اتجاهات ثقافية
إدوارد سعيد ... كنا أصدقاء
المحرر الثقافي
1-
ربما أكون صغيراً عمراً وتجربة للحديث عن جبل عالٍ مثل إدوارد سعيد ، ولكن علاقتي الشخصية به تسمح لي بالحديث عنه من خلال كلمات لن تكون كافية ، للتعبير عن الفقد الذي أحسسته حين قرأت خبر رحيله .
وبداية علاقتي معه كانت حين أرسلت قصصا قصيرة جداً لمجلة الآداب البيروتية وكان هذا في العام 1994 وقد نشرت مجلة الآداب تلك القصص في العدد السادس و السابع السنة الثانية والأربعون الذي ضم ملفا عن إدوارد سعيد ، طبعا الاسم كان كبيراً وهذا ماجعل فرحي بنشر قصصي أقل من فرحي باقترانها بعدد واحد مع ادوارد سعيد ، وهكذا ابتدأت علاقتي بسعيد الذي سارعت الى البحث عن كتبه ، وقراءتها وكان أن عشت تلك التجربة ، بداية كان كتاب الاستشراق الذي نقله الى العربية الدكتور كمال أبو ديب ، جعل كتاب سعيد الأشهر رؤيتي للعلاقة بين الغرب والشرق أكثر وضوحاً ووعياً بعد الالتباس الذي عشته في البدايات من عدم المقدرة على استيعاب تلك العلاقة والإلمام بتفاصيلها وخلفياتها ، بمعنى آخر صرت أرى الأمور بشكل أوضح ، صرت بعد الاستشراق أتصيد كتابات سعيد والحوارات التي أجريت معه وقرأت كتبه كلها، صحيح أنها أحيانا أدخلتني في متاهات ، لكنها من جانب آخر فتحت أبواباً .
وكنت لا أملّ أتحدث عن إدوارد سعيد وكأني قادر أصلا على الحديث عنه ، فهو كان يبدو بحراً ، نعم بحر ، ولكنه بلا حدود ، وزادت قناعتي بلا محدوديته حين قرأت مقالته عن الراقصة المصرية الشهيرة /تحية كاريوكا/ ، وحين رأيته بعد ذلك في فاتحة فيلم /الآخر/ ليوسف شاهين .
مثّل سعيد لي الفكر الحرّ بكل تفاصيله، كما كان رمزاً متجلياً للانتماء الى الأرض الأولى ، والإيمان العميق بالقضية الإنسانية الأولى /الحرية/ ، ولاأخفي بأني أردت كثيراً أن أصير قادراً على التفكير بالطريقة نفسها التي فكر بها هو ، لكن النزق الذي يتلبسني أحياناً ، يجعل ذهني يضيق عن الاتساع العظيم الذي كان لذهن سعيد.
وستبقى هذه العبارة التي قالها خلال لقاء أجري معه والتي أحتفظ بها في دفتري:( إن الشعور بأنني بين الحضارات لهو شعور قوي جداً جداً ، وأستطيع القول إن المجرى الأقوى الذي ينساب في حياتي هو حقيقة أنني أدخل الأشياء وأخرج منها باستمرار ، وأنني لست في الحقيقة جزءاً من أيّما شيء وقتاً طويلاً! ) أقول ستبقى هذه العبارة ماثلة أمام ذاكرتي منذ دونتها أول مرة في دفتري الصغير عام 1994م .
2-
في تقديمه لكتابه الرائع «خارج المكان» كتب سعيد: في العام 1991 تلقيت تشخيصا طبياً مبرماً حول اصابتي بسرطان الدم، اقنعني بضرورة ان أخلف سجلاً عن المكان الذي ولدت فيه، وأمضيت طفولتي، ولذلك فهذا الكتاب قصة استثنائية عن المنفى وسرد لارتحالات عديدة واحتفال بماض لن يستعاد، فأماكن عديدة زالت، واشخاص عديدون لم يعودوا على قيد الحياة، باختصار انه اساسا عالم قد اندثر!
وإدوارد سعيد في رحيله عالم بأسره ، عالم بتفاصيله ، بأجزائه الممتعة ، ورؤياه الكونية المنتمية واللامنتمية في آن واحد ، بفلسطينيته وعالميته ، ادوارد سعيد العراقي ضد الطاغية وضد الحرب على العراق ، والأمريكي ضد سياسة الاستعمار التي تشنها الولايات المتحدة على العالم فهو قال في محاضرة ألقاها في سياتل قبل شهور:
(كان شيئاً ممتازاً ان يزول نظام صدام حسين المريع، لكن من الذي نصب الولايات المتحدة لتكون الناصح المخلص للعرب؟ من الذي طلب من الولايات المتحدة ان تحتل العالم العربي بالنيابة عن مواطنيه، كما يُزعم، وأن تجلب له شيئاً يسمى /ديمقراطية/ خصوصاً في وقت يتدهور فيه النظام المدرسي والنظام الصحي والاقتصاد كله في أمريكا الى أسوأ مستوى منذ الركود الكبير في 1929؟ لماذا لم يرتفع صوت العرب الجمعي ضد التدخل اللاشرعي السافر للولايات المتحدة، الذي ألحق الكثير من الأذى والكثير من الإذلال بالأمة العربية كلها؟ إنه حقاً فشل هائل على مستوى الجلد، والكرامة، والتضامن الذاتي).
وفي الخامس والعشرين من الشهر الماضي رحل المحارب ، متسع الذهن ، المعلم ، الناقد الأدبي والمفكر والموسيقي ، وبرحيله أكون فقدت صديقاً ، نعم إدوارد سعيد ... كنا أصدقاء .

