اتجاهات ثقافية

البرابرة والحضارة في العلاقات الدولية

إن نظاما دوليا وحيد القطب بدلا
من نظام متعدد الأقطاب يستند إلى الصراع بدلا من استناده إلى الاستقرار

في استنباطه لما يفترض أن يكون مفهوما جديدا في العلاقات الدولية استخدم المفكر الأميركي المعروف صمويل هنتنغتون تعبير "الحضارة" لوصف وحدة جمعية ثقافية لا تقل سوى مرتبة واحدة عن الوحدة الجمعية الكونية الكبرى وهي الإنسانية. وقد قدم النموذج الذي شكله عن هذا المفهوم على أنه حيادي القيمة, مجرد قطعة من الدراسة غير المنحازة, الغرض منها تأمين إطار قابل للاستخدام في عملية بناء تحليلات عالمية مضبوطة.
أما مارك بي سولتر "باحث وأستاذ مساعد في الجامعة الأميركية بالقاهرة" فهو يقدم في كتابه الذي بين أيدينا عملا نقديا يستطلع قضايا الاستعمار الحديث, إذ يرى سولتر أن نموذج هنتنغتون أبعد ما يكون عن العمل الحيادي القيمة إزاء العلاقات الدولية وأنه بدلا من ذلك عمل يرشح بالمفاهيم الإمبريالية. و"الحضارة" هنا هي الكلمة المفتاح التي يظهر سولتر أنها ليست كلمة لا تاريخ لها إنما هي كلمة مشحونة بإرث فعال. وينطوي هذا الإرث على إحياء للمشاعر الإمبريالية على نطاق جماهيري وهي المشاعر التي تأتي في هذه الحالة مخبأة خلف خطاب العلاقات الدولية, لأن الإمبريالية كمفهوم صريح كانت قد فقدت حظوتها نتيجة للحربين العالميتين. ويرى سولتر أن هنتنغتون في المرحلة القلقة التي أعقبت نهاية الحرب الباردة قد استفاد من نقطة الضعف لدى السياسيين, وهي الحاجة لنظرة ازدواجية إلى العالم يتم بموجبها تبسيط مفهوم العدو وتحويله إلى مجرد كيان أحادي. ومع استخدام كلمات مثل "الحضارة" لن يمر وقت طويل قبل عودة كلمة أو مفهوم "البرابرة" إلى الظهور في الخطاب الجماهيري واللغة السياسية في مجال العلاقات الدولية وهي الكلمة التي سوف تطلق على "الآخر".
في طرحه لوجهة نظره يتجول سولتر في مناطق مختلفة من النظريات والمفاهيم التي تخص بناء الهوية إلى الكيفية التي تقوم فيها الهوية بدورها بتغذية إمبريالية على غرار إمبريالية القرن السابع والثامن والتاسع عشر كطريقة للتعامل مع ذلك "الآخر". كما يرى سولتر أن تلك الإمبريالية قد انهارت تحت وطأة نفاق الحروب البينية الأوروبية عندما كان العدو يشخص في الماضي على أنه ند متساو وعندما كانت الأسلحة والتكتيكات المستخدمة استعمارية. فمن أجل التعامل مع العدو إبان الحربين العالميتين كان لا بد من تضخيم ذلك العدو وتقديمه بصفة "البربري". وقد تمثلت المشكلة في حينه بأن العدو كان قريبا جدا من الناحية الثقافية وأن التكتيكات المطلوبة لتحقيق الفوز كانت استعمارية ومذلة. وهكذا أصبح الأوروبي "بربريا" الأمر الذي أفقد الصورة الإمبريالية لمعانها وبريقها.
يبدأ سولتر بموضوع الهوية ويتصدى لمتابعة الخط الممتد من الهوية إلى العلاقات الدولية, وعبر تقديمه لمختلف مدارس تحليل الهوية يبدي سولتر انتقاده لطريقة هنتنغتون في تفكيك الهوية ويقول "يقدم هنتنغتون تعريفا للهوية يتسم بالأحادية والجمود وعدم القدرة على التغيير ويستند إلى هيكل ازدواجي تبسيطي للذات والآخر".
ويعرض سولتر على نحو مثير للاهتمام, الكيفية التي تغذي بها هذه الازدواجية نظرية هنتنغتون المبدئية حين يعامل الحضارة بنفس الطريقة التي يعامل بها الهوية حيث يطلب لها تعريفا من "الآخر" حينا وعبر الصدام مع "الآخر" في أحيان أخرى. وبتفحصه لخطاب هنتنغتون القائم على الذات/الآخر والمنطلق منه إلى المتمدن/البربري يهدف سولتر إلى تتبع "تعديل محدد أدخل على ثنائية الذات/الآخر, فكتاب البرابرة والحضارة يبحث في حالة محددة تفسر فيها الهوية تفسيرا مشروطا وعقلانيا".
تلك "الحالة المحددة" هي ثنائية المتمدن/ البربري ولعل سولتر يقفز هنا من نص هنتنغتون الأصلي إلى استقراء لمعناه: فهنتنغتون يستخدم تعبير "الحضارة" بشكل شمولي يغطي كل واحد من "وحداته الجمعية الثقافية" كما يغطيها كلها مجتمعة, إلا أن سولتر يحاسب هنتنغتون على إخفاقه في الأخذ بعين الاعتبار "طبيعة خطاب الهوية الذي يستخدمه وطبيعة الإطار التاريخي الذي يختاره". أما المشكلة فتكمن في الاستخدام المقصود أو اللاوعي من قبل هنتنغتون لتعبير "الحضارة" المحمل بالكثير من الإسقاطات بدلا من اختيار تعبير محايد, فهنتنغتون على ما يرى سولتر يؤسس لرؤية ازدواجية للعالم عن طريق استخدام كلمة "الحضارة", حيث إن المسافة بين "الحضارة" و"المتمدن" قصيرة ويمكن تغطيتها بقفزة واحدة, بعدها لا يعود بعيدا جدا اختلاق "بربري" لأغراض تعريف مدنية المرء وما يعنيه كونه "متمدنا". ومن الواضح أن هذا الرأي لا ينسجم مع وجهة النظر القائلة بأن نظرية "صدام الحضارات" نظرية حيادية.
على المستوى الأساسي للهوية يبدو سولتر غير مطمئن إلى تصور وجود كيانات منفردة ومتجمعة حول ذاتها, "إن الجماعات البشرية لم تكن قط متجانسة تماما كما أن أفرادها لم يكونوا قط مستقرين أو محددين بوضوح أو معروفين على نحو كامل". ويضيف قائلا "إن العلاقة بين الذات والآخر التي تقوم أساسا على ثنائية الذات/الآخر لا تقتصر على الضم أو النبذ إنما تشتمل دائما على التفاوض المتواصل بين الاختلافات ووجوه التشابه". لكن سولتر يتفق مع هنتنغتون على الحاجة إلى وجود "الآخر" من أجل تشكيل الهوية والمحافظة عليها كما يتفق معه على أن "الآخر" يمكن أن يكون فردا أو جماعة.
فالآخر "مطلوب ومستبعد" وهو "يظل خارج الجماعة وبالتالي فهو لا يحصل على الحقوق نفسها التي تحصل عليها "الذات" في الداخل". وبهذه الطريقة يتمكن سولتر من الافتراض بأن استخدام تعبير "الحضارة" سوف يقود بالضرورة إلى خلق "آخر" هو "البربري". وحجة سولتر في ذلك تقوم على حاجة المرء إلى إحالة أو إلى اختلاق إحالة يمكن عبرها إدراك "تمدن" المرء, وتلك الإحالة هي شخص آخر "غير متمدن". من المهم أن نشير إلى أن سولتر يطبق هذا النموذج المتمدن/البربري على مثال عالمي محدد يؤكد أنه لا يعممه على جميع الحالات.
