|
|
|
|
|
يرويها:
هاشم حسن
|
|
|
علي
الجفال - مدير التحرير
|
|
|
الحلقة
الأولى
|
|
|
|
|
|
الحلقة
الرابعة
|
|
بغداد
مدينة متلألئة وسط ليل البلايا
صبايا العراق الجميلات ذبلن في سنوات العذاب والهموم المتلاحقة
|
|
هذا الملف مشاهدات
ميدانية, تروي تفاصيل الحياة الاجتماعية والثقافية داخل بغداد على
اعتبار انها ممثلة للعراق الدولة والشعب الحاضر والماضي, فيها تبدو
السياسة طاغية عما عداها من القضايا الأخرى, تظهر في كل شهادة يدلي
بها المواطن العراقي في مختلف المواقع حول الحرب ببشاعتها ودمويتها,
وكأن سنوات الحصار التي مرت لم تكن كافية, والشهادات بها تبث صراخات
الألم من جور هذا العالم, منبهة على ان موقف المتفرج لن يفيد بعد
الآن, انها رحلة مؤلمة داخل الذات والوطن, تكشف عن القضايا الخاصة
والعامة لجهة التداخل, وصعوبة الفصل, وأمل ايجاد الحلول, جاءت عبر
زمن دام شهرا كاملا هناك لتنقل لكم مشاهدات حية لقصة محزنة آن لها
أن تصل الى النهاية بعد العد التنازلي الذي بدأ منذ شهور وباختصار
هي رحلة في العراق عبر بغداد, قبل أن تعصف الصواريخ.
قلب مثقوب
انها حيرة المحنة بين أن تنظر بعيني صحافي محايد وان تؤكد معرفتك
بمحنة وطن تنتمي وتنتسب إليه, أن تتلمس وجع الناس وتتقرى حقيقة ما
يدور فيهم وحولهم, وان تشرك الآخرين في تلمس الكارثة, مزيحا عنها
غلالة عاطفتك وأشجانك ومشاعرك الوجدانية ها أنذا كما قال الشاعر
يوسف الصائغ: لا أنظر من ثقب الباب الى وطني لكن من قلب مثقوب!
كان السؤال الأهم الذي يدور في أعماقي قبل ان أدخل العراق, هاجسا
ملحا يتضخم في ذهني باشكال مختلفة, يتركز في جملة واحدة ما الذي
يدور في أذهان الناس عما يجري حولهم ويخطط لهم? هذا ما رددته مرة
أخرى مع نفسي حينما بدت لنا بغداد مثل ماسة متلألئة وسط ليل البلايا,
عندما بدأت الطائرة بالهبوط تدريجيا وطيلة مدة بقائي هناك, كنت أبحث
عن اجابة لهذا السؤال في وجوه الجميع بدءا من موظفي المطار مرورا
باصدقائي وأقاربي والناس الذين كنت التقيتهم في الشوارع والمقاهي
والمحال والأسواق والمؤسسات الاعلامية وسيارات الأجرة كان الأمر
مثل لغز غامض عصي على التفكيك والتحليل واستشفاف الاجابة الشافية
عنه, وبالمقابل كان سؤال الناس الأوحد: ماذا يجري هناك? ماذا يقولون
عنا? ويعنون بذلك مصيرهم وحياتهم والحرب التي تقف متأهبة على الابواب!
في مقهى الشاهبندر
هكذا ينبري أحد الجالسين في مقهى الشاهبندر الذي تؤمه جموع الادباء
والمثقفين صباح كل يوم جمعة, والمنزوي في نهاية شارع المتنبي, شارع
الكتب الشهير وفي المساء يصطحبني الأديب ذاته الى فندق فلسطين ميريديان
الضخم حيث بدأت وفود المشاركين في مهرجان المربد بالوصول وبحركة
موحية يسأل عن الواصلين فتجيبه فتاة في سكرتارية المهرجان لم يأت
سوى قلة من المدعوين! سابقا كانت الوفود بالعشرات وكان في ذلك بعض
العزاء لادباء العراق الآن ليس لنا سوى ان نقول آه من قلة الزاد
ووحشة الطريق!
الحياة تمضي
أداء الإعلام العراقي والمؤسسات الحكومية لا يشير الا لشيء واحد:
الحياة تمضي لا شيء غير طبيعي وكأن الجهد يسير باتجاهين في آن معا
الحرب والسلام ومع القناعة بأن عدم وقوع الحرب معجزة فإن برامج الاذاعة
والتليفزيون واعلانات المناقصات والمشاريع الحكومية, وتوقيع الاتفاقيات,
لا تشير الا الى حياة طبيعية تماما , باستثناء اخبار اجتماعات القيادة
العراقية, والاعلان عن سير أعمال لجان التفتيش انموفيك اليومية
البمبش والحرب وذبول النساء
بمحاذاة سور السفارة البريطانية ينحدر الشارع نزولا الى شاطئ نهر
دجلة في محلة باب السيف التي أخذت اسمها من السيف أي شاطئ النهر,
حيث الشريعة التي يزدحم عندها صيادو السمك وعبرات الزوارق المتهادية
بين جانبي بغداد القديمة اقف ساعة متخيلا أمجاد هذه المدينة ومغانيها
القديمة أيام كانت عاصمة الدولة الاسلامية أتذكر خلفاءها وشعراءها
وبيوتها وأساطيرها السحرية عن ألف ليلة وليلة والسندباد والبساط
السحري.
اصعد زورقا عائدا باتجاه الرصافة, حيث يتبادل العابرون - بلا أدنى
معرفة - أخبارا نزيرة سمعوها من هنا وهناك عن حالة التصعيد, حيث
تخلى كثير من العراقيين عن متابعة الأخبار عبر الاذاعات العالمية
وتركوا مصيرهم بين يدي الأقدار, واتجهت قلوبهم الى الله سبحانه وتعالى,
قال أحدهم ان الدولار قد ارتفع سعر صرفه, حتى بلغ اليوم ألفين ومئتين
واربعين دينارا ! تساءل آخر: ماذا? هل هناك أخبار جديدة? فأجاب صاحب
المعلومة: لا بد أن الأخبار سيئة ونحن لا ندري في أي ساعة تداهمنا
الطائرات والقنابل
رد الثاني: خليها على الله الله كريم
ونعم بالله تمتم الأول واشترك الجميع في تبادل الآراء والتحليلات
وآخر الأنباء عن الحرب وضحاياها المحتملة والنفط والاميركيين حتى
وصلنا الضفة الأخرى من دجلة وسط الأدعية والأمنيات الله يحفظنا ويحفظ
أمة محمد.. آمين.
شارع البنات
أدور في جنبات شارع النهر الذي كان يدعى شارع البنات لأنه كان حتى
نهاية الثمانينيات مختصا بكافة محاله ببيع ازياء النساء وحقائبهن
وكافة مستلزمات زينتهن فضلا عن محال الذهب فيه اكتشف ان محاله الشهيرة
مثل الأفراح و عالم الطفل اصبحت رثة بديكوراتها القديمة التي لم
تجدد منذ عقود, وبثيابها المعروضة - وأغلبها محلية الصنع - فيشير
مرافقي الى ان الفتيات هجرن الشارع الى العرصات حيث المحال الحديثة
بازيائها وبضائعها المستوردة التي تباع بالدولار أواصل مسيرتي محاولا
استعادة زمان أفل نجمه وتوارى خلف دخان الحروب وغبار الحصار المرير
لا أحد يرتاد الشارع سوى بعض الموظفات والعوانس اللواتي جئن مثلي
لاستعادة أمجاد ماض غابر هو ماضي شبابهن المنصرم, في نظراتهن ألمح
نظرات رثاء حار لكل ما مضى وقلق مما سيقدم الآن أو بعد ساعات أو
أيام قليلة بالمصادفة ألمح زميلة قديمة في الجامعة, وبالكاد تتعر
ف علي نستعيد معا حماستها ونشاطها ومشاركاتها في المنتدى الثقافي
لكلية الآداب, فترد بابتسامة ساخرة: لم يبق من ذلك شيء سوى الألم,
ووحدتي بعد ان توفيت أمي بعد أبي, وتزوج اخوتي, فيما سافر البعض
الآخر الى بلاد الله الواسعة.
- وبعد
- لا شيء أفكر في بيع بيت أبي بعد ان تنازل اخوتي لي عنه, سأشتري
دارا صغيرة اقضي فيها ما تبقى لي من عمر ها أنذا اضحك على نفسي بمواصلة
الدوام في وظيفتي مدرسة في ثانوية للبنات أطالع صوري القديمة وذكرياتي
التي لا أملك سواها وأموت يوميا آلاف المرات معذبة بوحدتي وخوفي
من أن أموت فلا يعلم بي أحد من الناس وتحكي لي الزميلة القديمة عن
الصديقات اللواتي مات أزواجهن, ومن ترك لهن الازواج أولادا يتامى
كبروا الآن وشبوا على مفردات الحرب والحصار والفاقة والأمراض وعن
الصبايا الجميلات اللواتي يذبلن في سنوات العذاب والهموم المتلاحقة
وإذ أصافحها مودعها, ألمح في عينيها المنطفئتين حجم الخسارات التي
تنوء المرأة بحملها بصبر عجيب وخلال الأيام التي مضت قابلت العشرات,
بل المئات من النساء العراقيات اللواتي غادرن دفء بيوتهن ونزلن الى
سوق العمل ليبعن كل ما يتاح لهن بيعه بحثا عن لقمة شريفة تقي الابناء
ذل الجوع والسؤال: بيع الخضروات, أو الملابس المستعملة, أو منتجات
الألبان, وحتى بيع الشاي على قارعة الرصيف للعابرين وخلف العباءات
السود التي تلوح في الشارع مثل رايات الأمومة المقهورة تتوارى آلاف
الحكايات عن أزواج مفقودين أو مقتولين أو أسرى في الحروب, أو آباء
مقعدين بسبب المرض أو الاعاقة, وحكايات أخرى عن أبناء يواصلون دراستهم
وآخرين هجروا مقاعد الدرس لإعانة الأبوين في مهمتهم لإعالة الأسرة
ومواصلة الأبناء الأصغر سنا لدراستهم نهاية شارع النهر تعيدني ثانية
الى سوق المتنبي ومقهى الشاهبندر وحيث أحاديث الأدباء والمثقفين
وتحليلاتهم وتنظيراتهم لا تنتهي متى ستنشب الحرب? ماذا سنفعل يا
فلان? كم ستستمر? ما هي السيناريوهات? كيف تتوقعون ان تكون المواجهة?
