كل الاتجاهات
لا يمكن لأحد رفع صوته.. لأن المسلسل (صوت الحقيقة) في زمن المفارقات
(الشتات)..رسالة إعلامية صارخة للعالم تكشف التاريخ المزيف للصهيونية
عبد المنعم حوا
الدراما في خدمة الوطن 000 مقولة تجسدها شركة لين السورية في مسلسل / الشتات / الذي يجري تصويره الان قي سورية0 والشتات السوري واحد من اهم الاعمال التاريخيةفي الشرق الاوسط لأنه يعري الاجندة الصهيونية ويكشف مدى الزيف والاكاذيب والادعاءات الباطلة التي روجها ولازال يروجها قادة اليهود على مدار اكثر من قرن ونيف لبسط سيطرتهم على العالم ومنذ الاعلان عن بدء تصوير المسلسل منذ ثلاثة اشهر بدأت مراكز الابحاث والدراسات الصهيونية المسيطرة على اجهزة الاعلام العالمية تعد العدة للمجابهة كما بدأ مجلس / الحاخامات / حسب صحيفة غربية بالتقصي عن العمل والوقوف على محتواه ليتم الرد عليه في الوقت المناسب 000 ويرى المهتمون ان هذا العمل بما يحمله من محاور جريئة يتقدم على مسلسل /فارس بلا جواد / الذي عرض العام الماضي واثار ضجة كبيرة في الاوساط الدولية 00/ الشتات / يضع كل الحقائق المجهولة تحت ضوء الشمس من خلال دراما سياسية تستعرض نشوء الحركة الصهيونية بابعادها السياسية والعقائدية والاقتصادية 00 كما يعتبر المراقبون ان هذا المسلسل سيكون رسالة اعلامية صارخة لدعاة السلام 0
يتناول المسلسل بالوثائق حياة شخوص كانوا بمثابة اللبنة الاساسية في نشوء هذه الحركة وهم الشخوص الحقيقيون الذين ساهموا فعليا في ترجمة اهدافها من العام 1812م الى عام 1948م احتلال فلسطين. وحسب مؤلف العمل الدكتور فتح الله عمر فإن وثائق العمل التي استعان بها هي و اكثر من / 250/ وثيقة ومرجع بتوقيع اليهود انفسهم وليس هناك اية مراجع اخرى اما الشركة السورية المنتجة ( لين) فتؤكد بان هذا العمل اعلامي وسياسي بحت وليس فيه اية معادات للسامية لان مضمونه يستند الى المراجع اليهودية ولا يمكن لاحد ان يرفع صوته لانه / صوت الحقيقة / في زمن المفارقات 00
تبدأ الحكاية في العام( 1812) روتشيلد وهو على فراش الموت يطلب أولاده الخمسة ويوكل لهم مهمة السيطرة على أهم بلدان العالم باسم الحكومة اليهودية السرية العالمية 000 وتبدأ بعدها سقوط الدول.. من خلال زعزعة امنها واستقرارها ويتشعب العمل واحداثه واماكنه بين انكلترا ورومانيا رروسيا والنمسا فرنسا وفلسطين ومصر والولايات المتحدة الامريكية في تسلسل دقيق للاحداث والشخصيات..
وفي سياق العمل يكشف هرتزل عن الأساليب الشيطانية التي مارسها من اجل تحقيق حلمه في إقامة وطن قومي لليهود في فلسطين.. كما يتم تعرية الأساليب الإجرامية التي اتبعتها الحكومة اليهودية العالمية لفرض سيطرتها على العالم. كما يتم فضح المزاعم الصهيونية والعلاقات مع هتلر اضافة الى كشف اضطهاد اليهود الشرقيين ويكشف ايضا العلاقات بين روتشليد وبلفور ووايزمن التي ادت الى اعطاء وعد بلفور المشؤوم..
في غرفة سرية مظلمة راح روتشليد الجد - الرجل الثاني في الحكومة السرية اليهودية -يوزع قلب أوربا على أولاده الخمسة و كأنما هي أرث أجداده لا فالإرث ممتلكات وجب الحفاظ عليها أما ارث روتشليد هذا فيجب أن يدمر أنه يدعوهم إلى تدمير دول قلب أوربا - النمسا - ألمانيا - فرنسا .. الخ
فلا سبيل إلى الانتقام من تلك الدول التي ظلمت اليهود على مر السنين إلا بالتحكم بها و تدميرها / كل الناس خلقوا من نطفة حمار نتن إلا الشعب المختار / بهذه الكلمات يلفظ روتشليد أنفاسه الأخيرة حاثا أولاده على تدمير العالم من حوله بدعوة أن اليهود شعب مظلوم و لا بد من الانتقام ممن ظلموهم ثم ننتقل وبعد مرور عدة سنوات إلى باريس لنرى تأثير كلام الجد روتشليد واضحا على ما يدور هناك , فالضابط اليهودي الفرد رايفس و الذي يخدم في الجيش الفرنسي يقوم بالتجسس لصالح الجيش الألماني وحين يتم القبض عليه نرى الشرفاء من الفرنسيين يتهمون بتهم شتى في حين تبرأ ساحة درايبفس الجاسوس لنكتشف أن الأصابع اليهودية بدأت تتحرك كأخطبوط ذي أذرع كثيرة و طويلة في الحكومة الفرنسية .
ثم تظهر على الساحة ثلة من اليهود رجال و نساء راحوا يعملون في الدعارة و على رأسهم الصحفي الشهير تيودور هرتزل أحد أهم الداعين إلى فكرة لم الشتات مستخدما داعرة أسمها جين للوصول إلى مراميه القذرة لتتنحى قصة درايفس جانبا و يظهر هرتزل على الساحة الدرامية لنراه لا يوفر وسيلة للحصول على المال من الداعرة جين في حين كانت بوادر فكرة العودة إلى أرض الميعاد تظهر لديه ولتبدأ رحلاته في البحث عمن يسانده في تحقيق ذلك أما جين فهي امرأة يهودية هربت مع أخيها حاييم من فيتو روماني إثر زواج فاشل بابن حاخام ذلك الفيتو الحاخام سارنوف , الأمر الذي حدا بسارانوف إلى تعذيب والد و والدة جين فيقتل الأب و تخرج الام للبحث عن أبنتها جين في حين يهرب ولدهما الصغير ليعود و يظهر فيما بعد بدور جابو تنسكي قائد فرقة الهاجانا التي تعسكر في فلسطين .
أما تيودور هرتزل فيصطدم بدعواه تلك مع العديد من الرؤساء و الملوك و أهمهم السلطان عبد الحميد الذي يطرده من قصره حين يدرك خطر دعوى هرتزل تلك , في وقت كان هرتزل يبتز جين المرة تلو الأخرى .
يموت تيودور و تتعاظم فكرة إنشاء الدولة اليهودية و يؤمن بها الشبان و تكثر الهجرات إلى فلسطين و تتعاظم , و لكن السؤال الأهم .. هل كانت فلسطين - أرض الميعاد - الجنة التي كانوا يحلمون بها
هذا ما سيجيب عنه المسلسل بكل التفاصيل في حبكة درامية شيقة و فاضحة للكثير من الطقوس اليهودية من فطير صهيون ثم زواج الأخ من أخته وصولا للكذبة الكبيرة التي نطق بها توراتهم .....
ويشارك في العمل اكثر من ( 250 ) ممثل رئيسي والاف الكومبارس.

