|
يعد هذا الكتاب
أول منشور باللغة الروسية بالتفصيل عن الغزو العراقي للكويت وما
رافقه من أحداث مأساوية لغاية تحرير البلاد. ويسرد المؤلف الكسندر
بيلونوغوف الذي كان يشغل في تلك الأشهر العصيبة منصب نائب وزير خارجية
الاتحاد السوفيتي كمشارك في الأحداث عن كيفية تشكيل موقف الاتحاد
السوفيتي حيال الأزمة وعن تقلبات محادثات موسكو المختلفة ويحاول
الإجابة عن السؤال: لماذا لم يتسن لأحد إيجاد مخرج سلمي للأزمة بالرغم
من كافة الجهود?. وسيعرف القارئ لأول مرة في هذا الكتاب الكثير من
الظروف الغامضة التي أحاطت بواحدة من أكثر أحداث القرن العشرين دراماتيكية
في العالم ومنطقة الخليج, دون أن تفوتنا الإشارة إلى أن ذلك سيكون
من ؛وجهة نظر موسكو« بتأكيد المؤلف نفسه.
واتضح
لبغداد أنها خسرت الحرب, وأن مواصلة هجوم الحلفاء قد يؤدي إلى انهيار
النظام العراقي عندها انصاعت لمطالب مجلس الأمن
كقاعدة عامة, تحتاج
كل مبادرة دبلوماسية إلى ساحة انطلاق ما أو دافع سياسي أو شيء ما
في هذا المعنى. وظهرت ساحة الانطلاق هذه بعد يومين من بدء المعارك
البرية.
وفي 26 فبراير عقد مؤتمر صحفي بتكليف القيادة صرحت فيه:
(أريد إحاطتكم علما بأن وزير الخارجية العراقي جاء في الليل الماضي
إلى السفارة السوفيتية في بغداد وبعث إلينا رسالة صدام حسين. وأبلغ
في الرسالة قرار القيادة العراقية سحب جميع قواتها من الكويت فورا
وفقا للقرار 660 لمجلس الأمن. وأ شير في رسالة صدام حسين إلى أن
الأمر بسحب القوات قد صدر وبدأ انسحابها. وأشير أيضا كذلك إلى أن
مدة الانسحاب ستكون وجيزة جدا . وتعتقد القيادة العراقية أن هذه
الخطوة الجديدة سترضي جميع الأطراف.
وأبلغكم بأنه فور استلامنا رسالة صدام حسين أخطرنا رسميا الأمريكان
بأن العراق بدأ تنفيذ القرار 660لمجلس الأمن. وفي اليوم نفسه أعطينا
التعليمات لمندوب الاتحاد السوفيتي لدى الأمم المتحدة لكي يقترح
عقد اجتماع عاجل لمجلس الأمن لبحث مسألة وقف إطلاق النار.
لهذا نعتقد أن من الضروري استخدام هذا التطور بشكل لازم كما يمليه
العقل والضمير للحد من سفك الدماء بعد أن توافرت كافة الظروف الموضوعية.
وبعدها انهالت الأسئلة بطبيعة الحال وكان السؤال الأول يتناول المواعيد
(الموجزة) أجبت: (لا أشك في شيء واحد, سيؤدي وقف إطلاق النار في
هذه الظروف لأن يكون في حده الأدنى).
ومن المفهوم أن الانسحاب يتحقق مع استمرار العمليات الحربية والقصف
الجوي والمدفعي والصاروخي على رؤوس المنسحبين. إن كل هذا يشوش بطبيعة
الحال مجرى الانسحاب العادي. وستتغير الحالة لو أعلن وقف إطلاق النار
في الأرض والجو والبحر. ومن البديهي أن كل هذا عج ل في تنفيذ المهمة
التي وضعها المجتمع الدولي منذ البداية: التوصل إلى تحرير الكويت
وإعادتها كدولة مستقلة ذات سيادة.