ماذا سيستخدمون في الحرب من أسلحة? هل ستقع حرب شوارع في بغداد?
تفزعني الكلمة الاخيرة انظر بكل ما في من شجن الى شوارع بغداد الى
تاريخها مبانيها مقاهيها شعرائها أكاد ألمح في جدران البيوت والجوامع
وزجاج المحال وجوه الرصافي والجواهري وأبي نواس والسياب والبياتي
ورعد عبد القادر وغيرهم ارفع بصري صوب نصبها البرونزية المخضرة أتخيل
ما كان يدور من حديث حول حرب الشوارع في مدينة السلام ويداهمني الفزع
مرة أخرى.
يقول أحدهم: الحرب قادمة!
يهتف آخر: من يدري? ربما تحدث معجزة فلا تندلع النيران!
يتمتم الآخرون: ربما من يدري يا ليت ماذا نريد سوى ان نعيش بأمان
مثل باقي خلق الله?
العراقيون والنوم والحرب
لا أحد من الناس يدري في العراق, حين يمضي الى النوم, هل انه سينام
ليلة اخرى في فراشه أم انه سيصحو في ايما ساعة - تختارها الاقدار
- على اصوات الانفجارات ودوي الصواريخ وقنابل القاصفات العملاقة,
لتمطر سماء العراق قنابل وصواريخ وانفجارات متلاحقة تعلن عن حرب
جديدة في هذا الوطن المنكوب بالحروب والحصار ونفطه وثرواته واستحقاقات
السياسة والمصالح والاهواء.
كل يوم يمضي دون ان تندلع الحرب, يحسبه العراقيون هبة من الله, لتبدأ
الحسابات والتكهنات والتقديرات وفي سعيهم هذا وضعوا عشرات التواريخ
موعدا لحرب يقولون انها ستقع حتما في البدء قالوا انها ستنشب في
سبتمبر الماضي, وتحديدا اليوم الحادي عشر منه تزامنا مع الذكرى الاولى
لاحداث نيويورك وواشنطن ولما لم تحدث الحرب قالوا انها ستحدث قبل
رمضان, ولما قدم رمضان قالوا انهم - أي الاميركان - لن يغامروا بالحرب
في رمضان, وزادوا انهم سينالون فرصة ان يعي دوا حتى انقضى عيد الفطر
المبارك, مرة اخرى حددوا ليلة 16 - 17 يناير موعدا للحرب باعتبارها
ذكرى بدء حرب الخليج الثانية 1991م أما الآن فكلهم يقولون ان الحرب
ستقع قريبا بعد انقضاء موسم الحج وعيد الاضحى المبارك, فالأميركيون
- كما يقولون - يحاولون ألا يثيروا أو يستفزوا مشاعر العرب والمسلمين,
وبهذا ربما يكون هذا العيد آخر عيد نحتفل به قبل ان تنشب الحرب ويستعر
أوارها.
أغلب من التقيتهم سواء من النخبة أو عامة الناس يميلون الى الاقتناع
بأن الحرب ستحدث, وان عدم حدوثها سيكون معجزة, ولم يعد الامر سرا
يتداول في الخفاء, بعد ان اشار السيد طارق عزيز نائب رئيس مجلس الوزراء
الى هذه المسلمة قبل شهرين, غير أن السؤال الذي يستتبع هذا اليقين
هو ثم ماذا? كيف يتصور العراقيون السيناريو الذي ستأخذه مجريات الحرب,
يقول أحد المثقفين:
- مع انني لست مختصا بالاستراتيجية العسكرية, إلا أن هذا الأمر باعتباره
شأن حياتنا ووجودنا ومصيرنا قد حتم علينا متابعة الاخبار ومحاولة
تحليل الوقائع واحتمالاتها بقدر ما يتاح لنا من معرفة بما يحدث نعلم
جيدا ان الاميركيين يحشدون منذ أشهر قواتهم وبوارجهم في المنطقة
فضلا عن قواعدهم المحيطة بالعراق في تقديري ان ليس أمام العراق سوى
القتال ماذا سيحدث? كيف ستدور رحى المعركة وأين? لا أعلم.
إنها حرب إعلامية!
من جانب آخر يرجح عدد آخر من العراقيين ان الحل السياسي ربما سيكون
الأقرب في اللحظات الحاسمة التي يسمونها اللحظات الأخيرة قبل اشتعال
فتيل الحرب, ويقول أحد هؤلاء:
- اعتقد, وهناك كثيرون مثلي, ان كل ما تشهده المنطقة من مظاهر التصعيد
وزيادة الحشود العسكرية وشحن الأسلحة والمناورات هو جزء من حرب نفسية
منظمة قوامها الاعلام, ولدي من القناعة ما يرجح في ذهني الحرب في
جانب كبير منها حرب اعلامية, يعول الاميركيون من خلالها على فكرة
كسب الحرب, أو تحقيق مطامحهم دون اطلاق صاروخ واحد, واعتقد ايضا
انهم يتصورون ان هذه الحملة الاعلامية ستخلق ضغطا كبيرا على القيادة
أملا بتراجعها أو تقديمها ما يريده الاميركيون ولا يقف الأمر عند
حدود نزع أسلحة الدمار الشامل التي يزعمون وجودها لدى العراق, بل
يمضي الى ما هو أبعد من ذلك: تغيير خارطة المنطقة السياسية بتغيير
انظمتها من خلال اعلانهم الواضح الذي يكشفون عنه جهارا وهو تغيير
النظام وما طرحته الادارة الاميركية واضح تماما بخصوص اعادة تأهيل
المنطقة العربية وفق معاييرهم أو قياساتهم, واذكر لك ان من الممكن
ان تحل الأزمة بدون حرب, ولكن ليس بهذه الطريقة, بل عن طريق الحوار
والتزام الآليات التي اقرتها الأمم المتحدة ومجلس الأمن ومنها مواصلة
فرق التفتيش اعمالها القائمة حاليا.
|
قال
لي ابن الرئيس
وقائع مخفية لعدي صدام حسين
الحلقة الرابعة
يرويها:
هاشم حسن
|
|
الخطوط
الحمر التي وضعها الرئيس العراقي لصحافة عدي
صدام حسين كان غاضبا وكتب بخط يده
على الملف الساخن "لتقطع الرؤوس العفنة"
الخطوط الحمر
اتصل بي هاتفيا أحد الأشخاص وقال بأنه من رئاسة أركان فدائيي صدام
التابعة لعدي صدام حسين وطلب مني الحضور فورا إلى مقرهم الكائن في
زيونة لأمر مهم ومستعجل.. وبعد أقل من ساعة تبدد قلقي وأنا أدخل
إلى غرفة صغيرة قادني إليها حراس المقر ووجدت فيها أربعة ضباط ركن
برتب كبيرة يتحلقون حول منضدة خشبية وأمامهم بعض صحفنا الأسبوعية.
لمحت بأن بعض المواضيع محاطة بخطوط حمر.. تبادلنا التحية, وأخبروني
على الفور بأن استدعائي تم استنادا لأوامر من رئيس الجمهورية وبأنهم
مكلفون بالتحقيق عن مصدر المعلومات ودوافع النشر عن قضايا الدعارة
في العراق.. فذكرت لهم بعض المعلومات التي بحوزتي لكنهم طلبوا إحضار
المحررين الذين كتبوا التحقيق فاعتذرت عن ذلك لان الوقت كان ليلا
والساعة متأخرة وتعهدت بإبلاغهم بالحضور عند الصباح وحدث ذلك فعلا
.. أما التراجيديا الحقيقية وكما أطلعنا على تفاصيلها فقد حدثت في
المصور العربي.. فقد أصدر صدام حسين أوامره للجهات الأمنية بإحضار
العناصر الثلاثة المسؤولين عن نشر موضوع (العراق كله يشكو) أمامه..
فتسابقت زمر الأمن والمخابرات للعثور على (رحيم وصباح وسعد) في أماكن
عملهم فلم يعثروا عليهم إلا بعد الظهر وألقوا القبض عليهم في مختبر
التصوير الخاص بوكالة الأنباء العراقية.. وبعد اجتياز العديد من
الحواجز والمرور بالعديد من المقار والسيطرات والخضوع لإجراءات معقدة..
