قضايا ساخنة

مناقشات عراقية ساخنة لمبادرة السيد حسن نصر الله للمصالحة بين المعارضة والنظام
بوابة المصالحة الحقيقية هي قيام حكومة الإنقاذ الوطني

علاء اللامي

خلقت المبادرة التي أطلقها السيد حسن نصر الله الأمين العام لحزب الله اللبناني للمصالحة الوطنية العراقية بين المعارضة والنظام تفاديا للحرب التي تزمع الإدارة الأمريكية شنها على العراق, لغطا كبيرا بين الكت اب والصحفيين والمثقفين العراقيين بين مؤيد ومعارض, ونعرض فيما يلي مناقشة أربعة مثقفين عراقيين للمبادرة, تنادلها كل منهم من زاوية مختلفة وفق موقف مختلف.

لقد كانت ردة فعل الكثيرين من عناصر
وكتبة المعارضة وبعض قليل من الأحزاب والتنظيمات المعارضة التي تجرأت
وعلقت على النداء مؤسفة جدا
ولا تتسم بالموضوعية في أغلبيتها الساحقة

نصف الإجابة على السؤال تكمن في طرحه بشكل صحيح. هذا ما قاله أحد قدماء المناطقة ولا يبدو انه جانب الصواب إذا ما أخذنا بنظر الاعتبار ان مسألة الصحة والخطأ ستكون على قدر كبير من النسبية حين يتعلق الأمر بالشأن الاجتماعي السياسي وتجلياته التاريخية المعقدة.
لقد جاء النداء الذي أطلقه سماحة السيد حسن نصر الله, الأمين العام لحزب الله اللبناني, لعقد مصالحة وطنية بين النظام العراقي والمعارضة مفاجئا, جريئا, وملتبسا بعض الشيء, وفي توقيت سياسي حرج إن لم يكن قد تأخر كثيرا. وهو الى هذا وذاك تضمن عددا من المقدمات الصحيحة والتي لا يمكن القفز عليها, منها مثلا: ضرورة ان يعترف النظام بأن هذه المعارضة لها جماهيرها وأنصارها وهي تمثل شاء أم أبى, فئات واسعة من الشعب العراقي, وضرورة ان تدرك المعارضة ان حل الاشكال العراقي الداخلي لصالح الشعب مثل سحب البساط من تحت أقدام الغزاة الأجانب وإفقادهم المبررات المجانية التي يرفعونها لترويج عدوانهم. غير ان تشبيه السيد نصر الله هذه المصالحة الواردة في النداء باتفاقية الطائف لحل المشكلة اللبنانية كان للأسف في غير محله من الناحيتين السياسية والمجتمعية. فالمشكلة في العراق ليست مشكلة طائفية من النوع اللبناني, بل هي مشكلة سياسية بحتة وصراع حول قضية الديموقراطية السياسية اولا وأخيرا, بين النظام الاستبدادي الشمولي وبين الشعب بكافة طوائفه وقومياته وطبقاته. وبكلمات اخرى, فإن النظام في الحالة العراقية لم يكن سنيا ضد الشيعة او اسلاميا ضد المسيحيين كما قد يتصور البعض, كما ان المجتمع العراقي لم يكن في يوم ما منقسما طائفيا انقساما تاما ونهائيا من حيث الهوية والانتماء, صحيح إن هناك طائفة شيعية وأخرى سنية وثالثة مسيحية ورابعة صابئية, ولكن الطائفة شيء والطائفية شيء مختلف, وهذه من بديهيات الحالة التي تعلمناها من المأساة اللبنانية. ومن الصحيح أيضا ان نفي الطابع الطائفي للنظام لا يعني عدم وجود محاباة لطائفة على حساب أخرى, كما لا يعني عدم وجود غبن فادح للطائفة الشيعية تحديدا, غير ان الغبن والمحاباة يندرجان في عموم السلوكيات الناتجة عن نزوع طائفي لدى بعض عناصر ورموز النظام المعروفة, ولكنهما المحاباة والغبن ليسا كل شيء في تحديد طابع النظام السياسي الحاكم ووصفه بأنه نظام طائفي متكامل.