واهتم مراسل (ديلي إكسبريس) الإنكليزية بسبب سلوك الاتحاد السوفيتي
الحالي كأنه يلعب دور ممثل العراق. أجبت على سؤاله على النحو التالي:
(ننطلق من مواقف إنسانية عامة وطبيعية وكل ساعة تمضي تزق الأرواح
أكثر فأكثر. إنه من الواضح بالنسبة لنا أن إنهاء العمليات الحربية
سيكون للصالح العام وليست ثمة أسباب واقعية خطيرة لمواصلتها).
وطرحت الكثير من الأسئلة أجبت عليها جميعها. وقبل أن أنهي المؤتمر
أعربت عن أملي في أن تظهر قوات التحالف موقفا مسؤولا إلى الحد الأقصى
لكي تتخذ القرار الصحيح الوحيد في الظروف الراهنة: إنهاء العمليات
الحربية.
يلاحظ القارئ أنه لم يكن هناك حتى تلميح إلى رفض بغداد الادعاء بالكويت,
بل العكس ما تم تأكيده: ستكون الكويت بعد مدة معينة عراقية من جديد
مثلما سقطت القسطنطينية المسيحية في الماضي تحت ضربات الأتراك في
نهاية الأمر.وأعطى هذا التصريح ولهجة الكلام المشاكسة والنداء الموجه
للعراقيين للاحتفال بالنصر على التحالف المكون من أكثر من 30 دولة,
باعثا للرئيس الأمريكي للإعلان بأن التحالف سيستمر في العمليات الحربية
بالشدة السابقة.
وبما أن الوضع في مجلس الأمن يواجه مأزقا فيما يخص وقف إطلاق النار,
أخبرت موسكو بواسطة السفير السوفيتي في بغداد القيادة العراقية بأمانة.
لكنها من جديد لم تتخذ القرارات اللازمة. وفضلوا هناك التقدم الجزئي
فقط. وطلب عزيز وحمادي في ليلة 26-27 فبراير من سفارتنا أن تنقل
إلى الممثل الدائم لدى الأمم المتحدة رسالة عزيز إلى الأمين العام
للأمم المتحدة ورئيس مجلس الأمن (ممثل زمبابوي في فبراير) والتي
جاء فيها أن الانسحاب الكامل للقوات العراقية من الكويت سيتم في
غضون عدة ساعات وأن العراق يوافق على تنفيذ قرارات مجلس الأمن 660و662و674
بشرط أن يتخذ مجلس الأمن قرار وقف النار فورا ويعترف بسير مفعول
القرارات 661و665و.670 وفي الوقت نفسه وجه صدام حسين رسالة إلى رئيس
الاتحاد السوفيتي طالبه فيها باتخاذ تدابير أنشط لأجل وقف إطلاق
النار. وأشير في غضون ذلك إلى أن قرار اعتراف القرار بقرارات مجلس
الأمن اتخذ (إجلالا للاتحاد السوفيتي) ولجهوده في إعادة السلام.
كان مثل الاعتراف عذبا بالطبع بالمقارنة مع انتقادات نصف سنة من
جانب بغداد لنهج الاتحاد السوفيتي من الأزمة الكويتية. وللأسف لم
تثر الشكوك مغزى هذه الخطوة وتوقيتها.
استجابة لطلب بغداد أحيل نداؤها إلى الأمين العام ورئيس مجلس الأمن
وإلى المرسل إليهما بواسطة ممثل العراق الدائم بأسرع وقت ممكن. غير
أن النداء الجديد لم يكن له أثر كما كان منتظرا . فقد ر فضت محاولة
بغداد في مساومة مجلس الأمن وفرض شروطا عليه بحزم. وطلب رئيس مجلس
الأمن من الاتحاد السوفيتي أن يبلغ بغداد من جديد بأن الأمر يتطلب
أن تعترف بلا قيد أو شرط بكافة قرارات مجلس الأمن ال- 12 بلا استثناء.
قمنا بذلك بلا إبطاء, إدراكا منا بأن كل ساعة توسع نطاق هزيمة العراق.