وهذا المثال العالمي هو نموذج الغرب/الشرق الذي يطرحه إدوارد سعيد, "فالهوية الأوروبية" تبعا لهذا الرأي ليست سوى أسطورة تم ابتداعها في مجال الدفاع عن أوروبا بوجه التحدي الشرقي للثقافة الأوروبية.
يواصل سولتر في الفصل الثاني من كتابه وعبر الفحص التاريخي التوسع في بحث العلاقة بين الثقافة والحضارة وما يقابلها من علاقة بين الحضارة والبربري. في حركته هذه عبر الثقافة والحضارة والبربرية يشرع سولتر في نسج مفهوم الاستعمار من منظور نفسي تاريخي, الثقافة أمر يصعب تعريفه لكنها تبعا لسولتر "غالبا ما كانت "شفرة" للخصوصية والعائدية". وإذا نظر سولتر إلى الثقافة من منظور "ما بعد استعماري" فإنه يرى فيها "حوارا" للقوة وعملية "تخيلية" يمكن أن تقود إلى "خيال جماهيري". وفي استخدامه لأسلوب "ما بعد البنيوية" وهو الاستخدام الذي تعمد أن يجعله متراخيا يتجنب سولتر تقديم تعريف حاسم للثقافة ويكتفي بالتلميح إلى علاقتها بالجانب المفاهيمي لتعبير "الحضارة".
يتركز اهتمام المؤلف على ذلك الجانب المفاهيمي الذي يجد فيه عملية خلاقة تستخدم الثقافة فيها إعادة التعريف لمواجهة التاريخ, ففي حالة التاريخ الأوروبي تمثل ذلك في أزمة الهوية الأوروبية بوجه التحدي الشرقي: حيث أعادت أوروبا اختراع ثقافتها و"مدنيتها" بوجه ضغط الهوية الصادر عن "الآخر" في الشرق.
في نهاية الفصل الثاني يعرف سولتر "البرابرة" عندما يميزهم عن "الهمج" فيقول "بالإمكان عرض الهمج في المعارض أو تعليمهم تقليد التصرفات الأوروبية, والهمجي يقدم على أنه الأقرب إلى الطبيعة والأنقى أخلاقيا من المتمدن المتحلل أو الفاسد, أما البرابرة فلا يمكن عرضهم في المعارض أو تعليمهم, فهم خطرون وغير قابلين للإنقاذ, البرابرة هم المشروع الليبرالي الذي انحرف وقد تلقوا التعليم الخطأ ولم يعد بالإمكان إعادة تعليمهم".
بوسعنا أن نرى ما يرمي إليه سولتر, فالهمجي هو الفرد البريء القابل للإخضاع لقوى التقنية الغربية, أما "البربري" فهو ذلك الذي تمكن من التقنية نفسها لكنه اختار طريقا مختلفة للوصول إلى الهدف الذي حدده السيد الأوروبي المستعمر فتحول إلى مصدر للتحدي.
من الجدير بالإشارة هنا أن سولتر غير غافل عن الأهمية التي يضعها هنتنغتون على الدين في "تصنيف" المجتمعات والأفراد إلى "متمدن" و"بربري", حيث يحتل التقسيم إلى مسيحي "متمدن" و"بربري" غير مسيحي موقع الصدارة في قائمة التناقض الإمبريالي في كتاب "البرابرة والحضارة".
لاحقا في مكان متأخر من الكتاب يلقي سولتر نظرة على فلسفة مفكرين أوروبيين مثل دي غوبينو وشبنغلر ونيتشه وفرويد تناولوا جميعا موضوع تدهور "رسالة التمدين", وهي هدف تحويل المستعمرات إلى صورة عن الحضارة الأوروبية. وباستثناء فرويد فإن الآخرين كتبوا أيضا عن "التوسع" وعما يمكن أن يسمى "حق القوة". تدخل هذه الآراء ضمن تحريات سولتر المتقدمة عن النماذج النمطية الشعبية, حيث تشكل هذه الآراء رغم تلميح سولتر إلى احتمال كونها إلى حد ما من بنات الخيال جزءا من وصف المؤلف لما يسميه "الخيال الدولي". وهكذا يهزأ سولتر بالإمبريالية بصفتها نتاجا مصطنعا مولودا من إدراك خاطئ. فأوروبا كوجود ثقافي ليست كيانا متجانسا إنما هي مقسمة. ويسلط المؤلف الضوء على التمايز الطبقي الذي صمم لجعل الطبقات الأدنى تبدو كنوع من "الآخر" في نظر أبناء الطبقات العليا.
بعد طرحه للجانب المفاهيمي من خطاب الحضارة/البربري يتحول المؤلف إلى معالجة النتائج ألا وهي عملية التعامل مع تلك "المخيلة الجماهيرية". إن ما يتحدث عنه سولتر هو إخفاق الإمبريالية عن طريق تطبيق الإمبريالية, فالاستعمار يلحق الضرر بالشعوب المستعمرة بمعان مختلفة, لكن المؤلف يؤكد بشكل خاص الاستخدام الفعلي للعنف البدني. وفي معالجته لهذا الجانب نجده يضع ما يسميه "المراقبة" إلى جانب "الأسلحة الاستعمارية" والبندقية ورصاص "دمدم". وفي تحليله لموضوع "المراقبة" يشير المؤلف إلى مفهوم بنثام في "الإخضاع للنظر" بصفته طريقة للمحافظة على النظام عن طريق استخدام عدد محدود من ضباط السلطة في مواقع بعيدة عن النظر من أجل خلق حالة من الشك تجعل المرء غير متأكد مما إذا كان خاضعا للمراقبة أم لا, ويا له من سلاح كفء ووحشي. يتحول المؤلف إلى جانب محدد من البحث يتفحص فيه واقع العلاقات الدولية في القرنين العشرين والواحد والعشرين, ويعنى سولتر بشكل رئيسي بالنموذج الواقعي والكيفية التي ينتمي بها ذلك النموذج وكتابات منظريه إلى نظرية "الحضارة" و"البرابرة". وينظر إلى هتلر بوصفه زعيما للتوسعية الكامنة فيقول "أراد هتلر تقويض الأفكار التي يقوم عليها النظام والتوازن التي مثلتها تسويات معاهدة ويستفاليا ومؤسسة السيادة الدولية, فقد أراد نظاما دوليا وحيد القطب بدلا من نظام متعدد الأقطاب يستند إلى الصراع بدلا من استناده إلى الاستقرار".
يتتبع سولتر جذور نظرة هتلر إلى العالم ويعيدها إلى الفلسفة "النتشوية الزائفة" "نسبة إلى نيتشه" وإلى "الداروينية الزائفة" "نسبة إلى داروين", أي أنها نوع هجين من مبدأ "البقاء للأصلح" يقوم "الأصلح" فيه بمواصلة السعي لامتلاك القوة. وقد اعتبر هتلر "نموذجا للسياسة الواقعية عندما تنحرف وتسقط في الخطأ". إلا أن سولتر يجادل بأن "الهولوكوست" قد أسيء فهمها على أنها انحراف عن التوجه الاستعماري, في حين يرى سولتر أن "الهولوكوست" كانت امتدادا للقيم الاستعمارية وتطورا لها, فقد تم بموجبها إخضاع "الآخر" بأقصى الأساليب الوحشية وهي الإبادة.