بطاقة عمل:
اسم ا لعمل: الشتات
عدد الحلقات حلقة
مدة الحلقة ساعة تلفزيونية
تأليف فتح الله عمر
اخراج نذير عواد
مدير التصوير والإضاءة: جورج لطفي الخوري
المصور داني عيسى
ديكور موافق السيد
ملابس غازي قهوجي
ماكياج أحمد حيدر
مدير الإنتاج جورج حداد
بطولة: عباس النوري ـ خالد تاجا ـ مي سكاف ـ عبد الرحمن أبو القاسم ـ هاني الروماني ـ تيسير إدريس ـ عبد الهادي صباغ ـ سعد مينة ـ ميلاد يوسف ـ أمانة والي ـ روعة السعدي ـ سهيل جباعي ـ وائل نجم ـ رضوان عقيلي ـ نضال نجم ـ رندة مرعشلي ـ لينا مراد ت نورا مراد ـ رياض نحاس ـ زيناتي قدسية ـ صالح الحايك ـ سليم صبري ـ وآخرون...
الإشراف الفني عبد الرحمن بكر
الإشراف العام نبيل طعمة ـ عماد سيف الدين

 

اتجاهات الكتب

عالم صدام حسين
تأليف: مهدي حيدر

كانوا 17 رجلاً يفترشون أرض القاووش الذي لا تتجاوز مساحته 25 متراً مربعاً، وفي أيديهم صحون معدن مطعوجة الحواف تملؤها حبوب الفول المسلوقة مع الملح وعظام البقر. نور الواحد والنصف ظهراً تسرب مملوءاً بذرات الغبار عبر النافذة المرتفعة المزودة بقضبان حديد ثخينة وبشبك معدن رفيع ممزق، وزجاج ـ وراء القضبان والشبك ـ مهشم وملطخ ببقع زيت وأوساخ. عرض النافذة يقارب المتر. ارتفاعها لا يتجاوز 40 سنتمتراً. كانوا يتناوبون على القفز والتعلق بالقضبان ورفع الرأس والنظر إلى الرمال الممتدة شرقاً والأسواق المتشعبة غرباً. الأقصر بينهم كان يعينه بعض الأقوياء فيرتفع لحظات على أكف أو أكتاف ثم يهبط بعد قليل. فوق النافذة امتدت قساطل وأنابيب، تهرأت بطانة إسفنج تغلفها فتدلت مع خيطان العناكيب وفتائل الغبار القائمة. الحمام كان في الزاوية، بنصف حائط يفصل الحفرة وحنفية الماء، عن باقي القاووش. الحيطان كلها مبقعة بالعفونة، في موسم الأمطار تنز ماء من الجوانب ومن السقف. الأرض تكسوها قشرة سميكة من الشحوم وما يشبه الطحالب. يشطفونها بمياه يجلبونها من حنفية الماء بالسطل الحديد، لكن القشرة القديمة المتحجرة كصدف بحري لا تزول. توزعوا عاجزين على فرشات إسفنج ضيقة، وألقوا ظهورهم العرقانة على الحيطان.
صدام حسين كان ينهض باكراً مع آذان الفجر، ويبدأ تمارينه الرياضية. يسمع عبر الجدار حركة في الزنزانة المجاورة ويدرك أنهم يصلون. بعد دقائق يتلاشى كل صوت. وحده الشخير حوله يبقى مسموعاً في ذلك الوقت الفاصل بين أذان الفجر واستيقاظ المدينة. مع شعاع الشمس الأول تفرقع أبواب الحديد الجرارة في الأسواق المجاورة، يرفعها أصحاب المحلات بعنف من استيقظ من نوعه عكر المزاج، فتعلوا الشتائم في الزنزانة.
خلال الشهر الثاني سجيناً \، التقى صدام حسين العقيد البكر. كان لقاء قصيراً لم يتجاوز الخمس دقائق. لاحظ أن بشرة العقيد اكتست بلون طحلبي مخضر. صدام حسين ظل صامتاً طوال مدة المقابلة تقريباً. قبل أن يتصافحا ويفترقا قال العقيد:
ـ قد أخرج بعد أيام. لكن اتصالنا لن ينقطع.
لم يعرف صدام حسين أن العقيد البكر أفرج عنه بضغط من الدول العربية إلا بعد أسبوعين على حدوث الأمر. أخبرته زوجته ساجدة خير الله حسين ذلك حين أتت تزوره حاملة عدي ملفوفاً في بطانية صوف ناعمة زرقاء. أخبرته أيضاً أن أخاها عدنان مسجون في (خلف السدة) وأنالعقيد البكر يحاول التوسط ونقله من هناك إلى هنا، لكي يكون بين رفاقه. كانت دامعة العينين. رفع صدام حسين إصبعاً في وجهها. لاحظت ساجدة الظفر المتشقق المسود. ورأت آثار حروق ضعيفة ظاهرة على قفا يده. أخذت نفساً عميقاً وقالت إنها مصاب بالرشح منذ الأمطار الأخيرة.
في الأسبوع الأول من شباط 1965 حمل صدام حسين ابنه عدي بين ذراعيه، بينما زوجته ساجدة تخبره عن أحوال العالم الخارجي. قبل أن يعطيها الولد دس ورقة في الثياب الرقيقة البيضاء. كانت تلك رسالته الأولى من السجن إلى رفيقه العقيد البكر. خلال الأسابيع التالية تحول عدي الملفوف بالثياب إلى صندوق بريد بين الرجلين. في رسالة مقتضبة، وأحياناً طويلة، أعاد العقيد البكر بمساعدة ذراعه اليمين صدام حسين، تنظيم فلول (البعث) وترميم هيكل (جهاز حنين) بانتظار اللحظة المناسبة. من زاويته في الزنزانة كان صدام حسين قادراً على متابعة تحالفات الرئيس عارف ا لمستجدة تحالفاً تحالفاً. العقيد البكر في المقابل وطد أحلافه القديمة في تنظيم (الضباط الأحرار) وأعاد فتح قناة مهمة مع حردان التكريتي. كان عليه أن يضمن الرجل إلى جانبه، ضد الرئيس عارف، الرئيس الذي بات تابعاً لعبد الناصر على نحو مكشوف.
في رسالة وصلت بعد عاصفة أمطار ورياح دامت أياماً، سأل العقيد البكر مساعده صدام حسين أن يختار اسمين من ثلاثة أسماء. كتب العقيد البكر في تلك الرسالة أن الرئيس عارف وافق على إطلاق رفيقين من كوادر قيادة (بعث العراق)، يشترط اختيار السجينين من لائحة وضعها بعض الضباط. اللائحة خلت من ا سم صدام حسين، وضمت 23 اسماً. العقيد البكر أخبره أن عليه اختيار اثنين من الثلاثة الذين دون أسماءهم هنا. كتب العقيد البكر: (اختصرت اللائحة من 23 اسماً إلى 3 أسماء. عليك الآن حذف اسم من الثلاثة).
صدام حسين رفع رأسه عن الورقة المجعوكة بين أصابعه الجافة. نظر إلى ظلمة الساعة السادسة مساء وراء القضبان والزجاج العالي المتسخ. كان يلف ساقيه ببطانية، وعلى كتفيه بطانية أخرى تفصل ظهره عن صقيع الجدار. انتبه أن العقيد البكر يلعب معه جولة شطرنج. ذلك واضح من السماء الثلاثة على الورقة: ناظم كزار، العقيد عماش، وعبد الخالق السامرائي.
