الحقيقية للصراع في الشرق الأوسط، هو ذلك الشخص الذي يملك قدرة هائلة على التفكير المنطقي والتطور الفكري السياسي بمواكبته لتغير الأحداث والمعطيات على الساحة الدولية والساحة الداخلية والعالمية هو الذي جعل قضايا العرب المصيرية وقضية فلسطين حاضرة دائماً في فكره وفي أعماله حتى استحق بجدارة لقب المناضل الفلسطيني الأول خارج الحدود العربية لقد حاول إدوارد تعليمنا التعامل مع الآخر ليس بفرض أنه يحتوي على مكون واحد يطبع كل مفرداته بل على كونه مجموعة من المكونات كحالة أي مجتمع على سطح الكرة الأرضية. فليس هناك عداء أبدي لأمريكا بكل مفرداتها وليس هناك حتى لإسرائيل مثل هذا العداء الشمولي.
عبّر إدوارد عن ذلك كله من خلال أفكاره ودراساته وتقييمه للوضع الدامي فناضل منذ سنين في خدمة فكرة إقامة دولتين متجاورتين إسرائيلية وفلسطينية تتعايشان سلمياً معتبراً أن هذا الطرح هو الطريق الوحيد لحل القضية الفلسطينية ووقف إراقة الدماء فقال (فلسطين ليست أرض شعب واحد بل شعبين لا يمكن لأحدهما إلغاء الآخر أو طرده منها، عليهما أن يتعايشا بسلام ووئام).
وفي حينها استنكر كثيرون طرح ابن مدينة القدس هذا فهوجم من قبل العديدين. ولكن هذا الأمر لم يجعله يتراجع عن مواقفه وأفكاره بل دفعه مجدداً لتقديم طرحه الجديد والأخير قبل عدة أشهر في محاضرة ألقاها في الجامعة الأمريكية ببيروت حين نعى مشروعه القديم واستحالة تطبيقه في ظل الأصولية التي تحكم عقلية طرفي الصراع وقدم فكرته حول قيام دولة واحدة تضم داخلها قوميتين عربية وإسرائيلية تتعايشان معاً بسلام ومن وجهة نظره رأى أن هذا الحل هو الأنسب وهو الوحيد الذي سيحقق السلام في المنطقة إلا أن الكثيرين اعتبروا طرحه انهزامياً ومجحفاً وظالماً بحق الانتفاضة التي لم توفر أرواحاً أو دماءً.
ولعل الأخبار التي تناولتها الفضائيات العربية في الأيام الأخيرة عن تمرد سبع وعشرون ضابطاً في سلاح الجو الإسرائيلي ورفضهم القيام بعمليات اغتيال في المناطق الفلسطينية والتي من الممكن أن تودي بحياة المدنيين الأبرياء، ومن ثم الموقف الذي تناولته وسائل الإعلام أيضاً عن مطالبة بعض المثقفين الإسرائيليين القضاء بتوجيه تهمة (القتل) لقائد سلاح الجو الإسرائيلي ربما هذه التوجهات تؤكد وجود اختلاف في الشارع الإسرائيلي المدني والعسكري وميل نحو تحقيق سلام يؤمن التعايش السلمي بين الجانبين، هذه الأصوات المتزايدة من داخل إسرائيل والمطالبة بالأمن ووقف إراقة الدماء قد تكون مؤشراً إيجابياً بتنامي النزوع نحو السلم وهو ما يجب أن يحظى بالمزيد من الاهتمام من قبل الدول العربية واستثمارها بشكل جيد يخدم قضاياها ويبشر ربما بحل للنزاع.
إن أطروحات إدوارد سعيد والخيارات الأخرى المطروحة منذ مؤتمر مدريد والذي طرح مبدأ (الأرض مقابل السلام) وما قبل مدريد أيضاً والمحاولات العديدة لحل القضية، عبر المقاومة المسلحة ـ حماس والجهاد ـ والانتفاضة الفلسطينية، وما يدعو إليه المجتمع الدولي حالياً، وسعيه لتطبيق خارطة الطريق واعتبارها مفتاح لحل القضية، ووضع نهاية لها يضعنا أمام تساؤلات عديدة عن أي الطرق ستوصلنا إلى النهاية المطلوبة، فهل هو طريق إدوارد سعيد أم طريق الشيخ ياسين والمقاومة المسلحة أم هو طريق حكومة قريع وخارطة الطريق..
الأيام المقبلة والمستقبل كفيلان ربما بالإجابة على هذا التساؤل...
 