ليالي القصف السعيدة

محسن الرملي

صدر للكاتب العراقي محسن الرملي كتاب جديد بعنوان "ليالي القصف السعيدة" عن دار سنابل للنشر والتوزيع في القاهرة, وقد رسم لوحة الغلاف الأول الفنان خالد كاكي بعنوان "ح زن من رأى" فيما كتب الناشر على الغلاف الأخير كلمة ت عر ف بهذا الكتاب وكاتبه قائلا : يقوم هذا الكتاب بمحاولة تجريب استثمار أوسع للإمكانيات التي يتيحها فن القص, مرتكزا في اشتغاله على استنطاق مفردة واحدة يهدف من خلالها إلى تلمس رؤية ما لهذا العالم. ألا وهي مفردة "القصف" بشتى دلالاتها.. ويقسم الكاتب عمله إلى قسمين, الأول: "كتاب القصف" وهو "كولاج سردي" يمزج فيه بين الواقع والخيال, الم عطى والتأويل, المعلومات التاريخية, الجغرافية, الصحفية, اللغوية, الشعر والحكاية.. فيما يضم الثاني: "ليالي القصف السعيدة" ست قصص قصيرة تدور جميعها حول الثيمة ذاتها.. مستلهمة جل مناخاتها من حروب العراق والقصف على أفغانستان.
ومحسن الرملي كاتب عايش الحرب ويقيم حاليا في إسبانيا, حازت روايته "الفتيت الم بعثر" على جائزة أركنسا الأمريكية باعتبارها أفضل عمل أدبي عربي مترجم إلى الإنكليزية لعام ,2002 إضافة إلى إصداراته العديدة في مجالات القصة والمسرح والترجمة, منها: "البحث عن قلب حي" و "أوراق بعيدة عن دجلة".
وهنا مقطع من الكتاب.

