
مشعان الجبوري
|
إن
النشاط العربي السني المعارض مطالب الآن بتقديم رسالة إلى شعب العراق
مكتوبة بحروف المحبة وتتضمن براءة هذا النشاط من الاستحواذ الذي
مارسته النخبة السياسية السنية طيلة هذه العقود على مؤسسة الرئاسة
بغض النظر عن أسباب تأجيل موعد اجتماع لجنة التنسيق والمتابعة المنبثقة
عن مؤتمر لندن للمعارضة العراقية إلى مطلع شباط القادم, والتي ذكرناها
في هذا العدد من الجريدة, أرى أن علينا الاستفادة من هذه الفسحة
الزمنية المضافة لمناقشة بعض القضايا التي تتطلب مناقشات مستفيضة
من أجل الوصول إلى تصور مشترك حول كيفية التعامل معها..
أهم تلك القضايا, باعتقادي, قضية التصور الأمريكي الذي طرح في الزمن
الضائع قبل الموعد الرسمي لانعقاد المؤتمر والذي تبين الفقرات المسر
بة منه, دعوته إلى تشكيل حكومة عراقية انتقالية بعد الإطاحة بنظام
الرئيس صدام حسين, تتكون من رئيس عربي سني لرئاسة الجمهورية وكوردي
نائبا للرئيس وعربي سني لرئاسة الوزراء, وإذا ما استثنينا رئاسة
الوزراء فإن التصور الأمريكي حريص على تطبيق العرف الدستوري العراقي
الذي لم يكن لشعب العراق أي رأي فيه, كما أنه يكرس المفاهيم الطائفية
في اقتسام كعكة السلطة بعد إنقاذها من براثن الرئيس صدام حسين, الأمر
الذي لا يقل خطورة عن ما هو جار في العراق خلال العقود الثلاث الماضية.
ولقطع الطريق على مثل هذه التصورات التي تلتقي بقصد أو دون قصد مع
الطروحات الطائفية التي لا تليق بعراق حر ديمقراطي, فإنني أرى ضرورة
خلق الحد الأدنى من التوافق على اختيار شخصية قادرة على قيادة العراق
خلال المرحلة الانتقالية, تتوفر فيها المواصفات الضرورية التي تساعد
على قيامها بمهمتها دون تعثر.. وهذه المواصفات, كما أراها, هي الحنكة
السياسية والتجربة في مجال الحكم ومنظومة علاقات عراقية وإقليمية
ودولية تلتف حول تلك الشخصية وتسهل مهماتها, إضافة إلى صفات إنسانية
مثل الصدق في التعامل والالتزام بالميثاق والزهد في العيش بعيدا
عن ترف القصور الرئاسية واحترام الآخر سواء إن كان ضمن طاقم الحكومة
أو في ضفة المعارضة.
وأعتقد أننا مطالبون في المرحلة القادمة بعدم التوقف طويلا عند هوية
من نختاره لهذه المهمة والتمحيص في قوميته ودينه وطائفته, بل يتم
التمحيص بمدى عراقيته, وأن ندع تفاصيل الهوية الأخرى للعراقيين حين
يقولون قولهم من خلال صناديق الاقتراع في المرحلة الدستورية, وإذا
ما دققنا في ملفات الشخصيات المرشحة لهذه المهمة, فسوف لن نجد رجلا
أنسب للقيام بها وتنطبق عليه كل المواصفات التي ذكرناها مثل الزعيم
مسعود البارزاني.