سلام على أم الدنيا
البيان والتبيين في أوجاع مصر وأحزان المصريين

محمد عبد المجيد

هل قُدّر لك أن تقع في حب مصرَ سواء كنت مواطناً مصرياً أو زائرا سنويا أو مقيما فوق أرضها الطاهرة وبين شعبها الطيب؟
إن كان جوابك بنعم فقد أحكمت لك العقدة التي لا حل لها, فإذا كنت مصريا فسيطاردك حبك إياها ويستجديك أن تنقذها, أو تحاول تخليصها وهي فريسة تتلوى في مشهد مؤثر وحزين استغرق أكثر من عقدين من الزمان بين ناهب وسارق ومفترس وسادي وقاس وغليظ وقد أجمعوا أمرهم على اغتيالها, ولو أطلعت على قلوبهم لوليت منهم فرارا ولملئت منهم رعبا.
سترى في المشهد الحزين القاتم ما لا عين رأت ولا أذن سمعت, لكنك لن تستطيع أن تخفي دهشتك عندما تقع عيناك على زاوية صغيرة في مكان قصي يتقوقع فيها المثقفون والاعلاميون وضمير الأمة وصحوتها ويقظة الوعي فيها, وهم يرتعشون خوفا وفزعا خشية أن تمتد يد القصر الجمهوري بعابدين وتقصف القلم والعمر وأكل العيش.
فيكتبون, وينشرون, ويحللون انتقادا, ويرفضون, ويقدمون احتجاجات, ويرسمون فلاح كفر الهنادوة, ويسخرون من رئيس الوزراء, ويطالبون بمحاكمة الفساد والمفسدين, وبامكانهم الاعتراض على قانون الطاوريء.
في المقابل هناك منطقة محظور الدخول إليها, ومحرمة الكتابة عنها, وممنوعة أحاديث الخوض في مسؤولياتها, وفيها يجلس السيد الرئيس منذ اثنين وعشرين عاما يحميه قانون طواريء, في الحرب وفي السلم, ويسمح له إن أراد أن يأمر بالقاء نصف أفراد الشعب وراء جدران معتقلات وادي النطرون والوادي الجديد وطره وأبو زعبل والقلعة وغيرها في طول وعرض وادي النيل الخالد.
لك مطلق الحرية أن تصيح, وترغي, وتزبد, وتبكي دموعا أو دماء, وتشج رأسك في الحائط أو تلقي بنفسك وأسرتك من أحد الجسور أو من فوق برج الجزيرة احتجاجا وغضبا ورفضا, لكن لن يصل صوتك وأصوات سبعين مليونا من المصريين إلى سور حديقة القصر الجمهوري ولو كان يحمل كل آهات وأوجاع وعذابات وأشجان وهموم المصريين كلهم من الاسكندرية إلى حلايب.
لعلك تعثر على مصباح قديم متهالك فتفركه بإبهامك ليخرج منه مارد من الجن يسألك: شبيك لبيك .. عبدك بين ايديك! فتأتيك فكرة طلب يخر له المارد مغشيا عليه لأنه مستحيل أو معجز في عالمي الانس والجن.
ستقول له: دعني أعثر أو يعثر واحد من السبعين مليونا من شعب مصر الطيب على السيد الرئيس حسني مبارك في مكان يحتاج إليه المصريون أكثر من أي موقع آخر.
وتبدأ رحلة شاقة ومثقلة بآلام تنوء عن حملها جبال, وتقلب في ذهنك كل الاحتمالات الواردة التي تجعلك ترى أو تشم ولو رائحة الرئيس أو بصماته أو آثار قدميه بعد زيارة خاطفة لموقع أو حالة أو مكان أو تجمع يتوق أهله لاهتمام السيد الرئيس.
وتبدأ بزيارة مقابر يشارك فيها مليونان أو ثلاثة من الأحياء أمواتهم الطعام والشراب والنوم, فلا تعثر على زيارة أو اهتمام أو اكتراث الرئيس لرعاياه, وفي المقابل يربح ثاني اثنين من أثرياء مصر الجدد في عمليتين منفصلتين من تجارة الفهلوة والاحتكار أربعة مليارات من الجنيهات تكفي لبناء مساكن لرعايا الرئيس من ساكني المقابر في بلد تمتد مساحته فوق مليون كيلومتر مربع.
سكان المقابر ليسوا للأسف الشديد على قائمة اهتمامات فخامته, فهؤلاء لهم رب يحميهم, أما الأثرياء والمليارديرات فتظللهم حماية القصر والأمن والخدم والحشم ويخرج أي منهم من مطار القاهرة الدولي مرفوع الرأس ولو سرق ونهب واختلس وهبر البنك الوطني كله.
وبعد أن تستمع لحكايات ثلاثة ملايين مواطن يقول رؤساء تحرير الصحف القومية أنهم ينعمون في عهد الرئيس مبارك بالحرية والديمقراطية والانجازات العملاقة, يصيبك هبوط حاد فتخرج من المقابر على عجل وتتجه إلى أقسام الشرطة في طول أم الدنيا وعرضها لتكتشف عالما من الجحيم الأرضي مختوم بخاتم رئاسة الدولة وموافقة تامة ورضاء مبهج من الزعيم .
سلطة أمنية سادية تستمد قوتها وسطوتها من موافقة ضمنية أو صريحة من الرئيس لأكثر من عقدين من الزمان, وتؤمن بأن كرامة المواطن المصري ينبغي أن تتساوى مع الجرذان والحشرات وغيرها, فيمكن لمأمور قسم الشرطة أن يعلقك في سقف مكتبه, وأن يسلط عليك كلابا من المخبرين تجعلك تلعن يوم مولدك وتتعجل عرس موتك وتفكر مليا فيما ستقوله لرب العزة يوم الحشر, وتصرخ من سوط لاذع فوق ظهرك, وتبكي مع كل كف غليظ يقع فوق قفاك, ويهددك ضابط الشرطة بالاغتصاب أو الحرق أو بأنه سيضع العصا في فتحة شرجك ويجعلك تنسى اسم أبيك وأمك.
آلاف وآلاف من الحكايات الموثقة بدموع المواطنين وأوراق وملفات كل منظمات حقوق الانسان المصرية والعربية والدولية والتي تصب كلها على مكتب السيد الرئيس, فيزيحها جانبا, وربما يبتسم, ثم يجيء من يهمس في أذنه الكريمة بأن المصريين تعلموا الدرس جيدا, وأن الكتاب والمثقفين والمحامين والاعلاميين والأكاديميين ورجال الدين والدنيا الآن يعرفون أن السلطة لا تمزح, وأن الخوف هو الطريق الآمن للسلامة, وأن الحديث عن مسؤولية السيد الرئيس عن أي خطأ أو فساد أو جريمة أو انتهاكات أو تزييف في الانتخابات من المحرمات المطلقة.
قد تأتيك توجيهات من قسم الشرطة بضرورة الحضور لتسلم جثة أخيك أو والدك أو أحد أعمامك لأن الله توفاه بعد هبوط حاد في قسم الشرطة الذي عامله معاملة كريمة ومهذبة وهو يجلس على مقعد وثير في مكتب سيادة المأمور وأمامه فنجان من القهوة.
تخرج مهرولا من كل أقسام الشرطة ولديك بصيص من أمل أن تجد آثار عدل الرئيس ورحمته في معتقلات الوطن السجن, فيصدمك هذا الكم الهائل من المتهمين والمعتقلين والمسجونين على ذمة تحقيق لم ولن يتم اجراؤه مادام سيادته في سدة الحكم.
ستة عشر ألف سجين رأي وفقا لاحصائيات منظمات حقوق الانسان, وضعفهم كما يدعي خصوم النظام, وهؤلاء يعيشون أمواتا في عالم النسيان, ويحلمون بيوم لا يستطيع قلم أن يصفه لأن هذا يعتبر في عُرف النظام محاولة للاستيلاء على السلطة أو تحريض ضد أمن الدولة أو تعاون مع الأعداء.
ويستمر المثقفون المصريون وضمير الأمة في الابتسام, ويضحكون من الأعماق, ويكتبون عن كل شيء خارج المنطقة المحرمة, ويحصلون على جوائز الابداع, وينتظرون يوم زيارة الرئيس لمعرض الكتاب الدولي عسى أن تدرك أحدَهم بركاتٌ من السماء أو من الأرض تجعله في الصفوف الأولى التي ترضى عنها السلطة, وربما تتفتح أبواب الخير وجنات صاحبة الجلالة السلطة الرابعة فيستقل مع الرئيس طائرة متجهة لزيارة رسمية.
تقفز إلى ذهنك فكرة زيارة خاطفة لبنوك ومصارف أرض الكنانة لعلك تجد فيها مئات المليارات من الأموال التي تأتي لخزانة الدولة من قناة السويس والبترول والسياحة وتحويلات المصريين والمعونات العربية الخليجية والدعم الأمريكي والمساهمات الأوروبية والضرائب, فيصيبك دوار كأنك في مركب يدور في مثلث برمودا, أو أنك في قصر أحد الأثرياء عقب زيارة قام بها آلاف المشردين والجوعى والصعاليك وقد جعلوا عاليه سافله.
صف طويل بطول اثنين وعشرين عاما من النهابين والنصابين والمحتالين وأباطرة الكيف والمخدرات وعباقرة الهبر والسرقة ومحترفي الاجرام المالي والمصرفي ينتظر كل منهم دوره ليستولي على أموال الشعب في صورة مشروع استثماري أو قرض لتعمير أرض أو بناء قرية سياحية أو الحصول على توكيل سيارات أو هاتف محمول.
أما الضمانات فهي لا تخرج عن مثلث كلمة الشرف وأوراق مزيفة وأصول مشروع وهمي مع تحبيشة من ديكور ما قبل النهب مثل اتصال هاتفي من مسؤول كبير, أو سيارة مرسيدس في الانتظار خارج المصرف أو دعوة لسهرة حمراء تكمل برستيج خبطة العمر, وبعد ذلك ينفتح باب كبار الزوار في مطار القاهرة الدولي, ويخرج السيد اللص مصحوبا بدعوات السلامة.
يصيبك غم وغثيان وقرف شديد فتخرج مسرعا من بيوت أموال المصريين المسماة مصارف وبنوك وطنية قد يتبجح مدير أكثرها نهبا بتعليق صورة طلعت حرب فوق مكتبه, ويقابلك في الطريق شخص أمي في مقتبل العمر فتظن أنه حالة نادرة لأن الأمية وصمة عار في جبين أي سلطة, وتبحث في كل أرجاء وأركان وأوجاع الوطن فلا تعثر إلا على توجيهات حديثة وغير حماسية من الرئيس عن ضرورة محو الأمية وذلك بعد أكثر من عشرين عاما من السبات والاهمال المتعمد لأكبر وأخطر مشكلة قومية كانت و لاتزال تأكل الحرث والنسل والخير, وتضع أم الحضارات في ذيل قائمة الدول المهتمة بتعليم نصف سكانها القراءة والكتابة.
منذ عدة سنوات أوحى الرئيس لصحافة السلطة بأنه يعتزم الاعتكاف لمدة شهر كامل في برج العرب للتأمل قبل تشكيل حكومة وطنية كأنها كتيبة من المقاتلين الأشداء.
وبعد ثلاثين يوما من الانتظار ودغدغة مشاعر الجماهير وتنجيم الصحفيين واشتغال أكثرهم بالعمل كعرافين لدى ساحر يعلمهم السحر, ويمنيهم, ويخدر الجماهير, خرج التشكيل الوزاري كأنه دينامو عاطل يكبحه تسعة عشر وزيرا من الفاشلين أعاد الرئس اختيارهم بعد شهر من التأمل!
في مصر الحبيبة يمنع الرئيس الابداع والعبقرية من تسلم مواقعها لخدمة الوطن الجريح, فإذا أحسنت الدكتورة منى مكرم عبيد والدكتور أحمد الجويلي والدكتور اسماعيل سلام واللواء أحمد رشدي والمشير أبو غزالة والدكتور ماهر مهران( رحمه الله ) وغيرهم وقدموا عبقريتهم وجهدهم وعرقهم واخلاصهم فإن الوطن سيركلهم, وسيجلسون في بيوتهم بصحبة دموع دافئة على بلد تتم في كل يوم محاولات اغتياله.
أما إذا فشل الاعلام المصري وتحولت عزبة ماسبيرو إلى أكثر مواقع الفساد العفن والرشوة والمحسوبية فالرئيس لا يتأخر في مد خدمة صفوت الشريف ومنحه مزيدا من الصلاحيات وأمانة الحزب الوطني ويقف على يمينه في كل المناسبات الرسمية والشعبية.
وإذا تحولت السياحة لأجمل بقاع الأرض وأكثرها كثافة بكنوز التاريخ والبحر والسحر والجمال والشمس والشعب الطيب إلى ثقافة التسول السياحي وتشويه صورة مصر والاحتيال على الزائرين والسياح ورفع الأسعار في كل المدن والقرى السياحية أضعافا مضاعفة والتمييز بين المواطن والسائح وترك اللصوص من الجَمّالين إلى البائعين لرسم مشهد غير صحيح عن شعبنا الكريم, فإن وزير السياحة سيظل في موقعه لا يبرحه مادام الرئيس في ولايته.
كل الأشياء تخضع لقوانين السبب والمسبب باستثناء منهج اختيار رجال الرئيس حسني مبارك.
قد تعرض قبض روحك مقابل معرفة أوجه العبقرية في فكر الرئيس لدى اختياره رجاله أو الاحتفاظ بقديمهم أو الثناء على أكثرهم فشلا فلا تعثر بالسر ولكن بروح وطن يتفكك, ويتألم, ويتعذب وسط قهقهةعالية تُبكي السماوات السبع والأرض وما بينها يطلقها آلاف المثقفين والكتاب والأكاديميين والعلماء والاعلاميين وهم يتركونك بمفردك, أو يطلبون منك الصمت, أو ينصحونك بالسكوت, أو يلقون على مسامعك تجاربهم الخائبة في الرفض والتي انتهت إلى قبول الأمر الواقع حتى يأتي أمر الله أو ينزل على مصرنا ملائكة مسومين يحققون أحلام رعايا يمشون بجانب الحائط خشية أن تسمع السلطة وقع أقدامهم.
عندما حققت شركة مصر للطيران أعلى معدلات الفشل والخدمات السيئة وتراكمت على مكتب الرئيس آلاف الشكاوى, كان يجدد في كل عام لرئيس مجلس ادارتها المهندس فهيم الريان( رئيس مجلس الادارة السابق ) , فالفشل ليس مقياسا لترك الموقع في فكر فخامته.
طوال ثلاثة عشر عاما كاد طوب الأرض يشكو الرئيس من محافظ الاسكندرية السابق, وذرف محمود السعدني والدكتور عبد العظيم رمضان والمرحوم سعد الدين وهبة وعشرات غيرهم الدموع في مقالات موثقة عن انهيار عروس البحر المتوسط, وكان الرئيس يزيحها جانبا, أو يبتسم ابتسامة ذات معنى لا يفهمها إلا من أوتي الحكمة أو تملكه حب مصر.
لو تم جمع التحقيقات والوثائق والشكاوى والحقائق التي تم نشرها عن الدكتور يوسف والي لفاقت جبل موسى علوا , أو غطت على كل شبر من الوطن المعذب, لكن الرجل يتمتع بحماية كاملة من الرئيس حتى لو سقط نائبه يوسف عبد الرحمن في حملات التصفية الداخلية لمراكز قوى الحزب الوطني.
يمكنك أن تفهم النظرية النسبية لاينشتاين, لكنك تعجز عن فهم سبب واحد لاحتفاظ الرئيس سنوات طويلة بكمال الشاذلي!
الشباب والعباقرة والمبدعون الذين تستطيع مصر العظيمة أن تمد الرئيس بآلاف منهم قبل طلوع شمس كل يوم وقبل غروبها ومن بعد صلاة العشاء ليس لهم مكان في أي ولاية من ولايات فخامته الأربع أو الخمس , فهم ممنوعون من الاعلام والحقائب الوزارية والادارات الكبرى ومؤسسات الدولة والمصارف الوطنية ومراكز القيادة ووصف الدواء لأمراض الوطن.
عندما خرج اللصوص بمئتي مليار جنيه من أموال الشعب المطحون لم يعاقب منهم إلا قلة نادرة لذر الرماد في العيون, وتم عرض توفيق الأوضاع على الهاربين مقابل استعادة الجزء الأكبر من الأموال المنهوبة شريطة عدم محاكمة المجرمين.
في المنطقة المحرمة لا تستطيع أن تعرف حجم ديون مصر, ولا تفهم سببا لارتفاع أعداد مدمني المخدرات لثلاثة ملايين روح مدمرة, وتعجز عن تخيل عالم الأثرياء الجدد الذين يحسدهم بيل جيتس كما يحسدهم أقل من سبعين مليونا من ساكني الأرض الطيبة والصابرة, ولا تسأل عن سبب عدم طرح الرئيس على أصدقائه في ألمانيا وايطاليا وبريطانيا مشروع نزع ألغام العلمين, ولماذا يرفض الرئيس فكرة عدم بيع البترول للاسرائيليين الذين يستخدمونه في تسيير آلة الحرب القذرة ضد الشعب الفلسطيني, ومن الذي وضع ثلاثة وثلاثين من كبار ضباط وخبراء الدولة في طائرة تسقط بهم في سماء الولايات المتحدة دون حساب أو عقاب؟ ومتى ينتهي العمل بقانون الطوارىء,
وما هي مسؤوليات الرئيس عن تدهور أحوال الوطن, واقتصاده, والزمن الأغبر الحزين الذي تمت صناعته في عهده, واسوأ إدارة صنعها حكم منذ قرن من الزمان, وأسباب رضاء الرئيس عن انتهاكات حقوق الانسان.
وفي المنطقة المحرمة ستجد مئة ألف أو يزيد أو ينقص من حكايات وكوارث وتحقيقات موثقة عن فساد وعذابات لا حصر لها ونهب أراض وعقارات وانحدار سلوكي واخلاقي وصناعة اعلام راقص متخلف يقوده أبناء عواجيز ماسبيرو وتحذيرات لانهيار دولة وتطرف ديني وتمييز دولة بين شركاء الوطن من المسلمين والمسيحيين ودموع مليون قبطي مصري في المهجر غادروا مصر وفي قلوبهم حسرات ويحملون بين ضلوعهم حبا جارفا لوطنهم الأم وشكاوى مُرّة من ظلم الدولة والسلطة وجماعات الغلو الديني والاعلام المنحاز.
في المنطقة المحرمة يجلس السيد الرئيس ويرفض رفضا قاطعا عرض ملفات رجاله وحاشيته وأقاربه ومعارفه ووزرائه على أجهزة المخابرات ومباحث أمن الدولة, كما تفعل كل الدول المتقدمة, بل تتم تشويه صورة جهازنا الوطني الأمني فيبدو كأنه عدو للشعب, وممارس للتعذيب, ومطارد للوطنيين, وكاتم أنفاس الأحرار.
وهذا غير صحيح بالمرة, وصورة كاذبة لجهاز وطني يرغب في التلاحم مع الشعب, ومحاربه أعدائه, والتفرغ لحمايته, ومراقبة خصومه, لكن الرئيس يفضل تحجيم وتقزيم وتصغير دور أرقى وأعلى وأشرف الأجهزة الأمنية, فيجعل من رئيس المخابرات وسيطا بين العدو الصهيوني وسلطة وطنية عرافاتية مشبوهة, ويرسل لواءات الأمن في أهم فترات عطائهم للوطن إلى التقاعد, ويجعل وزير الدفاع يسير خلفه في المناسبات غير الهامة والحفلات, ويرفض, كما أسلفنا, اعطاء مباحث أمن الدولة دورها الوطني المفترض أن تقوم به وفي المقدمة فتح ملفات كل رجال الدولة الكبار والوزراء والمحافظين ووكلاء الوزارات وأقارب الرئيس حتى لو كانت أسرته الكريمة.
كل ذلك قطرة في محيط من الانتكاسات والهزائم والدموع والصمت الذي يلوذ به المصريون انتظارا للملائكة التي ستهبط وتنقذ شعبنا الأسير.
قد يقرأ مقالي هذا آلاف من المصريين الموجوعين مثلي, والعاشقين أكثر مني لهذا الوطن الطيب, لكن الرسائل التي ستصلني لن تزيد عن سبع, منها ثلاث تشد على يدي, ومثلها تتهمني بأنني أعري الوطن وأشوه صورته, والسابعة ينصحني صاحبها بالصمت لأن اليأس هو الخلاص الوحيد في مصر.
ولن تصلني رسالة واحدة من مصر خشية أن يكون البريد الالكتروني مراقبا, أو ايمانا من الزملاء المثقفين والاعلاميين بأن الكتابة عملية عبثية لن تغير من الحكم شيئا.
إننا نحمل السيد الرئيس حسني مبارك وحده المسؤولية كاملة عما حدث لمصر منذ توليه الحكم, أما الآخرون فجموعة من الأصفار التي لا تهز شعرة في كيان الوطن, ولا تحرك ورقة من مكانها دون إذن الرئيس, ولا يسجن مواطن أو يعذب أو يقتل بغير رضاء فخامته.
والرئيس يعرف أنه يحكم أكبر بلد عربي قادر على امداد الحكم بعباقرة في كل المجالات, وشرفاء مخلصين لحماية مكتسبات ومنجزات أي سلطة, لكنه يرفض عرض الوطن ويفضل رجاله فهم يحمونه وتظللهم حمايته.
لأول مرة في التاريخ يرفض شعب بكامله حقوقه, ويتنازل عنها طواعية, ويصنع الخوف من اشباح, ويمارس قتل أي معارض بالصمت والسكوت.
في داخلي كمية من الغضب والحزن والوجع تكفي لمجرى طوفان لا يبقي ولا يذر, وفي المقابل يمارس المفترض فيهم أنهم ضمير الوطن دور الصامت المتأمل والذي ينتظر معجزة من السماء قد لا تأتي قبل أن يتم تفريغ مصر العظيمة من كل كنوزها المادية والروحية والفكرية والثقافية وقبل كل شيء قيمة التسامح الكبرى.
أيها المصريون: ألم يأن الوقت لتقبيل جبين الوطن والدفاع عن ترابه الطاهر؟
وسلام الله على أم الدنيا.

 

أخطر رجل على العراق الجديد

د. عبد الخالق حسين

يبدو أن العراق الجديد مهدد من جميع الجهات لإجهاض عملية التحولات الديمقراطية وذبح فرحنا وأحلامنا بعراق ديمقراطي مزدهر ومسالم ما لم نسرع للوقوف بإفشال المخططات الجهنمية الآن وقبل فوات الأوان. والمخاطر هذه التي أحذر منها ليست فقط من فلول النظام المقبور وحلفائهم من الإرهابيين الأصوليين من أنصار القاعدة وبن لادن ومن لف لفهم من المرتزقة العرب، وليس من بعض دول الجوار التي تبعث بالمرتزقة والإرهابيين لتحقيق أحلامهم الشريرة بتحويل العراق إلى مستنقع فيتنامي جديد /لتمريغ الغرور الأمريكي فيه/ كما يدعون، بل الخطر قادم هذه المرة من /حصان طروادة/ اسمه غسان سلامة.
غسان سلامة هذا هو ثاني أكبر مسؤول في بعثة الأمم المتحدة في العراق، وكان وزير الثقافة اللبناني قبل هذا المنصب وهو فرنسي أكثر مما هو لبناني ثقافة وسياسة وإخلاصاً. وقد ناهض الحرب على صدام حسين بكل ما أوتي من قوة، من خلال تصريحاته الصحفية ولقاءات الإعلامية منفذاً بذلك الموقف الفرنسي بكل دقة. وقد نشر السيد نبراس الكاظمي، مسؤول قسم الأبحاث في المؤتمر الوطني العراقي، بحثاً قيماً عنه في صحيفة المؤتمر البغدادية في عددها الصادر يوم 19/6/2003 بعنوان (حصان طروادة ... وخط الدفاع الأخير للأنظمة العربية المتقهقرة) سلط فيها الأضواء على تاريخ هذا الرجل ومناهضته لتحرير العراق. ولم يتردد السيد سلامة من التصريح علناً ضد انتفاضة الشعب العراقي عام 1991 والتي وصفها بأنها /لم يقمعها النظام فقط وإنما الشعور الوطني العراقي والقومي ساهم بالوقوف ضدها! ويدعي أيضاً بأن الديموقراطية لن تنجح لا في العراق ولا في الشرق الأوسط لأن شعوبها تكره الولايات المتحدة.../.
ويوماً بعد يوم يتكشف لنا إصرار السيد سلامة على القيام بدور حصان طروادة تسلل إلى القضية العراقية من خلال عربة الأمم المتحدة لإجهاض مكتسبات الشعب العراقي بعد خلاصه من النظام الفاشي المقبور والعمل على تسهيل عودة صدام حسين للحكم. وإليكم ما قام به السيد غسان سلامة منذ تعيينه كمستشار أول لبعثة الأمم المتحدة في بغداد ولحد الآن:
1- السيد سلامة من ضمن الذين أشاروا على الشهيد ديميللو أن يرفض الحماية الأمريكية لمقر بعثة الأمم المتحدة في بغداد ويستعين بنفس الحرس الذين عينهم النظام المقبور لحماية فرق التفتيش عن أسلحة الدمار الشامل قبل الحرب. ونتيجة لهذه المشورة حصل العدوان على مقر البعثة والتي راح ضحيتها 22 شخصاً من بينهم الشهيد ديملليو إضافة إلى عشرات الجرحى. وقد أفادت الأنباء أن عدداً من حرس المقر كانوا ضالعين في التفجير.
2- ناصب غسان سلامة مجلس الحكم العداء بحجة أنهم غير منتخبين من قبل الشعب العراقي، وطالب بإجراء انتخابات على عجل تحت غطاء عودة السيادة إلى العراقيين. كلمة حق يراد بها باطل، لأنه من المستحيل إجراء الانتخابات بهذه العجالة دون تحضيرات ضرورية مسبقة مثل الدستور وإحصاء السكان وتحديد الدوائر الانتخابية..الخ ناهيك عن الظروف الأمنية القاسية.
3-وبعد جهود مضنية من قبل قادة القوى والشخصيات الوطنية العراقية وإدارة قوات التحالف، تم تشكيل مجلس الحكم الوطني ومن ثم الوزارة، حاول السيد غسان سلامة خلط الأوراق وإفشال هذه الجهود والمطالبة بإلغاء مجلس الحكم وإقامة تشكيلة جديدة من اختياره باسم الأمم المتحدة .
4- ردد غسان سلامة في مؤتمر صحفي له في باريس في الشهر الماضي ذات التصريحات التي أطلقها وزير خارجية فرنسا بالمطالبة بإجراء الانتخابات البرلمانية في العراق خلال شهر(كذا) وانسحاب قوات التحالف. ونحن نعرف العواقب الوخيمة التي تترتب على هذا الانسحاب المبكر قبل تحقيق الأمن والاستقرار.
5- وأخيراً وليس آخراً، أسفر غسان سلامة عن نواياه الحقيقية من كل هذه المناورات ألا وهي مطالبته بمشاركة انصار صدام في الحكم. وسلامة هذا يلعب دوره بدهاء والإيحاء بأن هذه هي خطة السيد كوفي أنان. حيث /صرح غسان سلامة ... لصحيفة /واشنطن بوست/ أن الامين العام للأمم المتحدة كوفي أنان يفكر في لعب دور سياسي في العراق اذا تحسنت الأوضاع الأمنية هناك وتم نقل السلطة بسرعة الى حكومة عراقية تشمل أعضاء من حزب البعث العراقي السابق./ هنا يبرز حرص غسان سلامة على مشاركة الصداميين الحكومة العراقية القادمة ونحن العراقيين المكتوين بنيرانهم لأربعة عقود، نعرفهم جيداً ونعرف مدى التزامهم بالديمقراطية والتعددية و بوعودهم وتحالفتهم!! ولم يكتف سلامة بذلك بل يجعل من نفسه وصياً على العراقيين فيقول: /..يجب أن تشمل الحكومة العراقية المؤقتة الموسعة رجل الدين الشيعي آية الله علي السيستاني/ لاحظ استخدامه لكلمة (يجب). هنا يكشف سلامة عن جهله الفظيع بموقف رجال الدين الشيعة الكبار وبالأخص آية الله السيستاني المعروف عنه أنه ضد زج الدين ورجال الدين بالسياسة. يعتقد السيد سلامة بمطالبته هذه وكأن آية الله السيستاني متهالك على المناصب السياسية. لا شك أن سلامه بتصريحه هذا كان بدافع انتهازي يأمل من ورائه كسب رجال الدين إلى جانبه وجر البساط من تحت أقدام مجلس الحكم.
خلاصة القول إن أعضاء مجلس الحكم والإدارة المدنية لقوات التحالف وجميع الغيارى من السياسيين والوطنيين العراقيين مطالبون بالتحرك السريع لإفشال هذه المخططات الجهنمية التي هي مخططات فرنسية القصد منها إجهاض العملية الديمقراطية في العراق تمهيداً لعودة صدام حسين إلى الحكم. وتريد فرنسا تنفيذ مخططاتها هذه عن طريق الأمم المتحدة. لذلك نحن نرتاب من دور الأمم المتحدة التي خذلت العراقيين وعارضت الحرب على النظام الفاشي المقبور، الأمم المتحدة هذه لم تساهم في حل أية مشكلة مستعصية في العالم، بينما قوات التحالف الأنكلو-أمريكي هي التي حلت جل هذه المشاكل سواءً في كوسوفو ويوسنيا وكرويشا وأخيراً العراق.