وجدوا أنفسهم أمام صدام حسين.. فكان المشهد مليئا بالرعب حتى أن
صباح عرار وصف مشاعره في عمود صحفي بعد أيام قليلة من هذه المقابلة
كان عنوانه الحرفي (سيدي رجفت شواربنا! وسنترك هذه التداعيات والانطباعات
الشخصية لأسباب كثيرة.. ونستعرض ما قاله صدام حسين في ذلك اللقاء
الذي حدد فيه بصورة حازمة وحاسمة مبادئ النشر والخط الأحمر الذي
يحرم ويمنع بصورة قطعية اجتيازه اعتبارا من هذا اللقاء.. ويبدو أن
عدي قد انتابه القلق من غضب أبيه.. فاستدعى على وجه السرعة رؤساء
التحرير ومجلس نقابة الصحفيين إلى اجتماع عاجل في قصر العابد في
القصر الجمهوري وطالب بإحضار الثلاثة الذين التقى بهم صدام حسين
لسماع التوجيهات والوصايا التي أبلغها لهم شخصيا صدام حسين والاطلاع
على تفاصيل اللقاء التي اتضح أن عدي لم يكن على علم بتفاصيلها وبصراحة
كنا نعلم قبل عدي نفسه بتفاصيل ذلك اللقاء المثير, وما رافقه من
إجراءات رهيبة لاجتياز بوابات المقار الرئاسية, واستمعنا مباشرة
من أصحاب العلاقة لوصف دقيق لكل ما جرى وما انتابتهم من مخاوف استمرت
لساعات طويلة ثم تلاشت بعد دقائق من بدء اللقاء بالرئيس العراقي
وسنكتفي بسرد ما ذكر أمام عدي فقط,ونعد الكلام الآخر في إطار الأسرار
الشخصية التي تستوجب التكتم عليها تحت وطأة مختلف الظروف.
كان عدي شغوفا لسماع أدق التفاصيل عن ذلك اللقاء الساخن وحريصا جدا
على أن تكون هذه الجولة لصالحه وأن ينجح من خلال العاملين معه في
إقناع أبيه بصحة وجهات نظره في الإعلام والسياسة وإدارة شؤون الدولة,
وكشف مدى ضحالة وضعف الآخرين المحسوبين على الحكومة بمستوياتهم كافة
ونجاح مجموعة عدي في التطبيق الخلاق للمبادئ في شتى المجالات بما
يضمن رضا الشعب عن الرئيس والقيادة ويؤمن مستلزمات النصر والصمود..
وقد دأب عدي وفعل المستحيل لإثبات هذه الحقيقة عبر وسائل الإعلام
التي يديرها ومن خلال اقتناص بعض الشخصيات الحكومية المهمة التي
تؤيد وتعزز أفكاره وآراءه أمام الرئيس القائد. وبالطبع فان عدي نفسه
سوف لا ينسى هذه المواقف وسيجزي أصحابها في الوقت المناسب ويحقق
طموحهم الوظيفي. وحدث ذلك فعلا وأصبح البعض من هؤلاء وزراء وسفراء
وأصحاب مواقع لامعة في أجهزة الدولة والسفارات العراقية خارج البلاد,
وفقد الآخرون مواقعهم وهيبتهم حين توهموا بقدرتهم على السباحة ضد
تيار عدي.. ووراء كل واحد من هؤلاء أو أولئك حكايات ومفارقات غريبة
وعجيبة عند العقلاء, لكننا نرى ليس من الحكمة الخوض فيها الآن..!
لقد كان عدي كما ذكرت شغوفا , بل وقلقا ومتلهفا لسماع تقييم والده
لصحافته, فهل نجح هؤلاء الثلاثة في إقناع صدام حسين بسلامة نهج عدي?
لا يبدو الأمر غريبا لكل الذين يعرفون صدام حسين وطبيعة علاقته المتوترة
مع عدي, وفي أحيان كثيرة فان الابن يتواصل مع أبيه, عن طريق القنوات
الرسمية من خلال السكرتير الفريق عبد حمود أو رئيس ديوان الرئاسة
وقد لا يلتقيان إلا في المناسبات العائلية النادرة.
فاز باللذات من كان جسورا
وصدق من قال (فاز باللذات من كان جسورا ) وأذكر هذه المقولة التي
يحلو للعراقيين ترديدها باستمرار, وأنا استعرض في ذهني وقائع ذلك
الاجتماع غير الاعتيادي الذي عقده عدي وأستضاف فيه الشخصيات الثلاثة
ليقف على حقيقة ما جرى مع صدام حسين الذي أرسل إليهم وهو في لحظة
غضب على عدي وصحافته.. كان أبرز الثلاثة صحفي شاب طموح بدأ ينتابه
إحساس غير قليل بالغرور ويترقب بشوق فرصة تاريخية تجعله يتجاوز كل
السلالم التقليدية ليصعد إلى القمة ويقطف ثمارها في وقت مبكر.. وها
هي الفرصة السانحة تدق أبوابه في ظل سلطة تتوزع فيها المواقع والأدوار
باغتنام الفرص وليس بحسن الأداء أو الكفاءة أو باعتماد موازين التقييم
المتعارف عليها في العالم.. تحدث الثلاثة أولهم صباح عرار مصور في
وكالة الأنباء العراقية وعضو الهيئة الإدارية في الجمعية العراقية
للتصوير وسعد إبراهيم محرر في مجلة المصور العربي وكان هذان الشخصان
جل ما يتمنيانه وهما يواجهان صدام حسين مباشرة وفي ما بعد عدي..هو
دفع التهمة عنهما وتزكية موقفهما, وعد ما نشر عن ظاهرة الدعارة في
إطار حسن النية والإصلاح وليس بأي دافع آخر.. أما الصحفي المندفع
رحيم مزيد فقد كان أكثر ذكاء و جرأة في المقابلتين فحاول أن يحوز
على رضا صدام حسين في المقابلة الأولى حين خاطبه بالصفات التي يحبها
وبأنه ما فعل ذلك إلا اقتداء بسيرة وجرأة صدام حسين الذي كان الأصغر
سنا والأكثر شجاعة في قيادة الحزب والثورة. وتفوق رحيم مزيد بلباقته
على زميليه وعلى شخصيتين بليدتين أحضرهما صدام حسين لمناقشة الثلاثة,
أحدهما يمثل المجلس الوطني (برلمان الشعب) والآخر يمثل الحزب (طليعة
الجماهير الواعية) وقال صدام حسين المطلوب من صحافة عدي أن تدافع
عن نفسها أمام الحزب والبرلمان.. واقتنع صدام - وهو يعرف ذلك سلفا
- بهزالة موقف من أحضرهم لهذه المناظرة التي انتهت كما يشتهي صدام
نفسه لكنها أسفرت عن مكاسب ثمينة لرحيم مزيد, في الوقت الذي وجد
صاحباه أن عظمة المكافأة تكمن في الإفلات من العقاب الذي كان يتوقعانه
وبرزمة الورق النقدي التي كانت بانتظارهم في استعلامات القصر الجمهوري
وسجائر الهافان الكوبي حيث أهدى صدام لكل واحد منهم سيجارة واحدة
للذكرى ولغرض في نفس صدام..!
نجح الثلاثة في دفع التهمة عن أنفسهم, لكن رحيم لم يخرج من الاجتماع
إلا بعد أن تأكد من أنه استطاع أن ينال إعجاب عدي ويقنعه بدوره في
الدفاع الناجح عن تجربة عدي عند أبيه بل ذهب إلى أبعد من ذلك حين
صور لعدي بالتلميح أو بالتصريح بأن صدام حسين كان في غاية السرور
من طروحاتهم ودفاعهم عن عدي وتجربته بل انه أعجب بالعقلية الإعلامية
الفذة لرحيم مزيد.. صمت صاحباه وأدركا أن الأمر سينطلي على عدي كما
انطلت عليه أشياء كثيرة.. وليست هنالك احتمالات لأن يسأل عدي أباه
عن وقائع ذلك الاجتماع.. لكن الأكثر غرابة أن عدي استوعب الأمر كما
نقله رحيم مزيد.. وأصغى للتعليمات الخطيرة التي أصدرها صدام في تلك
الجلسة وطلب من الثلاثة أن ينقلوها إلى عدي وجماعته لتكون هي الخطوط
الحمر التي يمنع اجتيازها منذ لحظة اللقاء, ومن يفعل ذلك فلا يجني
إلا على نفسه.. لا أدري كيف لم يدرك عدي دلالة هذه التعليمات التي
تؤكد امتعاض وغضب صدام حسين وبين ما نقله رحيم مزيد من مشاعر ارتياح
وإعجاب القائد بعدي ومعيته وتجربته.. ويمكن تلخيص أبرز النقاط التي
حددها صدام حسين وعدها قانونا للصحافة والإعلام ترقى على كل القوانين
السابقة بالآتي:
قال صدام حسين ما يلي:
- إننا لن نسمح مطلقا بإسقاط هيبة الدولة وأجهزتها المختلفة تحت
شعار حرية وسائل الإعلام, لأن هذه الممارسة ستضعف الدولة وتشجع الأعداء
على اختراقها, ويصبح الصحفي أو الإعلامي دليل خيانة للأعداء المتربصين
خارج الحدود.
هيبة الوزراء
- ولن أسمح بإسقاط هيبة الوزراء وكبار المسؤولين وتعريضهم للانتقادات,
لأن الوزير على كرسي وزارته يمثل صدام حسين شخصيا , والإساءة إليه
إساءة للرئيس, لأن صدام هو الذي وقع أمر تنصيبه وزيرا أو مديرا ..
إضافة إلى أن هؤلاء وعلى سبيل المثال وزير التجارة مناضلون يسهرون
ويجتهدون لخدمة الشعب وان ما يحصلون عليه من امتيازات تتوفر عند
أشخاص عاديين مثل المسكن اللائق والسيارة الفخمة وغيرها.. ولهذا
فلا يجوز المساس بأعمدة الدولة والحزب.
- أن نشر الفضائح والتجاوزات وما يسمى بالغسيل القذر ليس من سياستنا,
وللإعلام واجبات أكثر أهمية لتعزيز التفاف الناس حول القيادة في
هذا الظرف الراهن.