وفي اليوم الثالث بعد بداية العمليات البرية لم يعد يتكلم أحد عن
مقاومة منظمة للقوات المسلحة العراقية, فقد تحطمت في كل الجبهات
وأصبحت قوات التحالف سيدة الموقف واحتلت القوات الأمريكية 15% من
الأراضي العراقية تقريبا .
واتضح لبغداد على ما يبدو أنها خسرت الحرب, وأن مواصلة هجوم الحلفاء
قد يؤدي إلى انهيار النظام العراقي, عندها انصاعت لمطالب مجلس الأمن
وأحال ممثل العراق الأنباري مساء 27 فبراير إلى رئيس مجلس الأمن
رسالة طارق عزيز الجديدة التي جاء فيها: (يشرفني أن أخبركم رسميا
بأن حكومة العراق توافق بالكامل على تنفيذ القرار 660 لمجلس الأمن
وجميع قرارات مجلس الأمن التالية) وطلب الوزير (طارق عزيز-ج) أن
يخبر بذلك أعضاء مجلس الأمن وأن ينشر الرسالة بصفتها وثيقة رسمية
لمجلس الأمن.
في موسكو كانت الليلة 27-28 فبراير عندما هاتف بيكر وزيرنا بيسميرتنيخ
وأبلغه أن قوات التحالف ستكف عن العمليات الحربية ضد العراق في الساعة
الثامنة صباحا بتوقيت العراق, نظرا لموافقة العراق على تنفيذ قرارات
مجلس الأمن وإتمام تحرير الكويت.
وبعد مرور وقت قصير من هاتف بيكر, توجه الرئيس جورج بوش من البيت
الأبيض إلى الشعب الأمريكي ليبلغه بالنجاح الذي توصل إليه. وأشار
الرئيس مقدرا القوات الأمريكية حق تقديرها إلى أنه لا يوجد بلد واحد
لا ينظر إلى هذا النصر كنصره الخاص. وقال أن هذا انتصار الكويت وجميع
الشركاء في التحالف وهيئة الأمم المتحدة والإنسانية بشكل عام. وقال
بوش أن وقف إطلاق النار الدائم يتوقف الآن على العراق ولأجل ذلك
على العراق أن:
) يطلق فورا سراح جميع أسرى الحرب ومواطني البلدان الأخرى وينقل
رفات من هلك منهم.
) يطلق سراح جميع الكويتيين الموقوفين.
) إبلاغ السلطات الكويتية بوضع وأماكن وطابع الألغام البرية والبحرية.
) مراعاة جميع قرارات الأمم المتحدة المعينة بما في ذلك قرار أغسطس
بضم الكويت والاعتراف بالتزام العراق دفع التعويضات عن الخسائر والأضرار
التي سببها عدوانه.
) تعيين قادة عسكريين لحل مسائل وقف إطلاق النار سوية مع القيادات
العسكرية لقوات التحالف. وينذر العراق في غضون ذلك بأنه في حالة
إطلاق النار على عساكر التحالف أو إطلاق الصواريخ على أي بلد ستكون
قوات التحالف طليقة في استئناف العمليات الحربية.
) وذكر بوش بأنه كان يقول على الدوام أن النزاع لم ينشب مع الشعب
العراقي, بل مع قيادته وقبل كل شيء مع صدام حسين. وأن التحالف لجأ
إلى الحرب بعد أن أصبحت الوسيلة الأخيرة, ويأمل في أنه سيحين الوقت
الذي سيقود فيه العراق أشخاص مستعدون للحياة بسلام مع الجيران. وأيد
بوش أن يعمل مجلس الأمن على إعداد التسوية مع العراق.
كان تحويل المسألة لإبقائها في إطار مجلس الأمن يستجيب للخطة السوفيتية
أيضا .
