على المكشوف


مشعان الجبوري

أهلنا في الشتات.. أهلنا في المنافي..

لنعمل من أجل بناء وطن
لاتخدش ملامحه دكتاتورية أخرى

ها قد اقتربنا من الوصول إلى نهاية النفق.. وبعثرنا رماد الوقت الذي اقتات طيلة سنين على ما تبقى من حرائق أرواحنا, فساعة اللا وعد سارت حتى نهايتها والحقائب التي احتوتنا في سراديب الغربة قد تحلحلت وأعلنت ضيقها من طول البقاء مبعثرين على أحلامنا التي أوشكت على الولادة.
ها قد اقتربنا من الوصول إلى نهاية النفق, فلنواصل إذن, رحلتنا على همس المنافي ولنجرجر رأس غربتنا بين الأضلاع عل نا نلحق بأزمان تخطتنا..
اتخوننا شمس هوت من نصب الحرية?
بالتأكيد لا.. فشمسنا استمدت إشراقتها من تنور أمهاتنا وغمست دفأها بحليبهن المضمخ برائحة تراب العراق التي حملناها سرا تحت أجفاننا.

أهلنا في الشتات.. أهلنا في المنافي..
قبل أكثر من عام كتبت لكم من على هذا المنبر أقول: احزموا أشواقكم واحجزوا على الرحلة القادمة.. نحو العراق.. وها هو الوعد يتحقق أو يقترب من التحقيق, فالنظام في العراق لم يعد خصما للعراقيين بل اكتشف العالم بأجمعه أن نظام الرئيس صدام حسين هو خصم له, لا يأمن جانبه في استخدام أسلحة القتل والدمار والإبادة مثلما فعل بأهلنا في العراق سواء في حلبجة شمالا أو الأهوار جنوبا ولم يعد أمر الإطاحة بنظام الرئيس صدام حسين مطلبا عراقيا , بل أصبح مطلبا دوليا تسعى لتحقيقه الدول والشعوب, وأنتم الأدرى أن التظاهرات التي تنطلق في المدن الأوروبية حيث تقطنون, إنما تنادي بمنع الحرب حفاظا على أرواح شعب العراق وليس حفاظا على النظام الآيل للسقوط بفعل الحرب أو بفعل انقلاب عسكري أو بفعل هزة ريح ستنطلق من ثنايا شارع أو زقاق أو ثكنة عسكرية لتكون الشرارة التي تشعل فتيل الغضب المكبوت بين العيون وتشعل الجمر النائم بين الأكف منذ ثلاثة عقود.
قبل أكثر من عام قلت لكم إن دعوات أمهاتنا في أن نرتمي بين أحضانهن في مطارات الوطن ستتحقق وسنرى أحلامنا الصغيرة المخبأة في حقائبنا الصغيرة قريبة من نبض القلب, وقلت لكم إننا نوشك أن نغادر أرصفة الغربة لنغرس عيوننا في تراب أحياء بغداد والبصرة والأنبار وكركوك والديوانية, فور أفول الحوت عن قمر العراق الحبيب.
حلمنا يوشك أن يتحقق إذن.. وبين الحلم والمسافة إليه, طريق يمتد من شغاف القلب يحمل علامات استفهام مشاكسة مثل طفل مدلل, ويرسم صورة لعراق ما بعد صدام حسين, عراق تعود إليه نوارسه التي اشتاقت إلى لهوها على جسور الأئمة والجمهورية والشهداء والجسر المعلق, تمازح العابرين نحو لقاء الأحبة عند عيون المها المرسومة بين الرصافة والجسر.. بين الحلم والمسافة إليه أسئلة نيئة سترسم على شفاهنا الوجلى من رهبة استيقاظ ذاكرة الصبا الغافية على زقاق أو جدار أو رتاج باب من أبواب بيوتنا المتخمة بحنين متيبس لكشف أسرارنا المختبئة بين أليافها.. سنرسل أنظارنا في الطائرات والمركبات التي تقلنا إلى أرض الوطن.. وسنرى أن علي ودلشاد وآرا.. وعمر يجلسون جنبا إلى جنب وحقائبهم تعانق بعضها البعض ومفاتيحهم الصغيرة تصطف في سلسلة واحدة, كل مفتاح منها يفتح أبواب العراق من زاخو إلى الفاو.. آنذاك سيتماهى السؤال الأبهى مع ملامح أمهاتنا التي لوحتها الديكتاتورية بالاضطهاد والجوع والمرض والخوف, السؤال الأبهى هو.. كيف نرسم معا صورة وطن جميل بعد أن ننتشله من براثن الرعب..? وكيف سننقل تجربتنا الثرة التي عشناها في المنافي بين شعوب لا تفرق بين لون ولون ولا بين دين ودين ولا بين مذهب ومذهب, إلى عراقنا القادم الذي جهد النظام خلال ثلاثة عقود في زرع بذور الفتنة والفرقة بين أركانه..?
هذه مسؤوليتنا الأولى إذن!
أن نجعل من عراقنا وطنا لكل العراقيين عربا وكوردا وتركمانا وآشوريين, مسلمين ومسيحيين, يزيديين وصابئة, شيعة وسنة, وكل الأقليات, وأن نعطي العراقي مهما كانت قوميته أو مهما كان دينه أو مذهبه فرصته الحقيقية لأن يكون في المكان المناسب طالما هو أهلا له وطالما هو قادر على الإسهام في بناء العراق.