 

جائزة نوبل للآداب العام 2003 تمنح للجنوب أفريقي جون كويتزي

اعلنت الاكاديمية السويدية لجائزة نوبل انها منحت جائزة نوبل للاداب للعام 2003 الى الكاتب الجنوب افريقي جون ماكسويل كويتزي. وقالت لجنة التحكيم ان كويتزي سيمنح الجائزة وقيمتها 10 ملايين كورون سويدي (3.1مليون دولار).
وكويتزي هو سادس جنوب افريقي يفوز بجائزة نوبل. ومن المواضيع الاساسية التي عالجها كويتزي في رواياته نظام الفصل العنصري الذي كان سائدا في بلاده، والذي يقول الكاتب انه (قد يظهر في اي مكان).
ولد كويتزي عام 1940 في الكاب وبدأ حياته روائيا العام 1974 وحقق شهرة عالمية عام 1980 بفضل رواية (بانتظار البرابرة). وفي 1983، تأكدت مكانته البارزة في الادب العالمي مع فوزه بجائزة /بوكر/الانكليزية عن كتابه (حياة وزمن مايكل ك.). وحصل كويتزي على جائزة /بوكر/ مرة ثانية عن روايته (العار) عام 1999 ليكون اول كاتب يحصل على هذه الجائزة المرموقة مرتين.
وقالت لجنة التحكيم ان رواياته تتصف بالمهارة في التركيب والتحليل. الا انها ذكرت ان كويتزي /لا يرحم في انتقاده للنزعة العقلانية القاسية والاخلاق المزيفة للحضارة الغربية/.
واضافت انه في الوقت الذي يجعل كويتزي الفرق بين الحق والباطل واضحا وضوح الشمس، فهو في نهاية المطاف ذلك الفرق على انه لا معنى له على الاطلاق. واشارت الاكاديمية الى انه /من خلال تقصيه الضعف والهزيمة، يستطيع كويتزي ان يقبض على الشرارة الالهية في الانسان/.
واوضحت الاكاديمية في حيثيات قرارها ان /كويتزي لا يعتمد الوصفة ذاتها في كتابين، الامر الذي يساهم في تنوع نتاجه/. اما كتابه الاخير (اليزابيت كوستيلو: ثمانية دروس) الذي صدر هذا العام فهو مزيج ما بين البحث والادب التخييلي. وسيتسلم كويتزي جائزته من ملك السويد كارل غوستاف في حفل رسمي يجري في ستوكهولم في 10 كانون الاول القادم المصادف لذكرى وفاة الفرد نوبل مؤسس جائزة نوبل عام 1896

 