حين عدت من الأندلس إلى بيتي في مدريد قادما من مظاهرة اشترك فيها أكثر من عشرة آلاف شخص, نظمتها أحزاب اليسار والهيبيون والمثليون الجنسيون والمعارضون للعولمة والمدافعون عن البيئة وحقوق الحيوان.. سرنا فيها من وسط مدينة قادش, مدينة ألبرتي الذي تمنى أيام كان منفيا أن يكون زهرة في وطنه كي تأكله بقرة من وطنه, أو تقطفه طفلة من وطنه, أو يحمله, على أذنه, فلاح من وطنه, وأن ي دفن في تراب وطنه.. وها أنا الآن منفي في وطنه أتمنى أن أكون زهرة في وطني.. لأنني مثله أشعر بأنني وحيد بلا وطني.
سرنا من مقهى ألبرتي وسط قادش حتى قاعدة مورون الأمريكية على شاطئ البحر المتوسط. لكل جماعة أو حزب أسباب اعتراضه على وجودها, وأنا العراقي الوحيد, وسط هذا الحشد, بلا حزب وبلا جماعة, واعتراضي أنها قاعدة انطلاق الطائرات التي قصفت بلدي, فكنت أهتف بكل شعارات المظاهرة أكثر من غيري, لكنني أردد في قلبي شعاري الخاص وسؤالا واحدا لإسبانيا, متذكرا ما قدمه لها زرياب العراقي: لماذا نمنحك الموسيقى وتمنحينا القذائف?.. لماذا?.
لحظتها كنت أنظر من وراء سياج الحديد وسور الشرطة إلى الطائرات السود الجاثمة بأحجامها الضخمة كديناصورات.. هذه طائرات قد وصلت إلى بلدي وحطمت جسورا .. ومتاحف وحدائق ومدارس وبيوتا , وقتل ت جنودا كان بعضهم أصدقائي, وأطفالا مختبئين مع أمهاتهم في الملاجئ.. هذه طائرات قصفت بغداد وعادت لتحط هنا بطمأنينة على ساحل البحر, بالقرب من عرايا الصيف, يسهر على سلامتها عساكر يصعدون بالسلالم ويمسحون مناقيرها, ينظفون العل م الأمريكي وزجاج مقصورة القيادة من ذرق العصافير غير مكترثين بصرخاتنا نحن المتظاهرين هنا.. وجدت نفسي وجها لوجه أمام طائرة قرب السياج, أحدق في عيونها وهي تحدق في عيني .. كنا نحاور بعضنا بصمت مثل ديكين يتأهبان للتصارع, كنا نحدق ببعضنا, وجها لوجه.. بعداء وأسئلة ووجع مرير.
عدت متعبا وألقيت بجسدي على الكنبة ثم أشعلت التلفاز فكانت الأخبار تتحدث عن قصف طائرات التحالف للعراق. كالعادة; كان التلفاز يقصفنا يوميا بأخبار القصف, فأطفأته وتناولت الجريدة لأجد فيها إسرائيل تقصف المخيمات الفلسطينية وجنوب لبنان, ألقيتها وخرجت إلى شوارع المدينة. جلست في مقهى فوجدت الذين بجواري يتحدثون عن قصف التحالف لأفغانستان. تركت فنجاني ورحت أسير على الأرصفة. مررت من أمام دار للسينما فوجدت ملصقاتها تعلن عن فلم جديد حول حرب فيتنام. سارعت خطاي ثم دلفت إلى مكتبة فوجدت أكثر الكتب مبيعا (تاريخ القصف) لسفن لندكفيست.. لحظتها شعرت بأن القصف يحاصرني.. لا مفر من القصف.. القصف.. القصف.. في كل الأمكنة, في كل الأزمنة, من كل الجهات, من كل الأشياء.. وكل شيء قصف, فاشتريت كتاب التاريخ وعدت أدراجي إلى دار السينما, شاهدت فيها فيلم حرب فيتنام وقنابل النابالم تحرق الأطفال العراة والحقول الخضراء. عدت إلى المقهى, طلبت فنجان قهوة آخر وشاركت الآخرين حديثهم عن قصف التحالف لأفغانستان ثم رجعت إلى البيت. قرأت الجريدة التي تصف مقتل أطفال الحجارة الفلسطينيين تحت قصف طائرات ف16 الإسرائيلية بأنه: موت أثناء تبادل إطلاق النار. فهل قذفوا الطائرات بالحجارة فكان من حق الطائرات أن تدافع عن نفسها?.. ثم فتحت التلفاز واستسلمت لأخبار القصف حتى منتصف الليل.
كنت أرى كل شيء بمثابة قصف; الإعلانات وبرامج المسابقات وفضائح الممثلين وق بل العشاق والهواء المتسلل من النافذة. جسدي م نهك لكن ذهني بكامل يقظته يطرد عني كل بوادر النعاس.. وهكذا واصلت اجتراري لأخبار القصف, قراءاتي وذكرياتي عنه, التاريخ والأرقام والموتى والأغاني والتبريرات وفراق أحبة ودم ومدافن وحرائق ومنافي وحديد وكلمات ونار وتكسير عظام ونظرات شرهة وأخرى دامعة.. كل شيء هو قصف, أو تبادل قصف, تبادل النظرات, تبادل الكلمات الشتائم, الصراخ, النصائح, الصفع, الأبوة, الأخوة, المحبة, الحقد, الاغتصاب أو ممارسة الحب, فرض وجهات النظر, السير في الشوارع, قرع الأرصفة بالأحذية, الحديث, الأكل, التعليم, السفر, الرسائل والكتابة حيث قصف الأوراق بالحبر والتفكير.. آه.. ما أصعب التفكير!, الانتظار, النوم, الموت. وجدتني أرى كل شيء في هذا العالم عبارة عن قصف, فظننت بأنني قد عثرت على الرؤية أو النافذة التي أستطيع عبرها فهم هذا العالم.. فهل بمستطاع أحد أن يفهم العالم وإن ظن ذلك?.. لا أحد على الإطلاق.. لا أحد.. إلا أن أي كائن سيتمكن من تكوين رؤية ما, أو اتخاذ زاوية للنظر إليه.. وكل شيء يصلح لذلك, أعرف ك تابا آخرين تناولوه عبر مفردات مقرفة وأخرى شائعة التناول مثل الحب والحرب والسفر واللغة والحدود.. أي أنك تستطيع أن تختار أية مفردة كالزبالة مثلا فتروح تبحث عن معانيها اللغوية وتاريخها وطرق التعامل معها عند مختلف الشعوب وذكرياتك عنها وما قاله الآخرون.. عندها ستجد بأن كل العالم قائم على طبيعة تشكيلات الزبالة.. وهكذا أية كلمة أخرى; اخترها وانشغل بها, اجمع المعلومات والذكريات والآراء والأقوال والتحليلات ستجد بأنك قد كونت رؤية ما عن العالم وتظن, م ثلي, بأنك قد توصلت إلى فهمه.. ركز جهودك في شيء واكتب كتابك عن شيء, اشغل فراغك فالسعادة ألا تجد وقت فراغ كما يقول همنغواي, وأوهم نفسك بالمعنى.. فلو تناول كل إنسان هذا العالم عبر مفردة واحدة وكتب كتابه ربما سنستطيع جمع هذه الكتب معا .. ألهذا قال بورخيس بأننا جميعا نكتب كتابا واحدا ?. سنضم هذه الكتب في غلاف واحد, شظايا رؤى كشظايا مرآة محطمة, نلصقها ببعضها ونكون مرآة هائلة واحدة, الرؤية الكبرى, مرآة ترينا وجه الحقيقة عبر اجتماع أجزاء حقيقاتنا الفردية أو المفردية تماما كحكاية العميان مع الفيل; الذي لمس أذنه, قال بأن الفيل بطانية, والذي لمس ساقه, قال بأنه اسطوانة, ومن لمس خرطومه وصفه بأفعى غليظة, ومن لمس نابه وصفه بالسيف.. الكل على حق; كل فيما عرف, ومن مجموع حقائقهم تكتمل حقيقة الفيل.. كنت مستغرقا بهذه الأفكار حتى قررت الكتابة عن القصف, سأكتب ما أعرف, ما أجمع, ما أهذي, ما أتذكر, تواريخ, كتب, أقوال, أرقام, قصائد وحكايات.. لدي حكايات كثيرة ولأصدقائي أيضا .. نظرت إلى ساعة الحائط لحظتها فوجدتها تشير إلى الثانية والنصف بعد منتصف الليل وفي مثل هذه الساعة بالتوقيت العراقي بدأ القصف على بغداد في ليلة 16 - 17 من كانون الثاني سنة ..1991 هبت العاصفة, واشتعلت السماوات والأراضي. كنت أنا حينها أبكي في جوف الدبابة البارد, فيما أمي تكاد تختنق بفساء أحفادها الذين حبستهم معها في غرفة مغلقة, سدت نوافذها بالكرتون والبلاستك خشية القصف الكيميائي. هربت من الحرب مع ابن عمي وأسكرنا الجحش الصغير في قرية (الفأرة) على إيقاع أخبار القصف والأغاني الأجنبية, ق بل ها كانت دار العدالة المائلة في كركوك تهتز مع دوي القصف الهاطل على آبار النفط ومشاعل النار الأزلية, فيما يغير صديقي (قاطع) علاقته بالمراحيض بفضل حادث قصف, ويحدثني الأفغاني عن ابن عمه الذي ول د تحت القصف الإنكليزي وأحب فاطمة تحت القصف السوفيتي ثم مات معها في عرسهما تحت القصف الأمريكي, أما صديقي الذي يعيش الآن في قرية متجمدة شمال كندا فلا يتذكر من الحرب, في رسائله, إلا بكاء الناقة مسعودة على ولدها سعيد الذي مزقه القصف في صحراء السعودية..
انتبهت إلى أنني لم أتناول عشائي حتى الآن.. لكنني/كأني/كنت سعيدا بمواجهتي لمفردة القصف, حالما بإمكانية رفع الصوت المعترض أعلى من دوي القذائف.. نهضت عن الكنبة وتوجهت فورا إلى طاولة المطبخ, تناولت علبة زيتون, فتحتها, ورحت ألتهم حباتها فيما أكتب أولى صفحاتي.. قاصفا بياض الورقة بسواد الحبر.. أكتب وأكتب وسأكتب.. حتى يتبين الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر.