أيقن صدام حسين عندئذ أنالعقيد البكر استطاع بلوغ سريرته بنظرةقائمة باردة. كآبة العقيدة منحته طاقة التكهن. ريبته الأصيلة الباطنية تدله إلى الأثر الصحيح مثل كلب صيد. العقيد البكر يعرف سلفاً الاسم الذي يود صدام حسين حذفه. لن يحذف ناظم كزار. لن يحذف العقيد عماش. سوف يحذف رفيقه عبد الخالق السامرائي. أدرك صدام حسين أن هذا الاختيار سيرسم ابتسامة على وجه العقيد البكر. أدرك أيضاً أنه بهذا الاختيار يخسر الجولة التي لعبها العقيد بمكر وحس دعابة في آن معاً. (البعث) يحتاج طاقة ناظم كزار الأمنية الآن. كما يحتاج قدرة عبد الخالق السامرائي القيادية بصفته أحد المنظرين المدنيين، لكنه لا يحتاج العقيد عماش: العقيد البكر يقدر بلا مساعدة أن يرتب التحالفات المطلوبة في صفوف العسكر في الوقت الحاضر. ثم أن العقيد عماش بات منذ إحباط عملية اغتيال عارف ا لأخيرة في دائرة الشك. الشخص الوحيد الذي يظل خارج هذه الدائرة، بالنسبة إلى صدام حسين، هو العقيد البكر. لن يقبل العقيد البكر أي تحالف مع أي سلطة ضد (البعث). إذا ظهر للعامة أنه يفعل أمراً كذلك، فهذا لا يعني أنه يفعله حقاً. قال صدام حسين إنه يقدر أن يعتمد على العقيد البكر دائماً. فكر أنه الآن يخسر جدولة: سوف يختار عبد الخالق السامرائي ويسمح للعقيد البكر بتلك الابتسامة لكن هذه الخسارة المؤقتة لن تؤذيه. بالعكس: العقيد البكر سوف يتشجع أكثر منذ اليوم على التعامل معه كابن وصديق.
حين رجعت ساجدة بعد أسبوع أعطاها ورقة مطوية. دفعتها بيد مرتجفة داخل بطانيةعدي الجديدة المقسمة إلى مربعات خضراء وصفراء. كانت رسالة في كلمة واحدة: (السامرائي).
خلال فصل الربيع، قبيل مغادرته البلاد في رحلة أوروبية، أصدر الرئيس العراقي عبد السلام عارف أمراً بإطلاق مجموعة من المعتقلين السياسيين. ساجدة خير الله حسين، في البيت في الكرخ، لم تكن تتوقع خروج زوجها، لكنها أملت أن يخرج أخوها عدنان مع الخارجين. مشدودة الأعصاب أمام الراديو الذي بات يخشخش كثيراً في الآونة الأخيرة استمعت إلى الأسماء التي يذيعها صوت حزين وقوي يشبه صوت فريد الأطرش. لم تسمع الاسم الذي تنتظره. لكنها سمعت أسماء مألوفة. ناظم كزار مثلاً. العقيد عماش أيضاً.
قرأ صدام حسين قبل نهاية ذلك الشتاء مجموعة إصدارات سلسلة (روائع الأدب العالمي) المبسطة. قصص لأندريه جيد وفيكتور هوغو وألكسندر دوماس وفيودور ديستويفسكي ووليم شكسبير. كانت سلسلة يترجمها ويحررها أحد تلامذة ميشيل عفلق عفلق كتب له في رسالة أخرى ـ بلا رائحة ، ذلك أن عدي لم يلبث أن شفي من الإسهال ـ إن هذه القصص ضرورية لتربية كل بعثي: على البعثي أن يدرك مدى اتساع وتشعب وثراء الطبيعة البشرية. أعاد قراءة (على سبيل البعث) 7 مرات. الأسلوب السهل الواضح لهذا الكراس كان يمده بنقاط قوة في النقاشات اليومية ـ خلال ساعة النزهة ـ مع اليساريين، خصوصاً الشيوعيين. بكلمات قليلة أظهر عفلق أن الماركسية لا تصلح في هذه المنطقة من العالم. الماركسية فلسفة غريبة عن الفكر العربي، فلسفة عاجزة عن فهم الذات العربية. قد تقدم لنا بعض الأسلحة المفيدة، لكن هذا هو كل ما تقدر أن تقدمه لنا. عبد الخالق السامرائي كان يندفع إلى نقاش حافل بمسالك خطرة. هو ـ صدام حسين ـ فصل عدم سلوك تلك المتاهة من الأمثلة والحجج والردود. لا ضرورة لإتعاب الذهن وإبعاده عن الهدف الأساس. لا ضرورة لتبديد الوقت في إقناع الخصوم. اكتفى صدام حسين بالمهم. أن يجمع الرفاق حوله، وأن يكف عنهم أذى كلمات الآخرين، وخطر هذه الكلمات.
ـ على البعثي أن يتحسن في قلعته.
عدنان خير الله، بقدمين محروقتين بأعقاب السجائر، كان يمشي قافزاً كطير الحجل، ثم يرمي نفسه على طرف الإسفنجة، في زاوية ابن عمته صبحة، ويستمع إلى صوته الناشف المعبأ بالسلطة. كان هذا الصوت ـ صوت صدام حسين ـ البوصلة الوحيدة التي تعينه على الخروج من ضباب آلامه الكثيف المتجمد. مع كل خطوة، منذ أن أحرقوا جسمه وكسروا ألواح خشب على عظامه، يحس عدنان خير الله طلفاح، أنه ما عاد يمشي على أرض صلبة، أنه ما عاد يمشي على تراب أو باطون أو إسفلت أو صخر. يحس أنه يمشي على صفحة نهر متجمد. مع كل خطوة يملأ الخوف قلبه: قد تتصدع القشرة الرقيقة ويجد نفسه مغموراً بالماء. الذكريات كانت تداهمه في الليل، فيخرج من كوابيسه صارخاً، ورئتاه مطعوجتان إلى الداخل، فارغتان من الهواء: يرى في المنام أنه ما زال في سجن (خلف السدة) وأنهم يدلونه مربوطاً كالبهيمة من كاحليه في بركة المجارير العميقة. ينزل رأسه في السائل الكثيف، شعره، جبهته، حاجباه، عيناه، أنفه، فمه، يغمر القرف عنقه، ويدلونه أيضاً: القرف على صدره العاري، على كامل جذعه، ويدرك أنه يختنق. لم يعد يوجد أوكسجين في رئتيه، في دمه، في جسمه. يدرك أنه يختنق، يموت غارقاً في البول والخراء. لن يفتح فمه، يقول في نفسه. يفضل أن يموت بلا هذا القرف في داخل جسمه أيضاً. ثم يكتشف مذعوراً أن السائل الكثيف ولج فتحتي أنفه وبات يجري في أعضائه.
صوت صدام حسين الصارم أنقذه:
ـ كن رجلاً رفيق. ما حدث انتهى. الماضي لا يؤثر في البعثي المهم الغد.
حين أراد عدنان أن يفتح فمه كرر صدام حسين الأمر:
ـ الضعيف يضعف الجماعة، يهدد الحزب، علينا أن نتحصن في قلاعنا وأن نستعد طوال الوقت . استعد!
قال عدنان خير الله:
ـ حاضر رفيق!
بعد ذلك الحوار مع صدام حسين سيطر عدنان خير الله على كوابيسه. بينما يدلونه بالحبل إلى البركة المقرفة أمسك بالأيدي التي تقبض على جسمه وغارز أسنانه فيها. كانت أسنانه تتكاثر في فمه. عشرات الأضراس، عشرات الأنياب، نبتت في فكيه وفرّخت بقوة الرائحة العضوية الخصبة المتصاعدة من الحفرة القاتمة. عليه أن يتحصن، أن يستعد، هكذا قال له الرجل صاحب العينين الواسعتين تحدقان إلى الظلام بنظرات تهدم الجدران. عليه أن يتحصن، ليجعل هذا الجسم الضخم سلاحه إذاً. في الكابوس، بينما أسنانه التي لا تحصى تنغرز في لحم وعظام أعدائه، ذاق عدنان خير الله طلفاح طعم الدم البشري على لسانه. فتح عينيه في ظلام الزنزانة فاكتشف أنه أدمى معصمه كان يعض ذراعه لئلا يصرخ في الليل.