من يحملني
حسين ناصوري

يتكىء الكون عليك
وكأنك أنت
الجرم الأعظم
في هذي الأفلاك
السابحة ضياعاً
لا يعلم هذا
أنك تتنفس عدماً
يرهقك النظر ـ بلا نَظَر
تستند إلى شبح هرم
تنبذه أروقة الظلمة
يحرقه الضوء
لا يعلم أنك
تهرب ـ ما قبل الصرخة
تحمل أجزاءك رغماً عنك
تبحث عن لا جسد ـ لا نفس ـ لا شيء
تتكىء عليه
***
يتكىء الكون عليك
وأنت صغير ـ أصغر
تتوارى خلف غشاء
بكارتك المطعون
تسترق الخطوة
من أقدام الشلل الزاحفة
نحو البدء
***
يتكىء الكون عليك
وأنت غريب حقاً
نطفة شرف
تتوارثها أجيال العار
منسيٌّ في قعر زجاجة
أنشودة ذعر...
تتدلى من سقف الشمس
تبشر بالقيامة
كإله منفي
بعد العصيان
يتوسد فيء سحابة
يحلم بالثأر
***
مقصلة الرحمة
تقطع رأسك
لكنك تبقى حياً
تعتمر الوهم
المحشو فراغاً وثنياً
يبهرك الوهج المعتم
معصوب العينين
تحدق في وخز الصرْخة
ومضة رعب...
ألمٌ...
سكونْ
***
بريءٌ أنت
كقاتل نفسه
تحمل كوناً
تثقله اللعنة
بؤسك أنك
لا تملك ظلاً
وأنا لا يمكنني
إلا أن أنتظر
الليل...
***
ها أنت ... هنا
وهناك.
في المرآة
على الجدران
في الدم والنار
وفي الأنفاس اللاهثة
رُهاباً جنسياً
تنبش ذاكرة المستقبل
بحثاً عن حرف
يكمل اسمك
أو بضع نقاط أفقية
تختزل ضجيج الأمس
***
خيرٌ لك أن تبحث عني
فكلانا
يعرف ـ لا يعرف
يصرخ من خلف الصوت:
إن كنت أنا من يحمل هذا الكون...
من يحملني؟...

 

افتتاح معرض الكتاب التاسع عشر في دمشق

افتتح مساء الثلاثاء الماضي على ارض معرض دمشق الدولي القديم معرض مكتبة الأسد الدولي التاسع عشر
للكتاب الذي تقيمه وزارة الثقافة ويستمر لغاية العاشر من تشرين الاول .

وتشارك في المعرض لهذا العام احدى وعشرون دولة عربية واجنبية ممثلة بـ 428 دار نشر يمثل بعضها منظمات رسمية عربية واجنبية . ‏
ويضم المعرض 41 ألف عنوان و14صالة عرض من بينها صالة للانترنت وصالة لكتب الاطفال وصالة للمؤسسات الرسمية وصالة للكتاب الاجنبي واخرى للحواسيب.

ويستطيع الزائر للمعرض الحصول من صالة الحاسب على مواد ثقافية وتعليمية مختلفة كما يستطيع من خلال صالة الانترنت التابعة لمزود خدمة الانترنت بالجمعية العلمية السورية للمعلوماتية الدخول على الانترنت مجانا وطول ايام المعرض بما يسهم في تعميم ونشر المعلوماتية بين المواطنين. ‏
وقد تم تجهيز المعرض بوسائل دلالة وارشاد الى الاجنحة وقسم استعلامات الحاسب يستدل من خلاله المواطن الى الجناح الذي يرغب ان يقتني منه مادة ثقافية .

 

الدكتاتورية والفردوس المفقود في منفى الثقافة العراقية
د. فاضل سوداني
الجزء الأول

البلاد أمست ظلاما
صارت ملأى بالظلال،
فمن ذا الذي رأى إنسانا
تملكه الخوف، يعيش بسلام.
لا تدع أصدقائك الذين اصطحبوك
ينتظرون عند سفح الجبل
لا تدع ألام التي ولدتك
تقذف إلي ساح المدينة.