قاص عراقي مقيم في اسبانيا

كيف نحمل العبء وننهض بعد الطوفان?

سركون بولص

معنى صلاتي
هذا ربما
ما صلّيتُ من أجلهِ
أحيانا، هذا ما رأيتهُ
في لحظات اليأس، مغمضاً عينيّ
الى النصف
أرقاً حتى الفجر...
تلك الحديقة
ما زالت منذ الطفولة
تتألقُ أوراقُها في غسيل الظُهر،
شمسٌ لم تعد تُرى
بضعُ شجيرات، زمانٌ لم تلطّخهُ
يدُ الأيام.
والصيفُ كثيفٌ بالنَّحل
ولا نأمة
عن هذه البلاد الباردة
لا خبرٌ عن الشمال الذي
سيغطي الأشياء بظلّه البارد.
رغم أن لي ناراً، ومصباحي
المطل فوق صفحةٍ بيضاء تبقى
بانتظار أبياتي القليلة
لن تأتي
إلا اذا انتهى هذا الليل.
دفتري المفتوحُ تحت عينيّ
مِصْيَدَةٌ
لأرواح موتايَ
يمرون على صفحاتهِ
في شبه رفيفٍ
أسمعهُ مثل لغتي الأولى
في باطن أيّ ماضٍ لن يتركَ
للبطلِ أن ينام؟
هو الذي سيفشلُ كلَّ يوم
هو الذي
سيندمُ على سلسلة المتاعب
ويعرفُ أنهُ
لن يكون جلجامش، ويرفض المهمة
هذه الصفحةُ الليلية ستكفيهِ
ليمشي الى نهاية الحلم
هو الذي سيخرج
ومليونُ لاجئٍ يلبُذُ في خُطاه
نرفعهُ عندما يسقط، ندلّهُ
الى ظلّ الحديقة.
كلُّ ما نحلمُ به
ألا تعصفَ بنا هذه الأعاصير: زاويةٌ
ننام فيها، صفحةٌ بيضاء
حيثُ لا تكذبُ الكلمات.
هذا ما صلّيتُ من أجله الليلة
ولم أعرف في البدء معنى صلاتي.
أوقات
(أغنيةُ سومريّ عاش ألف عام)
من قبل، أوقاتٌ
كهذه، عينُها مثلُها، جاءت
من قبل؛ أوقاتٌ عرفنا فيها
أعاصيرَ لا تكفُّ عن اقتلاع الأشجار
من جذورها; الغِرْيَنُ يدفقُ فائراً
والطين
ينجرفُ الى آخر الأفق،
ويغطي الآثار.
أيامٌ كهذه، عرفناها
عندما يأتي
كلُّ نهارٍ لكي يلجَ العيون، غريب
الشمس
هذا اذا ما أتانا...
عندما كنّا نأملُ، في آخر مرّة
كتبَ البرقُ فيها اسماءنا على
ألواح المصير، أن نحثو على وجه الميّت
حفنة من ترابٍ في آخر الرحلة
وخُيّل لنا أننا تعلّمنا كيفَ
نسلك الطريق
الى بوابة الآلهة.
كيف نحملُ العبء، وننهض بعد الطوفان؟
كيف نمضي، مرة أخرى، اذا
ما جاءتنا أيامٌ
عرفنا فيها
أعاصير لا تكفُّ عن اقتلاع الأشجار
من جذورها، عندما يدفقُ الغِرْيَنُ فائراً
والطين
ينجرفُ الى آخر الأفق،
ويغطي الآثار.