 

كتاب (وي وي)

ابراهيم محمود

لعل مفردة (المناسباتية) هي من بين أكثر الكلمات إن لم تكن أهمها استعمالاً في المجتمعات التي تخضع لتراتبيات ممهورة بالعنف الفئوي والطائفي والمذهبي وتفتقد مفهوم/النظام/ بالمعنى الأخلاقي، ولا تتطلب المجتمعات العربية والاسلامية أدلة لتوكيد ذلك، فالعين والنظر كافيان لإثبات ما نذهب إليه، ومن خلال ما نسميه بال (مجتمعات المناسباتية) بامتياز، حيث تسعى إلى ابراز كامل قدراتها وحصافتها وبراعة مأثورها اليومي في مشهديات مرئية ومسموعة تجمهراتية بقصد حشد وترصيص الأسماع والأنظار وتوليفها لإضفاء مسحة نافذة المفعول من الكاريزمية المرهوبة الجانب دفاعاً عن سلطة موزَعة ومشرعة في مواقع إطلالية. المناسباتية هذه تحيل اليومي والتاريخي والمعنوي إلى شذرات هي خلاصة هذا المسمى بالشعب أو الأمة وحقيقة الدولة في امتدادها الجغرافي السياسي والرمزي والحكومة في تجسيدها المادي. وهذا ما يمكن تلمسَه في المناحي الاستعراضية لأولي أمر هاتيك المجتمعات، ومن خلال ما دوَنته في كتاب (وي وي)!أهي مفردة، أم رمز، أم صوت، أم علامة.. الخ. ؟
ربما هي كل ذلك، ولكنها قبل كل شيء: ظاهرة صوتية ومن ثم بصرية!ثمة محاولات مستمرة لإنتاج وإعادة إنتاج الظاهرة تلك بجعلها الحقيقة المعاشة، واعتبارها الذاكرة الحية لجموع الأمة في أحادية مبناها ومعناها، وجيشان مشاعرها، والثقافة الأم لعموم ابنائها بغض النظر عن تنوعهم الأثني، فليس مايخيف القيمين على هاته الذاكرة والأمة( المسنطرة) بإحكام مثل الحديث عن التنوع والتعددية في الرأي والاختلاف في الآراء، مهماكان الفارق كبيراًبين الواقع والنظرة الآمرة الموجَهة، وهي ايضاً بمثابة الفولكلور الحي والميمون لأمة لم تعرف الهزيمة ماضياً وحاضرا ًرغم كل تضعضعها.
أمة لا تتحرك إلا بحسبان، ولا تفعل ما هو منتظر منها إلا بحسبان، ولا تردد أقوالاً أو شعارات أو تظهر للعالمين إلا بحسبان هنا وهناك.
تابعت ذلك وما زلت أتابع من خلال الظاهرة الآنفة الذكر، وهي التي أربطها بما يتبدى لكل ذي سمع ونظر، حيث يخرج مسؤول ما من (معقله)، الذي هو بالمعنى الحضاري: دائرته المعني بها وظيفياً، وتقله سيارة شبحية نوعاً ما (أركز هنا على مفهوم السيارة/الشبح الذي يأخذ بألباب الكثيرين في مجتمعنا، إفصاحاً عن الفتنة الكامنة فيها والمشعة بالمقابل، ولسطوتها الرمزية، ولكنني أعني بالمفهوم: استشباح المجتمع وكل حركة فيه، فيغدو المسؤول شبحاً، والمرافقون أشباحاً والإعلاميون(وبحسب أهمية الموكب ونوعية المناسبة أشباحاً، والمعدَون في الطرف الآخر للتصفيق والتهليل وترديد الشعارات المنتقاة وحملة اليافطات المتماوجة والنظَارة رغم أنوفهم أو بحكم سلطة العادة المناسباتية الدورية أشباحاً) إلى الجهة المحدَدة له مع الكلمات المحضَرة مسبقاَ والمدقَق فيها على أكثر من صعيد، مع الحركات المدرَب عليها بطريقة ما مسبقاَ أيضاً، حيث الذي يلفت الأنظار والأسماع فقط هو (وي وي وي) ذلك هو الصوت المألوف للسيارة المعتبرة لإيقاظ المحيط السديمي بشرياً، ويغدو الصوت المميز الحقيقة الوحيدة إلى أن هناك عالماً ما يتنفس.

 

عرس عراقي تحت خيمة الشيطان الأكبر

د. رياض الأمير

تعبير /عرس عراقي/ اقتبسه من حديث لاثنين من العراقيين الذين شاركوا في لقاء حول بناء الديمقراطية في العراق والذي اقيم في ولاية مشيغان الأمريكية. اما الشيطان الأكبر فهو وصف اطلقه الامام الخميني على الولايات المتحدة واستخدمته فيما بعد القوى الإسلامية، الشيعية منها والسنية على حد سواء وكذلك العربية بشقيها اليميني واليساري. وحورب الشيطان الاكبر في العلن وكان حليفا في الخفاء مرة، ومرة اخرى اكثر من ذلك. أعود إلى /العرس العراقي/ الذي كان وصفا للاحتفاء بعضو مجلس الحكم ورئيسه الأول الدكتور إبراهيم الجعفري الأشيقر ولكلمته التي قالها في حشد من العراقيين الذين مثلوا الطيف العراقي الحقيقي. فكان المسيحي الكلداني او الآشوري إلى جانب الصابئي جنبا إلى جنب مع المسلم الشيعي والسني في سمفونية التآخي العراقي. وكانت كلمات الجعفري تلقى هوى لدى مستمعيه وهو يؤكد على الوحدة الوطنية العراقية التي يعززها شعب متعدد القوميات والديانات مثله تلاقي الجميع في حب العراق الموحد الجديد في قاعة اللقاء. قدم الجعفري صورة لعراق الغد ، لعراق ليس فيه تمايز طائفي او قبلي او مناطقي. وكانت خاتمة /العرس العراقي/ على تصفيق الحاضرين الطويل لكلمات شابة عراقية تمثل نبض الشباب وهي تشكر كل من ساهم في تحرير وطنها من ربقة النظام البعثفاشي الساقط في بغداد وفي قولها بانها وشبيبة العراق تملك الامل الآن في المستقبل بعد ان غدى جيل الآباء خارج حدود المعادلة الإنسانية.
ومن غريب الصدف ان يستظل بخيمة /الشيطان الأكبر/ ويستفيد من جوده، من كان من اكثر الناس صراخا وأصحاب اشد الاقلام عدائا للولايات المتحدة وسياستها قبل عملية تحرير العراق. فجماعة اليسار العراقي الذين كانوا إلى فترة غير بعيدة ضد خطط اسقاط صدام حسين ويهاجمون سياسة واشنطن، ينعمون بحرية العيش والعمل والتجمع والنشر في امريكا، حتى غدا أحد احياء مدينة دترويت كمدينة عراقية. وإذا قورنت بالاتحاد السوفياتي السابق حيث لم يسمح لاي من كان يفتح فاهه، ليس لمن يقف ضد سياسته وإنما لإبداء اي وجهة نظر مخالفة لما يفكر به او يمكن القول بان الأكبر ارحم باليسار العراقي تحديدا من وطن الشيوعية السابق.
وغير بعيد عن تجمع اليسار العراقي نمت كالفقع مجمعات حزب الله اللبناني التجارية والتنظيمية وإلى جوارها مكاتب حزب الدعوة العراقي والمجلس الاعلى للثورة الإسلامية وعلى خطوات غير بعيدة مساجد وزارة /اطلاعات / الإيرانية ، تراقب وترصد ما يجري في كل التجمعات تلك. ان الحرية التي تمارس تحت خيمة /الشيطان الأكبر / في القول والعمل لا يحصل على مثلها في اغلب الدول الإسلامية وفي مقدمتها إيران. فالعرس العراقي وعمل جماعة اعداء /الشيطان الأكبر/ بحرية تحت خيمته تحتاج إلى إعادة تقييم لمفاهيمنا في العداء للامم الاخرى وتقيم ممارسة الحرية والديمقراطية وإلا نصبح اعداء لقيمنا القومية والدينية.

 

حول رسالة مجموعة من المثقفين العراقيين إلى جورج بوش :
أمريكيون أكثر من رامسفليد !