ينبئنا هذا الشاعر (من السلف السومري ) الذي عاش في آلالفية الثالثة قبل الميلاد،عن الخراب الذي عم بلاد سومر، فحفر الخوف في روح الانسان السومري. انه يحدثنا عن فلسفة هذا الخوف بطريقة وكأنه يحذر المثقف العربي المعاصر ويؤشر مهماته ومواقفه التي تساهم في إنتاج تلك الثقافة الانسانية الفعالة التي تحدد مستقبل ومصير الانسان والامة والمدينة. وكأن هذا الشاعر السومري يتحدث عن التكيف السلبي للمثقف العربي الذي يؤصل الخوف، عندما يخون مثل هذا المثقف ذاته ومهماته التاريخية ويتكيف مع المشروع السلطوي الاستثنائي. ان تعميم الخوف في المجتمع وشعور الإنسان ببؤس ثقافته يتحقق عندما يتخلى المثقف عن حصانته الداخلية ودوره التاريخي فيعم الخواء في روح الأمة. وضمن أهمية هذا الدور لا يكون من المنطقي مناقشة الواقع الثقافي وفعالية المثقف في تطويره مالم يأخذ بالاعتبار أهمية الدور التاريخي للمثقف غير المتكيف. حيث ينشأ التكيّف عندما يكون هنالك خواء فكري يميز فعاليات الإنسان الحياتية والفكرية، وسكونية التطور الاجتماعي. فالتكيّف هو الموقف السلبي للمثقف المتساهل مع ذاته وتاريخ كينونته، لا ن مثل هذا المثقف هو الذي تفوح منه رائحة خبيثة (حسب ميشيل غيلدرود ) بل تكيف نتن نتيجة لموقفه المتصدئ. وبمعنى آخر ان مثل هذا المثقف المتكيّف لا يؤثر في تطوير العملية الفكرية بمسارها الديالكتيكي في مجتمعه إلا سلبا. لانه يتخلى عن دوره ووجوده الفاعل، وبهذا فان المثقف هنا يتحول الى أداة في آلية السلطة الاستثنائية تاريخيا وآنيا، ويكون مستعدا للمساهمة في برامجها لتهيئة الظروف التي تخلق عدمية الثقافة والفن، والمساهمة في تهيئة ظروف اجتماعية أخرى تعمم مجانية العنف وتعيد الغرائز المتوحشة في روح الانسان لتاخذ الأولوية في سلوكه، ويكون هذا واضحا في الا نظمة الشمولية والدكتاتورية. ان المثقف المتفاعل غير المتكيف صاحب هو الذي يؤثر كذات مبدعة في العمليات الفكرية والاجتماعية التي لابد أن تتطور ضمن المفهوم العام للتطور الديناميكي، وبهذا فانه يؤثر إيجابيا.
والابداع هو القادر على تعميق انسجام المثقف لذاته (المثقف = منتج الثقافة المبدعة)، والموت القسري والمجاني والاضطهاد والحروب المدمرة اللامجدية في المجتمعات اللاديمقراطية التي تشكل منفى المثقف الداخلي، تتناقض مع الوعي والنبل الانساني لشهود العيان من المفكرين والفنانين، وتتناقض أيضا مع ( اجبارهم ) قبولهم او تبريرهم لعنف السياسة.اما المثقف الذي اجبر على ترك وطنه للعيش في المنفى فانه يتعرض للتشويه المدمر عندما يُقتلع ـ لاسباب كثيرة ـ من منبع وعيه، من المكان الاول..البيت الاول من الباب ودكته الاولى.. الوطن الاول. ويقذف تائها في حفريات نفي الروح والفكر واللغة والاخلاق وفي الهوة المظلمة من ذلك العالم الغريب، الفردوس الاوربي، عالم المتاهة والآلية والعواطف المبتسرة،المتجردة والملَتبسة في غربة لانهائية مادام قد تعود عليها، وفي زمن المنفى الذي يمتلك القدرة على محو آلية الذاكرة اللا إرادية، ذاكرة الماضي ذلك الخزين الماضوي الذي يشكل أساس الحصانة الداخلية للمثقف، لان