قصتـــان
فضوة عرب

سليم الشيخلي

هادئ كلوحة بالأزرق والأخضر في صالة مغلقة ,وديع مثل سرب غيوم دون أجوبة, عندما سقطت غرفة على أمه واختلطت روائحها بما تبقى من ركام, بقيت لديه غرفة واحدة وحمام يجهد للوصول إليهما فازداد عطف الجيران على "أبو عمر" وإن نسوه نسي . هدوء , ظلمة, خربة , مثلث خوف يخدش طفولتنا , يجعلنا نهرب من أمامه في الحارة الضيقة الى المجاورة وننتظر تسلقه الخربة لنعود نركض خلفه بأهازيج من اختراعنا. يمر سفينة, ينزوي بركن من المقهى مستسلما لحركات يديه وعينيه اللاإرادية فترك وشأنه . في السادسة من عمري عند السابعة صباحا أخذني أبي من يدي إلى المدرسة وسلمني لأحد المعلمين مستفسرا هل أعرف طريق العودة, فأومأت بنعم ولم أخبره أني أعرفه عن ظهر قلب . حارات جديدة ووجوه متشابهة رغم خصوصيتها نكبر داخلها وتكبر فينا. أصبحنا لا نهرب من أمامه, نقترب منه, نجلس دائرة قرب زاويته ليسمع لغونا. يطلق بين الفينة والأخرى جملا تتطاير كالشهب الساقطة, لا يمكن مسكها فنتوه في دوائر حيرة جديدة . إنه مجذوب . قال إياد كنت أعتقد أن المجذوب مجنون يصرخ, يكسر الأشياء, يضرب أي شخص قريب منه. لكنه هادىء جدا ? في رأسه جني . انتابني خوف فالمنطقة مليئة بهم وحارة الطنطل خلفنا والقطط السوداء لا تنام مبكرا . كيف سأبدو لو دخلني أحدهم فتذكرت علي شيش بملابسه الغريبة والشوال على ظهره يجمع به اي ورقة أو كتاب ممزق على الأرض من قمامات المزابل. زوج قريبتنا الذي قام فجأة ليركض داخل الغرفة فوق الأسرة ويصرخ .. "دلم . دلم" . لم يستطيعوا إيقافه إلا بعد أن هده التعب كنت أنظر اليه من خارج الغرفة. أودعوه مستشفى الأمراض العقلية مسافة طويلة وخرج قبل انتهاء الحرب العراقية الإيرانية ليعيش سنة جنونا أكبر منه فيرحل إلى السماء محسودا . التصقت صورهم في السماء, تعوذت كثيرا , سحبت فراشي قرب سرير والدي الذي كان يتكلم بآهات متحشرجة, لكن القمر وظلال النخلة تآمرا علي بأشكال مرعبة كلما فتحت عيني . الأيام تدور وأوراق الأجندة الهاشمية تتساقط والمدينة تكبر فوق الأراضي الخضراء والسبخة فانتقلنا إلى مكان بعيد وكنت أزور الفضوة باستمرار. في ركنه وقربه جلست وسألته إن شرب شايا فاستدرت صارخا بسالم أن يزيد من سكر "أبو عمر" فجاء صوته من الداخل: اقبض من دبش. شكرني ونظر إلى كتبي المدرسية وأشار على أحدها قائلا : - أتدرسون هذا الكتاب? أحسست بخوف من أن جنيه حاضر وقرأ له العنوان فسحبته لأضعه بين يديه . - آلام فرتر لنيتشه, كم همت به ولا أزال. ثم بدأ يتحدث عن أشياء أسمعها أول مرة: السوبرمان, اليسار الجديد وحركة الطلاب في فرنسا ,تأثيرات رامبو وكامو , وجوديه سارتر. أسترسل كساقية انهد سدها فاندفعت المياه والكلمات قوارب وسيجارته فنارا أتعبه الدوران .
أحسست بانجذاب نحوه, دفعني لملاحقة اسماء جديدة ومعارف بألوان أخرى كانت كافية أن تذيب مساحات من بقايا الخوف الطفولي, الرهبة, كله الذي أبعد الآخرين عنه لأدخل دهاليزه الخاصة. عند بوابتها قرأت إن والده هرب من قرية قرب مندلي إثر شجار مع فلاح شج رأسه وجاء ليعمل في ورشة سكك الحديد لينام مع الحراس. في حارة أخرى كشف عن ساعده الأيسر لأرى شقا طويلا لسكين, علامة من عنف والده على نفسه والجميع, بوابات عديدة ندخلها ناسكين. تمنيت أن أكتب حياتي لكني سئمتها كثرة ما رددتها على نفسي وعاشت معي. أخرجني والدي من المدرسة لأعمل معه ولما وجدني غير نافع بدنيا حبسني في البيت فرحت أرسم عالمي داخل الظلمة, أحاور الزهور وأسمع شكواها, ارسم عليها كل جميل. غضب يوما من أمي فرفع عصا حديدية لضربها, وقفت بين يده الجبارة وقرفصتها المذلة أبكي بكل دموع العالم . عندما تراجع أحسست بكراهية لكل العالم. بدأت أهرب الى مكتبة الخلاني لأنزوي بعيدا عن الجميع. عندما توفى لم أخرج مع المشيعين بل رحت أبارك لأمي وهي تنشج. لم أتعلم من هذه الدنيا سوى القراءة. الثورات تلاحقنا فنختفي بأول غربة خلف الوطن. بعد عشرين سنة ونيف عدت مع غبار عاصفة الصحراء لتكون أول محطة لي فضوة عرب .لقد سوي نصف المنطقة بالأرض ليصبح سوقا شعبيا في الهواء الطلق والمقهى كما هو في النصف الآخر الذي يرفل برائحة الطفولة والرطوبة, الفقر والرضا الملصق على جدرانه المنفوخة. أبيض شعر سالم فانتبهت إلى بقع بيضاء على يدي, كان يجلس على كرسي متحرك ويداه حافيتان بأحافير من زمن رمادي ليصبح بقايا سالم وتاريخنا. دنوت منه مسلما : - وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته, آغاتي . - كيف الحال ? - سكر قطع قدمي والأخرى في الانتظار. تمنيت أن أحضنه ومعه الماضي واللحظة التي بدت كرسيا متحركا . - هل عرفتني ? - لا والله ولا صغرا بك . - سليم بن ملا يعقوب . مد عينيه المقذتين غير مصدق أن التاريخ يجيء بعض الأحيان من ماسورة مياه صدئة أو تحمله قبرات مقبرة الغزالي. ود لو هب من كرسيه ليحضنني وملا يعقوب أباه الروحي وسنوات لن تعود أبدا . - أين كنت طوال هذه السنين ? - في المنفى . - وهل هناك منفى غير هنا ? توالت الدهشات لديه وبدت عيناه تطلان ببريق وهو يجيب على أسئلتي الكثيرة وأنا أقلب الأوراق الصفراء وأذكره بوجوه وحوادث . كم مات منك أيتها الفضوة الصغيرة, وكم رحل الى المجهول وأين أولئك الذين لا يستطيعون العودة . فجأة مر أبو عمر واختفى تاركا أقدامه فوق الأرض المبلولة .
- ما أخبار أبي عمر ? - سقطت عليه غرفته قبل سقوط أول صاروخ إيراني على بغداد, ترك هناك ليتعرى هيكله العظمي كليا . - لقد مر توا من هنا . - قد زارك وحدك من نفق الموتى أو أنت أيضا مجنون مثله . - وهل كان حقا كما تقول ? - لا, فقير ومؤدب لا يعرف كيف يدافع عن نفسه فسقط بيننا فلكناه . - وكيف أنت يا عنتر تلك الايام ? - أنام في المقهى, يعطف البعض من أهل الحارة علي وإن نسوني نسيت..