علاء اللامي

ثمة تضليل ناتج عن الجهل أو سوء النية أو كليهما يزعم مروجوه أن من شروط الممارسة الديموقراطية والإيمان العميق بها احترام الرأي الآخر مهما كان مضمونه . ينطوي هذا القول على إجبار الناس وإرغامهم على احترام آراء وقناعات قد تكون غاية في السوء والانحطاط أحيانا . لتصحيح هذه / البديهية / التي روج لها بعض مذيعي القنوات الفضائية السذج وبعض ضيوفهم من المتثاقفين الباحثين عن الوجاهة والتلميع ينبغي الفصل بين حق الطرف الآخر في طرح رأيه المخالف والمختلف بشكل سلمي ومتحضر واحترام هذا الحق من جهة ، وبين مضمون الرأي و الذات الفردية لصاحبه من جهة أخرى . فالمرء يمكن أن يحترم حق فلان من الناس - حتى لو حاول إنكار وجود المقابر الجماعية في العراق وتبرئة نظام صدام حسين من الجرائم التي ارتكبها أو حاول التخفيف من وزن تلك الجرائم - ولكنه لن يكون مرغما على احترام هذا الرأي بل يرفضه ولا يحترمه ويسعى إلى تفنيده ودحضه على اعتبار أنه رأي ينطوي على إهانة بالغة لمئات الآلاف من شهداء العراق الأبرار الذين قتلهم النظام الحاكم السابق . ولنأخذ مثالا آخر لتكون الموازنة مضبوطة : فالممارسة الديموقراطية ترغمني على احترام حق كل مواطن عراقي يريد التعبير عن رأيه بصورة سلمية حتى لو كان هذا الرأي يدعو إلى طرد بعثة منظمة التحرير الفلسطينية في بغداد وتسليمها إلى الصهاينة ليجعلوا منها سفارة لهم في العراق كما فعل شخص عسكري معروف في المعارضة العراقية / سابقا / و كما تجأر بذلك العديد من الأصوات المأجورة في حومة مجلس الحكم المعين ولكني لا أحترم لا هذا الرأي ولا صاحبه .
من هذه المقدمة الطويلة - وعذرا - أردت أن أبدأ بمناقشة موضوع سلسلة من البيانات والبلاغات التي يحررها ويجمع التواقيع عليها بضعة مثقفين عراقيين من بينهم عبد القادر الجنابي المعروف بعلاقاته الصداقية الحميمة مع الكيان الصهيوني وزياراته المتكررة له ، إضافة إلى عدد من الحزبيين اليساريين السابقين كالسادة عبد الخالق حسين وعزيز الحاج المندوب السابق للنظام البعثي إلى منظمة اليونسكو لعدة سنوات ، وأحمد النعمان وهو مؤلف لرواية واحدة ، والقاضي السابق زهير كاظم عبود وعبد الفتاح مرتضي وعبد الإله الصائغ . إننا ومع احترامنا لأغلب هؤلاء السادة وللعشرات من مواطنينا العراقيين الذين سارعوا إلى التوقيع على تلك البيانات والرسائل التي حررتها ونشطت من أجل جمع التواقيع عليها هذه المجموعة ، نؤكد احترامنا لحق الجميع في التعبير عن وجهات نظرهم بل وحتى للعديد من الفقرات والأفكار السليمة والمبررة والصحيحة سياسيا ومجتمعيا التي وردت في تضاعيف بعض تلك البيانات ، أما الرسالة الأخيرة المخجلة التي وجهوها إلى الرئيس الأمريكي جورج بوش ووجهوا نسخة منها إلى وزير حربه رامسفيلد ونسخة أخرى إلى نائب وزير الدفاع وثالثة إلى كوفي عنان فكأنهم أرادوا من خلالها أن يؤكدوا للرئيس أنهم أكثر أمريكية من وزيره اليميني المتطرف رامسفيلد . ومع ذلك سنحاول مناقشة التوجه العام لتلك النصوص سواء جاءت في صيغة بيان أو رسالة مفتوحة موجهة إلى الرئيس بوش كما حدث في المثال الأخير موضوع الحديث و هو توجه نعتقد بخطئه وخطورته على مستقبل العراق وشعبه بهدف تفنيد بعض ما ورد من توجهات ومضامين تصب لصالح الاحتلال الأمريكي البريطاني لبلادنا وتشكل طعنة نجلاء في خاصرة شعبنا الذي لم تلتئم جراحه تماما بعد بفعل مجازر دكتاتورية صدام ونظامه الشمولي ولا بفعل مجازر المحتلين في الحرب الأخيرة . وسوف نركز مناقشتنا على آخر بيان أصدرته هذه المجموعة والذي جاء على شكل رسالة مفتوحة وجهها الموقعون عليها إلى الرئيس الأمريكي جورج بوش يتوسلون به فيها أن يسحب مشروع القرار الذي قدمته إدارته إلى الأمم المتحدة لاستقدام قوات دولية تحت راية المنظمة الدولية وبقيادة ضابط أمريكي ويقولون حرفيا في رسالتهم إنهم ( لا يرون أي ضرورة لتقديم هذا المشروع ..) وإن ( تسليم العراق للأمم المتحدة حل سيئ ..) محاولين تنبيه صديقهم الرئيس إلى أن ( فرنسا وألمانيا وروسيا استغلت الصعوبات الأمريكية في العراق للتسلل سياسيا واقتصاديا إلى العراق تحت علم الأمم المتحدة، ولفرض الهيمنة السياسية على شعبنا وعلى مستقبله ولتحجيم الدور الأمريكي ) مقترحين عليه بسخاء حاتمي لبرالي ( تشكيل جهاز شرطة قوي بعدد كاف وجيش جديد يجب أن يدعى لصفوفه حالا مائة ألف من جنودنا المسرحين .) مدافعين عرضا عما يسمى / مجلس الحكم الانتقالي/ الذي عينه الحاكم الأمريكي /بول بريمر/ على أسس طائفية وعنصرية و مطالبين بتوسيع سلطاته وعدم الاستعجال بإجراء الانتخابات وأخيرا فهم ينتفون الشعرة البيضاء الوحيدة في جلد الثور الأسود كما يقال فيرفضون قرار سلطات الاحتلال القاضي بإلغاء عقوبة الإعدام واعتبار ذلك القرار سابقا لأوانه !
وقبل أن نناقش بعض هذه الأفكار والتوجهات نسجل الملاحظات التالية ذات الصلة:
من خلال رصد ودراسة تجارب الشعوب التي احتُلَت بلدانها وصودرت سيادتها واستقلالها بقوة العنف الأجنبي المسلح و على امتداد قرون طويلة، يمكن لنا أن نستخلص أن الخائن لا يولد خائنا ،وأن المتعاون مع من يحتل بلده يبدأ غالبا بمبررات سهلة التصديق والاستيعاب ، فالعالم مشحون بالنوايا الطيبة التي تدفع البعض إلى التحرك تحت عنوان معين فإذا بهذا البعض يستفيق تحت عنوان آخر قد يكون مكانا اسمه / جهنم / ! ألم يقل الأقدمون إن طريق إلى جهنم مفروشة بالنوايا الطيبة ؟ فالمرء قد يبدأ مثلا من نقطة ضرورة التعامل مع المحتل حول تنظيف الشوارع والطرقات وليس حول التعاون في القضايا الأمنية ، ولعله يحتج بأن نواياه الطيبة ترسم له هدفا هو تسيير وتيسير الحياة اليومية للناس ، ولكن ، وبعد زمن قد يطول أو يقصر يبلغ هذا /المتعامل / وضعية من يمسك بالسلاح ضد شعبه لحماية المحتل والأمثلة العملية أكثر من أن تحصى كما كانت الحال في جنوب فيثنام ، جنوب كوريا ، و جنوب لبنان ومختلف /الجنوبات / الأخرى المقاومة للاحتلال !
أما على الجهة المقابلة والتي لا تقل خطورة عن تلك التي سلف الكلام عنها فنجد أن المتطرفين والاستئصاليين يحاولون تلويث الجميع رغم أنوفهم والنظر بكثير من التعصب والمانوية التي لا ترى غير الأبيض والأسود إلى واقع البلد والناس في الظاهرة الاحتلالية فتراهم يكفِّرون ويخوِّنون الجميع ولا يتركون شيئا طاهرا سواهم ، وهذا منهج لا يقل ضررا عن منهجية المتعاملين والمتعاونين والمتساهلين في شؤون السيادة والاستقلال . تأسيسا على هذا ، نظر وينظر كاتب السطور إلى السادة أعضاء مجلس الحكم المعين من قبل الاحتلال ، أو أولئك الذين دافعوا عنهم وعن مجلسهم ، على أنهم وفي أغلبيتهم الساحقة وباستثناء شخصين أو ثلاثة من لصوص البنوك وأصحاب السوابق والارتباطات المشبوهة مع الكيان الصهيوني، مواطنون عراقيون أبرياء من كل شبهة ، وذوو تاريخ معتبر في مقاومة الدكتاتورية ولكنهم اليوم أصحاب اجتهاد يعتقدون هم بصحته ونعتقد نحن بخطئه . هذا التقييم لن يكون نهائيا بل هو يغطي المرحلة الأولى من عهد الاحتلال ، فإذا ظل أصحاب الاجتهاد القائل بضرورة التعامل والتعاون مع المحتل والمشاركة في المؤسسات والأجهزة الاحتلالية التي يلجأ إلى تشكيلها على اجتهادهم ولم تغيره وقائع وجرائم الاحتلال وإفرازاته الجديدة الخطيرة والتي بلغت مستوى المجازر الجماعية ، فإن النظرة إليهم ستتغير لأنهم لم يعودوا أصحاب اجتهاد قابل للنقاش بل هم معاندون ومضللون ، وحتى هنا ينبغي التمسك بالحوار والحسنى ورفض العنف الدموي كأسلوب للتعامل معهم ، وبذل أقصى الجهود لإقناعهم وتفنيد مواقفهم بالحجة والمنطق والوقائع ، فإن أصروا على ما هم فيه أو بالغوا في ما هم فيه ، وحملوا السلاح دفاعا عن الغزاة الذين لا يريدون الرحيل كما وعدوا أو شاركوا في قمع الشعب وطلائعه المقاومة والمدافعة عن وطنها وسيادته وثرواته فإن الموقف يجب أن يتغير من هؤلاء جذريا لأنهم - عند هذا الحد - سيكونون جزءا عضويا من العنوان الاحتلالي وقواته السالبة لسيادة البلد واستقلاله ويجب أن يتم التعامل معهم في حال استنفاذ جميع الوسائل الأخرى بنفس الأسلوب الذي يتعامل به الأحرار مع المحتل الأجنبي .
لقد أثبتت تجارب هذه المجموعة من المثقفين في إصدار البيانات وجمع التواقيع عليها فشلها الذريع في تحقيق أي هدف ملموس ، مؤكدة بشكل لا يدحض وإن كان غير مقصود أو مباشر أن للسياسيين آليات تحركهم وحساباتهم الخاصة والتي لا علاقة لها بحسابات هذه المجموعة أو تلك سواء أطلقت على نفسها اسم مجموعة من المثقفين أو من جامعي الطوابع البريدية . وهكذا وضع زملاؤنا المثقفون والأدباء هؤلاء أنفسهم في موضع لا يحسدون عليه ، ولنأخذ مثالا واحدا على تلك البيانات التي أصدروها وهو البيان المتشنج والغاضب الذي أصدروه قبل فترة قصيرة و وقع عليه أكثر من خمسمائة شخص والداعي إلى مقاطعة الجامعة العربية وتجميد عضوية العراق فيها ، إذ بعد أيام قلائل جاء الرد حاسما ومحرجا لهؤلاء المثقفين من مجلس الحكم المعين الذي تحزبوا له حقا وباطلا و من ماكنته السياسية تحديدا فقيل لهم ما معناه : كلا لن ننسحب أو نجمد عضوية العراق في الجامعة العربية ! وبقية القصة معروفة للقاصي والداني ، وكيف توسل المجلس وزير خارجيته هوشيار الزيباري وهو أحد زعماء البيشمركة الكردية / مليشيا محلية قومية / لمجرد الحصول على صفة عضو مؤقت في اجتماع وزراء الخارجية العرب ، و لولا الضغط الأمريكي الشديد على عدد من الدول والمحميات العربية المعروفة الأسماء لما قيض للزيباري أن يجلس تحت العلم العراقي الذي - للتذكير فقط - منع حزبه الديموقراطي رفعه قبل أسابيع فقط في شمال العراق / إقليم كوردستان في بادرة مؤسفة وخطيرة.
ومن الطريف والمؤسف أيضا ، أن من وقعوا على بيان الدعوة لتجميد عضوية العراق في الجامعة العربية ، وبعد أن حضر زيباري لتمثيل العراق بصفة مؤقتة ، سرعان ما نسوا بيانهم وتواقيعهم فكتبوا مقالات التأييد وبرقيات التهنئة بنجاح وزيرهم في حضور الاجتماع ، وبلغت الهرجة البائسة ذروتها حين كتب أحد / شعرائهم / مقالة حماسية يطالب فيها الوزير بأن يذل الوزراء العرب ويؤكد لهم كرديته بأن يدخل عليهم مرتديا الشروال الكردي /المناضل/ ! إن هذه الطريقة في /التفكير/ إن دلت على شيء إنما تدل على جهل هذا /الشاعر/ بتاريخ بلاده العراق والذي وصل فيه العراقي الكردي ليس إلى منصب وزير الخارجية فحسب بل إلى منصب رئيس الوزراء في العهد الملكي كما هي الحال مع بكر صدقي المعروف بأنه من ذوي النزعة / العراقوية / المتطرفة ، وإلى منصب نائب رئيس الجمهورية حتى في عهد صدام كما هي الحال مع طه محيي الدين معروف ! ولكنها عقلية الغنيمة والثأر البدائي التي تحل في رؤوس بعض مثقفي وشعراء هذه الأيام محل العقلانية والتسامح والبحث عن الحقيقة .
قد يستغرب القارئ من إننا لم نعطِ رسالة السادة المثقفين إلى الرئيس بوش حقها من النقاش والسبب في ذلك بسيط فلا بوش ولا غيره يمكن أن يغير مسار الأحداث المؤدي إلى هزيمة الاحتلال التي بدأت تتأكد ، والواضح إن بوش يريد أن يخرج من المستنقع بأي ثمن ، ولن تقنعه رسالة هذه المجموعة من المثقفين ومن وقع معهم عليها بالبقاء طويلا ينزف الدماء والخسائر المادية الأخرى . ثم ماذا سيفعل أعضاء مجلس الحكم ومحازبوهم من المثقفين وغيرهم إذا ما قررت إدارة بوش غدا أو بعد غد سحب قواتها الغازية وتسليم الملف العراقي إلى الأمم المتحدة ؟ هل سيعلنون الكفاح المسلح ضد القوات الأممية أم يهاجرون إلى أمريكا ؟
من جانب آخر ، فإن الوقوف ضد دور مهم ورئيسي للأمم المتحدة الذي يمكن أن يكون نوعا من الحل عبر إرسال قواتها إلى العراق لفترة انتقالية تنتهي بإجراء انتخابات تشريعية ورئاسية نزيهة يصطدم برغبات وأماني الشعب العراقي الذي يحبذ هذا الدور كما تؤكد وسائل الإعلام في الداخل والخارج . لقد بكى العراقيون بلوعة بعد جريمة تفجير مقر الأمم المتحدة ، وودعوا موظفيها لدى رحيل أغلبهم من بغداد بالدموع ومشاعر الأسف والأسى كما أكدت لكاتب هذه السطور إحدى موظفات المنظمة والتي نجت بأعجوبة من الموت وكان بين مكتبها ومكتب السيد سيرجيو دميللو مجرد جدار بسيط ، أفلا يقف أصحاب الرسالة إلى بوش على الضد من رغبة الغالبية العريضة من شعبهم في تقصير عمر الاحتلال وإنهائه عبر استبدال القوات المحتلة بأخرى أممية تشرف على قيام العراق الحر الجديد وتقبر بقايا الدكتاتورية الشمولية إلى الأبد ؟
لقد سجلت هذه المجموعة من المثقفين برسالتها المؤسفة هذه وبياناتها المؤيدة للاحتلال وإفرازاته موقفا سلبيا سيسجله الشعب والتاريخ عليها كلطخة عار لا تشرف الثقافة العراقية ذات المعنى والتراث التحرري والمقاوم للطغاة المحليين والغزاة الأجانب على السواء

 

المسافة القصيرة بين مقتل آنا ليند وعقيلة الهاشمي

عصام البغدادي

يقول فكتيور هيجو /واجب المثقف ان يسلط النور على بقع الظلام المعتمة ..على اوكار خفافيش الليل المختبئة هنا وهناك/
سبق ان قلنا ان المرأة العراقية كانت هي المتضرر الاول في بنية المجتمع العراقي نتيجة سنوات الحرب العراقية الايرانية 1980- 1988 حين فقدت المرأة العراقية خلالها جدرانها الاربعة التي كانت تستند الى احدها اقتصاديا واجتماعيا ونفسيا فقد فقدت (الاب والاخ والزوج والابن) قتلى او اسرى او مفقودين في الحروب والسجون او مهاجرين خارج الوطن ولم تبق دار واحدة محافظة على تركيبها الاسري الا بصعوبة بالغة وقد واجهت المرأة العراقية هذه المحن بجلادة وصبر رغم كل ما تحتويه من تناقضات وصعاب اضافة الى ملاحقة النظام لها بشكل دوني اهدر كرامتها وعزتها وجعلها تتعرض لشتى الضغوط القاسية.
رحلت آنا ليند وزيرة خارجية السويد وهى الدبلوماسية البارعة واول من اصطحبت طفلتها معها الى الامم المتحدة لتضيف للامومة بعدها السامي .. رحلت بعد طعنات رجل مجرم لها وهى تؤدي واجبها العائلي بالتبضع من السوق بلا حراسة رسمية في بلد ديمقراطي مثل بلدها بعد ان كانت مواقفها واضحة ازاء العديد من القضايا الدولية واهمها القضية العراقية فلم تجد قوى الظلام سبيلا سوى التخلص منها كما فعلت ذلك سابقا مع اولف بالمة مواطنها ورئيس حكومة بلدها في عام 1986.
وها هي الراحلة عقيلة الهاشمي تتوج شاهد اثبات على المأساة التي عاشتها المرأة العراقية وتكون اول امراة عراقية سياسية يتم اغتيالها وثاني ضحية في عهد سلطة الاحتلال ويبدو ان القتلة المتمرسين في جرائم الاغتيال قد استهدفوها في ذلك الصباح الذي خرجت فيه من دارها متوجهة الى مقر عملها لكى تساهم في ارساء مستقبل العراق بما لديها من خبرة طويلة في وزارة شهدت مقتل واختفاء العديد من كوادرها خلال حقبة الاعوام الثلاثين الماضية .
رحلت عقيلة الهاشمي دارسة القانون التي كانت مميزة بهدوئها الجم عندما كانت طالبة في كلية القانون والسياسة في السبعينيات والعاشقة للادب الفرنسي الرصين.. رحلت ولم ازل احتفظ بنسخة من كتاب /قدر الانسان / للكاتب الفرنسي اندريه مالروا - الوزير الديغولي والرحالة المستكشف لاسرار الحضارة في جنوب شرق اسيا .. تلك النسخة التي اهدتها لي حين شاءت الصدف ان اتعرف بها ويدور بيننا حديث عن الادب الفرنسي الذي كنت مولعا به مثلها .
لن اقول وداعا لك سيدتي لان رحيلك ينبغي ان يكون نقطة الابتداء للمرأة العراقية لكي تؤدي دورها بقوة وثبات رغم رصاص القتلة وآن الأوان لكل المثقفين والمخلصين ان يسلطوا انوارهم على قوى الظلام والشر المختبئة في اوكارها مثل خفافيش الليل .
لقد تحملتِ المسؤولية التاريخية في اكبر محنة يتعرض لها العراق منذ ان سعى وعمل حفنة من المغامرين العسكريين على تدميره خلال الاربعين عاما الماضية ..تحملت مسؤولية جسيمة دفعت ثمنها غاليا في الوقتِ الذي يأبى العديد من الرجال طالبي السلطة تحمل المسؤولية في اعادة بناء الحياة في العراق ولا ينشدون سوى اللعب على الحبالِِ مثل مهرجين في سيرك مجاني فلا هم يجيدون اللعب المتقن ولاهم يعتكفون في دورهم يمارسون الكسل والثرثرة ويكفون عن وضع العصي في الدواليب.
رحلت في الوقت الذي يدعو مثقف عراقي بنقل معاركه الاعلامية الى ساحات العشائر الخلفية حين يعود للوطن من المهجر كأن المعارك الدائرة هناك غير كافية.. رحلت في الوقت الذي لا يزال مصير العديد من النساء والاطفال مجهولاً.. رحلت في الوقت الذي عرفت اسمك فيه نساء العراق وصار لهن املاً بمكانة افضل للمرأة العراقية بعد سنوات عديدة من الانتقاص والمذلة والهوان لدورها في بناء حياة افضل.
مرة اخرى لن نقول وداعا لانك ستكونين اول الباقيات في ذاكرة نساء العراق.