المنفى بطبيعته يفرض اختلاط الازمنة بل ان آنية المنفى ( وخاصة في البلدان المتطورة والتي تعاني الاغتراب التكنولوجي) تحتم التخلي عن هذه الحصانه الذاتية أي الذات في وجودها الماضوي. فيبدأ التوهان الحقيقي والاضمحلال في قدرات دور المثقف الابداعي قياسا لدوره الحقيقي الذي يمكن ان يلعبه وهو في وطنه، مثل امكانية المساهمة في تأسيس تاريخه وتاريخ امته عندما يمتلك مسؤولية سن طرائق الفكر والثقافة في مجتمعه، لانه /كالطير الضائع عن عشه كذلك الانسان الضائع عن مسقط رأسه /. كما يقول شكسبير.
ومن خلال هذا التناقض بين نقاء ونبل ذات الفنان وبين التزام الصمت على دموية النظام الاستثنائي، يكتشف المثقف بأنه يعيش حالة من اللا إنسجام، او الغربة القاسية والمنفى الداخلى وهو مازال في وطنه. وهذا هو أيضا منفى للثقافة والفكر واللغة في وطنها.
المثقف المتكيف
ان أي توقف لعملية تطوير الثقافة والفكر هو استثناء تاريخي على شتى الأصعدة، ولهذا فان الكثير من البلدان غير الديمقراطية يشكل ديالكتيك الثقافة الحرة خطورة على أنظمتها وخاصة اذا كانت الامية تشكل نسبة كبيرة في المجتمع، وإذا أضيف الى هذا لامبالاة وتساهل المثقف مع ذاته، فتتجذر السكونية في التطور الاجتماعي والثقافي وفي الذات الفردية. ان الهدف من خلق سكونية مثل هذا الواقع وتهيئة ظروفه، هو الخوف من تأثير الثقافة، وإلغاء دور المثقف المتفاعل غير المتكيف فيتشكل منفى الثقافة في :
1) أما أن ينسجم المثقف مع هذه السلطة الاستثنائية مداراة لمصلحتة الانانية الفردية او الطبقية ويخون ذاته. او
2) الانغلاق على الذات والضياع في متاهات الصمت اوالتباس الوضوح. او
3)خيانة الذات والموقف التاريخي فيتحول الى تاجرللخردوات ليعيش الكذب والزيف، ويصاب بشيزوفرينيا الذات الفنية او
4) يبتعد عن المساهمة في بناء العمليات الاجتماعية ـ الفكرية في وطنه ويفضل المنفى، ابتغاء لتفرد الموقف وحرية الابداع خوفاً من أن يربطونه بحجر الرحى ويقذف في أحد الانهار العربية المذكورة في الكتب المقدسة فيضيع قضاءا وقدرا.
اذن اما التكيف الفكري في وطنه ضمن ظروف السلطة الاستثنائية، او التكيف ضمن شروط المنفى. اما الطريق الآخر أي طريق انسجام المثقف مع ذاته ودوره التاريخي فهو الطريق الأشق لكنه الوحيد لإنقاذ الوعي الحر المشاكس الذي يمتلك ضرورته للمثقف الفعال غير المتكيف.اذن هل يتحتم على المثقف العربي في الظروف الاستثنائية ان يتحمل وسائل التعذيب التي يهيئها له نظامه ليجبره على التخلي عن ذاته وحصانته الذاتية من اجل ان يصمت ازاء إمعان هذا النظام بتخلفه ؟
لكن قبل هذا يمكن القول بان الدقة في تفسير دور المثقف هي حتمية تفرضها المسؤولية الذاتية والاجتماعية،وعندما يكون هنالك التباس في موقف المثقف وعدم وضوح هدفه، يبدأ الغموض في ابداعه وكذلك التماهي بدوره التاريخي والحياتي.