- أن تكرار نشر وعرض أوجه وأساليب الفساد والانحراف في أجهزة الدولة
والمجتمع سيؤدي إلى اتساع نطاقهما وليس تقليصهما وستصبح هذه الأمور
من المسائل المألوفة عند المواطن والموظف المسؤول على حد سواء.
- أن الصحفي الذي يعتقد بأن هنالك انحرافات خطيرة عليه ان يتحمل
المسؤولية كاملة وينشر الوقائع والحقائق بالوثائق والأسماء الصريحة,
بدون تلميح أو رموز ويطالب بإثباتها أمام الجهات المسؤولة وبعكسه
يعد هذا الأمر تشهيرا أو تخريبا يحاسب عليه القانون بقسوة.
- لا يجوز إطلاقا التبني المباشر لشكاوي المشتكين وتعريض كبار المسؤولين
للإحراج أمام الرأي العام وإظهارهم في مواقف ضعيفة ومحرجة تسقطهم
في نظر الناس, فالصحيح أن نساعدهم في إيضاح وجهات نظرهم ولا نسعى
إلى تكذيبهم وإبطال حججهم, لأن الإعلام الثوري له منهج خاص في الترويج
لسياسة الدولة وأفكار الحزب ولا ينساق وراء الشكاوى التضليلية أو
المغرضة.
- علينا أن ننتبه ونحذر من أصحاب المصالح والأغراض السيئة ونمنعهم
من اختراق وسائل إعلامنا ودس ما يؤذي المسيرة بعلم أو بجهل.
الحفاظ على الأسلوب الانتقادي
وحاول عدي الذي ظهرت عليه الحيرة أن يجري معنا حوارا عن كيفية تطبيق
هذه المبادئ مع الاحتفاظ بالأسلوب الانتقادي الذي يستقطب اهتمام
الجمهور فقلت له أن المسألة ليست سهلة, فلا يمكن مثلا أن نعالج ظاهرة
اختلاس أموال وننشر الأسماء الصريحة للمتورطين في هذه العملية لأن
ذلك سيجعلنا تحت طائلة القانون وتهمة التشهير لا سيما أن القضاء
هو الذي يصدر الحكم وليس وسيلة الإعلام.. وكنا وفي ضوء نصائح خبراء
القانون ننشر هكذا مواضيع بالتلميح إلى أسماء ومناصب الأشخاص كي
لا تقع جريمة التشهير وأيضا لأسباب اجتماعية ونفسية ترتبط بأسرة
الجاني التي لا ذنب لها في هذه الجريمة, وربما يثبت القضاء براءة
الجاني نفسه.. حينها نكون قد أسقطنا أنفسنا في حفرة لا مخرج منها!
واختتمت قولي (أنني أرى أن تطبيق توجيهات السيد الرئيس معناه إجراء
تحول نوعي في أسلوب ومنهج الصحافة الأسبوعية كلها.. لتعود تشابه
وتطابق الصحف الرسمية.. وإلا.. فإننا سنجتاز الخطوط الحمر.. وهذه
المرة الموقف ليس سهلا لأن الرئيس شخصيا هو الذي رسم هذه الخطوط)..
صمت عدي وأدرك خطورة الموقف.. لكنه غي ر مجرى الحديث وطلب الالتزام
بالتعليمات إلى حين إيجاد حلول مناسبة.. بعد أسابيع قليلة تجاهلنا
هذه الخطوط التي رسمها صدام وتناسينا التحذيرات.. لكن صدام والمقربين
منه لم ينسوا ذلك فقد أطيح بالعديد من رؤساء التحرير, وبدأ عصر جديد
ارتقت فيه سلم عدي عناصر جديدة يتقدمهم رحيم مزيد, الذي كان يتقدم
مثل الصاروخ.. وحين برزت الحاجة مجددا لخبراتنا رفضنا الاقتراب من
عدي ورفضت شخصيا القبول برئاستي لتحرير مجلة الرافدين التي قرر إعادة
إصدارها مجددا .. وقلت لهم اخبروا الأستاذ عدي (احترامي وتقديري..
لكنني لا أستطيع أن أرضيه وأغضب السيد الرئيس لأن نهجي الصحفي يتقاطع
مع التعليمات) لم أجد غير هذه الذريعة.. لكن عدي لم يغفر لي هذا
الرفض وعرفت ذلك بعد أيام قليلة من اعتقالي في جهاز المخابرات.
|
ما
قاله ابن الرئيس: زمن رحيم مزيد
علي
الجفال - مدير التحرير
|
|
يتأكد لي حلقة بعد
أخرى من رواية الزميل هاشم حسن, أنه إنما يكتب على عجالة لسببين
أظن أننا جميعا وقعنا في غوايتهما بمجرد أن وطأت أقدامنا أرضا لا
تنتصب فوقها سماء ملبدة بغيوم دكتاتورية الرئيس صدام, والسببان هما
إطلاق أجنحة طيور الحقائق الحبيسة خلف أضلاعنا بعد أن خلفنا رعبنا
هناك في حقائب صغيرة بالية والثاني هو أن نتقيأ مرة واحدة كل المرارة
التي تراكمت خلال ثلاثة عقود.
وإذا كنا قد وقعنا, مثلنا مثل الزميل هاشم حسن في غواية هذين السببين
فإننا كتبنا من منظورنا عن وقائع تعاملنا معها دون إطلاق أو تعميم
في حين سجل زميلنا هاشم أنه يؤرخ للصحافة العراقية في عقدها الأخير
وهو يكتب في هذه العجالة التي تفضحها بنيته ا للغوية التي لا ترقى
بأي حال إلى تلك البنية اللغوية التي أمتعنا بها في مقالات سابقة,
تلك العجالة التي جعلته يؤشر حالات قافزا على تراكماتها التي كونت
ظاهرة في الوسط الصحفي العراقي, ومن هذه الحالات وصفه لرحيم مزيد
بأنه (صحفي شاب طموح بدأ ينتابه إحساس غير قليل بالغرور ويترقب بشوق
فرصة تاريخية تجعله يتجاوز كل السلالم التقليدية ليصعد إلى القمة
ويقطف ثمارها في وقت مبكر.. وليقرر لاحقا أن (بدأ عصر جديد ارتقت
فيه سلم عدي عناصر جديدة يتقدمهم رحيم مزيد الذي كان يتقدم مثل الصاروخ).
ولأننا في عصر المعلوماتية وانتشار الأنترنيت فإن ما يرويه الزميل
هاشم لا يقتصر على قراء الزميلة الزمان بل يتعداهم إلى مئات الآلاف
من متصفحي مواقع الانترنيت وهؤلاء وغيرهم ممن لم يعملوا ضمن دائرة
عدي صدام حسين سينظرون إلى رحيم مزيد وكأنه حالة طارئة في تاريخ
الصحافة العراقية في العقد الأخير من القرن العشرين الذي يؤرخ له
زميلنا هاشم حسن.
ولإنصاف هذا التاريخ المفترى عليه أقول, إن زمن رحيم مزيد بدأ منذ
أن دخل عدي صدام حسين إلى فضاء الصحافة العراقية, ولا أعني هنا رحيم
مزيد شخصيا , ولكنني أعني الظاهرة, فقد بدأ منذ منتصف عام 1986 عصر
جديد لا يعرف الثوابت وأصول المهنة ولا (السلالم التقليدية إلى القمة),
فمنذ صدور العدد الأول من جريدة البعث الرياضي كانت مناصب رئاسة
التحرير وإدارة التحرير وسكرتارية التحرير رهنا بمزاجية عدي صدام
حسين, وما قد لا يعرفه زميلنا هاشم أن رائدا في الحرس الجمهوري وطالبا
في الكلية الطبية ومهندسا مدنيا وموظفا في اتصالات القصر الجمهوري
قد تعاقبوا كمدراء تحرير للجريدة المذكورة, ومن أجل كيفية فهم عدي
صدام حسين لأبعاد الوظيفة الإدارية والتحريرية أسرد لزميلنا هاشم
حسن وللقراء الواقعة التالية:
كان زميلنا الصحفي المتميز عباس الجنابي نائبا لرئيس تحرير الجريدة
ونتيجة خطأ مطبعي بسيط في أحد أعدادها وقع عليه غضب عدي وأمر على
الفور بحجزه تأديبيا في سجون الرضوانية وأصدر قرار فصله من الجريدة,
وفوجىء كادر الجريدة بقرار تعيين هيثم فتح الله نائبا لرئيس التحرير,
وكما يعلم الزميل هاشم فإن هيثم مصور فوتوغرافي لا علاقة له بالصحافة
من بعيد أو قريب, وفي اليوم الثاني طلبني عدي صدام حسين وقال لي
ما نصه: اعلم أنك من أقرب أصدقاء عباس قل لصاحبك أن الجريدة تمشي
باسم عدي وليس بعبقريته وليعرف أن الجريدة ستسير بمصور صحفي لا يعرف
كتابة اسمه). ألا تتفق معي أيها الزميل هاشم أن زمن رحيم مزيد بدأ
منذ أكثر من عشرين عاما , وهو ظاهرة وليس حالة..??
|
مذكرات
كارلوس
لا نختار أن نصبح ثوريين.. لكن الثورة هي التي تختارنا
الحلقة الأولى
|
|
الثوري, الإرهابي,
المتطرف وصفات أخرى أطلقت على كارلوس الذي جاب العالم منطلقا من
بلده فنزويلا ليستقر مع الثورة الفلسطينية ويعلن إسلامه على أيدي
مقاتليها... من سجنه الفرنسي يكشف كارلوس في هذا الحوار العديد من
الخفايا ويؤشر العوامل التي دفعته إلا الإبحار في هذا البحر الذي
لا تعرف أمواجه الهدوء
حدثنا عن طفولتك
وفي أي بيئة اجتماعية نشأت?