 

اتجاهات وسائل الإعلام

حامد الجبوري يتحدث عن وطنية البكر وإعجابه بصدام
حاوره غسان شربل
الحلقة الأولى

خلال مراسم تشييع القائد الفلسطيني وديع حداد، في بغداد في 1978، استرجع رجلان ذكرياتهما مع الراحل على مقاعد الجامعة الأميركية في بيروت. كان اسم الأول جورج حبش الأمين العام لـ/الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين/، والثاني حامد علوان الجبوري وزير الدولة العراقي للشؤون الخارجية. وينقل الجبوري عن حبش قوله يومها انه رأى حداد، الطالب الخجول الوديع سابقاً، يصفع كارلوس ولا يجرؤ الرجل الذي يهز العالم على الاعتراض.
وخلال بحثي عن سيرة حداد التي نشرت في /الوسط/ على حلقات عشية 11 أيلول (سبتمبر) 2001، استوقفني اسم الجبوري الذي شارك في تأسيس /حركة القوميين العرب/ الى جانب حبش وحداد وهاني الهندي وأحمد الخطيب وآخرين. وقبل الحرب التي أطاحت نظام صدام حسين رحت أبحث عن اسماء عراقيين يمكن أن تساعد شهاداتهم القارئ في التعرف على ما دار داخل كواليس نظام البعث منذ استيلائه على السلطة في 17 تموز 1968. فاستوقفني اسم حامد الجبوري مرة أخرى.
لم يكن الجبوري الذي جاء الى /البعث/ من /حركة القوميين العرب/ جزءاً من النواة الصلبة في الماكينة الأمنية ـ الحزبية التي أدارت البلاد بقسوة غير مسبوقة. ولم يكن شريكاً في صناعة القرار الذي كان في غالب الأحيان في قبضة رجل واحد. لكنه كان حاضراً في المواقع الحساسة. فغداة طرد رئيس الوزراء عبد الرزاق النايف في 30 تموز 1968 عين الجبوري وزيراً لشؤون رئاسة الجمهورية، ليقيم في القصر ويكون على علاقة يومية مع الرئيس أحمد حسن البكر بعد مرور سنوات على تعارفهما في أحد سجون عبدالكريم قاسم. وبعد مرور بوزارتي الثقافية والإعلام والشباب وجد الجبوري نفسه وزير الدولة المكلف رئاسة ديوان صدام حسين، نائب رئيس مجلس قيادة الثورة آنذاك. ومن 1977 الى 1984 سيكون وزير الدولة للشؤون الخارجية، وشهد من ذلك الموقع اندلاع الحرب العراقية ـ الايرانية. وبعد مرور بسفارة العراق لدى الاتحاد السويسري عين الجبوري في 1989 سفيراً لدى تونس ومنظمة التحرير ومندوباً دائماً لدى الجامعة العربية. وفي 1993 سيغادر منصبه رافضاً العودة الى العراق ومنتقلاً الى المعارضة.

سألت حامد الجبوري عن شعوره يوم سقط نظام صدام، فقال انه لم يبتهج /لأنني كنت أريد سقوطه بأيد عراقية ومن دون وقوع العراق تحت الاحتلال/. واستغرب أن يقدم صدام نفسه زعيماً للمقاومة متناسياً /انه صانع الكارثة/. لكن الجبوري لم ينكر أنه اعجب بصدام يوم لقائهما الأول في 1967 وأنه أحبه أيضاً. وروى أن البكر كان رجلاً وطنياً يمتاز بالدهاء والمكر لكنه غير مولع بالقتل والتصفيات الدموية التي اعتمدها صدام باكراً وحولها أسلوباً في الحكم.
انها شهادة من داخل النظام ومن داخل مكتبي الرجلين اللذين يفترض أنهما تقاسما السلطة. وسيكشف الجبوري ان /الرجل الثاني/ بكر في الاستئثار بالأوراق وحول /الأب القائد/ أسيراً في قصر الرئاسة. وها هي /الحياة/ تنشر هذه الشهادة باستثناء حفنة عبارات وردت على لسان الرئيس المخلوع وتشكل مساً بكرامة قادة ومسؤولين. وكما سائر المساهمات في سلسلة /يتذكر/ فإن الباب يبقى مفتوحاً لكل توضيح أو نقد أو تصحيح. وهنا نص الحلقة الأولى:

