كتاب دائمون
علي الجفال
سعد محيو
هالة جديد

 

















 

 

 

 









هنا نلتقى
رامبو في علاوي الحلة

ترتبط صورة الجندي الأمريكي بالأفلام الحربية التي أنتجتها استوديوهات هوليود عن حروب أمريكا وخاصة حربها مع فيتنام التي أنفقت مئات الملايين من الدولارات من أجل أن تمسح من ذاكرة العالم خساراتها المتفاقمة على مستوى القتال مع الفيتناميين وعلى مستوى ازدراء الرأي العام العالمي لسياساتها في ذلك الوقت, ولترسخ بالمقابل صورة الجندي الأمريكي, الأسطورة التي لا تقهر والذي يستطيع أن يقضي على جيش جرار بمفرده وبرشاشاته المصنعة في أمريكا والتي لا ينضب رصاصها على الإطلاق.
وهكذا ولدت شخصيات مثل روكي ورامبو رسمت صورة للجندي الأمريكي العملاق صاحب العضلات التي تكاد تتفجر وساعد على رسمها بهذا الشكل ممثلون قادمون من رياضة بناء الأجسام مثل سلفستر ستالون الذي قام بتمثيل هاتين الشخصيتين في سلسلتين من الأفلام تحمل الاسمين ذاتهما.
وفي الأخبار التي تتداولها وسائل الإعلام أن إدارة الرئيس بوش استكملت حشد ما يزيد على مائة وخمسين ألف جندي أمريكي في الكويت وقطر والبحرين استعدادا لشن حرب على العراق والإطاحة بنظام الرئيس صدام حسين, وفي الأخبار أيضا , أن خطة الهجوم الأمريكي تعتمد على قصف جوي مكثف يتبعه هجوم بري ينطلق من مناطق تواجد القوات الأمريكية ومن مناطق داخل العراق سيتم فيها إنزال جوي, لتطويق بغداد والقضاء على النظام فيها, وتتداول الأخبار فيما تتداول أن القادة النفطيين في إدارة الرئيس بوش الذين يسيل لعابهم لمرأى آبار النفط الموزعة على معظم محافظات العراق, سيبقون هذه القوات بحدود السنة ونصف السنة تحت قيادة الجنرال توم فرانكس الذي سيقود عموم العراق وليس القوات الأمريكية فقط, من أجل الحفاظ على أمن العراق وعلى أمن آبار نفطه التي هي ملك للشعب العراقي على حد تعبير وزير الخارجية الأمريكي كولن باول الذي لم يحدد من الذي سيستفيد فعليا من هذا (الملك) هل هو المالك أي الشعب العراقي أم الأمريكان..
إلا أن ما لم تتداوله الأخبار ووسائل الإعلام أن الثقافة العراقية مبنية على العداء للإمبريالية والاستعمار اللذين كانا وما زالا المادة الدسمة في أدبيات الأحزاب والحركات السياسية العراقية بيسارها ووسطها ويمينها, ومعروف أن الولايات المتحدة هي الوجه الأنصع للإمبريالية والاستعمار خصوصا بعد أن وجدت نفسها القطب الأوحد الذي لا منافس له في العالم, وبالتالي فإن العداء المترسخ في الذاكرة الجمعية العراقية للإمبريالية والاستعمار ستجد لها تطبيقا حيويا مجسدا في الولايات المتحدة وقواتها المنتشرة في شوارع وأزقة ومدن العراق, مما يضع احتمالا قويا لمواجهات بين العراقيين وتلك القوات (الغازية).
إن مثل هذه المواجهات ستولد صدمة مزدوجة للطرفين, العراقيين من جانب والجنود الأمريكان من جانب آخر, فالعراقيون الذين سيحسبون ألف حساب للجندي الأمريكي المرسوم في مخيلتهم على طريقة روكي أو رامبو ببندقيته ذات الطلقات التي لا تنتهي سيصدمون برؤية الجندي الأمريكي الحقيقي الذي قد يكون طويلا أو قصيرا , بدينا أو نحيفا , أبيض أو أسود, وبرشاشته التي لا تختلف كثيرا عن الكلاشنكوف التي قل أن يخلو بيت عراقي منها, أما الجندي الأمريكي فإنه سيصدم من الصورة المرسومة له والتي سيراها تتحطم أمام ناظريه, وما بين الصدمتين, أعتقد أن أبناء (الملحة) الذين عبثوا مع الموت طيلة السنوات الثلاث والعشرين الأخيرة, سيجدون متعة بالعبث مع رامبو إذا ما سولت له نفسه بالتجول في الأعظمية أو علاوي الحلة أو فضوة عرب, وهذا سيحدث طبعا إذا ما أقدمت الإدارة الأمريكية على المغامرة باحتلال العراق فترة أبعد من أيام الحرب.عراق


alijaffal@maktoob.com

العالم دوت كوم
إيليا حريق: "الإسلام الرابع"