نشأت في بيئة اجتماعية متنقلة, أصل عائلتي من الريف الفنزويلي ثم
انتقلت إلى العاصمة (كاراكاس), بعدما حققت ثروةكبيرة, والدتي (سيدة
بيت) بالمعنى الأكمل لهذه الكلمة, وهي أم شديدة التفاني, أما والدي
فهو مثقف, شاعر وخطيب سياسي ودكتور في القانون الدولي, كما أنه من
أشد أنصار الانقلابات العسكرية, وأنا تربيت في وسط من البرجوازية
الصغيرة التي يراودها الحماس للثورة.
هل تعتقد أن نشأتك في هذه البيئة البرجوازية التي تراودها الأحلام
الثورية لعبت دورا في التأثير لاحقا في التزامك السياسي, ودفعك نحو
مزيد من (الراديكالية الثورية)?
بكل تأكيد, لكننا لا نختار أن نصبح ثوريين بل الثورة هي التي تختارنا.
أقصد هل لعبت تلك البيئة التي نشأت فيها دورا في دفعك إلى اختيار
حمل السلاح كوسيلة للتعبير عن التزامك السياسي في نوع من (التمرد),
أو الرغبة في تجاوز ذلك الأثر العائلي الذي كانت الثورة بالنسبة
له مجرد تطلعات حالمة?
لا أعتقد, فاختيار السلاح لم يكن قرارا شخصيا مني, بل الظروف السياسية
هي التي أملته علينا, كردة فعل على عنف العدو الذي نواجهه, وأما
عن الرغبة في تجاوز (الإرث الثوري) العائلي, فإنها بلا شك كانت أحد
العوامل الرئيسية التي تحدد على ضوئها التزامي السياسي, ولقد كانت
(رغبة التجاوز) تلك أسلوبا للتعبير عن (تمرد عائلي) يندرج ضمن صراع
الأجيال.
ما هي الأحداث التي كانت الأكثر تأثيرا فيك خلال سنوات طفولتك وبداية
شبابك?
هناك رحلاتي الأولى بالطائرة وميلاد أخت لي قبل اكتمال فترة الحمل
ثم وفاتها بعد 3 اشهر فقط, وهناك أحداث الإضراب العام في فنزويلا
سنة ,1952 بعد تدخل العسكر بالقوة لوقف انتخابات (المجلس التأسيسي).
وهناك أحداث تأميم قناة السويس والعدوان الثلاثي على مصر, كما تأثرت
أيضا بانفصال والدي, وبأحداث الثورة الشعبية التي أرغمت النظام العسكري
في بلادي على أن يتخلى عن الحكم, يوم 23 يناير (كانون الثاني) ,1958
وهناك أيضا أحداث الثورة الكوبية, وحرب التحرير الجزائرية.
بماذا كنت تحلم وأنت صغير?
كنت أحلم بالثورة.
بمن كنت معجبا من الشخصيات أو الرموز السياسية آنذاك?
كنت معجبا بلينين وستالين (سيمون) بوليفار, غيتان (القائد الثوري
لحزب تحرير كولومبيا), سيبريانو كاسترو (رئيس فنزويلا, ذو التوجه
القومي, الذي تولى الحكم سنة 1899), ماوتسي تونغ, مورازان (موحد
أمريكا اللاتينية) غوستافو ماشادو (الزعيم التاريخي للشيوعيين في
فنزويلا), جمال عبد الناصر, فيدل كاسترو, وأيضا .. والدي.
وما هي السمة المشتركة بين كل تلك الشخصيات التي كنت تتخذ منها القدوة
في شبابك?
أعتقد أن مسار تكويني وتشكل وعيي السياسي في تلك البيئة العائلية
التي نشأت فيها, هو الذي قادني إلى تلك الشخصيات الإحدى عشرة التي
كانت (مثلا ) لي في طفولتي. واليوم حين أعود إلى الوراء, أجد أن
ما يجمع بين كل تلك الشخصيات كونها جميعا كانت لها نضالات وتطلعات
تتجاوز حدود بلدانها الأصلية.
هل ما تزال تكن الإعجاب ذاته لتلك الشخصيات التي كانت بمثابة (المثل)
لك في شبابك? أم هل تنظر إليها اليوم نظرة أكثر نقدية?
نظرتي إليها اليوم أقل مثالية لأنني أضعها في سياقها التاريخي, وكنت
قد أصبحت - مثلا - من أشد المناوئين للناصرية, وحين توفي جمال عبد
الناصر, في سبتمبر (أيلول) ,1970 كنت الوحيد الذي لم يبكه من بين
كل الفدائيين الفلسطينيين في ما بعد فقط, فهمت بأثر رجعي مكمن قوة
عبد الناصر الحقيقية, التي تتمثل في كونه نجح في أن يجعل من العرب
موضوعا مركزيا في التاريخ الحديث.
يعد فيدل كاسترو الوحيد الذي ما يزال حيا من بين كل تلك الشخصيات
التي كنت مولعا بها في شبابك, بأية نظرة ترى اليوم هذا (الثوري العجوز)?
لقد كان فيدل كاسترو نموذجا يحتذى بالنسبة لكل أبناء جيلي وأنا أعتبره
آخر (عمالقة الثورة).
بماذا شعرت حين أصيب كاسترو بحالة إغماء, خلال إحدى خطبه السياسية
المطولة?
لم أشعر بأي قلق فأنا كنت دوما أعرف أن فيدل كاسترو لن يكون خالدا
, وابنه راؤول كاسترو سيحافظ على مسار الثورة من بعده.
والدي
ذكرت اسم والدك بين تلك الشخصيات التي كانت (مثلك) في شبابك, كيف
كانت علاقتك بوالدك في ما بعد, خلال مختلف مراحل حياتك السياسية?
لم أر والدي منذ 27 سنة, وقبل ذلك, كانت علاقتي به تشوبها النزاعات
المستمرة, فأنا كنت ألومه بسذاجة على عدم انخراطه بما فيه الكفاية
في الثورة, وهو من جهته كان يحاول, من دون لباقة, أن يفتح عيني على
الوجه الحقيقي للوقائع السياسية, بعيدا عن (رتوش) الماكياج الرومانسية,
وفي ما بعد تبين لي أن تحليلاته كانت في عمومها صائبة, وبالرغم من
أن علاقتنا أصبحت تقتصر على المراسلات, التي تتم إما بشكل مكتوب
أو عن طريق وسطاء, إلا أنها ظلت دوما - وما تزال - علاقات تضامن
ملؤها الحب وحرارة الأواصر العائلية.
بأية نظرة يرى والدك مسارك السياسي والثوري? وما هو تقييمه للأساليب
التي اخترتها للتعبير عن أفكارك, التي تختلف جذريا عن أساليبه هو,
رغم كونه يتبنى نفس المثل الثورية التي ناضلت من أجلها?
والدي فخور جدا بمساري السياسي, وبانخراطي الكامل في الثورة, رغم
أن (العنف الثوري) بالنسبة له كان مجرد فكرة نظرية, وهو مولع أكثر
بالانقلابات العسكرية.
حين اختار والدك اسمي (فلاديمير) و(لينين) لشقيقيك, ثم أسماك أنت
(إليتش), في لفتة تمجيد لقائد الثورة البلشفية, فلاديمير إليتش لينين,
كانت بلادك فنزويلا آنذاك تحت حكم الدكتاتورية العسكرية, فهل اعتبر
ذلك في حينه نوعا من ا لاستفزاز السياسي? وهل تسبب في متاعب لوالدك
مع الحكم العسكري?
أنا الذي كنت أكبر أشقائي, وحين و لد شقيقنا الأصغر, كنا أنا وأخي
لينين من أسميناه فلاديمير, وكانت هذه الأسماء مجتمعة تمثل بالفعل
استفزازا وتحديا سياسيا آنذاك, لكنها لم تكن لتعرض والدي لمخاطر
حقيقية, كونه كان مقربا من العديد من وجوه الحكم الفنزويلي آنذاك,
ممن كانوا من أقاربنا أو من رفاقه القدامى بحكم كونه مغرما جدا بالانقلابات
العسكرية.
هل كنت تلميذا متفوقا في المدرسة? وأية مواد دراسية كانت تجتذبك?
أعتقد أنني كنت تلميذا نجيبا , وكانت تجتذبني بالأخص العلوم الإنسانية,
التاريخ والجغرافيا وعلم النفس.
متى سافرت خارج فنزويلا لأول مرة?
كان عمري 3 أو 4 سنوات, وكان ذلك ضمن رحلة عائلية قمنا بها إلى العاصمة
الكولومبية (بوغوتا) وعدنا إلى فنزويلا عن طريق البر, في عز الحرب
الأهلية التي كانت مشتعلة آنذاك في كولومبيا.
لماذا سافرت عائلتك برا من (كاراكاس) إلى (بوغوتا) في عز الحرب الأهلية?
السفر بالبر كان في رحلة العودة فقط, وكنا قد سافرنا, في ما أذكر,
بالطائرة باتجاه بوغوتا, كان والدي يريد اغتنام انهيار الأسعار هناك
بسبب الحرب الأهلية, لشراء إحدى مزارع القهوة, وحظيرة لتربية المواشي,
وكانت العودة برا باتجاه (كاراكاس) مخاطرة كبيرة, فقد كان والدي
وسائق سيارة (الليموزين) التي كانت تنقلنا, هما الوحيدان اللذان
كانا يحملان مسدسات, كانت والدتي حاملا في الشهر الخامس, ولم تكن
ترافقنا سوى اثنتين من مربياتنا الوفيات.
أي تأثير تركته تلك المرحلة المحفوفة بالمخاطر في مخيلتك الطفولية?