< في أيلول 1980 كنتم وزير دولة للشؤون الخارجية، هل عرفتم بالحرب مع إيران قبل وقوعها؟
- لا. طبعاً لم تكن أجواء التوتر خافية على أحد لكن لم يتم التحدث في مجلس الوزراء عن حرب مع إيران. استدعي رئيس هيئة الأركان عبدالجبار شنشل إلى مجلس الوزراء، وقال له صدّام: /اشرح للاخوان الوزراء الوضع على الحدود بيننا وبين إيران/. وكان شنشل يتحدث عن الوضع ولكن من دون أي تلميح إلى احتمال اندلاع حرب على رغم الاشكالات.
< وعن الخميني؟
- كان صدّام يكرهه كرهاً شديداً. كان الخميني موجوداً في النجف ولديه مساعد هو الشيخ محمود دعائي الذي كان يتعاون مع الاستخبارات العراقية ويشرف على إذاعة بالفارسية موجهة من الأراضي العراقية ضد الشاه. وصار دعائي لاحقاً أول سفير للثورة الإسلامية لدى العراق. وسألني صدّام ذات يوم هل قرأت عن ولاية الفقيه؟ فأجبت بالنفي. فقال: إنه كتاب صغير يجب أن تقرأه. ثم انطلق في الحديث عن مساوئ الخميني وطمعه في السلطة. تخوّف صدّام من أن يكون لدى شيعة العراق هوى إيراني. ربما كان ذلك من أسباب الحرب العراقية - الإيرانية. السبب الرئيسي، في اعتقادي، هو طموحه في أن يكون سيد الخليج. شعر بأن هاجس الغرب، خصوصاً الولايات المتحدة، هو احتواء الثورة الخمينية التي رفعت شعار تصدير الثورة وأثارت قلق جيرانها. ولعله اعتبر أن تصديه لإيران الخميني سيضع الأساس ليصبح رجل أميركا في المنطقة. طبعاً لعب أحد الزعماء العرب دوراً في دفع صدّام في هذا الاتجاه ووعده بالحصول على دعم غربي.
< حاولت الجزائر التوسط لإنهاء الحرب العراقية - الإيرانية وقتل وزير خارجيتها محمد بن يحيى في 4 أيار (مايو) 1982 خلال مهمة مكوكية بين بغداد وطهران، ماذا تذكر عن الدور الجزائري؟
- الجزائر صاحبة خبرة في ملف الخلاف العراقي - الإيراني. فهي كانت راعية الاتفاق الذي وقعه شاه إيران محمد رضا بهلوي ونائب رئيس مجلس قيادة الثورة صدام حسين في 1975 والمعروف بـ/اتفاق الجزائر/.
لا أريد الخوض في الأسباب التي دفعت صدّام إلى توقيع ذلك الاتفاق. نتائجه تكفي للايضاح فقد أدى توقيعه إلى انهيار الثورة الكردية التي تخلى عنها الشاه في مقابل ما حصل عليه بموجب الاتفاق. واضح أن صدّام فضّل في تلك المرحلة تأمين الداخل، أي سلامة النظام. وكل شيء يشير إلى أنه وقّع على أمل بأن تساعده التطورات لاحقاً على نقض الاتفاق الذي لم يتردد في تمزيقه وإعلان إلغائه بعد اندلاع الحرب العراقية - الإيرانية.
بن جديد يتهم صدّام
إذاً تعرف الجزائر مواضيع الخلاف وتعرف الحساسيات. وقبل أن تسعى إلى انهاء الحرب، سعت إلى منع اندلاعها. خلال الحرب ولدى تزايد الضغط الإيراني بعد انقضاء فترة تفوق الجيش العراقي، حملني الرئيس صدّام حسين رسالة إلى الرئيس الشاذلي بن جديد تتعلق بالحرب وتطوراتها والجهود لوقفها. استقبلني الرئيس الجزائري وكان برفقتي عبدالحسين الجمالي وكيل وزارة الخارجية العراقية.
وعلى رغم التحفظ الذي يطبع سلوك المسؤولين الجزائريين فوجئت بالرئيس بن جديد يقول لي الآتي: تشكلت لدينا قناعة بأن الرئيس صدّام يعيش في أجواء توحي بالمزيد من التصعيد ضد إيران. لا مصلحة لأحد في اندلاع نزاع من هذا النوع يستنزف طاقات البلدين ويهدد الاستقرار في المنطقة. شعرت بأن من واجبي كرئيس للجزائر أن أحاول منع التصعيد والانزلاق إلى الحرب. ذهبت إلى بغداد وعرضت الموقف مع صدّام وألححت عليه من أجل العمل على تجنب مواجهة كنت اعتبرها مشروع كارثة. للأسف الشديد لم يكترث صدّام لما قلته. تجاهل رأيي ولم يعطني أي موقف مطمئن. خرجت من اللقاء معه قلقاً فقد بدا أنه اعتمد تماماً خيار التصعيد. أقول آسفاً انه بدا كمن يسعى إلى الحرب. وحين عدت إلى الجزائر لم تتأخر الحرب في الاندلاع.
< ومقتل وزير الخارجية الجزائري؟
- اندلعت الحرب وظهرت دعوات إلى وقفها وتحركت وساطات. طبعاً لم يكن سهلاً وقف تلك الحرب. المشكلة لم تكن في الحساسيات التاريخية والقديمة بين البلدين. كانت هناك مشكلة آنية شديدة التعقيد وهي الكره الشديد المتبادل بين الرجلين القويين اللذين يتواجهان في الحرب، وهما صدّام حسين من جهة وآية الله الخميني من جهة أخرى. صدّام اعتبر أنه يصدّ الخطر الإيراني عن العراق والمنطقة. والقيادة الإيرانية اعتبرت أنها في موقع الدفاع عن النفس وان الجانب العراقي هو الذي بادر إلى اشعال الحرب.
موسكو تؤكد
تحركت الجزائر عبر وزير خارجيتها، وكان مسعاها يلقى ترحيباً من جهات كثيرة ادركت خطورة استمرار هذا النزاع في منطقة حساسة. جاء وزير الخارجية الجزائري في المرة الأخيرة ومعه وفد من كبار الموظفين الجزائريين محاولاً بلورة قاسم مشترك يمكن على أساسه وقف الحرب. وقرر التوجه إلى إيران في إطار تحركه المكوكي. سلكت طائرة الوزير الجزائري طريق المثلث الحدودي العراقي - الإيراني - التركي، واختفت فجأة.