 

هل أصبحت الوطنية أفيون الشعوب؟

ممدوح الشيخ

منذ أن عرفت كمقولة ماركسية شهيرة لخصت عبارة /الدين أفيون الشعوب/ موقفا من الدين إذ يستخدم لإلهاء الشعوب عن معاناتها، ورغم أن المقولة تعكس عداء مبدئيا للدين أي دين، فإنها تعد من ناحية أخرى نموذجا لمنطق التضليل عموما، ومنها ألعاب التضليل التي تمارسها النخب السياسية والثقافية ضد شعوبها متحالفة مع قوى الاستبداد. وكل استبداد سياسي له /أفيونه/ الذي يفضل استخدامه ويجيد ترويجه بين رعاياه، ويبدو أن الوطنية أصبحت /أفيون/ الاستبداد السياسي العربي الذي يحرص على أن تكون وطنية متشنجة تتحول إلى ما يشبه الجنون في مواجهة كل ما هو غربي. فإذا حضر الغربي على شاشة الرؤية حقيقة أو توهما تحضر مفردات الصراع وتفرض نفسها، وعندئذ نصبح جميعا في معركة مصير الأكثر تشددا فيها والأعلى صراخا هو الأكثر وطنية!
وما نخسره بهذه الروح العصابية ليس فقط أفاقا ممكنة لعلاقة مع هذا الغرب أقل توترا وأكثر قدرة على إعادة التوازن ولو قليلا لموازين القوى المختلة. بل نخسر ما هو أهم، عندما ترتفع صيحات الحرب وتدار المجتمعات بمنطق الثكنة العسكرية، ويصبح كل خروج عن /الطابور العسكري/ خيانة وعمالة، ويوصف كل تفكير أخلاقي أو إنساني بأنه ترف يلهي الجنود عن المعركة الفاصلة. فالمعركة بدأت بالفعل والحسم الآن وهنا، أما البناء الداخلي للمجتمعات بنفس طويل على نحو يجعلها تملك قدرة حقيقية على المواجهة دون صراخ فهو كلام في غير موضعه لأنه /أقل وطنية مما ينبغي/، رغم أن موازين القوى في اللحظة الراهنة هي - في النهاية - حصيلة عقود ضائعة من عمر الأمة العربية صودرت فيها حرية الشعوب بدعاوى مشابهة، فاستشرى الفساد وساد القهر والاستبداد وتكرس التخلف والضعف.
ولعل أكثر ما يثير الدهشة في هذا المنطق المغلوط أن تتبناه حركات إسلامية تعلم أن البناء والإعمار فرض شرعي في كل وقت، كما يقول الرسول (صلى الله عليه وعلى آله وسلم) في الحديث الصحيح: /إذا قامت القيامة وفي يد أحدكم فسيلة فليغرسها/، فهل يعتبر الإسلاميون أن العدوان الغربي أكبر عليهم من يوم القيامة ؟ حتى يردد بعضهم هذا الخطاب، وهل يعجز الإسلاميون حتى الآن الدرس من تجارب سابقة بعد أن دفعوا الضريبة الأكبر لغياب الحريات وسيادة القهر وخداع الشعوب بشعارات المواجهة مع الغرب لاتخاذها تكئة لممارسة القهر وحماية الفساد.
أننا عبر تجارب عديدة مريرة لم نستوعب أن مزيدا من الحرية واحترام آدمية المواطنين أول ضمانات انتماء الناس لأوطانهم واستعدادهم للتضحية بكل غال في معاركها. وأن الوطنية إذ تصبح مرادفا لتسويغ القهر أو حتى مبررا له تصبح أفيونا بكل معنى الكلمة. فاحترام القوانين والدساتير الوطنية ليست ثغرة لدخول الغزو الأجنبي ولا سبيلا لإهدار السيادة الوطنية، والمطالبة بالالتزام بها لا يمكن أن يصبح / موسميا / يقبل في مواسم تحددها النخبة ويجرم في أخرى، ولا يجوز أن يحكمه منطق انتقائي.
وها هو المشهد العراقي يلقي بظلاله على كثير من الدول العربية التي أصبحت تبدو كما لو كانت تخوف شعوبها من أن الهدف إبادة الأمة كلها أو على الأقل سلبها حريتها وأن الدور قادم عليها لا محالة، ومن ثم تخيرها - ضمنا - بين الحفاظ على السيادة الوطنية والحفاظ على إنسانية الشعوب، ويصوغ مثقفون بناء على هذا التخيير الضمني خطابا يصنف الناس بشكل حدي إلى /مع/ و/ضد/ بشكل لا يجوز معه أن تكون هناك رؤى أخرى لها طبيعة توفيقية أو حتى خلافية. وإذا كانت تلك ضريبة مقبولة في نظر الكثيرين للتصدي للآخر فإن هذا يعني أننا نحطم مستقبلنا بأيدينا لأجل معركة قد لا نكون ابتداء مضطرين لخوضها.
وما يبقى للمجتمعات العربية من حيوية وقدرة على الفعل بعد كل /معركة وطنية/ يتضاءل، وهذه المجتمعات هي رأس المال الحقيقي الذي يجب أن يصبح التفريط فيه من المحرمات، ربما قبل الحفاظ على الأرض والثروات والأنظمة. فكل هذه المقومات على أهميتها الشديدة ملك للشعوب ينبغي أن تستخدم فقط لتوفير الحياة الكريمة لها، أما التضحية بالشعوب بدم بارد على /مذبح الوطنية المقدس/ - سواء كان ذلك بإلقائها في محرقة مغامرات عسكرية طائشة أو سلبها إنسانيتها بالقهر والاستبداد - فليس من الوطنية في شيء.
 
العلاقات الكويتية العراقية... ملفات ساخنة وأخرى عاجلة

محمد الرميحي

على الرغم من حساسية الموضوع ودقته، فإن الوقت مناسب لطرحه، فقد تنادى عدد من المؤسسات الأهلية في الكويت، مباشرة بعد تحرير العراق، للنظر في تشكيل مساندة شعبية واسعة لعلاقات جديدة مبنية على الاحترام المتبادل، لكثرة وطول الخلاف بين الكويت والعراق في تاريخهما الحديث، ومع حمأة اللحظة لبى ذلك النداء، عدد من الجمعيات الأهلية والشخصيات العامة الكويتية.
لم تكن تلك الخطوة الشعبية إلا للتعبير عن أمل جديد، يضع كل آلام الماضي خلف الجميع للسير باتجاه الوفاق والاتفاق، مثل أي دولتين عربيتين جارتين، كما يؤكد الخطوة دور المجتمع الأهلي في التقارب.
وما لبث أن سُمعت أصوات، قد تبدو قليلة، ولكنها مؤلمة تذكر بالماضي، وارتفعت هذه الأصوات تدريجيا، ومن الجانبين، تحاول تعكير صفو المتوقع من العلاقات الإيجابية المأمولة، وكان الصوت القادم من الشمال أعلى وأكثر ترديداً.
بعض هذه الأصوات كانت عبارة عن عزف المقطوعات القديمة في شكل توزيع جديد، ثم لحقتها بعض الأصوات العربية، تحاول أن تستعيد مواقعها الماضية عن طريق إشاعة جو من التخويف والتوتر والعداء.
كان طبيعيا ألاّ يستمع العقلاء لمثل هذه الأصوات، فقد سارت سياسة الدولة في الكويت على احتضان الإدارة العراقية الجديدة، والدخول معها يدا بيد في المنتديات العربية والدولية، وهذا يدل على أن هناك تصميما من الجانبين، على تخطي كل الأصوات السلبية مهما علت، حتى لا تنجح في قفل باب أمل جديد غير مسبوق في العلاقات الكويتية العراقية.
ذلك حسن ومرحب به، إلا أن الأمر يجب ألاّ يقتصر على العواطف، فهي كثيرة ومتدفقة، بل الواجب النظر إلى الملفات العالقة وهي كثيرة أيضا، وفرز العاجل منها عن الآجل، والبدء في وضع مرجعية وقواعد تحكم العلاقة الشائكة منذ القديم، على قاعدة التعامل الندي الواضح، ولا يكفي القول إن الكويت كانت بوابة الحرية للعراق، فذلك أمر قد وقع، وكثيرا ما تنسى الشعوب كالأفراد مواقع الحسنى إن تغيرت الظروف.
أهم ملف عالق هو الخطاب الصدامي واسع التأثير وطويل المدى لدى قطاعات واسعة من الشعب العراقي، وبخاصة عراقيي الداخل، وخصوصا الجيل الجديد، الذي رسخ في عقله ولفترة طويلة من الزمن بعض الأفكار السلبية تجاه الكويت، التي وإن طمست لدى البعض مؤقتا سرعان ما تجري إعادتها بسرعة بسبب أن الشفاف قليل الكثافة على مكنوناتها التي رسخت لفترة طويلة، حتى قبل وصول صدام إلى السلطة.
ولقد تنبه البعض إلى سرعة عودة الشعارات السلبية السابقة في الأشهر الأخيرة وعلوها، وعزفت وسائل الإعلام على نغمة الخلاف والاختلاف، ووجد مناصرو صدام في الداخل العراقي وخارجه، شيئا يتحدثون عنه ويتوقون إليه من أجل استمرار خطابهم السلبي، الأحداث عدة، ولا داعي للخوض في تفاصيلها، إلا أن عدم الاعتراف بها قد يؤدي إلى تفاقمها.
بالمقابل من السذاجة عدم فهم واستيعاب دروس الماضي في تناولنا الملفات العالقة بين الكويت والعراق بخفة، تلك مسؤولية يجب أن تؤخذ بما هي عليه من أهمية.
هناك ملفات عالقة، بعضها يسير وهين، يمكن التلاقي حول حلول وسط فيه، وبعضها شائك، قد تختلف المصالح حوله، وكلما فرزنا هذه الملفات بعضها عن بعض، وعولجت بما تستحق من اهتمام وجدية، قربنا من استيعاب دروس الماضي، وكلما أهلنا عليها التراب تحت مظلة التجاهل أو المجاملات والاعتماد على الزمن تعقدت الأمور، وتكاثر الصيادون في الماء العكر، وأوقظت النعرات المخبأة والنوايا المبيتة.
من ضمن الملفات وربما أسهلها، محاكمة مجرمي الحرب من العراقيين من أزلام النظام العراقي السابق الذين تسببوا في القتل والتشريد والملاحقة للكويتيين، وهم معروفون، وقد قام مركز الدراسات والبحوث الكويتية بجهد جاد ومثابر في تصنيفهم، وجمع الوثائق التي تدينهم دون شك أو ريب، وهي وثائق عراقية في الأساس، وللعراقيين في السلطة الجديدة مصلحة أيضا في بحث هذا الملف بالسرعة اللازمة، لأن هؤلاء هم أنفسهم الذين قاموا بكل العسف غير الإنساني في الكويت، وقد قاموا أيضا بمثله في العراق.
الملف الأكثر تعقيدا هو ملاحقة من قام بالقبض وتعذيب وإعدام الأسرى الكويتيين، والقبض على بعضهم تم أمام شهود وخلَّف وثائق، حتى لو لم يكن هؤلاء مطلوبين من السلطة العراقية الجديدة، في هذا الملف تحتاج الكويت أولا للمساعدة في التوثق والمتابعة، ولأن موضوع الأسرى والمرتهنين الكويتيين، قد كان النظام السابق دائم التشكيك حوله، إلى درجة أن بعض قادة الرأي العرب مازالوا يؤكدون هذا التشكيك ويؤمنون به، فقد كان لزاما وضع أهالي الأسرى والمرتهنين في موضع المعرفة بالتفاصيل والراحة النفسية بعد طول عناء، وحتى لا يجرؤ أحد في المستقبل أن يشكك في الأمر، والموضوع يحتاج إلى تعاون جدي في البحث عن هؤلاء، ومعرفة تفاصيل أعمالهم ومن فعل ماذا وكيف؟ على وجه الدقة، ثم تقديم هؤلاء جميعا للعدالة مع التوثيق الواضح.
تبقى ملفات أخرى عالقة قد يكون من أهمها (التعويضات من الاحتلال) وقد يكون هذا الأمر في ظروف العراق الحالية، حساسا وقابلا للإثارة من البعض بشكل سلبي. لقد قررت الإرادة الدولية تخفيف نسبة الاستقطاع من الموارد العراقية إلى أقل القليل وتخصيصها لاستكمال التعويض من أجل وضع باقي الموارد لخدمة إعادة إعمار العراق. والتعويضات بعضها خاص بممتلكات الدولة، وبعضها للخواص، الذين فقدوا ممتلكاتهم. والملف حساس لأنه سيدخل النقاش باتجاهين الأول الوضع القانوني، الذي يقرر أن التعويض عن مضار الحروب، وبخاصة الحروب الهجومية، للمتضررين حق قانوني، والثاني هو التبرير الأخلاقي والسياسي بأن يحصل البعض على تعويضات عن مفقوداتهم وممتلكاتهم في وقت محدد، ثم يبقى آخرون لا يعرفون مصير هذا التعويض.
وزير التخطيط العراقي الجديد أوضح الأمر في مقابلة مطولة في الصحف الدولية، أشار فيها إلى موقف محدد حيال التعويضات، منها التبرير القائل إن إعادة إعمار العراق، تحتاج ليس إلى الأموال من الموارد العراقية فقط، بل وأيضا من موارد مانحة أخرى. ويعني هذا التوجه شحاً في الموارد المخصصة للتعويضات، وتتنادى الدول لعقد مؤتمر مانحين للعراق من أجل إعادة الإعمار.هنا احتمالات الضغوط ممكنة، سواء من الأطراف الدولية أو الداخلية.
ذلك أمر سياسي وحساس، ويمكن في حالة تركه لفترة طويلة دون حسم، أن يتدخل فيه ما تركه نظام صدام حسين من خطاب سلبي على النطاق الشعبي، ومع مشاركة قوى إقليمية أو دولية.
يبقى الملف الأكثر حساسية من كل ذلك، هو الملف النفطي، الذي لا يزال لم يفتح وتتحدث عنه بعض المصادر بحذر شديد، وهو ملف آن الوقت أن يحضّر له بدقة، بوضع استراتيجية واضحة، تعتمد على قاعدة عدم الإفراط أو التفريط في مصالح البلدين.
مثل هذه الملفات يجب ألا تترك للصدفة، ولا إلى الزمن، بل تحتاج أن توضع لها أجندة معروفة محددة ومتوافق عليها وطنيا، يعرف الطرفان أي خطوط تجمعهما وأي مساحات يجب أن يعملا معا لتقريبها، أخذا بدروس الماضي وتكاليفه الباهظة .