بعد ثلاث ساعات تقريبا من كلمة بوش نقلت إذاعة بغداد الخبر وأكدت
أن العراق (أحرز الانتصار) وأن رئيس الولايات المتحدة (اضطر للموافقة
على وقف إطلاق النار). ولهذا السبب وجهت الأوامر للقوات العراقية
بالكف عن العمليات العسكرية.
لماذا أوقف بوش الهجوم?
لماذا أصدر الرئيس بوش الأمر بوقف إطلاق النار في الوقت الذي كانت
فيه عمليات قوات التحالف تتطور بصورة ناجحة جدا ? من ثم بعد سنة
أو سنتين ستوجه إليه الكثير من الانتقادات من الأوساط الأمريكية:
لماذا لم تستفد حينذاك من الحالة الملائمة التي لا يستطيع صدام حسين
أن ينجو منها نهائيا ? وإلى الآن وفي كل مرة تحاول بغداد التخلص
من مراقبة الأمم المتحدة وتعمل خلافا لالتزاماتها الدولية يظهر عدم
الرضا عن موقف جورج بوش من جديد ومن جديد, هل كانت لدى الرئيس الأمريكي
إمكانية لكي يتصرف على نحو غير ذلك? وإن كانت لديه, فقد كانت محدودة
للغاية ولسمح للجنرال شوارتسكوف لمواصلة العمليات الحربية خلال عدة
أيام إضافية كما خطط لذلك في بداية الأمر.
لم يعط تحرير الكويت في الواقع والتزامات العراق الرسمية بتنفيذ
القرارات ال- 12 لمجلس الأمن, أي فرصة بديلة لبوش سوى الإعلان عن
وقف إطلاق النار. ولننظر إلى هذه المسألة من عدة نواح, ولنبدأ من
الناحية العسكرية. الحلفاء انتصروا بصورة مقنعة, غير أن هذا لم يعن
أبدا أن قوات العراق صفيت بالكامل أو حتى انهزمت جزئيا . ففي الكويت
لم تتركز القوات القوية, بل حشد فيها أقل القوات العراقية أعدادا
. وعلى ما يبدو كان من الممكن أن يقضى عليها لو استمرت المعارك الطويلة
والدامية والمنهكة في سبيل الكويت. لكن الوحدات الأكثر قدرة على
القتال تمركزت في شمال الكويت أو سحبت على وجه العموم بالقرب من
بغداد وهذه عانت من الحرب أقل ونخص بذلك خيرة قوات الحرس الجمهوري.
وكانت تحت تصرف بغداد 20 فرقة قادرة على القتال. لذا كان إطالة أمد
الحرب وخيما وسيزيد الخسائر الأمريكية بالأرواح لأن القوات الأمريكية
كانت تعمل في العراق نفسه وليس في الكويت.
زد على ذلك, جرت كل العمليات الحربية الرئيسية في ساحات صحراوية
مكشوفة حيث كانت السيطرة الأمريكية المطلقة في الجو والتي أعطت الأفضلية
للقوات البرية الأمريكية أمام الوحدات البرية العراقية. وهذه الأفضلية
تزول في المدن بالكامل تقريبا . كانت القيادة الأمريكية تدرك أن
معارك المدن يصاحبها عدد كبير من الخسائر بالأرواح. ولهذا السبب
لم يخطط لدخول قوات التحالف بشكل عام إلى المدن العراقية. كما لم
يقض أن تحتل هذه القوات الأراضي العراقية لمدة طويلة وبنطاق واسع.
لم يكن تحت تصرفها لتجهيز الاحتلال لا موارد بشرية كبيرة ولا أي
شيء آخر لتوسيع السيطرة على المنطقة.