بعد فترة طويلة جاءنا وزير النقل والمواصلات الجزائري مبعوثاً من الرئيس بن جديد. استقبله صدّام وكنت حاضراً. حمل الوزير الزائر معه ملفاً ضخماً جداً حوى نتائج التحقيقات التي أجرتها الجزائر حول اسقاط الطائرة. قدم الوزير ايجازاً شفهياً إلى الرئيس العراقي ومفاده أن بلاده أجرت تحقيقاً واسعاً وثبت لديها على نحو قاطع أن الصاروخ الذي اسقط طائرة وزير الخارجية الجزائري اطلق من طائرة عراقية. وأوضح أن أجزاء من الصاروخ سقطت في الأراضي الإيرانية وعثر عليها بما في ذلك الرقم الموجود على الصاروخ، وان الاتحاد السوفياتي أكد أن ذلك الصاروخ كان جزءاً من صفقة صواريخ اشترتها بغداد من موسكو. وقال الوزير الزائر إن الرئيس بن جديد أصدر تعليمات مشددة تقضي بأن يكون الاطلاع على ملف التحقيق محصوراً بمجلس الوزراء الجزائري وقيادة جبهة التحرير الوطني، وان التعليمات تشدد على عدم تسرب أي شيء إلى وسائل الإعلام، حرصاً على العلاقات بين البلدين. تسلّم صدّام الملف ولم يعلّق على كلام الوزير الجزائري ولم يقل كلمة واحدة عن نتائج التحقيق. وكان موقفه غريباً، إذ كان يمكن التخفيف أن يعد بتحقيق أو يشكك في النتائج.
التنازل عن الجزر!
< لم يكن صدّام يريد وقف الحرب؟
- من خلال وجودي في وزارة الخارجية وما سمعته، وصلت إلى قناعة أن صدّام كان مصراً على اسقاط النظام الإيراني، أو على الأقل خلخلته تماماً لتسهيل سقوطه. لهذا لم يكن معنياً فعلياً في المراحل الأولى بأي وساطة ترمي إلى وقف النزاع. أذكر أن الرئيس أحمد سيكوتوري رئيس غينيا ورئيس لجنة المساعي الحميدة لـ/منظمة المؤتمر الإسلامي/ حاول بدوره انهاء النزاع. في رحلته الأخيرة عقد اجتماعاً مع صدّام في مطار بغداد وكنت حاضراً. كان سيكوتوري، ككل وسيط، يسعى إلى انضاج المواقف لترسيخ القناعة لدى الطرفين بأن الخيار الوحيد هو خيار وقف الحرب.
واستهل سيكوتوري اللقاء متفائلاً، وإذا بالرئيس العراقي يفاجئه بشرط جديد لوقف القتال وهو أن تعلن إيران تخليها عن الجزر الثلاث طنب الكبرى وطنب الصغرى وأبو موسى. بدا الاستغراب واضحاً على وجه سيكوتوري الذي خاطب صدّام قائلاً: هذا مطلب تعجيزي يا سيادة الرئيس. أرى انك لست راغباً في انهاء الحرب. الجزر الثلاث ليست عراقية ولا يطالب العراق بالسيادة عليها. لا استطيع أن أنقل إلى الإيرانيين طلباً من هذا النوع. الأولوية يجب أن تكون لوقف الحرب.
بعدها تخلّى سيكوتوري عن المهمة التي انتقلت إلى رئيس غامبيا.
< هذا يعني أن صدّام تبنى مطالب دولة الإمارات العربية المتحدة، فهل كانت علاقته معها جيدة؟
- نعم. ذات يوم وكان صدّام لا يزال نائباً توقف في الإمارات في طريق عودته إلى بغداد من موسكو. لم أكن حاضراً يومها، ولكن نُقل إليّ أنه اتخذ موقفاً يعبر عن عمق العلاقات. قيل إنه أبلغ الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان أنه إذا تحرش الاتحاد السوفياتي بدولة الإمارات، فإن العراق سيضع جانباً معاهدة الصداقة والتعاون مع السوفيات، وسيقف بكل قوته إلى جانب الإمارات.
طبعاً في موضوع الحرب العراقية - الإيرانية لم تبخل دول الخليج على صدّام بالدعم. لكن صدّام كان يعتبر أنه بمحاربته إيران يدافع عن العراق ودول الخليج معاً. بعبارة أخرى كان يعتقد بأن العراق هو الدولة الوحيدة المؤهلة للوقوف في وجه إيران، وان دول الخليج ليست قادرة على ذلك بقواها الذاتية. من هنا نظر إلى الدعم الخليجي كأنه واجب على هذه الدول، إذ أنها تدفع المال فقط، فيما يدفع العراق المال والدم معاً. وربما هذا ما يفسّر موقفاً مؤسفاً شهدته بنفسي.
قدمت دول الخليج مساعدات سخية إلى العراق بعد اندلاع الحرب مع إيران. لكن تلك الحرب بدت خطيرة على استقرار المنطقة وبدت باهظة التكاليف أيضاً.
في إحدى الفترات بدا أن الدول الخليجية راغبة في وقف الحرب وظهرت مؤشرات إلى ميلها لتقليص مساهمتها المالية فيها. جاء وزير الخارجية الإماراتي راشد عبدالله النعيمي واستقبله صدّام وكنت حاضراً. فجأة أراد صدّام توجيه رسالة قاسية وخاطب النعيمي قائلاً: /سلّم على/ وقل له//. لا أريد نقل العبارة بحرفيتها لأنها غير لائقة، وهي تتحدث عما كان يمكن أن تفعله إيران بالإمارات ودول أخرى لولا وجود صدّام.
تكهرب الجو وامتعض الوزير الزائر لكنه لم يجب. رافقته إلى المطار وكان شديد الانفعال. نظر إلى الأمر كأنه دليل على نكران الجميل أو العنجهية والابتزاز. طبعاً من الخطير أن يتصرف رئيس دولة بهذا الاسلوب.