اللؤلؤة

جاء من البحر, اكتشفته مشاعل الصيادين, كانوا حلقة تنتظر الفجر لتنزل البحر والماء يتساقط منه, الأشنات ظلت عالقة على جسده هنا.. وهناك. - هلموا أيها الحفاة الجائعين لوليمتي. اندهشوا. من أين لهذا العاري ما يسد جوعهم. تجمعوا حوله باحثين عند نهايات الموج مائدة تخرج من بين يديه.. - سأفطر به لو كان كاذبا . التفت إليه بعيون تقدح غضبا أبيض: - ما زال لحمي مرا . دهشة حولتهم تماثيل من خشب أجوف لكن القمر ظل يرسل ضياء يتراقص مع القوارب المشدودة. فرك يديه فجاء دخان وعندما فتحهما سقطت لؤلؤة عكست ضفائر القمر. تقدم خطوات , استطال وسار نحو الليل باتجاه المدينة سرابا . ابتسم القمر على شفاهها فتمددت الدهشة داخلهم وبريقها يجمع فكرة واحدة داخل رؤوسهم. لو شاء أي شيطان أن يلملم طوفان نظراتهم نحوها لما استطاع أن يرتبها بهذه الفوضى. ألقوا بأجسادهم عليها فأصبحت تتنقل من كف إلى أخرى, الأكتاف تتدافع والرؤوس تنزلق من أي كوة تولد في لحظتها, الغيظ يكبر,الأظافر تشق سواقي حمراء, الأسنان تبصق لحما بشريا . الجوع يتفرج دون حراك. ساعتان يقف الزمن داخل دائرة صغيرة يتحرك منها الكون واللؤلؤة تصغر من كف لأخرى لتغدو عند آخر كف متعبة حبة رمل .عند انبلاج الفجر جرجر الصيادون أقدامهم , أسرجوا قواربهم واتجهوا نحو البحر.

تمثال جديد للمتنبي في العراق
يثير زوبعة في الوسط الفني

من المنتظر أن ينتصب تمثال جديد للشاعر العربي المعروف أبو الطيب المتنبي في مدينة النعمانية العراقية قرب المقبرة التي تضم ضريح هذا الشاعر, وهي إحدى مدن محافظة واسط الكوت وتبعد أكثر من (200) كيلو متر عن بغداد.
ما يلفت في مشروع إقامة التمثال أن النحات والفنان التشكيلي العراقي محمد غني حكمت, الذي سبق له أن نحت تمثالا للمتنبي ينتصب الآن في مواجهة المكتبة الوطنية العراقية في حي باب المعظم بالعاصمة العراقية, هو الذي سينفذه, رغم انتقادات وجهت له واتهم فيها أنه أخفق في تجسيد هيئة المتنبي هيبة وشعرا , ويرد محمد حكمت على منتقديه بالقول: (إن التمثال الجديد للمتنبي جاء بعد دراسة كبيرة تمكنت بها من تجسيد شخصية هذا الشاعر وهناك اختلاف في الشكل بين التمثال الجديد المنتظر والتمثال السابق من حيث الحجم والارتفاع وحركة الجسد).
وأضاف: (ما زلت أعتبر التمثال السابق من أفضل أعمالي التي جسدتها, إلا أن انفتاح عباءة المتنبي في التمثال جعلته يبدو قصيرا إضافة إلى أن بلدية بغداد هي التي قامت بتنفيذ قاعدة التمثال ولم تكن من تصميمي).ويتوقع أحد نقاد الفن التشكيلي أن تمثال المتنبي الجديد للفنان محمد غني حكمت لا بد أن يثير الكثير من الغبار النقدي لأن الرواية الفنية للنحات حكمت ما زالت موضوع خلاف برغم عمق تجربته وأعماله الفنية المتعددة.
والمعروف عن النحات حكمت أنه نفذ العديد من النصب والتماثيل في بغداد وأشهرها (علي بابا والأربعين حرامي أبو نؤاس شهريار وشهرزاد) وعشرات غيرها في مدن عراقية وعربية كما نحت بوابة مقر اليونسكو في باريس.
محمود كحيل يغادر فرشاته وألوانه
غيب الموت الفنان الكبير محمود كحيل اثر عملية جراحية في العاصمة البريطانية لندن, التي استقر فيها منذ قرابة عشرين سنة ونيف.
الراحل الكبير من مواليد مدينة طرابلس عاصمة شمال لبنان وتلقى فيها علومه قبل ان يتابع دراسته في الجامعة الأميركية في بيروت وقد لمعت موهبة الرسم والاخراج الفني عند محمود كحيل في مقتبل العمر, ثم احترفها وتألق فيها بعدما صقلها بالعلم والخبرة في بيروت خلال عقدي الستينات والسبعينات. وقد اشتهر خصوصا ابان عمله في مجلة "الحسناء" وبرسمه ذي الطابع المميز في الاشرطة الاخبارية الكاريكاتيرية قبل عروض الافلام في دور السينما, كما مارس التدريس الجامعي في مادة الاخراج الصحفي وخلال تلك المرحلة عرف محمود كحيل في الدوائر الفنية والثقافية البيروتية ابان اوج عطائها, وكان فيها الفارس المجلى والشاب الوسيم الانيق والمحب-وب.غير ان اندلاع الحرب اللبنانية, ادى لابتعاد محمود كحيل عن بيروت, وعن طرابلس, وبداية مشواره مع "الشرق الأوسط" في لندن ثم "المجلة" اللتين كان فيهما الثابت المتجدد... والفنان الانسان.. والصديق الصدوق لكل من عرفه وزامله وعاش---ره.
محمود كحيل, رحمه الله, تزوج من وداد خليل . وهو أب لبنت وولد, هما دانة ونظمي. وقد ألف لندن منذ استقراره ببريطانيا, وقلما بارحها, خاصة انه له فيها مجموعة واسعة من الاصدقاء, وانه كان ينفر من السفر ويكرهه, ومع ان كحيل مر خلال السنوات الماضية ببعض الازمات الصحية, فقد احتفظ بلياقته وروحه الشبابية, وكانت عمليته الجراحية الاخيرة مفاجئة حتى لأقرب المقربين اليه من الزملاء والاصدقاء, رغبة منه, وهو الانسان الرقيق, ألا يثقل عليهم ويحملهم معاناته.