أهلنا في الشتات.. أهلنا في المنافي..
الأحلام العظيمة لا تحققها النيات الطيبة وحدها, بل يحققها العمل الصادق الدؤوب, وعلى مدى الشهرين الماضيين عمل أخوة لكم من مختلف التوجهات الفكرية ومن مختلف قوميات العراق وأديانه وطوائفه لبناء تصورات حول مستقبل العراق سيطرحونها في اجتماعهم الذي تحتضنه أربيل عاصمة إقليم كوردستان العراق, أعني اجتماع لجنة التنسيق والمتابعة المنبثقة عن مؤتمر لندن للمعارضة العراقية الذي انعقد في العاصمة البريطانية منتصف كانون أول/ديسمبر الماضي, هذا الاجتماع الذي سيطلق الصوت العراقي الواضح في خضم الأصوات الدولية والإقليمية التي تنادي بمشاريع مختلفة لمستقبل العراق, ولأن العراق للعراقيين كما قلت في بداية رسالتي إليكم ولأن العراقيين هم الوحيدون الذين يمتلكون حق تقرير مستقبل العراق وإن بمساعدة إقليمية ودولية, فإن الصوت الذي سينبثق عن هذا الاجتماع سيكون الصوت الأقوى والأعمق, ولكي لا تنحصر التصورات بأعضاء لجنة التنسيق والمتابعة ال- ,65 رغم أنهم جميعا يمثلون توجهات فكرية وقومية ودينية وطائفية مختلفة, فإنني طرحت بعض تصوراتي عن مستقبل العراق من هذا المنبر في أكثر من مقال وفي أكثر من رسالة كان آخرها رسالتان واحدة إلى الأخوة أعضاء لجنة التنسيق والمتابعة والأخرى إلى الزعيم مسعود البارزاني, ولأن تصوراتكم تكتسب أهمية كبيرة من خلال معايشتكم لتجارب الشعوب الديمقراطية, ولأن كل التصورات ستكون بحاجة إلى آليات عمل من أجل تحقيقها على أرض الواقع, فإنني أعتقد جازما , أننا جميعا , مطالبون بالإسهام في رسم ملامح العراق, سواء بإسهامنا في طرح تصورات تتفاعل مع تصورات الآخرين أو عن طريق المشاركة في خلق آليات العمل التي تكون قادرة على تحقيق تلك التصورات.. ولأنكم, كما أسلفت, عايشتم الديمقراطية التي تعيشها شعوب الغرب, أرى أنكم مؤهلون ومطالبون لنشر ما عايشتموه في سماء عراق الغد, لنصرة الديمقراطية ضد مخلفات الدكتاتورية والفرقة والتنابذ.

أهلنا في الشتات.. أهلنا في المنافي:
نعلم جميعا , أن العراق في المرحلة الانتقالية سيحتاج إلى قائد يمتلك صفات خاصة, في مقدمتها ا لصبر, كي يتمكن من إزالة ركام القمع والاضطهاد والتخلف الذي خلفته العقود الثلاثة الماضية والمرحلة الانتقالية ستحتاج إلى قائد يتحلى بصفة التسامح, لكي يتمكن من طي صفحة الخلافات ويمنع جريان نهر الدم الذي سيتفجر من حروب الفتنة وتصفية الحسابات الشخصية وتحتاج إلى قائد يتحلى بصفة حب العراقيين جميعا دون أي تمييز بينهم, وأن تكون له تجربة طويلة في النضال والقيادة, ولم أجد هذه الصفات مجتمعة إلا في شخص الزعيم مسعود البارزاني الذي صبر على نائبات تنوخ أمامها ظهور الرجال, لكنه جالد وبقي سامقا كالنخيل بعد أن قتل النظام الآلاف من أهله وعشيرته بضمنهم أخوة له وأبناء عمومة وأصدقاء, الزعيم البارزاني الذي اتصف بمسامحة أعدائه قبل أصدقائه والذي أعاد ضباط وجنود النظام معززين مكرمين بعد أن تمكنت قواته من أسرهم في واقعة معروفة, والبارزاني الذي بنى خلال عقد تجربة ديمقراطية في إقليم كوردستان العراق شهدت لها القوى الإقليمية والدولية..
أنحقق حلمنا إذن..?!, ونبني وطنا لا تخدش ملامحه ديكتاتورية أخرى ونعمل معا على وضع الرجل المناسب في المكان المناسب.. تهيؤوا إذن فالمحطة القادمة.. ساحة التحرير..



الاتجاه الآخر

للإتصال بالإتجاه الآخر