 

موقف النواب الكويتيين من التعويضات ومسؤولية مجلس الحكم

مصطفى محمد غريب

هل يجب ان يدفع العراقيون الديون وفوائدها والتعويضات بسبب الحروب التي قام بها النظام العراقي السابق التي تقدر بــ 200 مليار دولار؟

سؤال مهم من الضرورة التدقيق فيه لكي نخرج باستنتاج منطقي وواقعي، حتى لا يشعر الآخرون بأننا ننتهج سياسة ديماغوغية متطرفة ومنها الرفض المطلق بدون حجج علمية وقانونية بحجة ان العراق يرفض مناقشة هذه القضايا التي خلفها النظام الشمولي بعدم دفع الديون والتعويضات لأنه غير مسؤول عنها ..
لو تدرجنا في البحث عن مصداقية الديون واسبابها لوجدنا ان أكثرها نشأ في ظروف غير طبيعية وبخاصة بعد الحرب العراقية الإيرانية التي دامت ثمان سنوات منذ 22 / 9 / 1980 حتى سنة 1988 وهذه الفترة غير الطبيعية وما تلاها يجب ان تخضع للتدقيق ومعرفة الاسباب الحقيقية لهذه الديون والفوائد التي نتجت عنها وكذلك التعويضات.
هل كانت من أجل البناء والنمو ومساعدة الدولة لتقوم بواجبها اتجاه الشعب لضمان حياة مرفهة واستكمال مشاريع اقتصادية وخدمية وصحية وتطوير الزراعة وكذلك من اجل استخراج وتطوير صناعة النفط وغيره من الموارد الطبيعية لمساعدة العراق وجعله في مصاف الدول المتقدمة ولا سيما بما يملكه من ثروات هائلة وكبيرة؟

ام كانت هذه الديون من اجل استمرار بقاء الحكم والسلطة القمعية و تقوية الماكنة العسكرية العدوانية والمؤسسات الأمنية الارهابية على حساب المواطنيين العراقيين والدول التي تم الاعتداء عليها؟

الجواب معروف وغير معقد ويستطيع أي انسان التوصل له.. ان أكثرية الديون وفوائدها التي تراكمت على العراق كانت عبارة عن شراء الأسلحة وتطوير الماكنة العسكرية أثناء الحرب وبعدها، وكانت تستعمل لتطوير ادوات القمع والاضطهاد بالدرجة الاولى ضد الشعب العراقي، والمقابر الجماعية للعراقيين وغيرهم وحتى للأسرى الكويتيين خير دليل على ما نقوله، ثم صناعة وتطوير اسلحة الدمار الشامل والتي نتج عنها قصف مدينة حلبجة بالكيمياوي واثناء الانفال المعروفة والتي راح ضحيتها حسب التقارير والاحصائيات ما يقارب 180 ألف كوردي، ثم استعمالها في الجنوب وكذلك غزو الكويت الشقيقة التي وقفت مع النظام العراقي وقدمت له الدعم والمساعدة في حربه الخليجية الاولى..
كما دلت الوقائع ان قسماً من القروض دفعت للنظام الشمولي لتطوير مؤسساته الأمنية

التي استعملها ضد العراقيين وبناء السجون وتحديث القديم منها وغيرها من أدوات القمع والارهاب.
لا أعرف ولا يعرف غيري كيف يمكن السكوت عن هذه القضية الحيوية بعدما ذهب النظام الشمولي إلى غير رجعة، هذه القضية التي ستكلف العراق وموارده مليارات الدولارات وهو الذي يحتاج إلى كل دولار من أجل أن يساهم في اعادة بنائه وفي اعادة الامور إلى طبيعتها الاعتيادية والتخلص من الخراب والدمار واستتباب الأمن والاستقرار والقضاء على الفقر والامراض وبالتالي جعل العراق دولة حضارية تحترم جيرانها وتساعدهم كما ساعدوها في المحنة الكبيرة التي مر بها العراق.
ان موقف بعض النواب الكويتيين من قضية التعويضات يشابه الموقف الكويتي الذي دعم نظام صدام وحكمه الشمولي الارهابي في حربه ضد ايران واضطهاده وبطشه بالشعب العراقي.. فقد كان هذا الدعم وغيره قد مكن النظام العراقي في زيادة ارهابه ضد القوى الوطنية العراقية والشعب العراقي فضلاً عن ما لحق من مآسي للشعب الايراني..
فهل يجب أن تطالب ايران ايضاً بتعويضات من الكويت أو الأردن أو غيرهما لمواقفهما ودعمهما المادي والمعنوي للنظام العراقي السابق في غزوه واحتلاله للاراضي الايرانية والخراب والدمار الذي اصيبت ايران بهما جراء تلك الحرب والتي لولا استمرار الدعم الخارجي ومنها الكويتي والعربي لتوقفت منذ زمن بعيد.
وبينما انبرت القوى الوطنية العراقية المعارضة للوقوف ضد شن الحرب على ايران كان نصيب الكثير من العراقيين في الكويت أما الهرب منها خوفاً من المخابرات العراقية وملاحقة الأجهزة الامنية الكويتية او تسليم العديد منهم للنظام العراقي وهذه قضية معروفة للجميع ويتذكرها البعض لأنهم مازالوا أحياء يرزقون.
واليوم يبدأ بعض النواب الكويتين ليعلنوا موقفاً مشابها بالموقف أثناء حرب الخليج الأولى عندما لا يقفون مع الشعب في محنته الحالية ليقفوا مع فلول النظام واجهزته المخابراتية والأمنية السابقة ولكن بطريقة اخرى، لأن الحديث عن التعويضات بمثل هذه النبرة الهستيرية والعدائية وكأن الشعب العراقي كان صاحب القرار بغزو الكويت وليس النظام العراقي، ومقارنة ديون الولايات المتحدة الامريكية لبلدان العالم الفقيرة بتعويضات مالية لم يكن الشعب العراقي مسؤولاً عنها ولم يكن له اي يد فيها لا من بعيد أو قريب، تكاد تكون مهزلة وبعيدة عن التحليل الموضوعي والمنطق العلمي، فالشعب العراقي كما يقول الكويت هو شقيق يجب الوقوف معه ومساعدته في ظروفه المأساوية الراهنة والنظام الدموي الذي كان خطراً على جيران العراق وكان يحكم الشعب العراقي بالنار والحديد رحل إلى غير رجعة.
كان على الكويتيين والسعوديين أن يبادروا بشكل طوعي للتنازل عن هذه التعويضات ليبرهنوا للشعب العراقي عن مواقفهم الاخوية لإدراكهم عدم مسؤوليته عن الغزو الغاشم للكويت والاضرار التي لحقت بالسعودية جراء الغزو ذاك، إذا كانوا فعلاً أشقاء يريدون للشعب العراقي الوقوف على قدميه.. وليس كما صرح البعض من النواب الكويتيين لمجرد تصريح صحفي لأمريكي احتل بلده العراق حول التعويضات وضرورة إلغائها..
فعندما يساوي النائبان الكويتيان يوسف زلزلة و ضيف الله بورمية بين موقف مغاير لموقف آخر يرتكبان الخطأ نفسه ولا يدل على الموقف الأخوي التضامني في ظروف مماثلة لغزو الكويت بالنتائج ان لم نقل أكثر، فالسيد يوسف زلزلة يقول بكل صراحة / قضية التعويضات والديون قضية دولية ولا يمكن لبول بريمر/ أو لا يحق / لغيره التحدث فيها، و ان تطالب الكويت بالتخلي بنفسها طواعية عن حقوقها غير مقبول لأن التعويضات جزء من الخسائر الفادحة للغزو/
أما في الجانب الآخر فنقول ايضا وبصريح الكلام، كان على مجلس الحكم العراقي الانتقالي ان يعلن عن موقف واضح وصريح من الديون والتعويضات، أو على الاقل الاعلان عن تأجيلها لحين انتخاب حكومة وطنية وقيام برلمان عراقي منتخب لكي يناقش هذه الموضوعات ولا يترك الأمر على عاتق الحاكم المدني الأمريكي بريمر ، لأن هذا الموقف هو خاص بين شعوب شقيقة أو دول صديقة من الممكن الوصول إلى حلول تخدم الطرفين بعدما يتعافى العراق ويصبح الشعب سيد نفسه..
لقد سبق الجميع هذا الامريكي مع شديد الأسف عندما قال / عليّ أن اقول أنه أمر غريب بالنسبة لي أن يدفع بلد يبلغ الدخل السنوي للفرد فيه 800 دولار سنوياً تعويضات يزيد الدخل السنوي للفرد فيها على ذلك عشرات المرات عن حرب عارضها كل العراقيين الموجودين في الحكومة الآن/
ونزيد على قوله عارضها أكثرية الشعب العراقي وقواه الوطنية الشريفة الذين قدموا التضحيات الجسام في سبيل اسقاط النظام والوقوف مع الشعب الكويتي والايراني وغيرهم بسبب سياسة النظام الشمولي واعماله الارهابية ضد الآخرين.
أن قضية التعويضات التي وضعت على كاهل الشعب العراقي ليتخلص النظام العراقي من هذه المشكلة قد اصبحت في الوقت الحاضر قضية غير عادلة بعد سقوط هذا النظام مع الأسف بيد القوات الأجنبية وليس بيد الشعب المغلوب على أمره في السجون والمعتقلات وهروب أكثر من اربع ملايين عراقي من وطنه بسبب سياسة البطش والارهاب...
أما قضية القروض والديون وفوائدها فان النظام الشمولي هو الآخر مسؤولاً عنها وليس الشعب العراقي وبمجرد المتابعة عما يجري اكتشافه من عشرات الآلاف من الاطنان لأسلحة مختلفة الصنع.. صواريخ جو أرض مختلفة، وقذائف وقنابل وهاونات واربيجيات ورشاشات وعتاد مختلف لجميع الأسلحة، وصواعق للتفجيرات وغيرها إضافة إلى ما دمر من آلاف الدبابات والمدرعات والسيارات والطائرات يعرف المرء اسباب أكثرية الديون وكيف تراكمت إلى هذا الحد المهول..
ونجد من الضروري أن ينتبه لها المجلس الحاكم ولا يجعلها قضية ثانوية لأن هذا الاجمالي من الديون 200 مليار دولار وبمضمنها 98 مليار كتعويضات ليست بالمبالغ البسيطة والسهلة وسوف تكون عائقاً كبيراً أمام اعادة بناء العراق وتحقيق نوع من الرفاهية للمواطنين العراقيين ومن أجل قيام الدولة الدستورية والحكومة والبرلمان المنتخبين ديمقراطياً اللذين يتحملان المسؤولية امام الشعب لأي قضية تتخذ فيها

قرارات كمثل هذه القضايا التي قد تضر ولا تنفع المصلحة العامة.
أي قيام نظام ديمقراطي يتمتع الفرد فيه بالحرية وتحترم حقوقه المشروعة ولكي يعيد الأمن والاستقرار والعلاقات الطبيعية مع الاشقاء والاصدقاء ودول العالم أجمع.

 