الفن التشكيلي الياباني.. ملامح خاصة

عزت مصطفى

في واحدة من رسائله الكثيرة إلى شقيقه ثيو كتب الرسام الكبير فان جوخ عن الرسم الياباني يقول: إني أجد في الرسم الياباني الكثير من الطفولة والعفوية وأجد فيه أيضا دليل أصالة إبداعية. ولشدة ارتباط اليابانيين بفن الرسم يرددون مثلا قديما بما معناه: القصيدة الشعرية ليست سوى لوحة تشكيلية أضيف إليها الصوت, واللوحة الفنية ليست غير قصيدة بلا صوت.

بلاد الشمس الساطعة
هذا هو الاسم المرادف للتعريف باليابان في كتب الأدب ودواوين الشعر وهذا البلد الذي يتميز بشمسه الساطعة يتشكل أيضا من مجموعة من الجزر ذات الطبيعة الثائرة فبينما نرى الربيع هناك وقد ملأ أرجاء تلك الجزر بالعطور والألوان فنظن عند ذلك أن الحياة طابت واطمأنت, إذ بها تمتلئ بالرهبة والفزع نتيجة ثورات البراكين والزلازل التي لا تخمد لها حركة مما جعل من فن الرسم هناك مزيجا من الجمال البديع والجمال الرهيب.

الألوان اليابانية
إذا ما أتيح للرائي مشاهدة لوحة تشكيلية يابانية فسوف تتسرب إلى مشاعره الأحاسيس المنعشة بسبب قوة الألوان وهيمنتها السحرية عليه تماما كما يحدث له عند مطالعة الأدب الياباني.
ففي لوحة الفنان: (لاوقا ياماتو) تمثل عربة يابانية يسحبها ثور, يلمس المشاهد بسهولة ذاك الشعور الانطباعي الذي يخلقه الأديب الياباني: (سي شاناغو) الذي يصف عربة مماثلة على هذا النحو: لم يكن لعربتنا ستائر وكان ضوء القمر يغور عميقا في الداخل ليسمح لأي ناظر أن يرى السيدة الجالسة فيها وهي ترتدي ثمانية فساتين فوق بعضها منها ذلك البنفسجي الخفيف والقرمزي إلى الأبيض وفوق هذا كله معطف بنفسجي يلمع تحت أشعة القمر وإلى جانب هذه المخلوقة الباهرة الجمال كان سائق العربة بسرواله القصبي ذي اللون النبيذي.

المنابع الفنية
يتحلى الفنان الياباني بالمرونة والمثابرة والرغبة الصادقة في تحقيق حسن الأداء وهو إلى جانب ذلك مدفوع إلى حب الجمال وتقديره وتطبيق مظاهره على مختلف أعماله الفنية. واليابانيون - والفنان ابن بيئته - يضعون علامات ترشدهم إلى احسن المناطق التي يمكنهم أن ينعموا فيها بمناظر الطبيعة الجذابة , ففي فصل الربيع يقيمون الكثير من أعيادهم فترى الأمهات وقد حملن أطفالهن إلى المتنزهات العامة لتغذية الأرواح برؤية أزهار الكرز والمشمش فينشأ الطفل فنانا وقد نالت روحه في مرحلة مبكرة من حياته حب جمال الطبيعة.

السمات العامة
استنبط الفنان الياباني أسلوبا من الرسم يقوم على أساس من ورقة طويلة بطول ياردتين تقريبا وبعرض قدم واحد يسعى من خلالها إلى سرد مقاطع من قصة تعبيرية أغنى من النثر وأكثر منه إيحاء بالرشاقة الادائية, تساعده شفافية ألوانه المائية التي تتطلب قدرة تقنية عالية ودقة متناهية يستطيع بهما هذا الفنان أن يتجاوز السقوط في الأخطاء الجزئية والتي لا يمكن التغاضي عنها ولا يمكن تصحيحها وان أي تردد أو ارتباك في يده سيبدو شديد الوضوح ومهما كانت العلة بسيطة وصغيرة, وتحقيق مستوى أدائي رفيع وإيجاد القدرة على المزج اللوني وإبراز اعلى الدرجات, ويفترض في ذلك توفر الوعي الفني الشامل والكامل بأصول التركيب والتأسيس الخاصين بهذا الفن ومعرفة بكيفية تجاوز البحث عن التفاصيل المتماثلة ما بين الشيء في اللوحة للوصول - لا - إلى رسم الأشكال كما هي في الطبيعة أو تقليد كياناتها بل إلى الإيحاء بوجودها. والفنان الياباني لا يمعن نظره في وجوه شخوصه لاكتشاف أسرار ومعاني كينونتهم إنما يفعل ذلك ليدرك حقيقتهم الكلية الممتزجة بكل خفايا الطبيعة وهذا ما يضفي على التشكيل الياباني مثل هذا الحس الشاعري.

الفنان المتميز
رغم زخم الحركة التشكيلية اليابانية يعد الرسام (سس شو 1420 - 1507) من اعظم فناني اليابان لما تميزت به أعماله من بساطة قوية وحيوية خارقة وشفافية غنية بتراكم تموجاتها . وخلاصة هذا الفضاء أن الرسم الياباني لا يقتصر فقط على أساليبه الكلاسيكية التي ع رف بها أو أنه لم يسهم بدوره في التحولات والتقنيات المعاصرة التي شملت العالم بأسره إنما يعتبر الفنان الياباني مثله مثل اليابان الحديث ككل قد تعامل مع التحديث وتفوق فيه وحافظ في ذات الوقت على طابعه التراثي الذي صار رمزا لأصالته بين فنون العالم.


للإتصال بالإتجاه الآخر