أما انجرارنا خلف مثل تلك التصورات المعتمدة على أعراف دستورية فإنه
سيقودنا حتما إلى تشكيل حكومي جامد لا روح فيه, كذاك الذي يعمد الرئيس
صدام حسين إلى العزف عليه كلما وجد نفسه في زاوية ضيقة, فتعالوا
إذن نتذكر, طه محي الدين معروف وهو عراقي كوردي يقوم بمهام نائب
رئيس الجمهورية, ولكن السؤال المهم, ما هي تلك المهام وما مدى صلاحيات
الرجل? إذا بدأنا بالصلاحيات, فنعلم جميعا , أنها أقل بكثير من صلاحيات
أصغر ضابط في حماية الرئيس صدام حسين, أما المهام فإنها لم تتعد
طيلة السنوات التي قضاها في منصبه, مهمة تقديم التعازي باسم الرئيس
إذا ما مات ملك أو رئيس أو مسؤول عربي أو دولي, أما رئاسة الوزارة,
فإنها حين أنيطت بشخص مثل محمد حمزة الزبيدي, فليس لأنه من رجال
الحكم المتميزين أو من المهتمين بالتكنوقراط أو من المحدثين, فالرجل
كما يعلم جميع العراقيين لا يجيد القراءة بقدر ما يجيدها تلميذ متميز
من تلاميذ مراكز محو الأمية, ولكن اختياره لرئاسة الوزراء جاء بسبب
واحد بسيط كونه شيعيا , فهل من الممكن أن نعيد إنتاج الكارثة بسبب
تعصبنا القومي أو الديني أو المذهبي.
رئيس واحد.. لا رؤساء..
التصور الأمريكي يشكل قفزا على أحد مقررات لندن التي حضر مخاضاتها
السيد زلماي خليل زاد السفير فوق العادة وممثل الرئيس الأمريكي جورج
بوش إلى مؤتمر لندن والمتمثل بتشكيل مجلس سيادة, يقود المرحلة الانتقالية,
متكون من عربي شيعي وعربي سني وكوردي, والقفز الأمريكي نحو اختيار
شخصية واحدة تقوم بمهمة الرئاسة خلال المرحلة الانتقالية, ولا أخفي
حماستي لهذا القفز على المجلس السيادي ولكن ضمن تصورات مختلفة عن
التصورات الأمريكية, إذ أميل إلى الاعتقاد أن المجلس السيادي يعطي
انطباعا عن عدم تجانس المعارضة العراقية وأنه يشكل حلا توفيقيا لخلافاتها
الطائفية في حين أن الإجماع على شخص واحد يقوم بمهمة الرئاسة خلال
تلك الفترة يعطي انطباعا مناقضا , وهو إجماع فصائل وشخصيات المعارضة
العراقية على شخصية واحدة وعلى مهمات المرح-لة الانتقالية الأمر
الذي سيعكس وعيا متقدما بالضرورات العراقية بعيدا عن الحسابات القومية
أو الدينية أو الطائفية الضيقة, مما يتطلب سير جميع الفصائل والشخصيات
العراقية المعارضة نحو نقطة قريبة من مركز الدائرة, يقدمون خلالها
(تنازلات) هي في حقيقتها جزء من المتغيرات التي تتطلبها المرحلة
الحالية ولا تمس بثوابت أي من تلك الفصائل والشخصيات, وفي هذه الحالة
- إن تحققت - سنجد أننا قطعنا شوطا كبيرا باتجاه تحقيق صورة العراق
القادم بملامح الحرية والديمقراطية والتعددية ودولة المؤسسات الدستورية,
فكيف يمكننا تحقيق ذلك..?