كانت تلك أول مرة احتككت فيها عن قرب بالفقر والمعاناة الإنسانية,
وأذكر أيضا أنني نجحت في إنقاذ أخي (لينين) من عملية اختطاف في مدينة
(بامبيلونا), حيث لجأت إلى الصياح بأعلى صوتي للم الناس من حولنا,
لإحباط تلك العملية, وتمكن والدي بعد إشهار مسدسه, من أن ينتزع (لينين)
من أيدي الخاطفين الذين كانوا قد هموا بإدخاله إلى سيارة التاكسي.
بعد أن غادرت فنزويلا, أين أكملت دراستك?
حصلت على شهادة البكالوريا في اختصاص العلوم ب- (كاراكاس) في يوليو
(تموز) ,1966 وفي شهر أغسطس من السنة ذاتها انتقلت إلى لندن, وأعدت
البكالوريا وفق النظام الدراسي الإنجليزي, فنلت شهادة Ordinary levels
من معهد London university board , في صيف عام ,1967 ثم نلت الـ
Advance levels سنة .1968
|
صدام
حسين في الوثائق السرية الأمريكية
الروس حذرين في تأييد مطامع صدام
في الكويت لكنهم لن يعارضوه
الجزء الحادي عشر
|
|
نواصل
عبر نشر الوثائق السرية التي أفرجت عنها الخارجية الأمريكية إلقاء
الضوء على بعض القضايا والمواقف المبهمة التي لفت العراق قبل ثلاثين
عاما , وهي الفترة التي شهدت صعود صدام حسين إلى مقدمة المشهد السياسي
للسلطة في العراق, وتؤشر الوثائق الصراع على السلطة في تلك المرحلة
ومحاولة صدام حسين لاستثمار العلاقات مع موسكو لرفع رصيده في ذلك
الصراع
دونالد
رامسفيلد, الذي كان مستشارا للرئيس رونالد ريغان, ذهب إلى بغداد,
وقابل
صدام حسين. لكن رامسفيلد هو نفسه وزير الدفاع الذي يقود استعدادات
الحرب ضد العراق اليوم
صدام في موسكو:
من: السفير الأمريكي, موسكو
إلى وزير الخارجية, واشنطن
(التاريخ: 4/4/1973)
(قالت لنا مصادرنا هنا أن زيارة
صدام حسين لموسكو هدفها تقوية علاقاته الشخصية مع الحكام الروس,
بالإضافة إلى أنه شرح للروس الاتفاقية بين حكومة العراق وشركة بترول
العراق (البريطانية, التي أممت), وقالت مصادرنا, إن الاتفاقية لم
تحقق كل رغبات صدام حسين وأن الروس أنفسهم قالوا ذلك.والروس وصفوا
صدام بأنه (زعيم شاب لكنه متفهم), وأنه ينافس الرئيس العراقي أحمد
حسن البكر, لكن البكر يتمتع بتأييد القوات المسلحة, بينما يعتمد
صدام على تأييد حزب البعث.
الروس قالوا أنهم نجحوا في تغيير موقف صدام حسين المتطرف نحو مشكلة
الشرق الأوسط (المقصود هو عداء صدام الشديد لإسرائيل), وأن صدام
قال إنه يقبل قرار مجلس الأمن رقم ,242 لكنه قال ذلك في اجتماع خاص,
ولا يعتقد أنه سيقوله علنا , وأنه سيقبل القرار شرط أن يحقق (الحقوق
العربية المشروعة).
احتلال الكويت:
من: السفير الأمريكي, تل أبيب
إلى وزير الخارجية, واشنطن
(التاريخ: 5/4/1973)
(أمس قالت لنا المسز فيرد, مديرة
قسم الشرق الأوسط في وزارة الخارجية الإسرائيلية, أن هناك هدفين
لزيارة صدام حسين إلى روسيا:
) الأول: توثيق علاقاته الشخصية مع الحكام الروس.
) الثاني: كسب تأييد الروس لاحتلال أراض كويتية.
وقالت المسز فيرد أن الروس حذرين في تأييد مطامع صدام حسين في الكويت,
لكنهم لن يعارضوه.
وأن الروس يشترطون ألا يكون التحرك العراقي في الكويت سببا في مشكلة
عالمية كبيرة (يقصدون مع الدول الغربية وخاصة أمريكا), وقالت المسز
فيرد, إن الكويتيين تراجعوا, بعدما كانوا يرفضون التفاوض مع العراقيين.
وأن القوات العراقية لن تنسحب من المنطقة من دون أن (... يفهم الكويتيون
أنها تعني ما تقول...).
محمود رياض:
من: قسم المصالح الأمريكية, بغداد
إلى وزير الخارجية, واشنطن
(التاريخ: 27/3/1973)
(هناك صمت في الإعلام العراقي
تجاه الاشتباكات على الحدود بين العراق والكويت, ولا توجد إشارة
إلى الوساطة التي يقوم بها محمود رياض, الأمين العام لجامعة الدول
العربية, لكن جريدة (الثورة) هاجمت (القوى الرجعية والإمبريالية)
وقالت إنها بالغت في تصوير الاشتباكات على الحدود لأنها تريد تخويف
الكويتيين وضم الكويت إلى جانبها.
أساس المشكلة هو أن الكويت والعراق لم يصلا حتى الآن إلى اتفاق نهائي
حول الحدود.
الملحق العسكري الهندي هنا كان واحدا من عدد قليل من الديبلوماسيين
الأجانب الذين زاروا منطقة أم القصر, قال لنا أن من أهداف المطامع
التوسعية العراقية تأسيس قاعدة بحرية عسكرية, وأن العراق فعلا يبني
خطا للسكة الحديدية العراقية هناك.
(... وقال لنا القائم بالأعمال الفرنسي هنا أن العراق ارتكب حماقة,
لأن الكويت أصبحت الدولة المظلومة, ولهذا كسبت تأييد معظم الدول
العربية...).
مكيفات هواء أمريكية:
من: قسم المصالح الأمريكية, بغداد
إلى وزير الخارجية, واشنطن
(التاريخ: 10/4/1973)
(جرى احتفال هنا بمناسبة مرور
سنة على اتفاقية الصداقة والتعاون المشترك بين العراق وروسيا. العلاقات
بين البلدين لا تزال قوية, لكنها لم تتطور كما كان متوقعا :
) أولا : لم ينضم العراق إلى السوق المشتركة لشرق أوروبا (كوميكون).
) ثانيا : الاحتفال بمرور سنة على الاتفاقية كان عاديا .
) ثالثا : أوقف العراق تبادل البترول بسلع من روسيا, أو من دول شرق
أوروبا الشيوعية, وقال أنه سيبيع البترول نقدا .
) رابعا : بدأ العراق يشتري أجهزة أمريكية مثل مكيفات الهواء.
(أيضا : عقد بمائة مليون دولار مع شركة (براون أند روت) للمشاريع
الإنشائية, وعقد بخمسين مليون دولار مع شركة (بوينج) لشراء طائرات
مدنية).
) خامسا : يؤكد العراق أنه ليس تابعا لروسيا, وليس مثل دول شرق أوروبا.
) سادسا : رفض العراق السماح للروس بتأسيس قاعدة عسكرية بحرية في
أم قصر, أو حتى تقديم تسهيلات للأسطول الروسي.
نحن نعرف أن هناك تقارير كثيرة تقول غير ذلك, لكن معلوماتنا هنا
مؤكدة, وأنتم, إذا لديكم معلومات غير ذلك, نرجو أن ترسلوها لنا..).
حزب البعث:
من: قسم المصالح الأمريكية, بغداد
إلى وزير الخارجية, واشنطن
(التاريخ: 10/4/1973)
(احتفل هنا بمرور ست وعشرين سنة
على تأسيس حزب البعث, أكد الاحتفال قدرة الحزب في مجالات مثل: التنظيم,
الحماس, الشعارات, المظاهرات والمحاضرات). وركز الحزب على الآتي:
) أولا : (الإنجازات الثورية) داخل العراق.
) ثانيا : تقدم العراق إلى قيادة (الدول العربية التقدمية).
) ثالثا : فشل (المؤامرات الرجعية والإمبريالية) ضد العراق, لكن
رغم كل هذا, هناك تغييرات في السياسة العراقية, خاصة في قلة الاعتماد
على الروس, لا سيما بعد توقيع الاتفاقية بين العراق وشركة بترول
العراق.
والروس يريدون زيادة نصيبهم في بترول العراق, ويريدون بيع طائرات
عسكرية ومدنية للعراق, لكن العراقيين يتحركون ببطء.
بالنسبة لنا, حزب البعث العراقي ليس صديقا لنا, وليس صديقا لأصدقائنا
في المنطقة, لكن هناك بداية علامات بأن المستقبل قد يشهد تغييرات
في العلاقات بيننا وبين العراق, وإن الحكم على العراق يمكن أن يعتمد
على أفعاله أكثر من الاعتماد على شعاراته...).
شروط صدام:
من: قسم المصالح الأمريكية, بغداد
إلى وزير الخارجية, واشنطن
(التاريخ: 11/4/1973)
(جورجي إن جايار) الصحفية مع جريدة
(شيكاغو ديلي نيوز) نجحت في إجراء أول مقابلة صحفية أمريكية مع صدام
حسين.
وركز صدام على موضوعين لتنقلهما الصحفية إلى أمريكا عن مستقبل العلاقات
بين البلدين:
) أولا : أي تحسن في العلاقات يعتمد على الجانب الأمريكي, وعلى تحسن
السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط.