 

الناس الذين قمنا بالإمساك بهم بسببك سيموتون
حوار: ثائر زكي الزعزوع
الحلقة السادسة

في الحلقة السابقة بدأت سلمى تدخل في تفاصيل تخطيطها للفرار من الجحيم الذي عدي ورجاله يضعونها فيه، فهي اتفقت مع صديقة لها تدعى تماضر ومع أشخاص آخرين على تدبير محاولة فرارها من العراق بحجة العلاج ، باستصدار جواز سفر لها ولولدها الصغير.
كانت قد عادت الى بيتها ليلا بعد لقائها تماضر وجمال ومصطفى والدكتور أحمد الدليمي وهم الأشخاص الذين قرروا تقديم يد المساعدة لها ، كانت فرحة ، سعيدة ، وقد استعادت ثقتها بنفسها وبالآخرين ، هكذا قالت ، وفور دخولها الى بيتها وقبل أن تهدأ وتخلد للنوم مرتاحة ، قرع الباب مرتين دون أن تجد الطارق وفي المرة الثالثة وبعد تردد ، اندفعت بسرعة باتجاه الباب وقامت بفتح الباب. واليوم تواصل سلمى رواية قصتها التي تصر على تسميتها مأساة .

حين فتحت الباب لم أصدق عيني ، كان يقف ضاحكا بطوله الفارع، و وو
-تقصدين عدي صدام حسين ؟
نعم ، عدي ، كان يضحك بهدوء ، وهو يبدو مخمورا تماما ، يعني أحسست من طريقته في الوقوف بأنه كان سكرانا ، ارتبكت ولم أعرف ماذا ، خوية ، أحسست بأني مقيدة تماما ، ولا أستطيع تحريك يدي ، ولا حتى قدمي ، حتى تنفسي أحسسته معطلا ، خفت خوفاً ليس له مثيل ، عدي صدام حسين بشحمه ولحمه ، وقوته وكل شيء ، يعني عدي صدام حسين يقف أمام بيتي ، ماذا أقول وماذا أفعل لم أعرف...
تكلم بهدوئه الشديد وقال : أنا أعرف بأنك وحيدة ، لذلك لن أزعل إذا لم تطلبي مني الدخول ، لكن غدا في التاسعة أريدك في مكتبي ، في اللجنة ، وأي تأخر يمكن أنا أزعل وأنا لاأحب أن أزعل منك ، أوكي. استدار وتركني أقف في مكاني لم ارد عليه لم أعرف ماذا حدث لي في تلك اللحظة ، يمكن توقعت أن يرسل لي أحدا ما لكن أن يأتي بنفسه ، فهذا مالم أتوقعه في حياتي .
لكن سيدتي ، هل يعقل أن يكون عدي طرق الباب مرتين واختبأ ، لماذا لم يكن موجودا منذ المرة الأولى؟
أستاذ ، هو لم يكن وحيدا ، كان معه ثلاثة رجال في سيارته ، وكانت وراءهم سيارة ثانية فيه اثنان ، يعني ممكن يكون واحد منهم هو الذي قرع الباب ، أقصد ليس ضروريا أن يكون عدي هو الذي قام بقرع الباب.
-وماذا فعلت بعد ذهابه؟
أول شيء قمت به هو الاتصال بتماضر وأخبرتها بكل ماحدث ، حاولت تماضر أن تهدئني ، قالت لي بسيطة ، نحن كنا متوقعين مثل هذه الأشياء ، لكن أهم شيء هو أن نبقى محافظين على هدوء أعصابنا ، سوف نواصل ما نريد القيام به ، دون أن نشعر الآخرين بما سنفعل ، ثم قالت لي بثقة اذهبي لمقابلته في مكتبه ،وحاولي قدر المستطاع أن تكوني عادية ، يعني جامليه حتى نستطيع تأمين جواز السفر ، وتهربين بسرعة ، كان كلامها مقنعا ،وفيه تفكير سليم أفضل مما فكرت أنا به ،فقد فكرت ألاّ أذهب الى الموعد في اليوم التالي وأن أحاول الاختباء ، لكن تخيل لو نفذت ذلك اين كان ممكنا أن اختبئ، اقتنعت تماما بكل كلمة قالتها تماضر ، وقد قالت لي قبل أن تغلق الهاتف : لازم تبقي قوية ، ولا تنهاري ، تذكري أن الحل قريب إن شاء الله . كلام تماضر أراحني كثيرا ، جعلني أهدأ قليلا ، يعني أكيد ليس مثل قبل مجيء عدي ، لكن الهاتف جعلني قادرة على النوم ، ممكن لأن تماضر تحدثت بموضوع السفر وهذا الموضوع كما تعلم بالنسبة لي هو حبل النجاة من الهول الذي أعيشه .
-ذهبت لمقابلة عدي في اليوم التالي ؟
طبعا ، في تمام التاسعة كنت أقف أمام باب مكتبه ، طرقت الباب فجاءني صوته من الداخل : تفضلي مدام ، تصور كان واثقا من ذهابي لمقابلته، فتحت الباب ودخلت ، كان دخان سيجاره يملأ الغرفة تماما،
وقفت على مقربة من مكتبه ، قال لي ممازحا : ولو يامدام ، أنت من أهل الدار ، تفضلي اجلسي ، لايوجد أي سبب لبقائك واقفة ، اختاري المكان الذي تريدينه واجلسي .
جلست على الكرسي القريب مني لم اشعر بشيء كنت أتحرك مثل المخدرة تماما ، تصدق، كنت أسمع صوت دقات قلبي ، كم هذا مخيف ، نظر إلي للحظات ثم قال : معقولة ست سلمى ، لماذا غبت عنا كل هذا الوقت ؟ يعني أدري الظروف كانت صعبة ، وفاة زوجك رحمه الله ، والترتيبات الأخرى التي تقومين بها ، أكيد كلها تشغلك عنا ، لكن تعرفين نحن نحب أن نطمئن على الناس الذين نحبهم . سكت وضحك ، ثم أدار قرص الهاتف وصار يتحدث بصوت منخفض لم أسمع كلمة مما قال ، تصدق حين قال الترتيبات الأخرى أحسست بأنه يعرف كل ما أقوم به ، وحين فتح باب الغرفة أيقنت بأنه يعرف .
-كيف؟
دخل الأستاذ ناجي وهو يحمل صورة كبيرة لي ، مع تماضر ، صورة قديمة من أيام المتوسطة .وهذا يعني بكل بساطة أنه يعرف بأن تماضر كانت تساعدني في مسألة السفر ، فتح عدي درج مكتبه وهو يضحك ثم أخرج جواز سفر وقال : ست سلمى معقولة أنت تعملين مع عدي صدام حسين وتطلبين من غيره أن يستصدر لك جواز سفر ، مدام تفضلي هذا هو جواز السفر الذي كنت تريدينه ، تفضلي ، قال جملته الأخيرة بغضب ، وكان ناجي خلالها يضحك وهو يراقبني وأنا أكاد أحترق في كرسيي ، ثم أضاف وهو يلتفت الى الجدار المقابل له : ست سلمى سأمهلك حتى يوم غد لتراجعي نفسك ، وبعدها إن لم تأت الى هنا معتذرة عن كل ماقمت به ، فلا تلومي إلا نفسك ، مفهوم ست سلمى ، ثم صرخ بقوة : ناجي ، أوصل المدام الى بيتها .
أخرجني ناجي من اللجنة ساحبا إياي من ذراعي بعنف ، وكان طيلة الطريق يردد : لايوجد أحد في الدنيا يمانع طلب الأستاذ ، هذا الأستاذ عدي وليس أي واحد آخر .
تركني ناجي أمام باب منزلي ، بقيت واقفة اكثر من نصف ساعة ، يعني مالذي يمكن أن أقوم به ، إنه يهددني بنفسه لم يرسل لي أحد رجاله ، هو بنفسه قال لي ، أين سأذهب وإلى من سألجأ ، قرعت الباب ففتحت لي المربية ، اتجهت مباشرة الى المطبخ ، أخرجت سكين تقطيع اللحم ، وقررت قطع شراييني .
قلت لها باستغراب:
-تنتحرين مدام ؟
نعم ، أنتحر ، لا يمكن أبدا أن أبقى أسيرة هذه الموت البطيء الذي يطبق على حياتي ، حين رفعت السكين الى الأعلى سمعت صوت ولدي يناديني /ماما/ هزني صوته من الداخل ، سقط السكين من يدي وسقطت أنا على الأرض ، صرت أبكي مثل الأطفال الصغار ، جاء الصغير الى المطبخ ، وصار ينظر اليّ باستغراب ، احتضنت صغيري وأنا انتحب وأبكي والمربية تقف قرب باب المطبخ تنظر اليّ دون ان تفهم ماالذي يحدث ، بعد أن هدأت قليلا قالت لي : مدام ، إن شاءالله خيراً ، لست بحالة جيدة .قلت لها بأني تذكرت المرحوم زوجي وهذه الحالة السيئة التي نعيش فيها ، هزت رأسها بدت غير مصدقة ، يعني كان معها حق ، قبل يوم رأتني أرقص فرحة ، والان تراني أبكي وأنتحب .
- ثم ماذا قررت مدام؟