قلنا إن واحدا من مقررات مؤتمر لندن هو تشكيل مجلس سيادة يتكون من
عربي شيعي وعربي سني وكوردي, أي أن المطلوب لتحقيق هدف اختيار رئيس
للمرحلة الانتقالية, تنازل طرفين من تلك الأطراف الثلاثة ولنبدأ
بالعرب السنة:
من المعروف أن استحواذ العرب السنة على منصب الرئاسة قد بدأ منذ
تأسيس الدولة العراقية الحديثة وإذ لا يمثل هذا الأمر إجماعا عربيا
سنيا في العراق, فإنه بالتأكيد يمثل طموح النخبة السياسية العربية
السنية, وبخروج الأمر من أيدي هذه النخبة التي توشك بقاياها على
الرحيل بعيدا عن العراق, فإن النشاط العربي السني المعارض مطالب
الآن بتقديم رسالة إلى شعب العراق مكتوبة بحروف المحبة وتتضمن براءة
هذا النشاط من الاستحواذ الذي مارسته النخبة السياسية السنية طيلة
هذه العقود, وليس أصدق من تلك الرسالة, إلا موقفا يتخذه الأخوة العرب
السنة في لجنة التنسيق والمتابعة يقضي بعدم ترشيح أي منهم لهذا المنصب
وترك الفرصة أمام الأخوة الشيعة والأكراد لكي يتمتعوا بحقهم كعراقيين
بتولي هذه المهمة خلال المرحلة الانتقالية وانتظار ما سيقوله العراقيون
خلال المرحلة الدستورية, بل وأعتقد أن على الأخوة العرب السنة في
اللجنة أن يتصدوا لأي مخططات تطرحها هذه العاصمة الإقليمية أو تلك
العاصمة الدولية باسمهم من أجل تحقيق الهدف الأسمى, العراق الحر
الديمقراطي لجميع العراقيين.
لم يتبق إذن سوى الأخوة الشيعة والأخوة الأكراد على خط مجلس السيادة
وإذا كان الأكراد قد عقدوا عزمهم على ترشيح الزعيم مسعود البارزاني
كما تدلل على ذلك جميع تصريحاتهم ونشاطاتهم ولا سيما تصريحات السيد
جلال الطالباني أمين عام الاتحاد الوطني الكوردستاني التي أكد خلالها
بشكل واضح ومرات عديدة, دعمه لترشيح الزعيم البارزاني لهذه المهمة,
إذا كان هذا هو موقف الأكراد, فإن موقف الشيعة مختلف بعض الشيء,
إذ تشير الدلائل إلى أكثر من مرشح قد يكون أوفرهم حظا السيد عبد
العزيز الحكيم, إلا أن هذا لا يعني انعدام فرصة مرشحين آخرين مثل
الدكتور إياد علاوي, وفي هذا الصدد, أتمنى على الأخوة الشيعة أن
لا يقدموا مرشحا لمجلس السيادة والاتفاق مع العرب السنة والأكراد
على اختيار الزعيم مسعود البارزاني لتولي هذه المهمة خلال الفترة
الانتقالية, لأنهم يعلمون, كما يعلم الجميع, صعوبة اختيار رجل دين
شيعي لهذه المهمة خلال هذه الفترة لأنه سوف لا يتفق مع إرهاصات المرحلة
السابقة, كما أنه يصطدم بتوجهات الإدارة الأمريكية التي لا يعقل
أن تتحمل عناء انتقال جيوشها ومعداتها إلى المنطقة وأن تشن حربا
قد تدفع خلالها ثمنا باهظا من دماء أبنائها من أجل الإطاحة بالرئيس
صدام حسين ليحل محله إسلامي شيعي معمم, إلا أن هذا لا يعني بأي حال
مصادرة حق الشيعة في تولي مثل هذا المنصب في المرحلة الدستورية التي
أعلن من على هذا المنبر أنني سأقف إلى جانب مرشح شيعي في المرحلة
الدستورية الأولى وحتى الثانية وأدعمه بما أوتيت من قوة, لكي تكون
ديمقراطيتنا متكاملة, أما في المرحلة الثالثة والتي قد تحل في عام
2014 فأنا مع أي مرشح عراقي يمتلك برنامجا تطويريا جديدا سواء إن
كان هذا المرشح عربيا أو كورديا أو تركمانيا أو آشوريا , مسلما أو
مسيحيا أو يزيديا أو صابئيا , شيعيا أو سنيا , سأدعمه طالما هو عراقي
ويحمل برنامجا متميزا .. ولكل حادث.. حديث..