|
|
عمل جهاز الموساد
الإسرائيلي ومنذ تأسيسه على تجنيد عدد كبير من المواطنين العرب الذين
عملوا لحسابه ضمن شبكات متعددة المهمات, إذ يتسم نشاط الموساد بس--رية
تامة ودقة تجعل لكل خطوة حساباتها ونتائجها المرسومة مسبقا . وتظهر
إحدى عمليات التجنيد التي يضمها الملف الذي بين أيدينا محاولة الموساد
تجنيد مواطن فلس-طيني واستخدامه للعمل داخل الأراضي المحتلة, ثم
نقله لأقطار عربية للقيام بنشاطات تجسسية هناك. وقد أصبح هذا العميل
محط اهتمام أكثر من جهاز أمن عربي حيث تحول إلى حلقة تصارعت حولها
أذرع عدة أجهزة مخابرات من بينها الموساد. وخلال أحداث قصة هذا الجاسوس
تظهر تفاصيل عمليات محددة نفذها جهاز الموساد ضد شخصيات س-عى الإسرائيليون
للتخلص منها, كما تتضح جوانب العمل الاستخباراتي لدى أجهزة أمن عربية
وطبيعة علاقتها بالموساد الذي يستأثر بكل شيء ناصبا الفخ للأجهزة
الأخرى. (جاسوس تحت الطلب) قصة حقيقية لصراع أجهزة الأمن حيث يلعب
المال والجنس والتعذيب دورا رئيسا في فصول ذلك الصراع الذي نكشف
عن خف-اياه عبر حلقات خاصة بالاتجاه الآخر.
الضغط باتجاه
السفر
لم يستطع عماد أن يتخذ قرارا سريعا بشأن السفر إلى بغداد, وكان عليه
أن يسأل محمود الذي تأخر في زيارته, وبعد أربعة أيام من التفكير
الذي لم يقد إلى نتيجة وصل محمود إلى منزل عماد في ساعة متأخرة من
الليل, واستلم من عماد مجموعة من المعلومات التي حصل عليها وكانت
تتعلق بشخصيات فلسطينية تقيم في الأردن, ثم طلب من عماد تغيير مكان
سكنه بأسرع وقت. وقد ألح عماد بالسؤال المتعلق بالسفر إلى بغداد
فأجابه محمود:
هذا الأمر بحاجة إلى قرار من شاؤول, وعلى كل حال حاول أن تعرف سبب
الدعوة التي وجهها لك جاسم دون أن تثير شكوكه.
في اليوم التالي لم يذهب عماد إلى عمله حيث انشغل بالانتقال إلى
شقة جديدة في ضاحية الأمير حسن, وقد التزم عماد بتعليمات محمود التي
نصت على عدم إعلام أحد بعنوان الشقة الجديدة.
وعندما عاد عماد إلى عمله بعد الانتهاء من نقل أغراضه إلى شقته الجديدة
فوجئ بصاحب الكشك وهو يبلغه أنه قد نقله من العمل في الكشك إلى محل
قريب يملكه صاحب الكشك. نفذ عماد تعليمات صاحب العمل وباشر عمله
في المحل حيث وجد أن هناك شخصا آخر يدعى سالم يعمل معه في المحل
نفسه, ومع ساعات الدوام الأولى وصل جاسم إلى باب المحل وتحدث إلى
عماد قائلا : ألم نتفق على أن تسافر معي إلى بغداد!
عماد: لم نتفق بعد, فلدي وظيفة هنا وأخشى أن أخسرها.
جاسم: لا عليك, لقد أمن لي أحد أقاربي عملا في بغداد ويمكنك أن تعمل
معي, المهم أن أ ع رفك على أسرتي هناك.
عماد: ولكنني غير جاهز حاليا للسفر.
جاسم: لا تحمل الأمور أكثر من طاقتها, فسوف تجد أن زيارة بغداد ممتعة
وستكون رحلة العمر بالنسبة لك.
في قبضة المخابرات الأردنية
كان عماد يتجول في شارع (سقف السيل) عندما اقتربت منه سيارة وسارت
بمحاذاته إلى أن توقفت قربه, نزل أحد ركاب السيارة وتحدث إلى عماد
مبتسما : تصرف بشكل طبيعي واصعد معي إلى السيارة.
عماد: ومن أنت كي أصعد معك?
الرجل: قلت لك أن عليك عدم لفت انتباه المارة, أنا من المخابرات
الأردنية.