فتبرز البلبلة الفكرية ويبدأ استعداد السلطة الاستثنائية لسحق المثقف الفعال غير المتكيف، او إغراءه وإجباره حتى يتكيف ليصبح هو ابنها المخلص الذي يكون على استعداد لتنفيذ المشاريع الثقافية والفكرية ذات الطابع السياسي البوليسي التخريبي، وبهذا يكون تابعا للسياسي و جزءا من ما كنة السلطة، فيمنحونه وسادة الخدر، ليكون صاحب الوعي البائس بامتياز. وهذا يعني توريط الذات في الوعي المشوه وتحويل المثقف إلى إنسان متكيف مع آلية النظام ومرتكزا صغيرا فيه مستعدا دائما ليس للمساهمة بعبث السلطة وتشويهها لديناميكية الثقافة تاريخيا فقط، وانما العبث بالقرارات المصيرية وتكيفها لمصلحة النظام التي تنعكس في ( الحروب العدوانية غير المجدية مثلا)
وبما أن الثقافة والفكر هي عمليات معقدة في تطورها، لأنها تعتمد على العوامل الذاتية، أي المفكر والمثقف وتكوينه الطبقي و الفكري ومدى حساسيته الذاتية إزاء الحقيقة. وكذلك العوامل الموضوعية، أي التراكم الكمي والكيفي للتطور الثقافي والفكري تاريخيا، فان دور المثقف ومكانة الثقافة في التطور العام يجب ان يكونا أكثر وضوحا. مما تدفع بالمثقف المتفاعل غير المتكيف ان يحمل مصباحه النافذ ( مصباح ديوجين ) وسط ظهيرة الخراب الفكري والاجتماعي الذي يتميز به مجتمعنا بل عالمنا، للبحث عن المستحيل، او عن الخدر والسكونية في روح الإنسان وروح الامة.
عدوى المثقف المتكيف.
إن مشكلة المثقف العربي المبدع عموما تكمن في أهمية مقاومتة للضياع والبلبلة الفكرية والقمع والاستلاب والاغتراب التي تحتمها الظروف الاستثنائية في وطنه، او مشكلة آليات حياة المنفى التي يعيشها اختياريا او قسريا. ومن اجل الوصول الى الوعي الخلاق لتطوير ذاته وعدم السقوط في شيزوفرينيا الذات والوعي( حسب إفهومة كيركغارد الفلسفية ) عليه ان يعتمد على تماسك ذاته وصلابتها وبنائها، أي اختيار ذاته من جديد والانغمار في الابداع الحر و المستحيل ورفض مغامرات السياسي وحروبه المجانية مهما كان الثمن، والوصول الى المسكوت عنه في الثقافة والتاريخ والتراث وتحويلهما الى عناصر فاعلة لخدمة الانسان ثقافيا ( في مجتمع عربي مهوس بالتعاويذ التي تقود نحو الهاوية مثلا ). ان عصرنا هذا هو زمن المفكر صاحب العقل الديناميكي المسؤول الذي يرفض التكيف وان ظروف الكتابة المرتزقة غير المسؤولة في عالمنا هذا الذي يتحكم به الصيارفة والبنوك والبوليس السري تؤكد النظر الى التاريخ ببصيرة جديدة وكذلك فان حساسية المثقف يجب ان تتلامس مع الازمنة الجديدة، لان التكيف يخضع كل صنوف الثقافة والفكر للزيف، من هنا تأتي أهمية عدم تساهل المثقف مع ذاته حتى يصبح فاعلا في وجوده.
ان المثقف المتكيف وصاحب الوعي البائس هو المتساهل المحصّن دائما بالتبرير الجاهز الذي لايخدم الحقيقة. غير ان خواء اية ثقافة وعدم فعاليتها متأتية من خواء روح المثقف بالدرجة الاولى وعدم تطور الظروف الموضوعية، وتضخم عبوديته لمصالحه الانانية الآنية الصغيرة، وهذا يفرض عليه الالتزام بثقافة تخدم مصالح الانظمة الاستثنائية. كل هذا يتطلب التفكير الجدي بطبيعة الثقافة التي يحاول ان ينتجها المثقف المتكيف صاحب الوعي البائس في وطنه او منفاه، والتي بالضرورة تتناقض مع تلك الثقافة الفاعلة تاريخيا التي تخضع للتطور الديالكتيكي المؤثر في الانسان والتي تساهم في بناء المجتمع وإغناء ذات الانسان وروح الامة.