ليس ثمة موضوع شغل البلاد الإسلامية والعباد المسلمين, مثل علاقة الإسلام بكل من ا لحداثة والديمقراطية والعلمنة.
وليس هناك مسألة استغرقت كل الفكر في مشارق العالم ومغاربه, مثل علاقة الإسلام بالحضارة الحديثة.
وكما يقول محمد عابد الجابري عن حق, انقسم المجتهدون في هذه القضايا إلى ثلاث مدارس:
مواقف (عصرانية) تدعو إلى تبني النموذج الغربي بوصفه نموذجا للعصر كله, أي النموذج الذي يفرض نفسه تاريخيا كصيغة حضارية للحاضر والمستقبل.
ومواقف سلفية تدعو إلى استعادة النموذج العربي - الإسلامي كما كان قبل (الانحراف) و (الانحطاط) أو على الأقل الارتكاز على هذا النموذج لتشييد نموذج جديد يحاكي القديم, في الوقت نفسه الذي يقدم فيه حلوله ا لخاصة لمستجدات العصر.
ومواقف انتقائية تدعو إلى الأخذ ب- (أحسن) ما في هذين النموذجين معا والتوفيق بينهما في صيغة واحدة تتوافر لها الأصالة والمعاصرة في آن.
بيد أن الجابري لم يلتفت إلى مدرسة إسلامية رابعة: تلك التي لا تحاول التوفيق بين الأصالة أو الحداثة بل نجد في الإسلام نفسه كل القيم الحديثة التي تستند إليها العصرنة.
النجم البارز في هذه المدرسة هو الكاتب اللبناني إيليا حريق, الذي نشر مؤخرا كتابا عن تحديات الحداثة في داخل الحضن الإسلامي, وهو كان كتابا مثيرا بالفعل.
كيف?
يخصص الكاتب النصف الثاني برمته من مؤلفه لبحث كل القضايا المتعلقة بالحداثة والإسلام على النحو الآتي:
- الديمقراطية والأيديولوجيات الدينية.
- مسألة المعرفة والحداثة والعلمنة: الظاهرة الإسلامية.
- الديمقراطية وآليات التحول في المجتمع الإسلامي.
- السياق التاريخي للعلمنة في المجتمعات الإسلامية.
- وأخيرا الديمقراطية والتحديثيون الإسلاميون.
وراء كل محور من هذه المحاور الرئيسية, يقتحم حريق بنيان الجدل القديم بجرأة وسلاسة ليفاجىء الجميع بما لم يكونوا ليتوقعوه, الإسلام والحضارة الإسلامية نفساهما, يردان بالإيجاب على كل القضايا التي يطرحها العصر. وهذا لا يشمل فقط المواقف من الديمقراطية, بل من العلمنة نفسها.
وهذا ما يذكرنا بسرعة بالمستشرق الكبير مارشال هودجسون, الذي وضع الحضارة الإسلامية في أعلى مراتب الحضارات العالمية.
على سبيل المثال, يرد حريق على ما يقال حول عدم وجود تجانس بين الإسلام والديمقراطية بقوله: (ليس هناك ما يبرر منطقيا القول إن الحضارة الإسلامية مسؤولة عما لم يحصل, فهذا استنتاج فاسد لا مبرر له, صحيح أن الحضارة الإسلامية أعلت تاريخيا من شأن الوحدة, لكن الصحيح أيضا أن التاريخ الإسلامي يعج بالمزايا المتجانسة مع الديمقراطية).
وعن العلمنة: (برغم شمولية الإسلام, فإن المجتمعات الإسلامية سلكت -تاريخيا - في اتجاه استقلال الدولة عن وظائفها, عن القيود العقائدية والشرعية التي لم يبق فاعل منها سوى الأحوال الشخصية. وقد كان العثمانيون هم السباقين من بين المسلمين في تبني هذه الثنائية).
ويرى حريق أنه آن الأوان لأن نكف عن الانقياد للنزعة الرئيسية عند الاستشراقيين الغربيين الذين اعتبروا الإسلام ظاهرة فريدة خارجة عن الأنماط الحضارية في سائر العالم, فتعاملوا معه ككل متكامل بذاته وغير قابل لمنهج التفكيك والمقارنة مع غيره من الحضارات.
والغريب هنا (يضيف) أن رجال الفكر المسيحي واليهودي أيضا , في إطار ظاهرة الاستشراق, كانوا وما زالوا ناشطين كالمسلمين في عملية التحديث وجعل القوالب الدينية ونصوصها تتماشى مع روح العصر. لقد اعتمد المسيحيون واليهود على التفسير والتأويل تماما كما فعل المسلمون سابقا واليوم
والخلاصات التي يتوصل إليها حريق هي الأكثر إثارة هنا, إذ يرى أنه (برغم النزعة العفوية إلى اعتبار حركة التاريخ تسير على خط مستقيم, إلا أن التحول الجاري والمستقبلي في المجتمعات الإسلامية, لن يمر عبر القنوات ذاتها التي مرت بها أوروبا, بل نراه يأخذ الطابع ذاته الذي درج عليه المسلمون سابقا , وهو توسيع نطاق التصرف الحر من دون التعرض المباشر إلى الدين أو رفضه).
قد يرى البعض أن مقدمات إيليا حريق, هي نفسها استنتاجات إدوارد سعيد في (الاستشراق).
لكن الصورة ليست كذلك, فإدوارد غرق حتى أذنيه في نبش الماضي الاستشراقي لكشف طبيعته السياسية, فيما حريق مهتم أساسا بالمستقبل.
ومثل هذا التمييز لا يعني المفاضلة بين سعيد وحريق, فكل منهما يكمل الآخر, وكل منهما يؤكد لمحمد عابد الجابري أن ثمة بديلا رابعا وأكثر تطورا وراهنية من تقسيماته الثلاثية.