الأدلة على هذه المقدمة كثيرة جدا ومنها: عدم وجود مؤسسات سياسية حاكمة وأنظمة مكتوبة ومستخدمة, قائمة على أساس التفريق او التمييز او التمايز الطائفي في العراق, كما ان قمع النظام طوال اكثر من ثلاثين عاما لم يستثن مكونا واحدا من مكونات المجتمع, فجميع العراقيين من عرب وكورد وتركمان وكلدان, وطائفيا من الشيعة والسنة والمسيحيين والصابئة.. الخ, نالوا نصيبهم من القمع ومصادرة الحريات العامة والخاصة, من ناحية اخرى فقد انتظم في صفوف مؤسسات النظام الأمنية والحزبية عراقيون من جميع الطوائف والإثنيات المذكورة ايضا , لا بل ان الحزب الحاكم من حيث مؤسسيه وقيادته التاريخية قبل انقلاب 17 تموز 1968هو حزب شيعي (على أساس انتماء الافراد الأسري) شأنه في ذلك شأن الحزب الشيوعي والاحزاب العراقية الاخرى جميعا بفعل الغلبة المجتمعية للعرب الشيعة وليس لسبب آخر.
على هذا, وبسببه, لا يمكن الانطلاق من مضامين اتفاق الطائف الخاص بالحالة اللبنانية الناتجة عن واقع صراعي مختلف المنشأ والمسارات بهدف مقاربة واقع الانقسام والصراع السياسي الطبقي في العراق, وأفصح ما يقال هنا هو ان سماحة السيد حاول تقريب فكرته الجوهرية التي قام عليها نداؤه الى سامعيه اللبنانيين عن طريق التذكير او التشبيه باتفاق الطائف اللبناني لا أكثر ولا أقل, وسماحته في جميع الاحوال حاز حسنة الاجتهاد المشفوع بالغايات والنوايا النبيلة إن لم يكن قد حاز حسنتي الاجتهاد والإصابة فيه.
لقد كانت ردة فعل الكثيرين من عناصر وكتبة المعارضة وبعض قليل من الأحزاب والتنظيمات المعارضة التي تجرأت وعلقت على النداء مؤسفة جدا , ولا تتسم بالموضوعية في أغلبيتها الساحقة, فباستثناء مقالة واحدة أنصفت النداء وصاحبه ودعت الى تقليبه وليس الى ركله (مقالة لجمال البيدر), جاءت مقالات المعارضين العراقيين غاضبة ومتشنجة وعديمة المضمون والعمق الى درجة فاضحة. لقد بلغ أحد دعاة الحرب والموقعين على بيان العشرين الداعي لتدمير العراق مدى معيبا في التنفيس عن غضبه وتشنجه الى درجة تشبيه السيد نصر الله بعمرو بن العاص (مقالة لعبد الخالق حسين) مع معرفته كعراقي بمقدار الأذى والسوء الذي يمكن ان يتسبب به هذا التشبيه لسماحة السيد والمجاهد الكبير, فماذا يمكن ان يقول المرء عن كاتب سياسي طاعن في السن كهذا الشخص ولكنه يكتب بلغة الردح الشبابية والتشبيهات الممجوجة?
لقد بلغت ردود افعال عدد من المعارضين العراقيين, ومن الاسلاميين الشيعة تحديدا, ومن دعاة شن الحرب على بلادهم, هذه الدرجة المؤسفة من ضياع المقاييس والعمى الأخلاقي حتى وصلوا الى الإساءة الى مطلق النداء, وهو الرمز الاول من رموز المقاومة العربية الاسلامية وهازم الصهاينة في جنوب لبنان? اي تفسير يمكن ان يقارب الحقيقة لردة الفعل هذه ويجعل تفهمها وفهمها أمرا ممكنا? أعتقد شخصيا أن تفسيرا كهذا والذي قد لا يستوعبه غير العراقيين, ناتج في الأساس من تراكمات القمع الدموي الفظيع, والذي لا مثيل له على امتداد التاريخ العربي الاسلامي الذي مارسه النظام, وخصوصا في سنواته الأخيرة, بحق الشعب العراقي, وسيظل تفهم واستيعاب الحالة البسيكولوجية والسياسية السائدة عراقيا أمرا صعب المنال من قبل العرب غير العراقيين.
وبالعودة إلى جوهر النداء موضوع الحديث, يجد الراصد والمحلل أن دوافعه وأسبابه تنحو منحى نبيلا ولصالح الشعب العراقي وليس لصالح النظام على المدى البعيد, وذلك لأن الطرف الوحيد المستفيد من مصالحة حقيقية تنهي الدكتاتورية كنمط في الحكم والحياة السياسية هو الشعب العراقي, وأن النداء كان سيشكل إحراجا ومأزقا سياسيا ضاغطا على النظام لا على المعارضة, غير أن المعارضين العراقيين بادروا وتبرعوا بتقديم هدية ثمينة للنظام برفضهم الشامل والمتشنج للنداء, مما رفع الحرج عنه وجعله يظهر بمسوح الضحية ولسان حاله يقول: ليس ثمة من نتحاور او نتصالح معه فالجميع في المعارضة يريدون القضاء علينا بقنابل الأميركان!