) ثانيا : صدام يؤمن إيمانا قويا بوجوب استعمال البترول كسلاح ضد
ما يراه انحيازا أمريكيا ضد العراق, وضد العرب, الصحفية جايار جلست
مع صدام حسين لساعتين, ويبدو أن هناك فلسطينيين ساعدوا في ترتيب
المقابلة, وأقنعوا صدام حسين...).
الضغوط الأمريكية:
من: جوزيف سيسكو, مسؤول الشرق الأدنى
إلى وزير الخارجية,
(التاريخ: 27/11/1973)
(في الوقت الحالي لا نقدر على
الضغط على العراق كثيرا , للأسباب الآتية:
) أولا : نحن لا نقدم مساعدات للعراق.
) ثانيا : العراق لا يشتري منا أسلحة.
) ثالثا : نحن لا نعتمد على بترول العراق في الوقت الحالي, لكن هذا
يمكن أن يحدث في المستقبل.
) رابعا : لن نقدر على تهديد العراق بوقف وساطتنا لحل المشكلة بين
العرب وإسرائيل, لأن العراق متشدد جدا نحو إسرائيل, ويرفض أي مفاوضات
معها.
) خامسا : نقدر على عرقلة الصفقات بين الشركات الأمريكية والعراق,
لكن هذا سيغضب هذه الشركات.
) سادسا : نقدر على إغلاق قسم المصالح الأمريكية في بغداد (المكون
من شخصين), لكن القسم أصبح مهما بالنسبة لنا خاصة في جمع المعلومات...).
سالم منصور:
مذكرة حديث, وزارة الخارجية
المشتركون: سالم منصور, مسؤول
قسم المصالح العراقية في واشنطن, ديفيد
كورن, مسؤول العراق في الوزارة
وغريغوري سترونج, من قسم الشرق
الأدنى في الوزارة.
(التاريخ: 20/8/1973)
(منصور هو الذي طلب الاجتماع,
بعد عودته من العراق, وقال إنه يريد بحث تحسين العلاقات بين البلدين,
خاصة بعد تصريحات صدام حسين لصحفيين أمريكيين. وقال منصور إن العراق
لن يحسن علاقته معنا إلا إذا غيرنا (سياسة التأييد الكامل لإسرائيل),
وقال إن تصريحات صدام حسين عن تحسين العلاقات ليست جديدة لأن صدام
ظل يقول إن تحسين العلاقات يعتمد على تغيير السياسة الأمريكية في
المنطقة. لكن منصور قال إن العراق يرحب بتحسين العلاقات التجارية
والاقتصادية بين البلدين, وإن العراق يرحب بالشركات الأمريكية...).
حسكل حداد:
من: د. حسكل حداد (طبيب في نيويورك),
إلى ألفرد اثرتون, مسؤول الشرق
الأدنى, وزارة الخارجية,
(التاريخ: 20/7/1973)
(في الأسبوع الماضي صدرت ثلاثة
تصريحات من العراق عن تحسين العلاقات مع الولايات المتحدة.
وهناك إشارات إلى أن هذا التغيير في السياسة العراقية حدث بعد محاولة
الانقلاب العسكري التي قادها اللواء ناظم كزار, مدير الأمن الداخلي.
أود أن أسمع منكم, في خطاب خاص, إذا كان هناك أي تغيير في سياسة
حكومة العراق نحو يهود العراق, وهل خففت الحكومة إجراءاتها القاسية
نحوهم, وهل هناك تغيير حقيقي, أم أن ما يحدث مجرد ترتيب تكتيكي?
وإذا, من جانبي فأنا مستعد لتقديم أي خدمة.
وأرجو نقل تحياتي إلى زوجتكم, مسز أثرتون...).
رامسفيلد في بغداد:
من: ألفرد اثرتون, مسؤول
الشرق الأدنى, وزارة الخارجية,
إلى د. حسكل حداد نيويورك,
(التاريخ: 2/8/1973)
(نعم, وفق ما جاء في خطابكم, هناك
تصريحات عراقية عن تحسين العلاقات بين البلدين. ونحن, من جانبنا,
نرحب بأي تحسن في العلاقات, ونشير إلى أن الشركات الأمريكية بدأت
عقودا استثمارية وتجارية مع العراق, وهذا أصبح واضحا بعد قرار حكومة
العراق بتأميم شركة بترول العراق (البريطانية).
ونحن نرى أن أي تحسن سيكون في صالح الجالية اليهودية في العراق,
لأنه سيقلل إجراءات الحكومة العراقية المتشددة نحوهم. ويمكنكم الاعتماد
على وزارة الخارجية للاطمئنان بأننا سنبذل كل ما نستطيع لتسهيل دخول
يهود العراق الذين يريدون الهجرة إلى هنا...).
(وهكذا يبدو واضحا أن تحسن العلاقات بين العراق وأمريكا مرتبط بإسرائيل
من ناحيتين:
) الأولى: تخفيف تشدد صدام حسين نحو إسرائيل.
) ثانيا : السماح ليهود العراق بالهجرة).
****
والسنوات التالية شهدت تحسنا في العلاقات بين البلدين, ثم أعاد البلدان
علاقاتهما بعد ذلك بعشر سنوات. خلال هذه الفترة انحازت أمريكا إلى
جانب صدام حسين ضد إيران, وقدمت مساعدات عسكرية للقوات العراقية
التي كانت تحارب إيران. حتى دونالد رامسفيلد, الذي كان مستشارا للرئيس
رونالد ريغان, ذهب إلى بغداد, وقابل صدام حسين. لكن رامسفيلد هو
نفسه وزير الدفاع الذي يقود استعدادات الحرب ضد العراق اليوم.
|
بوش
يخوض الحرب
العراق وسواس ولفويتز الذي يتقمصه ليل نهار
الحلقة الرابعة
bob
woodward
|
|
هذا الكتاب.. صدر منذ أسابيع
وما زال يحدث ضجة في أوساط السياسة ودوائر الاعلام في أمريكا, وقد
راجع بوب وودوارد محاضر ومذكرات أكثر من 50 اجتماعا لمجلس الأمن
القومي , واجتمع أيضا الى أكثر من 100 شخصية مشاركة في صنع القرارات
. أما الرئيس بوش فقد أحال المؤلف الى مقابلات شخصية انفرد بها,
ودامت فترات يبلغ مجموعها 3 ساعات و55 دقيقة بالضبط. ويعد مؤلف الكتاب
بوب وودوارد في طليعة الكتاب, المحققين , الباحثين في الصحافة الأميركية,
يرتبط اسمه بعدد من أهم الكتب السياسية التي قام بتأليفها أو شارك
في اعدادها ابتداء من كتاب "كل رجال الرئيس" حول فضيحة
ووترجيت "1974" الى كتاب "الحجاب" حول نشاط
المخابرات المركزية الأميركية "1987" الى كتاب "القادة"
1991 حول ملابسات حرب الخليج الثانية. لم يجمع بين الرجلين إفطار
عمل على الطريقة الأميركية, وإنما جلسا يتناولان إفطارا حافلا في
قاعة فندق ريغيس في العاصمة واشنطن.
35 مكالمة هاتفية مطولة أجراها
وزير الخارجية باول مع عدة قادة وزعماء في دول العالم, وفي أول اجتماع
عقده مجلس الوزراء الأميركي بكامل هيئته في البيت الأبيض عقب أحداث
سبتمبر تكلم باول عن هذه المكالمات الخمس والثلاثين وقال ان أمامه
12 مكالمة أخرى يجريها في طول العالم وعرضه ثم أضاف متندرا : يعني
أنا أصبحت متعدد الجنسيات في الأيام الأخيرة لدرجة أصابتني بدوار
البحر ولأول مرة أيضا يضحك الوزراء. في منتجع كامب ديفيد جاء مدير
المخابرات المركزية (جورج تينيت), جاء يحمل حقيبة مملوءة بوثائق
تحمل جميعا طابع (سري للغاية) كان الرئيس مجتمعا الى كبار معاونيه
ومستشاريه وقد وزع عليهم مدير المخابرات حزمة أوراق يضمها ملف يحمل
عنوانا كان له دلالته الواضحة وهو: (الطريق إلى الحرب).
وعلى الطريقة الأميركية - هل نقول طريقة أفلام هوليوود أو أساليب
دوائر الإعلان التجاري في ماديسون أفينو, نيويورك - كان مدير المخابرات
المركزية قد أمر بلصق صورة واحدة في الطرف الايسر من أعلى زاوية
بالملف المذكور, كانت صورة بن لادن وقد شطبوا عليها بخط أحمر, آية
على أن هذا هو الجاني المسئول والمطلوب.
كان الملف يحوي خطة المخابرات الأميركية استعدادا لحرب أفغانستان,
وكانت تتألف من عناصر شتى: مهاجمة شبكات القاعدة الالكترونية, وتقصي
وايقاف مصادر تمويلها, والعمل وسط صفوف الجالية الأفغانية المقيمة
داخل الولايات المتحدة.
شن حرب دعائية ضد بن لادن ومؤيديه (هنا ألمح مدير المخابرات الى
انهم نجحوا في تجنيد عملاء لهم داخل أفغانستان قائلا ان عددا من
(الملالي) أصبح الآن على كشف المرتبات في خزانة المخابرات).
أكثر من هذا: تطرق مدير ال- (سي. آي. إيه) الى صفحة مهمة في ملفه
تحمل العنوان التالي: (تقديم دعم مالي سخي لصالح خدمات الاتصال العربية).
وكان يقصد اعتمادات جديدة بملايين الدولارات تقدم الى عدد من أجهزة
الاستخبارات في العالم العربي لكي تتعاون مع المخابرات الأميركية
بما من شأنه أن يزيد موارد مخابرات واشنطن ويضاعف قدراتها. ولم يفت
المدير الأميركي أن يلمح الى ما قد ينطوي عليه ذلك التعاون غير المسبوق
من مخاطر لا سيما وان بعض وكالات المخابرات في العالم العربي لها
سجلات غاية في السلبية بل والفظاعة احيانا في مجالات حقوق الإنسان.