 

فضيحة الرمح المقدس!
هالة جديد

لم يطق قداسة الباب (أوريان الثاني) صبراً ريثما ينبلج الفجر ليقرأ رزمة بريدية وصلت من بغداد في ساعة متأخرة من الليل، فاعتدل في جلسته يقاوم على ضوء الشموع بصره الكليل، وانكب يمحص ما ورد من تقارير لينتزع وثيقة طال انتظارها، وبفضها استكان قلقه.
بعد تقصي الحقائق نقطع لقداستكم الشك باليقين.. ونطمئن إرادتكم السامية على انحدار الحكم العباسي إلى مطبات الهاوية... إذ لم يبق للخليفة في عاصمته العتيدة بغداد سوى سلطة روحية بالدعاء له فوق المنابر.. أما بلاد الشام، وتخص دمشق فهي متهالكة ومسلوبة الإرادة تحت حكم السلاجقة الأتراك يضعضعها تهافت الأمراء السلجوقيين لاقتسامها إلى دويلات تتربص الواحدة منها بالأخرى.. ونؤكد للكرسي الرسولي بأن هذه الحقبة ستشهد اندثار الخلافة العباسية. وبزوال خطرها المحدق يتسنى لزحفكم المقدس العبور من بقعة استراتيجية طالما أقضت مضجعكم وهي إمارة إنطاكية ذات الموانىء البحرية المؤدية إلى القدس محور الكون!..
كانت إمارة إنطاكية السورية معقل الكنيسة الأرثوذكسية في الشرق، وتقويض سلطتها التي تهدد بابتلاع المد الكاثوليكي من المآرب المتسترة مع النوايا المعلنة للغزو الصليبي المرتقب، وهكذا وُضعت إنطاكية نصب الأعين في اجتماع مغلق ضم ملوك فرنسا وألمانيا وإيطاليا.
القرن الحادي عشر الميلادي من عام (1097) يدون انقضاض الحملة الصليبية الأولى بجيوش نظامية اعتمرت الخوذ واحتمت بالدروع ترسم فوق زي موحد شارة الصليب، وترفع البيارق تحت شعار (الرب معنا) إلى جوار هذه الجحافل التحمت شريحة الفرسان، وما أبعد هؤلاء عن مآثر الفروسية وتسميتهم مجرد لقب زائف، يعوضهم عما فقدوه من حظوات، بعد صدور قانون الإرث بحصر الميراث بيد بكر الأبناء كي لا تتجزأ أطيان ومشاعات الإقطاعيين والنبلاء إلى هكتارات مبعثرة بين أفراد ذريتهم، الذين يحق لهم فقط ملكية أثاث المنازل وأسلحة الصيد وسيولة نقدية شحيحة تدخل إلى جيوبهم، إضافة إلى رؤوس من المواشي خلت منها الحظائر بعد بيعها خشية نفوقها بسبب الجوائح المرضية.
أحلام الثراء بدأت تراود الفرسان المفلسين، فاستقطبتهم أبواق الدعوة الصليبية بوعودها المعسولة، وإلى جانب غفران الخطايا عند أبواب القدس سينالون من متاع تلك الديار ما يصبون إليه، لتلتبس الأهداف الدينية بالمصالح الدنيوية، تركيبة الحملة الاغتصابية الأولى تستوقفنا أيضاً بتجمع بشري قوامه ما يعادل كثافة أكبر العواصم وقتئذ، وقد وحدهم نداء البابا (أوريان الثاني) بخطبة ملتهبة ارتجلها في الهواء الطلق فمادت لها الأرض تحت وقع الأقدام..!
سنوات سبع.. محملة بالويلات ضربت أوطاننا .. أولها طوفان خريفي ماحق تزامن مع شتاء جليدي شل دبيب الحياة.. تبعه ربيع لا أثر فيه للبراعم، وبقدوم الصيف عرفنا إطلالته باجتياح غائلة الطاعون.. أيها القوم ما أصابكم من محن فهو امتحان أنزلته بكم السماء.. وإعلان التوبة عند مهد مخلصنا يسوع المسيح يزيح البلايا.. ويفرج كرب الصدور..!