ولكنه لم يجد حاجة حتى إلى قول ذلك, ولم يعلق ببنت شفة على المبادرة (النداء) بسبب رعبه من كل ما من شأنه ان يضع احتكاره للسلطة بقوة القمع موضع نقاش او تساؤل!
ومن جملة ردود الأفعال على النداء, يمكن لنا ان نتوقف فاحصين ومحللين عند مجموعة من الآراء التي طرحها أحد اكثر الاطراف العراقية المعارضة صخبا وضجيجا ورفضا لفكرة ومضمون الحوار والمصالحة, ولكن وفق شعار (كلمة حق يراد بها باطل) ألا وهو المجلس الأعلى للثورة الاسلامية بقيادة الشيخ باقر الحكيم. ففي برنامج حواري بثته قناة (المنار) مساء الاربعاء 12/2/2003 ذكر السيد بيان جبر عضو المكتب السياسي للحزب المذكور ان حزبه لا يرفض المصالحة, ولكن لسنا مع مصالحة بين المعارضة والنظام بل مع مصالحة بين مكونات المجتمع العراقي الطائفية والقومية!
وهذا كلام يقربنا من الجوهر المرفوض للحل الطائفي الذي يبحث عنه ذوو الأوهام الطائفية في بلد لا يحتاج اليه. إن هذا الرد على فكرة المصالحة يعكس أمرين: أولهما التقيد الاجباري بالخط الأحمر الاميركي الذي يرفض رفضا قاطعا اي امكانية للتغيير السلمي الداخلي الشامل في العراق, وثانيا هو يعكس أوهام طائفية ما زالت تعشعش في قيادات بعض الاحزاب التي تستمد مبررات وجودها من النزعة الطائفية وليس من الانتماء الوطني العراقي.
بمعنى, ان هذا الرد هو تبرري وشكلي اولا وأخيرا , فبدلا من البحث عن مصالحة بين مكونات مجتمعية لا وجود لأية امكانية للشروع بها الآن, وليست هي جوهر الموضوع, كان يمكن المضي الى قلب المشكلة رأسا والقول من منطق معارض وطني وديموقراطي ان المصالحة إن كانت تحدث فعلا بين أعداء او خصوم (كما ذكر المحاور اللبناني في برنامج المنار) فلا بد اولا ان تتوقف حالة الحرب او الصراع بين الطرفين غير المتكافئين هما الدولة المسلحة والمجتمع الأعزل, أما والنظام الحاكم ما زال يواصل قمعه وحربه ضد معارضيه فمن سيتبرع بدور المنتحر سياسيا وجسديا ? ومن الصحيح إذن القول, أن النظام متى ما كف نهائيا وبوجود الضمانات الدولية عن هذه الحرب القمعية ضد الشعب وشرع بإزالة آثار قمعه وأعاد الاعتبار لمئات الآلاف من ضحاياه وأطلق سراح آلاف اخرى ما زال يخفيهم حتى الآن, وفكك المؤسسات والمنظمات والمليشيات القمعية فسيكون الوقت قد حان له ولمعارضيه فعلا للكلام عن مصالحة وطنية وتغيير سلمي شامل يؤدي إلى الانتقال نحو الديموقراطية. وقد تطرق المتحاوران إلى مسألة الاعتراف المتبادل بين النظام والمعارضة, ولكن من وجهة نظر تبريرية وشكلية هي الاخرى, فبدلا من الغرق في موضوع هل يجب أن تعترف المعارضة بالنظام أم لا, وهل يجب أن يعترف النظام بالمعارضة او لا? كان من المفيد والحاسم التفريق بين الاعتراف بالوجود والاعتراف بشرعية الوجود. ومثال الكيان الصهيوني قريب من الذاكرة, فهذا الكيان موجود فعلا من الناحية المادية والسياسية ولا ينكر وجوده إلا المجانين, ولكن هل هذا الوجود مشروع تاريخيا وسياسيا وأخلاقيا? الأمر ذاته يمكن قوله بخصوص موضوع النظام والمعارضة, فكلاهما موجود ولكن هل هذا النظام شرعي من الناحية السياسية والتاريخية أم أنه منتوج انقلاب عسكري وأنه ما زال يستمد مبررات وجوده من قوة القمع المسلح?