حتى لا تضيق الدائرة
من جانبه, لم يفت رامسفيلد ان ينبه الى عدم التركيز على بن لادن
وحده, وإلا ضاقت دائرة الحرب ضد الإرهاب, وأصبح الأمر وكأنه دولة
عظمى ضد فرد واحد, ولذلك فقد أبدى تحفظه على الصورة إياها التي يحملها
ملف المخابرات المركزية مؤكدا انه لا ينبغي تعميمها من بعد على الجمهور.
من جانبه أيضا عاد نائب وزير الحرب ولفويتز الى حكاية العراق - الوسواس
الذي يكاد يتقمصه بالليل وبالنهار, وفي بساطة غريبة أعلن أمام المجتمعين:
إن ضرب العراق سيكون أسهل من ضرب أفغانستان.
يقول المؤلف (ص84 وص85): كان للرئيس بوش (وقتها) تحفظات حول مهاجمة
العراق ولكنه ترك المناقشة تأخذ مجراها, ولكن بعد الغداء (في كامب
ديفيد) كان الرئيس قد ألمح برسالة إلى المجموعة مفادها أنه سمع ما
يكفي حول العراق, ومن ثم دارت الجولة الثانية بتركيز حول أفغانستان..
لكن إلى حين.
يسكن جورج تينيت, مدير المخابرات المركزية, في ضاحية هادئة قرب العاصمة
واشنطن. حين صحا من نوم مضطرب بعد أيام قلائل من أحداث سبتمبر, دخل
غرفة مكتبه وانكب على مذكرة تحوي تعليمات موجزة موجهة إلى مستشاريه,
وكانت المذكرة تحمل عنوانا من عبارة واحدة هي: نحن في حالة حرب.
وفي معرض التفصيل أكد مدير مخابرات أميركا أهمية أن ينطلق مع مرؤوسيه
من موقف مشوب بالحماس ومن يقظة لا يغمض لها جفن, ولكن أيضا من عقل
يحسب كل حساباته على البارد.
في معرض التفصيل أيضا يلمح مدير المخابرات إلى أنه مع مرؤوسيه يتحملون
قدرا يسيرا أو جسيما من مسئولية ما أصاب الولايات المتحدة في سبتمبر
,2001 وربما كانت المذكرة التي نلمح اليها نوعا من الاقرار بالذنب
أو الاعتراف النسبي بالتقصير.
حكاية الغزوة الصليبية
في عصر اليوم نفسه, وصل الرئيس بوش إلى البيت الأبيض قادما من منتجع
كامب ديفيد, التقى الصحفيين في الحديقة الجنوبية بالمقر الرئاسي,
وتحدث معهم - في بيان عام موجه إلى الكافة - عن تقويمه للأحداث,
(يلاحظ أن هذا التقويم بدأ يعكس ذهنية بوش التي اختلط فيها العامل
السياسي بعوامل دينية أو فلسفية) لقد تحدث بوش عن (الشر) وعن الأشرار
مرتكبي الأفعال الشريرة. مرة أخرى يلاحظ أنه كان يستعيد في هذا السياق
ما سبقه اليه سلفه - الجمهوري - رونالد ريغان حين تحدث عن امبراطورية
الشر والظلام في معرض توصيفه آنذاك للاتحاد السوفييتي, والمهم -
يقول مؤلف كتابنا - أن جورج بوش استخدم تعابير الشر والأشرار سبع
مرات في سياق بيانه القصير, فيما ظل يعرب عن دهشته ازاء طبيعة هجمات
سبتمبر, وكرر هذا الاعراب عن الدهشة ثلاث مرات مستخدما مصطلح البربرية
(الوحشية الفظيعة غير المتحضرة), لكن الأخطر والأنكى في بيان بوش
المذكور كان في استخدامه تعبيرا أكثر فداحة وأشد جسامة حين قال بالحرف
(ص 94): ان هذه الغزوة الصليبية, هذه الحرب على الارهاب سوف تستغرق
فترة من الزمن.
بعدها جاء مصطلح (الصليبية) وهو (كروسيد) في المتن الانجليزي ليثير
زوابع وأعاصير, بل ويوقظ أوجاعا تاريخية لم يكن لها اي لزوم.
وعلى الرغم من أن جمهرة من معلقي أميركا نهضوا لفورهم الى التخفيف
من أثر هذا الاستخدام, وأشار بعضهم الى أن مصطلح (كروسيد) لا يقتصر
على الحروب الصليبية في معناها وسياقها التاريخي المعروف, بل سبق
واستخدمها قادة وزعماء كثيرون, منهم الرئيس الأسبق ايزنهاور حين
كان يستحث جنوده على خوض آخر معارك الحرب العالمية الثانية فيما
كان يعرف باسم عملية الانزال في نورماندي - شمالي فرنسا - ويومها
قال الجنرال ايزنهاور - قائد جيوش الحلفاء - لجنوده أنهم في طريقهم
الى غزوة - كروسيد - بمعنى الى معركة فاصلة ونبيلة من أجل الحضارة
وضد الفاشية والنازية (ضد هتلر في المانيا).
- على الرغم من هذا كله فقد ظل لاستخدام تعبير الحرب الصليبية وقعه
السلبي على أسماع وأفهام شتى, وفي هذا يقول مؤلف الكتاب بالحرف:
- أن توصيف الحرب بعد سبتمبر 2001 بأنها (صليبية) جاء في رأي الكثيرين
بوصفه خطأ فادحا بحكم الدلالات السلبية الخطيرة التي أثارها في العالم
الاسلامي, حيث لا يزال مرتبطا بما حدث من اجتياح جيوش أوروبا المسيحية
(للشرق العربي المسلم) ابان العصور الوسطى, ولذلك تع ين على معاوني
الرئيس بوش أن يحذفوا هذا التعليق ويقدموا بسببه الاعتذار.
وربما كان الرئيس بوش يصدر في استعمال مصطلح (الصليبية) عن نية حسنة,
منساقا في ذلك إلى شيوع هذا الاستخدام ليدل على أي جهد شجاع أو دؤوب
لتحقيق أهداف عليا. وربما كان الرجل يعاني وقتها ما كان يعانيه أبناء
شعبه من توتر نفسي من جراء ضربات سبتمبر, خاصة وقد استعاد الوجدان
الجمعي الأميركي - وكان بوش جزءا منه بطبيعة الحال - أكبر ضربة سبق
وتلقتها أميركا وهي تحطيم أسطولها بالكامل خلال الحرب العالمية الثانية
في (بيرل هاربور) على يد الانتحاريين اليابانيين, وما زالت ضربة
(بيرل هاربور) موجعة وتشكل ندبة غائرة أو جرحا عميقا في بنية الكيان
القومي الأميركي منذ أن أطلق رئيسهم الأسبق روزفلت وصف (اليوم الشائن)
الذي لا ينسى, بل ان ضربات 11 سبتمبر جاءت - كما يوضح مؤلف كتابنا
- أفدح خطرا وأعمق تأثيرا .
- لماذا?
- لأنها فاقت بيرل هاربور من حيث عدد الضحايا.
- ولأنها - وهذا هو الأهم - جاءت في عصر (الصورة) - العصر الذي باتت
فيه (الميديا) هي سيدة الموقف, تنقل الحدث ربما لحظة وقوعه وتتابع
الكارثة ابان حدوثها, لقد تسامع الأميركيون في الأربعينيات بكارثة
(بيرل هاربور) ربما في اليوم التالي لوقوعها, وقصارى الأمر كان صورا
نقلتها صفحات الجرائد مشفوعة طبعا بتعليقات المراسلين.
أين هذا من الغول الاعلامي الذي بسط أذرعه العملاقة مثل (هايدرا)
ذات الألف ألف ذراع, فاذا به يغطي أحداث المركز التجاري والبنتاغون
من كل حدب وصوب ومن كل ركن وزاوية, وبتفصيل التفصيل. هكذا أضيفت
دراما الاعلام والاتصال في فاتح القرن الحادي والعشرين الى الأحداث
التي وقعت لكي تعمق أثرها الذي لن ينسى في نفوس الجماهير, ثم أن
بيرل هاربور وقعت في ركن قصي ناء وبعيد عن حدود أميركا, ولكن أحداث
سبتمبر وقعت في قلب أميركا شخصيا , وأصابت رموزا لمنعة الاقتصاد
في نيويورك ورموزا للقوة العسكرية الجبارة التي لا تقهر, أو التي
تصورت أنها كذلك في قلب العاصمة واشنطن.
لا عجب اذن أن يكون للاعلام والاتصال الجماهيري نصيب الأسد - كما
يقولون - في التعامل مع أحداث سبتمبر وما تبعها من مواقف, لهذا دعا
الرئيس بوش أركان حربه في مجال الاعلام والاتصال لاجتماع مهم عقده
في قاعة المعاهدات بالطابق الثاني من السكن الرئاسي بالبيت الأبيض,
ضم الاجتماع كبيرة مستشاريه الاعلاميين كارين هيوز وسكرتيره الصحفي
(وهو بمثابة وزير الاعلام) آري فلايشر و(دان بارتليت) كاتب الخطب
الرئاسية, وكان الى جوار الرئيس بوش أيضا مستشارته للأمن القومي
كوندوليزا رايس, وفي الاجتماع أصدر الرئيس توجيهه الى كبيرة مستشاريه
الاعلاميين قائلا : كارين, أنت من الآن مسئولة عن أسلوب التغطية
الاعلامية لهذه الحرب.
|
|