شعر عماد بجدية الموقف وتمنى أن يجد محمود إلى جانبه ليرشده إلى
ما يتوجب عليه فعله لكن رجل الأمن لم يمهله كثيرا وأشار إليه بالصعود
إلى السيارة. تحركت السيارة باتجاه مبنى المخابرات العامة مرورا
بمدينة الحسين الطبية, وكانت تلك أول مرة يدخل فيها عماد إلى ذلك
المبنى الذي يشبه مدينة مصغرة أو قلعة كما يصفها الأردنيون.
في إحدى الغرف جلس عماد في مواجهة ضابط المخابرات الذي فضل اختصار
الوقت من خلال سرد معلومات مؤكدة حول نشاط عماد لصالح المخابرات
الإسرائيلية. لم يفهم عماد كيف وصلت المعلومات المتعلقة بنشاطه لصالح
الموساد إلى المخابرات الأردنية, واستغرب عدم اتخاذ المخابرات الأردنية
إجراء بحقه.
اختتم ضابط المخابرات حديثه بقوله: أردت فقط أن تدرك بأننا نعرف
كل شيء يتعلق بنشاطك لصالح الموساد, وهذا الأمر ليس جريمة إن أنت
أحسنت التصرف.
عماد: معلوماتكم غير دقيقة.
الضابط: وهل تستطيع إنكار علاقتك بشاؤول ومحمود!
صمت عماد وهو يفكر برد ينقذه من ورطته لكن الضابط أضاف:
عليك الامتثال لتعليماتي وإلا فإن مصيرك سيكون أكثر سوءا مما تظن!
عماد: وما هو المطلوب مني!
الضابط: يبدو أنك مطيع وهذا أمر يساعدك ويحميك, كل ما نريده هو أن
تخبرنا بما يكلفك به الإسرائيليون من مهمات أولا بأول, سوف أعطيك
رقم هاتفي لتتصل بي وتضعني في صورة عما يستجد معك.. وإياك أن تكذب,
لأنك ستدفع ثمنا باهظا إذا حاولت ذلك..
خرج عماد من مبنى المخابرات وهو شارد الذهن يفكر بما يتوجب عليه
عمله فهل يخبر محمود بالأمر أم ينفذ تعليمات الضابط الأردني.
دوامة
وصل عماد إلى شقته واستلقى فوق سريره لايفهم ما يجري حوله, وقد استنتج
أمرا واحدا وهو أن المخابرات الأردنية علمت بطريقة أو بأخرى عن علاقته
بالموساد لكنها تريد إبقاء العلاقة تحت سيطرتها وربما تسعى لاستثمار
تلك العلاقة.
وبينما هو غارق في تأملاته وصل محمود الذي كان على عجلة من أمره
وبدأ بشرح تفاصيل مهمة جديدة طلب من عماد تنفيذها, وتتعلق تلك المهمة
بتقديم معلومات حول أحد نشطاء حركة حماس الذي يقيم في الأردن ويتخذ
لنفسه مقرا تحت ستار مكتبة افتتحها للتغطية على نشاطه.
فكر عماد إن كان عليه الاعتراف أمام محمود بما جرى معه ذلك اليوم,
لكنه عدل عن رأيه وقال لنفسه: ما دمت قد غرقت في العمل مع أجهزة
الأمن فإن العمل لصالح جهاز مخابرات عربي أفضل من الإخلاص للموساد.
وقبل أن يغادر محمود التفت إلى عماد وقال له: بالنسبة لسفرك إلى
بغداد, يمكنك السفر وسوف نتفق على التفاصيل وأخبرك بما ستفعله قبل
موعد السفر بيوم أو يومين, المهم أن تؤجل السفر أسبوعين على أقل
تقدير.
ترك محمود ظرفا يحوي مبلغ (1000) دولار لعماد وغادر الشقة أمضى عماد
ليلته في تنظيف وتفقد سلاحه وكأن احساسه يقوده لاحتمال تعرضه للخطر
بعد مجمل التعقيدات التي طرأت على قصته.