كاتب عراقي

قلبوا مبادرة نصر الله قبل أن تركلوها

جمال البيدر

بين ليلة وضحاها اصبح السيد ابو هادي شيطانا بعد ان كان رحمانا للامة الاسلامية حيث استطاع ان يفعل بالقوات الاسرائيلية ما لم تفعله جيوش دول عربية طوال نصف قرن فتفر من جنوب لنبان على ادبارها ولم تعقب, وبعد ان كان ولده الشهيد هادي نصر الله يتلقى الرحمات كلما ظهر والده على الشاشة الصغيرة راح الوالد ووالد الوالد يتلقى اللعنات كأن شيطانا طلع بقرنه من بين ايونات الشاشة الفضية!!
عجيب امر البعض من المسلمين , رفعوا السيد الخميني الى مرتبة الامامة وصوروه على وجه القمر , ثم راحوا بعد فترة يتبركون بلعنه ويترحمون على شاه ايران السابق.
عجيب امر البعض تنادوا الى طرح مرجعية السيد علي السيستاني دفعا لاي محاولات هنا وهناك لطرح مرجعية اخرى خارج اطار حوزة النجف الاشرف ثم تداعى البعض الى لعنه بعد ان افتى بحرمة الوقوف الى جانب امريكا في حربها ضد العراق وبعضهم خفف من غلوائه بان كذب الفتوى متخذين من انفسهم اوصياء على المرجعية.
عجيب امر البعض!! عندما طرح السيد محمد صادق الصدر مرجعيته واستفاد من اجواء الحملة الايمانية التي اطلقتها بغداد

في نشر الوعي الديني والايماني عبر صلوات الجمعة , اتهموه بالسذاجة والعمالة وحرضوا الشباب العراقي على قتله بمنشوراتهم التي كانوا يطبعونها في ايران ويوزعونها في العراق , وعندما مات غيلة مع اثين من انجاله اقاموا الفواتح على روحه!
عجيب امر البعض من العراقيين , اتهموا الشيخ جمال الوكيل امين عام حركة الوفاق الاسلامي بالسذاجة والسفه والسخف عندما اعلن في مؤتمر لندن عن مشروع عفو عام عن صدام وحاشيته مقابل اعتذار الرئيس العراقي من الشعب العراقي , وانتصف البعض له عندما كشف عن حجم الاستبداد الذي يعشش في اروقة المجلس الاعلى للثورة الاسلامية في العراق , فاذا كان ساذجا وسفيها فلا يعتد بكلامه لا هنا ولا هناك.
عجيب امر البعض من المعارضة , اجروا جولات ماراثونية بدفع خارجي الى عواصم الدول المحيطة بالعراق , وعندما اجتمعت الدول الست في تركيا وخرجت على الحكومة العراقية بعرض يدفع بالحرب بعيدا يقضي الى اجراء مصالحة وطنية , تبخرت كل اثار الجولات والزيارات وصارت الدول الست في نظر هذا البعض دولا معادية للشعب العراقي.
اعتقد ان الاجدر بقادة المعارضة العراقية ان تستفيد من هذا الطرح الذي تعمد السيد حسن نصر الله عرضه في الوسط الدبلوماسي الايراني في بيروت , لدراسته من كل جوانبه وبيان الضرر والنفع. فاذا كان من غير المعيب ان تدخل العمامة وبعض رؤوس المعارضة (10) دوانغ ستريت وتتزاحم بشكل معيب على اخذ صورة تذكارية مع رئيس الوزراء البريطاني توني بلير, واذا كان من غير المعيب ان تلتقي العمامة وبعض اقطاب المعارضة القديمة والمدفوعة للمعارضة عرضا بالادراة الامريكية المتهمة اصلا بخلق نظام صدام حسين , واذا كان من غير المعيب ان تلتقي بعض القيادات العراقية المعارضة سرا او علنا بمسؤولين ودبلوماسيين اسرائيليين في تل ابيب وواشنطن ولندن , فمن غير المعيب ان تلتقي المعارضة مع القيادة العراقية وتتفقان بضمانة عربية واسلامية ودولية على مصلحة الشعب العراقي لا مصلحة الغرب ومصلحة بعض دول الجوار التي لا تريد الخير اصلا للشعب العراقي.
واذا كان الوسطاء مع امريكا وبريطانيا واسرائيل افندية فان الوساطة ربما تكون هذه المرة معممة , فالحرج اقل. شخصيا ارى انه من الاسلم لشعبنا ان تتلمس المعارضة العراقية مبادرة السيد حسن نصر الله بصدر رحب وواسع كما على الحكومة العراقية ان تظهر قبولا ازاء هذه المبادرة وتتفاعل معها بصورة ايجابية , لتستمع المعارضة ولو مرة واحدة لصوت الحل السلمي بدل الدماء المهراقة منذ اربعين عاما .
قلبوا مبادرة نصر الله ولا تركلوها لعل فيها نصر الله.