قررت الاتصال بتماضر ، تقريبا بعد أكثر من ساعة من عودتي الى البيت ، فعلا اتصلت بها ، ردت عليّ أمها قالت لي بأنها ليست موجودة ، اتصلت بعد ساعة أيضا ، وردت أمها بأنها غير موجودة ، ظللت أتصل يمكن خمس أو ست مرات ، وكل مرة تقول لي أمها بأنها غير موجودة ، أخيرا قررت الذهاب الى بيتها لأراها ، كان لدي شعور بأنها تتهرب من الحديث معي ، حين وصلت الى بيتها فتحت لي أمها الباب، وكانت تبدو خائفة ،وأنكرت وجودها ، لكن إلحاحي جعلها تنادي تماضر ، خرجت تماضر من الغرفة الداخلية ، وكانت تبكي بحزن ، عانقتني وانهارت على الصوفة القريبة ، تركتنا أمها وحيدتين ، سألت تماضر عن السبب الذي يجعلها تبكي بهذه الطريقة ، قالت لي بأنها البارحة بعد أن أوصلتني الى البيت ، يعني بعد خروجنا من بيت جمال حيث التقينا مع الدكتور أحمد ، وحين وصلت الى بيت أهلها ، رأت سيارة سوبر غريبة تقف قرب الباب ، حين دخلت الى البيت رأت رجلا شكله مخيف يجلس قرب أخيها مرتضى ، كان يبدو أنه من رجال الدولة ، وفور دخولها قال لها أحمل لك رسالة آنسة ، بخصوص موضوع صديقتك ، إذا لم تتركي الموضوع فلن تري أخاك بعد هذه اللحظة ، شقيق تماضر كان في الأول الإعدادي ، طبعا الرجل ترك البيت ، حاولت تماضر الاتصال بمصطفى لكن زوجته قالت لها بأن جماعة من القصر جاؤوا وأخذوه ، وكذلك الدكتور احمد الدليمي ، وجمال شقيق مصطفى كلهم أخذتهم جماعة من القصر ، القصر يعني جماعة الأمن الخاص ، أو حماية صدام وأولاده .
- الواضح أنهم كانوا يراقبون تحركاتكم كلها مدام .
نعم هذا صحيح ، كانوا يعرفون كل مافعلناه ، هكذا قالت لي تماضر ، قالت بأن الرجل حكى لها عن خطتنا لترتيب مسألة السفر والمرض ، وكل شيء كل شيء.يعني كانوا يروننا ، تخيل رجعت الى البيت أول شيء فعلته هو أني قمت بطرد المربية أحسست بأنها قد تكون جاسوسة ، أو هي عينهم عليّ ، صرت مثل المجنونة تماماً أصرخ بلا توقف وكان الصغير ينتحب بالقرب مني ، لم أرد عليه ، لم أطعمه ، لم أغير له ملابسه ، تمنيت موته .
انفجرت سلمى باكية ، تنتحب ، ولم أعرف ماذا يمكن أن أفعل لها ،لقد بدت أمامي شبه منهارة ، وكأن الزمن عاد بها الى الوراء ، كانت كأنها تعيش الحدث للمرة الأولى ،نصحتها أن تنهض وتذهب لتغسل وجهها بالماء البارد ، لكنها رفضت ، وظلت تبكي ثم تابعت بسرعة وهي تجهش:
تصور بأني أم وتريد الموت لولدها ، لكن كان علي أن أتصرف قبل فوات الأوان ، حملت مااستطعت من الأغراض والألبسة وحملت صغيري وركضت مغادرة البيت كانت الساعة قد تجاوزت العاشرة ليلا ، الشوارع خالية تقريبا إلا من بعض السيارات والمارة الذين كانوا يراقبونني بفضول واضح ، أثناء ركضي سقطت من يدي إحدى الحقائب التي أحملها ، ولكني لم أرجع لالتقاطها كان كل همي أن أبتعد عن المنطقة بأسرها.
- ولكن أين قررت الذهاب؟
لاأدري ، صدقني لم أكن أعرف إلى أين أذهب ، كل ماكنت أفكر فيه هو الابتعاد بولدي عن المكان ،وبينما كنت أركض والصغير يبكي انتبهت الى وجود سيارة تتبعني ، كان فيها رجلان يضحكان.
- مدام ، قلت بأنك كنت تركضين ، فكيف انتبهت الى وجود السيارة وكيف رأيت الرجلين اللذين كانا فيها يضحكان.
حين أحسست بوجود السيارة توقفت ، ونظرت الى من فيها ، كانا رجلين ملتحيين ، تسمرت في مكاني ، والولد اشتد بكاؤه ، توقفت السيارة ونزل أحد الرجلين تقدم مني بهدوء ، وقال بصوت كريه : ها مدام رح نظل نركض وراءك كل الليل ، تفضلي ، اصعدي الى السيارة ، صعدت الى السيارة بكل هدوء ، وكأن قوة غريبة كانت تسيرني ، يعني لاأدري ماالذي حركني للركوب في السيارة .
-سيدتي ، لم تقاومي ، لم تصرخي؟
حتى لو قاومت أو صرخت النتيجة ستكون نفسها ، قررت الاستسلام ، لا عفوا أنا لم أقرر الاستسلام ، لكن لم يكن هناك سبيل للمقاومة ، تحركت السيارة ، وكنت أحتضن ولدي بخوف وذهول ، كنت مذهولة ، قال أحد الرجلين : أفضل شيء هو العقل ، لازمة تصيري عاقلة مدام ، الى أين كنت تريدين الذهاب ، صدقيني لو سافرت الى آخر الدنيا فسنعثر عليك ، هكذا قال الأستاذ ، إذا صارت في المريخ أحضروها ، ها هكذا أحسن أليس كذلك مدام ، لم أجب ظللت متمسكة بولدي ، قال الآخر : كان الناس الذين قمنا بالإمساك بهم بسببك سيموتون ، ولكن الآن سوف نطلق سراحهم ، هكذا أوصانا الأستاذ ، عندما نحضرك نطلقهم ، استجمعت قوتي كلها وقلت : ولكن الى أين ستأخذانني ؟ رد الذي يقوم بالقيادة : هناك بيت بانتظارك مدام ، لاتخافي كل شيء مرتب كما أمر الأستاذ ، ظلت السيارة تسير قرابة النصف ساعة تقريبا ، وصلنا منطقة خارج بغداد .
-هل يمكنك تحديد المنطقة تماما؟
لا، أولا كنت خائفة ، وثانيا لم أكن أنتبه الى الطريق ، خوية ، تصدق لم أنتبه اذا كنا اتجهنا الى الشمال أم الى الجنوب ، حين توقفت السيارة أنزلوني ، وأمسك بي أحدهما من ذراعي وسحبني بعنف حتى كاد الصغير يسقط من يدي ، صرخت : ابني . فجاء الثاني وأخذ الصغير الذي كان يبكي وينادي ماما،ماما
صرت أبكي ، ولكن لم يستجيبا لبكائي أخذا ذلك الرجل ولدي ووضعه في السيارة والولد يبكي ، ثم سحبني الآخر الى بيت كبير لم أكن قد انتبهت لوجوده حين وصلنا ، بدأت الكلاب المربوطة في حديقة البيت بالنباح بشكل مخيف ، كان الواضح أن عددها كان كبيرا جدا ، ظلت تنبح حتى صرخ الرجل الذي كان يسحبني : /بس ولاك /، فسكتت الكلاب كلها دفعة واحدة ، فتح الرجل باب البيت ودفعني الى الداخل ، صرخت : ولدي ، ولدي . صار يضحك عليّ ، وقال ساخرا : لا أنا لست ولدك ، ولدك راح الى البيت ياماما .أدخلني الى غرفة خالية من الأثاث ، ولم يكن فيها أي شيء ، فقط نافذة تطل على الحديقة ، عليها شبك معدني ، وخرج ثم أغلق الباب بقوة ، وتحرك مفتاح في قفل الباب ، فاندفعت وأدرت القبضة بعصبية ، وأنا أصرخ : افتح ياكلب ، افتح ياابن الكلب ، لكني لم أسمع صوتا ، بعد لحظات سمعت صوت إغلاق الباب الخارجي للبيت ثم سمعت صوت السيارة تتحرك مبتعدة .
- إذن تركوك وحيدة وذهبوا ، والصغير ؟
أخذوه معهم ، ظللت طيلة الليل أبكي ، وكانت الكلاب لا تكف عن النباح ، لم أستطع القيام بأي حركة ، ظللت واقفة قرب الباب أبكي وأضرب الباب بكلتا يدي ، لكن لم يسمعني أحد ، خارت قواي وسقطت على الأرض ، ولم أنهض إلا حين سمعت صوت زمور سيارة قوياً ، فتحت عيني ، فكانت الشمس تملأ الغرفة ، كان النهار قد جاء ، نهضت واندفعت الى النافذة ، وصرت أصرخ : ياناس النجدة أنقذوني ، النجدة ، لكن صوت السيارة بدأ يبتعد ، عدت الى البكاء من جديد ، وصار الوقت يمر ببطء شديد ، وأنا أقف على النافذة ، وأترقب أي شيء ، حتى لو كان الأوغاد أنفسهم ، المهم أني أردت الاطمئنان على صغيري .

في الحلقة القادمة :
قال لي : أريدك أن تفهمي أني أنا من يصدر الأوامر هنا

 

 


للإتصال بالإتجاه الآخر

[تحت المجهر]