في صباح اليوم التالي باشر عماد عمله بشكل طبيعي لكنه لاحظ أن زميله
في المحل (سالم) يكثر من الأسئلة ويحاول معرفة كل شيء عن حياة عماد,
ولم يكن باستطاعة عماد الإجابة بشكل صريح بسبب تحذير محمود له من
مغبة البوح بأية معلومات خاصة لأي شخص كان.
لاحظ سالم تردد عماد وارتباكه فآثر عدم إحراجه, لكن عماد توقع أن
سالم يعمل لحساب المخابرات الأردنية وهو ما يضيق عليه الخناق ويجعل
تحركاته مراقبة من قبل عدة أجهزة أمنية.
بعد انتهاء دوامه ذهب عماد مع جاسم لتناول الطعام في مطعم مك ة القريب
من الساحة الهاشمية وهناك عاد جاسم للحديث عن السفر فوافق عماد قائلا
: حسنا , يمكنني أن أسافر معك, ولكن ليس قبل أسبوعين إذ لابد من
إنهاء بعض الارتباطات العائلية قبل السفر.
جاسم: هذا خبر مفرح, وتأكد بأنك لن تندم على قرارك.
عماد: ولكنني لاحظت أنك لم تعد تعمل في مسح الأحذية, فما الأمر!
جاسم: لأنني قررت السفر والعودة إلى العراق.
عماد: اتفقنا, سوف نسافر بعد أسبوعين.
غادر عماد المطعم وهو يشعر كأنه دخل دو امة لن يستطيع الخروج منها.
مفاجأة غير سارة
توقع عماد أن يزوره محمود في أية لحظة كي يرتب معه موضوع السفر إلى
العراق, لكن أربعة أيام مر ت دون أن يشاهد محمود وكانت فترة قاسية
بسبب القلق والتوتر الدائمين, ولم ينس عماد أن يتصل بالضابط الأردني
حيث أخبره بموضوع السفر إلى بغداد ولم يعترض الضابط وإنما طلب من
عماد أن يخبره بأدق التفاصيل وأن يبقى على اتصال معه.
فكر عماد بالعودة إلى الضفة الغربية كي يرتاح من تلك الدوامة التي
يعيشها إلا أنه خشي من انتقام شاؤول كما أنه لم يكن واثقا من أن
المخابرات الأردنية ستسمح له بالمغادرة.. هكذا وجد عماد نفسه مرغما
على مواصلة اللعبة حتى نهايتها.
خرج عماد من المحل الذي يعمل فيه مساء واستقل سيارة سرفيس متوجها
إلى منزله وأحس عماد بأن هناك من يراقبه, لكنه لم يكن متأكدا من
ذلك الشعور, دخل عماد منزله وبدأ بإعداد القهوة, وقبل أن ينتهي من
إعدادها قرع جرس الباب فتوقع عماد أن يكون محمود قد جاء لزيارته
فتح عماد الباب ليفاجأ بثلاثة رجال ملثمين يدفعونه بقوة إلى داخل
الشقة وأغلق أحدهم الباب.
بدأ عماد يصرخ: من أنتم, ماذا تريدون مني!
أجاب أحدهم: أنت خائن.
وانهال الرجال بالضرب على عماد الذي حاول جاهدا الدفاع عن نفسه ولكن
دون جدوى. كان الضرب شديدا لدرجة أن عماد فقد وعيه, وبعد عدة دقائق
استيقظ عماد وهو يشعر بالدوار وبآلام في كافة أنحاء جسمه ولاحظ وجود
دم على ثيابه..
زحف عماد نحو سريره واستلقى عليه بصعوبة وبدأ يفكر بأولئك الرجال
الذين اعتدوا عليه, من الذي أرسلهم..? وما الذي يجب عليه عمله..?
وهل هو بأمان أم إنهم سيعودون لقتله والتخلص منه?.
يتبع...
|