إثر الموعظة تكتل البشر والسواد الأعظم منهم فقراء حفاة وشبه عراة يشمون فوق الجباه والسواعد علامة الصليب يحركهم زحف فوضوي لم تشهده المعمورة، يشقون المسالك البرية عبر درب القديس اغناطيوس المؤدي إلى البلقان ليكتمل نصاب الحملة الصليبية بمن كتبت لهم الحياة في القسطنطينية، يلم شملهم قادة عسكريون وقفوا على رأس الغزو، وهم المدعو (غودفري ـ دوق اللورين) وملك جنوب إيطاليا، وريموند الفرنسي أمير مقاطعة تولوز /بعد أن صدرت الأوامر بعبور مضيق البوسفور نجح الصليبيون بالاستيلاء على إمارة (الرها) بين دجلة والفرات، لترسو سفنهم قرابة السواحل التركية تمدهم بالمؤن والذخائر بينما نداء أوريان الثاني يستعجل الجيوش باكتساح سورية مشدداً على إمارة إنطاكية.
استعصاء المدن الداخلية (دمشق ـ حلب ـ حماة) حوّل جبهة الحصار إلى أسوار إنطاكية وبخيانة فيروز السلجوقي بإرشادهم إلى المنافذ الفرعية أطبقوا على المدينة يستبيحون خيراتها وينهبون كنوز كنائسها، فتحرك الجشع ليدب الانشقاق بين القادة الذين أسكتهم حدوث زلزال مدمر، فعم الجوع وانتشرت الأوبئة ورزحت الحملة تحت أهوال كارثة لم تكن في الحسبان، صراع البقاء نكس راية القتال ولا بد من معجزة لترد الروح القتالية.
من قلب الحدثنرصد المعنويات المتدهورة، والقوى الخائرة، أما الهذيان فتشير إليه بظهور هلوسة الرؤى الليلية، وعند مطلع كل فجر يبدأ القانطون بسرد أحلامهم التي تجلت بملائكة تسبح، وأطياف قديسين تلوح، ليجد القائد الأعلى للجيوش ضالته بانتقاء الشاب (بيار ـ بارتيملي) الملقب بالعراب، فهو أكثر الأتقياء ورعاً والجميع يتزاحمون للثم يديه، ومع العراب دار الحديث على انفراد!..
ليلقنه القائد ما نحن بصدده، مع بزوغ الشمس وقف (بيار ـ بارتيملي) بينما صوته وجسده يختلجان.
(أيها المؤمنون.. بدعوة من القديس اندراوس الذي زارني طيفه أحدثكم.. كان القديس مثلكم يتضور جوعاً.. وما أعذب نداءه حين انبعث ترتيلاً ليبشركم بخلاص وشيك.. ويصطفيني بشرف التنقيب عن الرمح المقدس.. السلاح الذي طعن به الكفار جسد المسيح ذات يوم.. وقد أوحى لي عن مكان الذخيرة المقدسة، فهي دفينة التراب في بقعة تلوح لكم على بعد نصف ميل).
بغريزة تدافع القطيع تجمهرت الحشود يقودهم لفيف من الأساقفة مصطحبين صاحب الرؤيا مزوداً بمعول فشرع يشق الأرض محدثاً حفرة عميقة ليقفز إلى قعرها يسحب حربة مدببة صدئة، كان الهياج يفوق الوصف بنشوة دينية أعادت الروح إلى كائنات عرفناها تتحضر، والقائد الأعلى يرفع الرمح دليل النصر، ويستنهض الهمم لمتابعة الزحف نحو القدس، مع هذه الواقعة ظهرت فئة المرتابين وعن مجلسهم خرج التقرير التالي (توقيت الغروب كان موعداً موفقاً لخداع النظر فحجبت الغشاوة بقعة رطبة أشبعها (بارتيملي) ماءً فانصاعت لطمر قطعة حديدية تخدم المآرب.
بانصرام الزمن أصدر الحبر الأعظم بندكيوس الرابع عشر عام 1704 وثيقة رسمية تنفي صحة الحرية المقدسة (الأرض لفظت ما أمر بدفنه القائد الأعلى للجيوش).

 


للإتصال بالإتجاه الآخر

[تحت المجهر]