نصرالله يقوم بدور عمرو بن العاص

د. عبدالخالق حسين

كنا ومازلنا نحمل كل الاحترام لرجل الدين طالما بقي متمسكا بتعاليم الدين وواجباته الأخلاقية والروحية في توجيه الناس وفق التعاليم الخيرة. أما إذا اختار رجل الدين أن يزج بنفسه في السياسة, فعليه أن يتوقع ما يتعرض له السياسي من محاسبة ومراقبة ونقد من المجتمع على أفعاله وأقواله وقد يصل الأمر به في الدول الديمقراطية إلى الرجم بالبيض الفاسد والدخول في السجون, أما في بلدان العالم الثالث, حيث العنف السياسي, فقد يتعرض إلى أشد من ذلك بكثير وقد يكلفه حياته. وطالما اختار نصرالله أن يكون رجل سياسة والتدخل فيما يعنيه وما لا يعنيه, فعليه أن يتوقع المحاسبة والنقد كما يتعرض لهما أي سياسي آخر.
لا أعرف كثيرا عن السيد حسن نصر الله لأنه ليس ضمن قائمة أولوياتي, ولكني أعرف أنه رجل دين من المذهب الشيعي وزعيم لحزب الله في لبنان. وهذا يكفي ليجعلني أن أتوقع منه, كغيري من الشعب العراقي المظلوم, أن يقف ضد الطغاة وينتصر للمظلومين وذلك لعلمنا بما عاناه شيعة لبنان من الظلم على مختلف العهود. وكذلك أتوقع من نصر الله أن يعرف جيدا أن العراقيين هم ضحايا النظام الصدامي الفاشي الجائر, والعراقيون كانوا يأملون منه أن يقف إلى جانبهم في هذا الوقت العصيب. ولكن, ويا للخيبة, فقد اختار نصرالله, بملء إرادته, أن يخذلهم ويقف إلى جانب جلادهم لإنقاذه من زواله المحتم وخلاص الشعب العراقي من جوره ومحاولته لإنقاذ النظام وهو آيل للسقوط في اللحظات الأخيرة.
إن موقف نصر الله في انتصاره للطاغية وخذلانه للشعب العراقي يذكرنا بسابقة مؤلمة في التاريخ الإسلامي المليء بالدروس

