كتاب دائمون

سعد محيو

هكذا تحدث جيمي!

 

















 

 

 

 









هكذا تحدث جيمي!

سعد محيو

(I)
لم يحدث قبل الآن ان كان مسؤول امريكي كبير صريحا الى هذا الحد كما جيمي كارتر. ولم تتناه الى مسامعنا قبل الآن مواقف امريكية صريحة ومباشرة حول القضية الفلسطينية، كتلك التي نطق بها جيمي كارتر.
ماذا قال جيمي؟
كتب في /واشنطن بوست/، بمناسبة الذكرى الخامسة والعشرين لتوقيع اتفاقات /كامب ديفيد/:
/نحن الامريكيين عرفنا ان مصالح أمتنا الاستراتيجية كانت موجودة مباشرة في عملية السلام (بين مصر و/إسرائيل/). ذلك أن تحالفات الحرب الباردة كادت تسفر عن مجابهات نووية مباشرة بين القوتين الأعظم حين كانت مصر و/إسرائيل/ تتقاتلان خلال حرب 1973. لقد كانت هذه الأرض المقدسة نقطة تماس الحرب العالمية الثالثة، وبالتالي كان السلام حيويا لأمننا/.
/اليوم، وعدا عن ان القضية الفلسطينية قد أصبحت واحدة من اهم قضايا الارهاب الدولي، الا ان مصالحنا الاستراتيجية أقل بكثير حيال مسألة العنف الفلسطيني /الاسرائيلي/. وهكذا لا يبدو ان ثمة إلحاحاً لحل هذا النزاع المحلي/.
/القادة /الاسرائيليون/، وبسبب ثقتهم بدعمنا الذي لا يهتز، بدأوا بتوكيد استقلالهم، والنفوذ الأمريكي الحقيقي في /إسرائيل/ في أدنى درجاته منذ 50 عاما. والآن ومهما كان نوع القادة الذين سيختارهم الفلسطينيون، ومهما كان حجم الاهتمام الذي سيبديه الامريكيون، الا ان الخيار النهائي في هذه المسألة يقع على عاتق /الاسرائيليين/ وحدهم/.
(II)
هل وصلت الرسالة؟
يفترض ذلك.
فالرئيس الامريكي الأسبق ينفي بشطحة قلم واحدة كل الادعاءات الرسمية الامريكية بأن حل النزاع الفلسطيني (والعربي) /الاسرائيلي/، هو جزء من المصلحة القومية الامريكية.
وهو يلغي بشطحة قلم ثانية ادعاء آخر لا يقل خطورة لطالما كررته كل الإدارات الأمريكية المتعاقبة: الولايات المتحدة ملتزمة بتحقيق السلام، ناهيك عن إقامة دولة فلسطينية قابلة للحياة جنبا الى جنب مع /إسرائيل/.
وثمة شطحة ثالثة ستزيل أي وهم بأن الولايات المتحدة يمكن أن تلعب حقا دور الوسيط الأمين بين الفلسطينيين و/الاسرائيليين/. فطالما أن واشنطن تعتبر القضية الفلسطينية /نزاعا محليا/، وطالما انها تضع كل بيضها في السلة /الاسرائيلية/ وحدها، فإن الانحياز الامريكي الى وجهة النظر /الاسرائيلية/ يصبح مجرد تحصيل حاصل.
قد يقال هنا ان هذه المحصلات تتضمن بعض المبالغات. إذ لا يجب أن ننسى أن الولايات المتحدة هي التي رعت اتفاقات أوسلو وساعدتها على العبور من حال العدم الى حال الوجود. كما لا يجب أن نغفل الجهود التي بذلها الرئيس الأمريكي السابق كلينتون، حين حاول إبرام صفقات كامب ديفيد جديدة بين العرب و/الاسرائيليين/. ثم هناك في عهد الإدارة الامريكية الحالية /خريطة الطريق/ التي أرادت منها واشنطن التمهيد لولادة الدولة الفلسطينية.
كل هذا صحيح.. لكن الصحيح أيضا ان أيا من هذه الاتفاقات، او مشاريع الاتفاقات، لم يبرم إلا بعد ان تأكدت واشنطن (وأكدت لها تل أبيب) انها تخدم الامن القومي /الاسرائيلي/. فاتفاقات أوسلو، كما تبين، لم تؤد سوى الى الكانتونات والباستونات المبعثرة في الضفة الغربية. وكامب ديفيد كلينتون كان سيؤدي، لو قدّر له رؤية النور، الى نصف دولة فلسطينية تحكم اسميا 96 في المائة من الأراضي الفلسطينية وعمليا أقل من 46 في المائة منها.
اما /خريطة الطريق/ فهي الآن أشبه بمعرض مفتوح لكل من يريد أن يشتري الكتب المفسرة لطلاسم السياسة الامريكية إزاء فلسطين.
(III)
هذه المعطيات قد تشكّل صدمة حقيقية لكل الاطراف الفلسطينية التي بنت جل استراتيجيتها على جر الولايات المتحدة الى معمعة السلام .
فإذا كانت الولايات المتحدة لن تنجر الا بموافقة /إسرائيل/، وإذا ما كانت /إسرائيل/ لن تجر الولايات المتحدة إلا حين تتأكد من ان هيمنتها على الفلسطينيين لن تهتز، فما الفائدة إذن من كل هذا الرهان على راعي السلام الامريكي؟ بل ما فائدة الرهان على عملية السلام نفسها؟
هذه أسئلة يجب ان يطرحها الان كل مسؤول فلسطيني على نفسه، وهو يقرأ ما بين سطور مقالة جيمي كارتر.
ومثل هذه القراءة لا يجب ان تؤدي بالضرورة الى اليأس، بل يمكن أن تقود الى تفكير من نوع جديد. الى استراتيجية من نوع جديد.

 

 


للإتصال بالإتجاه الآخر

[تحت المجهر]