الحجاب وحيرة المرأة العربية بين فتاوى الفقهاء

هل فرضه الإسلام فرضاً

أشرف عبد الفتاح عبد القادر

هذا هو المقال الثالث عن /الحجاب/ وهو الموضوع الأكثر حساسية للمرأة، والذي أعده المتأسلمون أصلاً من أصول الدين في حين أن أصول الدين معروفة وهي: الإيمان بالله والرسول، وإقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت لمن استطاع إليه سبيلاً . ونرى نحن أن [لا /الحجاب/ ليس فريضة إسلامية] أن دعوى الحجاب هي دعوى سياسية أكثر منها دينية، ونرى أن النقاب عادة متوارثة عبر الأجيال عرفها العرب قبل الإسلام وفي عصور انحطاطهم وأنه ليس من الإسلام كما أوضح ذلك د. الفنجري، وهنا سنرى ماذا قال الأستاذ جمال البنا في كتابه عن الحجاب. فيقول أن قضية الحجاب قضية متعددة الأبعاد، لأنها تشمل المرأة والمجتمع. ولا نجاوز الصواب إذا قلنا أنها تشمل الرجال أيضاً.وتدل أيضاً على أن النساء ظلمن على مر العصور ظلماً شديداً وخضعن لحماقات وإساءات ورذالات الرجال. وجردن من إدارة شؤونهن بحيث لم يعد لهن من أمرهن شيء وأصبحن (عوان) أسيرات كما قال الرسول (ص) وهو يدفع عدوان الرجال. ويقول إننا عندما نستعرض قضية الحجاب لا نرى فيها رأياً للمرأة نفسها وكأنما استكثر الرجال على المرأة أن تستشار على الأقل في أمر يمس خصوصيتها (وهو زيها) ويعد التدخل فيه، فضلاً عن فرضه، أمراً نابياً!
ويتابع شيخنا وأستاذ الأجيال جمال البنا أن الذين وضعوا أحكام الحجاب من حمورابي .. فأثينا .. فروما .. وبيزنطة، ومن جاء بعد ذلك من فقهاء المسلمين، اعتبروا المرأة أنثى، وأن قضية الزي ترتكز على أنوثة المرأة، فليس هناك حاجة لكي تستشار. ولكن هذا لا يمثل الحقيقة كاملة. فالمرأة مع أنها أنثى، فإنها أيضاً، وأهم من ذلك وقبل ذلك، إنسان!
أما عن /النقاب/ فيرفضه المؤلف ويعتبره جريمة لا تغتفر في حق المجتمع وفي حق المرأة ولا يمكن بأي حال من الأحوال السماح به. وقد شبه الكاتب التونسي القديم الطاهر حداد النقاب بالكمامة التي توضع على فم الكلاب حتى لا تعض المارة. والذي جعل من المرأة شبحاً أسوداً مخيفاً. وهو الذي حكم عالم المرأة طوال ألف وثلاثمائة عام، ولا يزال يحكمها في معظم الدول الإسلامية.
ويقول البنا أن كلمة حجاب خص بها زوجات النبي دون غيرهن .. وحرم الحجاب من تعليم المرأة، فقد كان الرأي الفقهي السائد هو ألا تتعلم المرأة إلا الفاتحة وخمس أو ست من قصار السور التي تؤدي بها الصلاة، أما ما عدا ذلك فلا يلزم المرأة! .. وعندما دخلت أول دفعة من الفتيات الجامعة المصرية، كان ذلك يوماً أسود عند بعض المتعصبين الذين رأوا فيه علامة من علامات القيامة تؤذن بسقوط الإسلام .. وكتبوا عناوين منها (مخلوق تتحدى العرف العام)!
فلم يعد يرى الفقهاء في المرأة الجميلة سوى أداة الاستثارة للغريزة الجنسية في حين أن المرأة الجميلة يمكن أن تثير أنبل المشاعر وأرق الأحاسيس وأسمى العواطف.وهنا يتساءل البنا: لماذا لم يقم القرآن بالتحديد؟ ويقول أن الرد الوحيد، أنه أراد التأييد للكليات وحدها ولم يشأ أن يشرك بها التفاصيل. وترك المهمة للنبي (ص) فبين لنا الرسول الكريم طريقة الصلاة وركعاتها وما يتلى فيها، كما عين نسبة الزكاة وذكر بالتفاصيل مناسك الحج. ودلالة ذلك أن النبي رفض تدوين كلامه لأنه لم يشأ أن يكون له صفة /التأييد/ القرآني، وبالتالي لم يشأ أن يكون لهذه التفاصيل صفة التأييد. من أجل ذلك قال النبي (ص):/ أنتم أعلم بأمور دنياكم/. بل أننا أمام النص القرآني نفسه يجب أن نفكر ولا يجوز أن نخر أمامه صماً وعمياناً، فقد تكون العلة التي من أجلها أصدر القرآن حكماً قد انتفت، وبالتالي لم يعد مبرراً لإعمالها وهذا ما فعله عمر بن الخطاب (رض) في اجتهاداته المشهورة .
ويتفق الأستاذ البنا مع كل من المستشار العشماوي والدكتور الفنجري في أن آيات الحجاب كانت خاصة بنساء النبي فقط وأن مفهوم الحجاب في هذه الآية خاطئ /وإذا سألتموهن متاعاً فاسألوهن من وراء حجاب/ ويوضح أن مفهوم الحجاب هنا لا يعني زي ولكن المقصود من وراء ساتر يحجب نساء الرسول، حيث كانت حجرات الرسول في المسجد. وكان المسجد ملتقى البر والفاجر، والصحابة والمنافقين، والأعراب الجفاة، والذين قد لا يتورع أحدهم من أن يبول في المسجد! وأكد القرآن بصريح العبارة أن نساء النبي لسن كأحد من النساء. وأن حجابهن من الخصوصيات. وأن تعميمه على كل نساء المسلمين فيه افتئات صريح على القرآن وتطفل عليه ومخالفة لما أراد الله. والدليل على ذلك أنه بعد نزول آية الحجاب فإن عدداً كبيراً من النساء حاربن في هوازن وخيبر ولا يمكن لامرأة أن تحارب وهي مغطاة الوجه .وأضيف تأييداً لكلام أستاذنا العلامة أن الرسول (ص)حرم على أمهات المؤمنين الزواج من بعده فهل علينا أن نسحب ذلك على جميع نساء المسلمين الأرامل ونمنعهم من الزواج امتثالاً لهذه /السنة النبوية/؟ فهل عمينا عن فهم روح قرآننا أم أن /على قلوب أقفالها/ كما يقول الباري جل وعلا .
ويتفق هنا الأستاذ البنا مع الدكتور الفنجري في أن الحجاب ميراث تاريخي وليس من الدين حيث يقول انه حديث نقلة كبيرة في حياة المسلمين عندما تولى معاوية بن أبي سفيان الخلافة وانتقلت القيادة من المدينة إلى دمشق وتغير بعدها المجتمع الإسلامي وليدخل المجتمع الكثير من التقاليد البيزنطية وليستشري وضع الأحاديث وليتقوقع الفقهاء بعد أن شاهدوا مصرع الصحابة.وكانت أكثر المجالات تأثراً بها البيت والمرأة وكانت هذه الرواسب، وكان الحجاب كميراث تاريخي. ولما كانت المرأة في بيزنطة متخلفة ويضرب عليها الحجاب من أيام أثينا وروما، فقد تسرب ذلك للإسلام. ثم جاءت النقلة الثالثة إلى بغداد بعد دمشق. وكانت أشد تأثيراً، وأعظم وقعاً وكان الحكم العباسي فارسياً بمعنى الكلمة يدين لفارس بالثورة على الخلافة الأموية. فزحفت التقاليد الفارسية على الحياة الاجتماعية. وظهر طوفان الجواري.. وظهر أول توجيه يحض صراحة على حجاب المرأة أوصى به ابن المقفع (وهو فارسي الأصل). ثم كانت النقلة الرابعة مع سيطرة الترك وتحول الخلافة العباسية بحيث أصبح الخليفة أداة طيعة في يد العسكر والترك. وأخيراً جاء سقوط الخلافة العباسية على سنابك التتار وأنهى هولاكو صفحتها وجاءت أفواج الترك والديلم والتتار وفرضوا تقاليد (الياسا) علة المجتمع الإسلامي.
ويخلص الأستاذ البنا بالمنطق أن الله تعالى لو أراد حجب الشعر والوجه، وألا تخرج المرأة من بيتها أو تختلط بالرجل لما أعجزه تعالى أن ينص على هذا صراحة في القرآن الكريم.
وهنا أتساءل لقد ألغى فقهائنا الرق برغم وجود آياته في القرآن، لأنه لم يعد يتوافق مع روح العصر، فلماذا لا يجتهد فقهائنا ويحرمون الحجاب على الرغم من عدم وجود نص قرآني، فلقد انتفت الحاجة إلى زي يميز الحرة عن العبدة، والمرأة اليوم غير المرأة قبل 15 قرناً، وملايين النساء خرجن للعمل، وتشير الإحصاءات أن ثلث العائلات في الدول النامية تنفق عليها النساء ويعملن في كل المجالات بلا استثناء وأثبتن كفاءة عالية ومهارة فائقة في أعمالهن، فيجب أن يوضح فقهاؤنا أن الحجاب من العادات وليس من العبادات وانه ميراث تاريخي ويخضع للتغيرات الزمنية والبيئية ولا يوجد عقاب شرعي صريح على من تتركه.لم يكن الحجاب من الإسلام بل ألصقه المتأسلمون بالإسلام ليدعموا نظرتهم التي تصمه بقهر المرأة ورأوا فيه دليلاً على ازدرائها والتحكم بها وحرمانها من حرية الاختيار، واتفق معهم أنصار الحجاب فجعلوه فريضة دينية، تدل على تعفف المرأة واحتشامها وتحميها من الرجال الفاسقين، ووصموا من لا تلتزم به من المسلمات بالعصيان، إنهم يرفعونه كشعار سياسي وكدليل على هيمنة الفكر السلفي الذي فرضته الجماعات الدينية على المجتمع العربي بعد هزيمة الجيوش العربية أمام إسرائيل، وهي دولة دينية، في 1967، وأصبحت الجماعات المتطرفة تفرضه قسراً على الفتيات، وقد وصلت بعض تلك الجماعات في الجزائر إلى حد ذبح العديد من النساء وتلميذات المدارس لعدم التزامهن بارتداء الحجاب. (روز اليوسف 2/8/2002).
إن هؤلاء المتأسلمين يرون في الحجاب رمزاً للهوية الإسلامية ، وأن المسلمة الصالحة ترتديه لتتميز عن الأخريات، وهنا يكون السؤال: لماذا تتميز المسلمات في عصرنا عن غير المسلمات؟ فلقد فرض الحجاب على المسلمات في زمن الفوضى والانحطاط وغياب المجتمع المدني (حتى يعرفن فلا يؤذين) يقول المفسرون أن سبب نزول هذه الآية لتمييز الحرائر عن الإماء، ولكن أين هن الإماء الآن وقد ألغي الرق تماماً في كل بلاد العالم؟ لقد انتهى الزمن الذي كان فيه التمييز بالزي في منع الإيذاء، بل على العكس قد يكون التمييز بالزي سبباً في جلب المشاكل عليهن فالنساء المحجبات في الشيشان والبوسنه يتعرضن للاغتصاب والقتل بسبب زيهن المتميز. فهل بعد كل هذه الدلائل والقرائن والبراهين مازال هناك من يدافع عن /النقاب/ و /الحجاب/ بين المتأسلمين الذين تركوا لباب الدين وراء ظهورهم وانكبوا على قشوره انكباب الكواسر الجائعة على فريسة متعفنة؟!

 

تعليق على مقال د. شاكر النابلسى عن محمد حسنين هيكل (عبد المهم)

سامي البحيري

بعد وفاة عبد الناصر (طبعاً)، نشر السكرتير الخاص لعبد الحكيم عامر كتاباً عنه، وكان من المعروف أن عبد الناصر وعامر تربطهما علاقة صداقة قوية ولكنها علاقة /حب وتنافس في نفس الوقت/، فلقد كان عبد الناصر يغار من سيطرة وشعبية عامر في أوساط الجيش، وكان عامر يغار من شعبية عبد الناصر في الأوساط الشعبية، وكان عبد الناصر لا يستطيع مواجهة عامر مباشرة، ولذلك كان يسلط عليه من حين لآخر لسان حسنين هيكل، ومن أطرف ما ذكره كتاب سكرتير عامر هو ما حكاه عبد الحكيم عامر لسكرتيره عن ذهابه الى عبد الناصر للشكوى من مقال كتبه /هيكل/ (طبعاً بإيعاز من عبد الناصر)، وقال له عامر: /مش تحوش صاحبك عني (يقصد هيكل)/ (وكان عامر دائماً عندما يتكلم أمام عبد الناصر عن هيكل يقول /صاحبك/ )، فرد عبد الناصر (مستعبطاً) : ايه خير حصل ايه ؟ عامر: المقالات بتاعته اللي بيكتبها بيهاجمني فيها من تحت لتحت !! فرد عبد الناصر رده التاريخي: أنت عارف يا حكيم ان أحنا عندنا حرية صحافة !! (حكيم كان اسم الدلع لعبد الحكيم عامر، وكان لا يجرؤ أحد على مناداته بهذا الاسم سوى عبد الناصر وبرلتني عبد الحميد )، وطبعا ذهل (حكيم) لرد عبد الناصر، فما كان منه الا أن قال: يا نهار أسود يا جمال !! أنت بتقوللي أنا الكلام ده !! (ده أحنا دافنينه سوا) !! عبارة / أحنا دافنينه سوا / لم ترد في الكتاب، ولكني أضفتها لإضافة مزيد من البهارات على الحديث الذي دار بين : (جمال) و(حكيم) . وإحقاقاً للحق وعملاً بمبدأ التوثيق التاريخي، تلك الرواية وردت في كتاب لسكرتير عامر وكان حريصا على إظهار أن رئيسه على حق وأن عبد الناصر رجل مفتري (وطبعا عنده حق في تلك النقطة بالذات!!)، ولم أقرأ هذه الواقعة في أي كتاب آخر، وبالطبع يجب أن نأخذ باحتراس أي حوادث تؤخذ نقلاً عن الأموات . ولكن من معايشتي لعصر عبد الناصر في طفولتي وشبابي، أتخيل أن تكون تلك الواقعة قد حدثت بشكل أو بآخر.
ومن الأشياء الطريفة التي أذكرها عن هيكل هو تعليق للكاتب جلال كشك في مجلة الحوادث اللبنانية في أوائل السبعينيات (وبعد وفاة عبد الناصر برضه)، أنه كان يسخر من بعض كتابات هيكل، فكان هيكل يقول في كتاباته : /و في زيارتي الأخيرة الى إنجلترا كان في استقبالي في مطار /هيثرو/ السفير المصري فلان الفلاني، ومندوب من الخارجية البريطانية، ورئيس تحرير جريدة التايمز اللندنية، و.... و...../ . وكان (جلال كشك) يسخر تحديداً من موضوع مطار /هيثرو/، فالناس الغلابة الذين لم يسعدهم الحظ مثل هيكل بالتنقل والترحال لا يعرفوا شيئاً أسمه مطار /هيثرو/ وربما اعتبروا أن مطار /هيثرو/ هو مطار سري لا ينزل به سوى /علية القوم/، أما الناس أنصاف الغلابة الذين أسعدهم الحظ بالسفر الى إنجلترا فيعرفون فقط مطار لندن. وكان كل هدف هيكل هو أعطاء تلك الهالة من الأهمية والنرجسية أمام الناس البسطاء من قرائه.
وكثير من الناس (بما فيهم هيكل نفسه) يعتقدون أن هيكل هو الذي صنع عبد الناصر، وهم في ذلك مخطئون خطأ تاريخياً، فعبد الناصر هو الذي صنع هيكل، فهيكل كان مجرد أداة لعبد الناصر ومجرد جسر بين عبد الناصر وبين المثقفين اليساريين، وكان من المعروف أن هيكل قارئ نهم وسريع وبالذات باللغة الإنجليزية، لذلك كان يّعرف عبد الناصر بما يحدث في العالم من خلال قرائاته المتعددة والمتنوعة ثقافياً، لذلك كان أقرب الى السكرتير الإعلامي، وكان يكتب لعبد الناصر معظم خطبه، وهو شيء متعارف عليه في معظم دول العالم، لذلك أعود الى القول بأن هيكل كان مجرد /أداة/، واداة ممتازة في سبيل تحقيق عبد الناصر لهدفه الأساسي وهو البقاء في السلطة بأي ثمن، وعلى رأي الشاعر /أحمد فؤاد نجم/ في إحدى قصائده الممتازة بعد هزيمة يونيه 1967 :
وكفاية أسيادنا البعدا
عايشين سعدا
بفضل ناس تملا المعدة
وتقول أشعار
أشعار تمجد وتنافق .. حتى الخاين
وإنشاء الله يخربها مداين .. عبدالجبار
.....
وعبد الناصر هو المقصود بعبد الجبار
....
ولا يستطيع أي دكتاتور أن يمسك الحكم بقبضة حديدة بدون الأدوات التالية: مسؤول إعلامي ودعائي (هيكل، أحمد سعيد، أغاني عبد الحليم وعبد الوهاب في تمجيد الدكتاتور)، رئيس جهاز مخابرات قوي ومخلص إخلاص الكلب الوفي : (صلاح نصر)، وزير داخلية قوي ومخلص : (شعراوي جمعة)، جيش مخلص (مش مهم يكون قوي) وكان هذا في جيب صديق العمر (حكيم) .
وبوفاة عبد الناصر انتهت الهالة الكبيرة التي كانت حول هيكل، وان كان هناك من يذكره حتى الآن فلأنه من ضمن مخلفات عبد الناصر، وقد حاول أن يلعب الدور نفسه مع السادات، ولكن رفض السادات أن يرث (هيكل الأداة) كما ورث الحكم، لأن السادات كانت له أدوات أخرى، وأسّرها (هيكل) في نفسه حتى أنطلقت في (خريف الغضب) . والذين يوقدون الشموع اليوم لهيكل هم من اليساريين والناصريين وبعض الشيوعيين ومن مخلفات العهد الناصري، ولم لا فهو كبيرهم الذي علمهم السحر، وأيضاً باعتباره على رأي المصريين : /أهو حاجة من ريحة المرحوم/ !!
وقد أعجبت جداً بمقال د. شاكر النابلسى عن (هيكل) ومن الأشياء الذي ذكرها د. شاكر أن هيكل لم يهب للوقوف بجانب الكتاب والصحفيين الذين تم أغتيالهم أو تعذيبهم أو سجنهم أيام عبد الناصر، وذكر بعض أسماء وغفل ذكر اسم الأستاذ /مصطفى أمين/، وذكرت /مصطفى أمين / لأنه كان صاحب فضل كبير على (هيكل) الصحفي. وكانت تهمة /مصطفى أمين/ الملفقة هي /التخابر مع دولة أجنبية/ !! وقضى بسببها في السجن سنوات طويلة ورفض عبد الناصر الأفراج عنه، حتى أفرج عنه السادات، ولم يكلف (هيكل) خاطره بالتوسط لدى عبد الناصر لرفع التهمة الظالمة أو تخفيف الحكم أو الإفراج عنه بعد أداء جزء من العقوبة .
وأصار حكم القول بأنني لم أحب عبد الناصر، وبالتبعية لم أحب هيكل، ليس لأسباب شخصية، ولكنني ببساطة أكره كل دكتاتور، وقد زاد امتعاضي من هيكل كثيرا عندما كنت فى خدمة الجيش المصري على جبهة القناة، ونشر مقالا مشهورا قبيل حرب أكتوبر، ما زلت أذكر عنوانه : /تحية الى الرجال/، وكان مقالا شديد القتامة ومهبّط لعزائمنا كجنود على جبهة القتال، وفيه وّضح هيكل الأهوال التى تنتظر الجنود عند عبور قناة السويس، وكان المقال أشبه بمقال عن /عذاب جهنم/، وكأن هدفه هو بعث اليأس في نفوس المقاتلين، في وقت كنا في أشد الاحتياج الى بارقة أمل للنصر، وقد أستطعنا على جبهة القناة بعد ظهر يوم 6 أكتوبر في تخييب أمل هيكل وتكذيب نبوئته، وأحمد الله على أن السادات لم يتأثر بمقالات هيكل تلك . ومن أشد الأشياء التي جعلت هيكل فى أشد /خريف الغضب/ هو أن السادات أخفي عنه توقيت حرب أكتوبر، ولا أعتقد أن (هيكل) قد تأثر كثيرا عندما وضعه السادات في السجن مع زمرة المعارضين لأتفاق السلام مع إسرائيل، لأن السادات جعل من هيكل بطلا بدون أن يقصد .
ولا بد أن أعترف أن هيكل له أسلوب صحفي ساحر، ولكنه سحر أقرب الى السحر الأسود، أو الى شعوذة السحرة، وعلى سبيل المثال لا الحصر فقد كان الفضل لهيكل في اختراع العديد من الشعارات والألفاظ والتي كلها تخدم الدكتاتور وتضمن بقاءه في السلطة حتى الممات :
تعبير / النكسة/ : أطلق هيكل أسم دلع على الهزيمة الساحقة عام 1967، أسماها نكسة، وهو لفظ مخفف قصد به خداع العامة والخاصة وإيهامهم بأن ما حدث هو شيء بسيط، مجرد /نكسة/ سوف يتعافى منها المريض، ولكن المريض لم يتعاف حتى اليوم، لأن المرض الأساسي كان أسمه /دكتاتورية/ . وقد رد الشعب المصري على تعبير /النكسة/ بأن أطلق أسم دلع آخر عل الهزيمة، اذ أسماها/ وكسة/ .
تعبير /التنحي/: يبدو أن هيكل كان مغرما بأسماء الدلع، فعندما كتب خطاب الأستقالة لعبد الناصر مساء 9 يونيو عام 1967 أطلق تعبير /التنحي/، لأنه يبدو أن الأستقالة كلمة عيب في قاموس الدكتاتورية، مع أن حجم الهزيمة كان يقتضي ليس فقط الأستقالة بل كان يستوجب المحاكمة أو الانتحار، وعلى أي حال فلم يترك الشعب المصري عبد الناصر في حاله فأطلقوا نكتة شهيرة يعاقب عليها قانون الآداب بالأضافة الى قانون البوليس السياسي، وسوف أقول جزء من النكتة وأترك ما بين السطور لذكاء القارئ، وتقول النكتة : أن بعض بائعات الهوى في القاهرة عندما علموا بأن عبد الناصر يريد أن /يتنحى/ قد خرجوا بمظاهرة فى ميدان التحرير وهم يهتفون :/ ........ .......، لا تتنحى / !!
تعبير حالة اللاسلم واللاحرب: اخترع هيكل هذا التعبير بعد هزيمة 1967 لأن المصريون كانوا يستعجلون تحرير سيناء وأعادة فتح قناة السويس، فالعالم والتاريخ يعرف حالات : الحرب، السلام، وقف أطلاق النار، الهدنة الموقوتة، ولكننا لأول (وآخر مرة) نسمع هذا التعبير، وكان الهدف منه مرة أخرى تخدير الشعوب العربية وإيهامها بأنه ما دمنا لا نستطيع محاربة إسرائيل ولا نريد عقد سلام معها إذن يكون من الأفضل أن نعيش حالة /اللاسلم واللاحرب/، وأنه لم في الإمكان أبدع مما كان، وكل شيء تمام ياريس.!!