smehio@terra.net.lb

المنبر المخملي
الجيل الضائع
بين العبقرية والفوضى


أهوال الحربين العالميتين لم تحجب سطوع نجمتين بزغتا إبان أحلك حقبتين شهدتهما البشرية. مصممة الأزياء الفرنسية (كوكو شانيل) التي غزت القارة الأوروبية بمقصها الذهبي, تطلق صيحات الموضة بترف العطور وأناقة المظهر, لتجمل بصمتها عالما أفسدته الحروب. لكن احتراما لظروف الزمان والمكان, ولفترة حداد ما تزال قائمة على ملايين الضحايا لابد من تنحية كماليات كوكو شانيل, واستحضار روح القلم بطيف الرائدة (جرترود شتاين) التي كتبت لأجيال النكبات وخيبات الأمل.
- الجيل الضائع تسمية عممتها شتاين للتعريف بواقع عاصرته فشاع هذا الوصف مصطلحا أدبيا يتجدد على ألسنة الخطباء وأقلام الكتاب.
- ولاية بنسلفانيا الأمريكية شهدت مولد جرترود شتاين عام ,1874 وعلى أرض وطنها تفتحت براعم مواهبها تضرج بألوان فاقعة رسومات هندسية متشابكة أثارت الاستهزاء لخروجها عن قواعد المدرسة الكلاسيكية. وبقدر ما اكتنف فنها من شذوذ وغموض سكبت قريحتها ما يتميز بالصراحة والوضوح.
- (الأدب لا يطعم خبزا والفن لا يحصد بيدرا ) بتلك النصيحة همس والدها وهو التاجر الذي ينأى تفكيره عن مقارعة المستقبل بصياغة عبارة أدبية أو تصويره بعشوائية لوحة.
- أمام توسلاته انصاعت لرغبته بالالتحاق بكلية الطب, وقبل أن تقع في أسر مهنة ستطبق على طموحها, انسحبت من موقعها, تنشد الآفاق الرحبة في قسم الفلسفة وعلم النفس, لتطل على الساحة الأدبية برواية (ثلاث نساء), فأشار إليها النقاد بنمنمة لدنة لا ترقى إلى التماسك المطلوب.
- التوق حيث تتأصل العراقة التي يفتقدها مواطنها الأمريكي كان وراء إبحارها إلى إيطاليا, تجوب متاحفها فأخذت لبها عظمة التراث, وبعدها طرقت لندن فكادت أن تستوطنها, ليثنيها عن عزم البقاء مناخ ضبابي أصابها بالاكتئاب.
- للإشعاع مهبط, وفي باريس عاصمة النور اكتشفت جنتها كما وجد شقيقها (ليو - شتاين) حين سبقها إلى تلك الديار فردوسه, فذاع اسمه كناقد ورسام ذي حس مرهف, بانطلاقة خرجت من ردهة فسيحة يصح وصفها بصالون أدبي يزخر بالمعارض الفنية, وركنا ثقافيا تؤمه النخبة لكنه لم يغلق أبوابه بوجه المبتدئين والمتعثرين. وبهدف الدفع بهم إلى الأمام رفع شعار (مرحى للغرباء قبل الأصدقاء).
- جرترود شتاين أطلت بلوحاتها الجدارية إلى جوار رسومات من إبداع ريشة قاسمتها غرابة نماذجها, فيخال للناظر بأن يدا واحدة قد أنجزت المعرضين لتشهق من أعماقها بعد رؤية التوقيع المذيل باسم بابلو بيكاسو. وعلى صوته استفاقت من ذهولها (الرجال لا ينحنون للسيدات بل يلثمون راحاتهن) وترد جرترود بوداعة (وهن لا يطأطئن أيضا وإنما يرتفعن على رؤوس أصابعهن لتقبيل جبهات العمالقة!).