والعبر. ففي حرب صفين ولما كان جيش الإمام علي (ع) على وشك أن يحقق النصر المبين وإلحاق الهزيمة المنكرة بجيش معاوية, لمعت فكرة جهنمية في رأس عمرو بن العاص الذي أشار برفع المصاحف على أسنة الرماح والدعوة إلى التحكيم. ورغم تأكيدات الإمام لأتباعه وتحذيره لهم من أنها خدعة لإجهاض النصر, إلا أنه برز الخوارج في معسكر الإمام بقيادة الأشعث بن قيس وفرضوا على الإمام القبول بالتحكيم وأرسلوا أبا موسى الأشعري للتحكيم مع المخادع عمرو بن العاص وكان ما كان في إجهاض النصر الذي كان على قاب قوسين أو أدنى من معسكر الإمام وأحالوا دون هزيمة معسكر بني أمية. ومنذ ذلك الوقت تغي ر اتجاه التاريخ الإسلامي بمائة وثمانين درجة لصالح الشر.
إن دور عمرو بن العاص يلعبه اليوم السيد نصرالله زعيم حزب الله في لبنان في دعوته إلى المصالحة مع صدام حسين ونظامه البعثي الفاشي, كمحاولة منه لإنقاذه وهو على وشك أن يلفظ أنفاسه الأخيرة. كما برز العشرات ليلعبوا دور الأشعث بن قيس والأشعري من أمثال الكبيسي والربيعي والرفيعي والركابي ومن لف لفهم من المعارضين المزيفين للنظام. فرغم علمنا بأن دور هؤلاء في تغيير مسار الأحداث أقرب إلى الصفر عدا ضجيجهم العالي بحجة الخوف على الشعب العراقي من "القصف النووي" كما يزعمون, فهؤلاء لا يقدمون ولا يؤخرون في الأمر شيئا وكما قال الشاعر:
ما زاد حنون في الإسلام خردلة
ولا النصارى لهم شغل بحنون
إن نصرالله وغيره من المدمنين على كراهية أمريكا والغرب, يريدون من الشعب العراقي أن يدفع بدمائه الزكية تكاليف هذا الإدمان. لا نريد أن نعدد مظالم النظام الفاسد ومعاناة شعبنا, لأنها باتت معروفة للعالم وليس بإمكان نصرالله أن ينكرها. لذا يكفي أن نسأل هؤلاء: ما الذي سيخسره الشعب العراقي إذا حاول الاستفادة من المستجدات التي حصلت في السياسة الدولية بعد كارثة 11 أيلول/ سبتمبر التي أجبرت أمريكا إلى تغيير سياساتها الخارجية والعمل للقضاء على المنظمات الإرهابية والأنظمة الديكتاتورية التي خلقتها ودعمتها في الماضي وبعد أن انقلب السحر على الساحر اكتشفت أمريكا أنه قد حان الوقت للخلاص منها.
نحن لا يهمنا أن تكون غاية أمريكا في القضاء على النظام خدمة لأغراضها الأمنية في القضاء على ترسانة سلاح الدمار الشامل للنظام, ولكن ما يهمنا هو ما ينتج عن هذه الحرب كتحصيل حاصل وهو خلاص شعبنا من نظام القتلة. فمثلنا كمثل الألمان مع هتلر في الحرب العالمية الثانية. إذ نعرف إن كان غرض الحلفاء في الحرب هو القضاء على النازية وخطرها على السلام العالمي وليس لإنقاذ الشعب الألماني بالدرجة الأولى, ولكن كان الشعب الألماني هو المستفيد الأكبر من النتائج والآن تعتبر ألمانيا من الدول الصناعية والديمقراطية الكبرى. وكذلك الأمر فيما يتعلق بالشعب العراقي. أما قيام نظام ديمقراطي في العراق بعد سقوط النظام, فهو من مسؤولية الشعب العراقي ومعارضته الوطنية ونحن متفائلون بالمستقبل إلى أبعد الحدود. ونؤكد للناقرين على طبول الحرب "النووية" أن الحرب القادمة ستكون محدودة وقصيرة جدا وسوف يسقط النظام عند سقوط أول قنبلة عليه, وكل ما ينتظره شعب العراق وجيشه هو التأكد من أن أمريكا فعلا جادة لإسقاطه. وستكون القنبلة الأولى هي الإشارة والبيان الأول. وعندها سيهب الشعب العراقي وجيشه لإنجاز الباقي. وسيفاجأ العالم بما أكدناه مرارا وتكرارا أن النظام كان نمرا من ورق, وأن الشعب العراقي سيعبر عن فرحته الكبرى بالخلاص من هذا النظام الهمجي المتخلف وإلى الأبد.


للإتصال بالإتجاه الآخر