 

قانون الاستثمار الجديد: الإعلان عن بيع وطن

سعد داود قرياقوس

اثار القرار الذي اعلنه وزير المالية حول امكانية المستثمرين الأجانب في العراق في التملك ردود أفعال سلبيَّة على الصعيدين الوطني والعالمي. ويبدو أنَّ هذه المواقف النقديَّة دفعت سلطات الاحتلال لإعادة النظر في بعض تصوُّراتها، فتجنَّب الأمر الإداري (39) الصادر عن سلطة الاحتلال /التحالف/ في التاسع عشر من سبتمبر (أيلول) تحديد نسبة ضريبة الدخل والضريبة المفروضة على أرباح الشركات العراقيَّة والأجنبيَّة التي سبق أن حدَّدها الوزير والمستشارون الأمريكيُّون بـ15%.
وسنحاول في هذا المقال تحليل تلك التسهيلات مستندين على تصريحات وزير الماليَّة العراقي والمسؤولين الأمريكيِّين المشاركين في الندوة التي نظَّمها صندوق النقد الدولي في دبي مؤخَّرًا.
سنحاول في هذا المقال تقديم عرضٍ نقديٍّ لأهمِّ فقرات /الفرمان الاستثماري/ مستندين على النص الرسمي للأمر الإداري (39)، وتسليط الضوء على الجوانب الخطرة وأبعادها الاقتصاديَّة والاجتماعيَّة. وسنطرح بعض التساؤلات المشروعة عن الدوافع الحقيقيَّة لإصداره. أشرنا في القسم الأوَّل إلى أنَّ المقال سيتكَّون من قسمين، إلاَّ أنَّ أهميَّة الموضوع وخطورة القرار الجديد وتزامن صدوره مع عرض بعض المسؤولين الاقتصاديِّين العراقيِّين تصوراتهم عن أهميَّة الاستثمار الأجنبي، وعن الملامح المستقبليَّة للاقتصاد العراقي، استوجبت عرضًا أشمل، وبالتالي الحاجة إلى قسم ثالث.
تتيح قراءة متمعِّنة لفقرات هذا الأمر للقارىء ملاحظة فجوات وبنود غير متوازنة وإجحافٍ كبيرٍ للمستثمر والمستهلك العراقي. وألاهم ملاحظة خطورة التسهيلات الاستثماريَّة المقدَّمة للأجانب على الأمن الاقتصادي للعراق وسيادته الوطنيَّة.
1. تبيِّن المادَّة (2) الأسباب الموجبة لإصدارالامر الاستثماري الجديد تناقضًا ومغالطة واضحة. فالفقرة تنصُّ على أنَّ الهدف الأساس لإصداره يتمثَّل في /تشجيع وحماية رفاه ومصلحة العراق العامَّة عن طريق تشجيع الاستثمار الأجنبي من خلال حماية حقوق وملكيَّة المستثمرين الأجانب في العراق...../ إلاَّ أنَّ تحليل فقراته تعكس بشكل جليٍّ تركيزه على حماية حقوق المستثمر الأجنبي وإخلالاً بحقوق الجانب العراقي باستثناء بعض الفقرات التي وفَّرت حماية جزئيَّة، إلاَّ أنَّها تضمَّنت في الوقت نفسه ثغرات تسمح للالتفاف حولها وإبطال مفعولها.
2. تمنح المادَّة (4) المستثمر الأجنبي الحقَّ في إقامة استثمارات أجنبيَّة في العراق بدون سقف استثماري، وبشروط تفضيليَّة لا تقلُّ عن تلك الممنوحة للمستثمر العراقي. الإشكال في هذه المادّة يكمن في المساواة غير العادلة وغير المتكافئة بين حقوق المواطنين العراقيِّين وحقوق المستثمرين الأجانب بشكل يضع المستثمر العراقي في موقع تنافسي ضعيف. إنَّ لجميع الدول الصناعيَّة بما فيها الولايات المتَّحدة مؤسَّسات مالية متخصِّصة في تقديم إعانات وتسهيلات ائتمانيَّة لشركاتها الوطنيَّة لدعم موقعها التنافسي وزيادة حصصها التسويقيَّة. هذه الإعانات مصحوبة بالقدرات الماليَّة والتقنيَّة للشركات الأجنبيَّة يقابلها عدم توفُّر مثل هذه البرامج الداعمة في العراق تضع المستثمر العراقي في موضع تنافسي ضعيف، إن لم تدفعه لمغادرة السوق كليًّا!
الغريب، أنَّ الإدارة الأمريكيَّة، الجهة المشرِّعة للأمر الإداري الجديد لا تطبِّق معايير المساواة بين المستثمر الأجنبي والمنتج الأمريكي، بل على العكس تمامًا. فهي في دأب مستمر لحماية المنتج المحلِّي الأمريكي عن طريق خلق العوائق التجاريَّة ورفع نسب التعريفة الجمركيَّة وتعقيد الشروط والمقاييس ورفع نسب الضرائب المفروضة على الاستثمارات الأجنبيَّة.
3. نصَّت الفقرة (2) من المادَّة (6) على حقِّ المستثمر الأجنبي في إقامة المشاريع الاستثماريَّة في كافَّة أنحاء العراق بدون أيَّة ضوابط أو محدِّدات جغرافيَّة. هذه الحريَّة المطلقة في اختيار الموقع الاستثماري قد تفرز مستقبلاً تبعات وإشكالات اجتماعيَّة وسياسيَّة، لا بل قد تشكِّل انتهاكًا لأعراف وتقاليد عربيَّة وإسلاميَّة متعارف عليها! فاستنادًا إلى هذه الفقرة، قد ترتأي الاستثمارات الأجنبيَّة ومن ضمنها الإسرائيليَّة على سبيل المثال، إنشاء مشاريع ترفيهيَّة أو مصانع لإنتاج المشروبات الكحوليَّة في إحدى مدن العراق المقدَّسة، ومع ذلك، لا يتمكَّن العراق قانونيًّا من منع ذلك!
4. عرَّضت فقرات المادَّة (7) العراق لكلَّ إشكال الاستباحة الاقتصاديَّة. وهي تشكِّل إلى جانب فقرات المادَّة (8) أخطر ما ورد في هذا /الفرمان الاستثماري/. استنادًا إلى فقرات هذه المادَّة، فإنَّ للمستثمر الأجنبي حريَّة التحويل الخارجي الفوري لأرصدة العملات الأجنبيَّة والعراقيَّة الناتجة عن استثماراته ومن ضمنها الأرباح والأسهم والسندات ومردودات البيع وعوائد تصفية المشاريع وتحويل الملكيَّة والفوائد ومدفوعات العمالة والأجور الإداريَّة، بالإضافة إلى إمكانيَّة التحويل لأسباب أخرى بموافقة وزارة التجارة.
من الواضح أنَّ الهدف من منح هذه التسهيلات الماليَّة تشجيع تدفُّق رأس المال والاستثمار الأجنبي إلى العراق ولا سيَّما في ظلِّ عجز المصادر الوطنيَّة عن توفير رأس المال اللازم لعمليَّة النهوض الاقتصادي. ومن هنا، فإنَّ الاستثمارات الأجنبيَّة قد تكون البديل الطبيعي لتغطية الطلب الاستثماري وباستطاعتها /ضمن شروط معيَّنة/ أن تلعب دورًا إيجابيًّا في دفع عجلة نموِّ الاقتصاد العراقي. إلاَّ أنَّ ذلك لا يبرِّر التفريط بالمصالح الوطنيَّة الثابتة لتغطيَّة فجوات استثماريَّة آنيَّة.
إنَّ السماح المطلق للاستثمارات الأجنبيَّة بتحويل أرباحها بدون أيَّة ضوابط أو جدولة سيحرم الاقتصاد العراقي من فوائد تراكم رأس المال الضروري للنمو الاقتصادي. فالقانون الجديد لا يتضمَّن أيَّة محفِّزات تشجِّع المستثمر الأجنبي لإعادة تدوير الأرباح المتحقِّقة من نشاطاته الاستثماريَّة داخل العراق.
إنَّ أخطر أبعاد هذا القانون الاستثماري الذي يفتح أبواب العراق للمستثمرين والمضاربين الأجانب تتمثَّل في إمكانيَّة تحويل العراق إلى مركز عالميٍّ لعمليَّات غسيل الأموال /تبييض الأموال/! فحريَّة الاستثمارات الأجنبيَّة المطلقة وحريَّة التحويل الخارجي وإنشاء المصارف الأجنبيَّة وفقدان الرقابة الماليَّة على نشاطات المصارف الأجنبيَّة من جرَّاء إلغاء سلطة البنك المركزي العراقي على مراقبة المصارف وفقًا لقانون البنك الجديد المزمع إعلانه قريبًا، ستساعد مجتمعة على جعل العراق مرتعًا لعمليَّات غسيل الأموال.
5. توحي فقرات المادَّة (8) بحرص المشرِّع على حماية مصالح العراق. إلاَّ أنَّها في تقديري أكثر فقرات الأمر الإداري خطورة على مصالح العراق وسيادته. الفقرة (1) تتضمَّن عبارة: /بعد التاريخ الذي يلي هذا الأمر، لا يُسمح للمستثمرين الأجانب، وتحت أيَّة ظروف شراء حقوق التصرُّف والانتفاع من العقارات الخاصَّة../
بشكل عام، فإنَّ الفقرة أعلاه توحي بعدم السماح للمستثمر الأجنبي حيازة أصول عقاريَّة. إلاَّ أنَّ فحصًّا دقيقًا للفقرة، يفرز النقطتين التاليتين:
ا. من المبادئ المتعارف عليها أنَّ القوانين والتشريعات لا تتضمَّن عبارات لا دلالة لها. ورود عبارة: /بعد تاريخ توقيع الأمر/، يمكن تفسيرها بأنَّ إجراءات تحويل الملكيَّة الحاصلة قبل تاريخ نفاذ الأمر الإداري في 19/9/2003، مستثنية من أحكام هذا الأمر. المسلَّم به أنَّ القوانين العراقيَّة لم تسمح لغاية يوم 9/4/2003، بالملكيَّة الأجنبيَّة على الإطلاق. فما هي الصفقات غير المشمولة بهذا الأمر الإداري؟ ومن هم الباعة والمشترون؟ والأهم، من هم سماسرة تلك الصفقات؟ وأيَّة أراضٍ بيعت ولمن؟ أسئلة مشروعة، إلاَّ أنَّنا لا نتوقَّع ردًّا عليها.
ب. الفقرة أعلاه تشير أيضًا بغموض إلى حصر المنع بعقارات الملكيَّة الخاصَّة. والسؤال، هل تسري أحكام المادَّة على الملكيَّة العامَّة، أو ما يطلق عليها في العراق: /الأراضي الأميريَّة/؟
أتاحت الفقرة (2) المادَّة (8) للمستثمر الأجنبي حقَّ استئجار الأصول العقاريَّة لمدَّة لا تتجاوز أربعين عامًا قابلة للتمديد. وتوحي هذه الفقرة أيضًا بحرص المشرِّع على حماية الممتلكات العقاريَّة من الاستحواذ الأجنبي! إلاَّ أنَّها قد تشكِّل التفافًا ذكيًّا وخبيثًا على استثناء قطاع المعادن، ومنها النفط من الملكيَّة الأجنبيَّة المنصوص عليها في فقرة (1) من المادَّة (6). فباستطاعة المستثمر الأجنبي استئجار أصول عقاريَّة ولآجال طويلة في مناطق ذي قيمة اقتصاديَّة كتلك التي تتواجد فيها كميَّات تجاريَّة من النفط أو المعادن الأخرى. ومن ثمَّ استثمار هذه الأراضي وإعادة بيعها إلى العراق بمبالغ باهظة.
إنَّ الأمر الإداري م