ويتقدم شاب خجول يدلي برأي مخالف (الهامات قد تنحني حتى الركبتين إجلالا لانتفاضة قلم مبدع أو لجماد يكاد أن يثب من خلال لوحة) وما صاحب التعليق سوى آرنست همنغواي حين كان مراسلا لإحدى الصحف الكندية في باريس.
في صالون الأخوين شتاين تعانقت أحلام الجيل الضائع, وجميعهم كوادر واعدة في مقتبل العمر, أعاق تقدمهم ما أفرزته الحروب فوقعت عليهم المآسي وبالا .
- آرنست همنغواي كان أكثر البائسين قنوطا , فهو على وشك أن يصبح أبا لمولود تمنى لو لم يبصر النور. وبابلو بيكاسو لا يفتر لسانه عن مناقشة مستقبل الفن المتجدد فوق أنامله. يتساءل بحرقة ترى هل سيكتب لبصمته البقاء?!
بين هؤلاء وقفت (كوكو شانيل) لتخفف من وطأة الظروف بقصة كفاح انبثقت عن أحلام ورقية.
(أنا لا أشعر بالحرج, إذا ذكرتكم بنفسي, فتاة متسولة تشهد على راحتها الممدودة شوارع باريس... كنت أرمق صغيرات ارتدين أحلامي بأثواب زاهية, وفي صبيحة عيد الشعانين أنجزت فستانا من صفائح الورق الأبيض استعيض به عن قماش لا أملك ثمنه. وسارعت بارتداء ما صممته في ظهيرة قارسة البرودة, ليستوقفني خياط من عابري السبيل ويصطحبني إلى مشغله, بعد أن توخى من عزيمتي الخير. م قبض الم قص أنهك طراوة يدي والإبرة ما زالت غرزاتها فوق بناني, وبعد محاولات مضنية تطور وكما ترون وتسمعون اسم كوكو شانيل إلى مشروع عالمي بدار للأزياء انبثق من أحلام ورقية!.
حقبة ما بين الحربين شهدت انقلابا في الموازين, وتصدعا في الثوابت فامتزجت الغرابة بغموض العبقرية... بابلو بيكاسو بتجربته التجريدية أرجح دعائم المدرسة الكلاسيكية وأصبح عالم الأزياء التقليدي بائدا , بابتكار (شانيل) لنمط من الملابس النسائية الضيقة, يصل طولها حتى منتصف الساقين, تلغي بهرجة أثواب منتفخة تطوي وراءها بضعة أمتار من القماش كذيل تجره الأقدام. لقد بحثت شانيل بتركيبة العطور تخضبها بأنواع فواحة من التوابل, لتطغى على أريج الورد. ابتكارها الجديد لاقى كسادا بين العامة, ورواجا لدى النخبة بعطر يشي بالغموض ويضفي إطلالة مخملية.
- الخلية الأدبية وملكتها جرترود شتاين نقلت إلى رواية (البراعم الطرية) رحيقا غريبا لكنه لم يفسد نقاوة العسل.
أسلوب رشيق خفيف يعج بالمصطلحات الجديدة ونقلة رائدة إلى الحداثة, وبصمة متميزة في التبسيط والتكرار لكن دون اجترار. تلك هي سمات أدب (شتاين) في تركة إبداعية أبرزها (نشوء الأمريكيتين) ومسرحية (أربعة قديسين) ومجموعة قصصية (أ م نا جميعا ).
توفيت جرترود شتاين عام ,1946 ولو استبطأها الموت لما أقدم تلميذها آرنست همنغواي على الانتحار إثر نوبة يأس تعيد إلى الأذهان, التسمية التي أطلقتها ذات يوم على أجيال ضاع منها الأمل.

h-jadid@scs-net.org


للإتصال بالإتجاه الآخر