شاعر
النهرين أحمد مطر يتجاذب أطراف الغربة والخوف مع قرائه
القسم الأول
|
أصرّ،
على إيصال الكلمة الحرة الصادقة إلى أبعد رأس مغمور بضلالات
الحكام ومرتزقتهم..
أتهكّم
على من يطالبونني بالسمع والطاعة لأيّ أفّاق لم أبايعه على حكمي،
ولأيّ لص لم أبايعه على سلبي، ولأيّ مجرم لم أبايعه على قتلي
فعلى
أيّ جبل شاهق من الصفاقة والوقاحة يستند أصحاب الطلاسم، حين
يدّعون أنّهم واصلون إلى الناس ؟!
لقد
كنت، على الدوام، لا أنظر إلى أميركا إلاّ نظرتي إلى الشيطان-
والعكس
صحيح- ولا أخاطبها إلاّ بحجارة الرجم، حتى أيّام ارتدت العمامة،
وأذّنت فينا للجهاد، إذا كنتم تذكرون !
إذا
كانت الشهرة مطلبي حقاً، فأيّ أحمق أنا إذ أسعى إلى أضيق آفاقها
على حدّ الشفرة، فيما يتربع عليها من دوني
- بخبطة طبلة - زميلنا المناضل " شعبان عبد الرحيم"
الذي يكره المقاول .. ويحب المَعاوِل ؟!
لماذا يبدو
في بعض قصائدك إيمان قوي وفي بعضها الآخر تهكّم على الشرع ؟
- كلاّ، هذا لا يبدو أبداً. لكنه قد يبدو لك إذا وضعت الرجال
في موضع الشرع نفسه، وأنا - لإيماني القوي - لا أضعهم هذا الموضع
.
إنني بدافع غيرتي على الشرع المبتلى، أتهكّم على من يمتطون الآخرة
للوصول إلى الدنيا، أولئك الذين يفتحون ألف عين على قصر الجلابيب،
لكنهم لا يلقون حتى نظرة خاطفة على طول " الأوزار"!
أتهكّم على من يشوّهون جمال دين العدل والرحمة، إذ يقطعون يد
سارق الدرهم، ثمّ لا يجدون حرجاً من أن يقبضوا رواتبهم من يد
سارق البلاد والعباد !
أتهكّم على من يطالبونني بالسمع والطاعة لأيّ أفّاق لم أبايعه
على حكمي، ولأيّ لص لم أبايعه على سلبي، ولأيّ مجرم لم أبايعه
على قتلي، ثمّ يحاولون تجميل القباحة بقبح أكبر، حين يباركون
لي بعظيم المكسب لأنه لم يمنعني من الصلاة !
وأيّ صلاة بعد هذا ؟!
أيتفق عقلاً أو شرعاً أن أدين للمنكر بالسمع والطاعة، ثم أقوم
لأقرأ في صلاتي :
" إنّ الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر " ؟!
لكلّ فرعون هامانه وقارونه، وفي زماننا هذا، استأثر فرعون بخزائن
قارون، وأوقف (الهامانات) بوّابين على أعتاب ظلمه وجوره وفساده،
ليعتصروا "الشرع" سوائل قابلة لأخذ أيّ شكل من أشكال
أوانيه المستطرقة !
هؤلاء، يا لارا، ليسوا الشرع. هؤلاء هم أعداء الشرع. وأنا ،
في الواقع، لا أكتفي بالتهكم عليهم، بل أجلد وجوههم بسوط الإدانة،
بأقسى مما أجلد الطغاة أنفسهم ، ذلك لأن الطغاة إنّما يرتكبون
جرائمهم عاريةً، أمّا هؤلاء فإنهم يأتون بما يُعجز إبليس من
فنون التفصيل والخياطة، من أجل إلباس تلك الجرائم ثوب الدين
!
البعض يقول إنك لا تؤمن بما تقول، وإنما تقول ما يريده الناس
لكسب الشهرة والمال معاً، أي بمعنى آخر أنت لست صاحب قضية بالدرجة
الأولى .
- بل أنا، بكل المعاني، صاحب قضية بالدرجة الأولى والأخيرة،
وإيماني بما أقوله مستقر في كلّ خلية مني، وما أقوله إنّما هو
ما أريده أنا قبل كلّ شيء .
لكن لأنني واحد من هؤلاء الناس الذين ذكرهم البعض "المبهم"،
ولأنني أعيش مآسيهم نفسها، فإن ما أقوله لا بد أن يكون، بالضرورة،
معبراً عن معظمهم .
دع ذلك "البعض" ينتظر قليلاً، والتفت إليّ..إنني أطالعك
باسمي الصريح ووجهي المعلن، فاسمع منّي .
أتعتقد أنّ شيئاً في الدنيا أغلى عندي وأحبّ إليّ من أن ألوذ
بظلّ أبي، أو أن أستروح عطر أمّي، أو أن أتقاسم مع إخوتي ضحكة
صافية في لحظة أمان ؟
ما الذي حملني على ترك كنوز كهذه، يحسدني قارون عليها، لأتجاذب
أطراف الغربة والخوف والمرض والتهديد، وأفرغ حصّالة عمري، على
جمر النكبات، من ثمانية وعشرين عاماً هي الأزهى والأجمل في حياة
أيّ إنسان ؟
الشهرة ؟!
أما كان بوسعي أن أطلبها بالسلامة وقلّة الجهد ؟
هل تعوزني الكفاءة، مثلاً، لنزع خرقة أمسح بها على ظهور هذه
الحكومات القذرة؟
وهل أحتاج إلى جهد لكي أؤلّف (كمننا) على شرف هذا الزمان الكمنني
؟
إذا كانت الشهرة مطلبي حقاً، فأيّ أحمق أنا إذ أسعى إلى أضيق
آفاقها على حدّ الشفرة، فيما يتربع عليها من دوني - بخبطة طبلة
- زميلنا المناضل " شعبان عبد الرحيم" الذي يكره المقاول
.. ويحب المَعاوِل ؟!
إذا كنتُ معروفاً إلى حد ما، فليس لأنني أسعى لأن أكون معروفاً،
ولكن لأنني أصرّ، بوسيلتي الخاصّة البسيطة، على إيصال الكلمة
الحرة الصادقة إلى أبعد رأس مغمور بضلالات الحكام ومرتزقتهم..
وعندئذ لابد لمن تصل إليه الكلمة أن يعرف من المسؤول عنها .
وأجمل ما في هذه المعرفة أنها قائمة على التشارك الفعلي في الهموم
والتطلعات، لا على الصيت الفارغ .. وإلاّ فكم من مشهور ترى اسمه
مقرراً في المطبوعات، وصورته مفرودة على الشاشات، دون أن يملك
القارئ من كلامه حرفاً واحداً ؟
أهكذا أنا ؟
لعلك تقول إنّ هناك قطيعة بين وسائل الإعلام وبيني؟ هذا صحيح
، وهو يعني أن ما أقوله يغلق باب الشهرة بدلاً من أن يفتحها،
وهذا بحد ذاته كافٍ للرد على ذلك " البعض " .
لكنّ هناك جانباً آخر لهذه المسألة، أعتقد أن الكثيرين يجهلونه،
ولذلك ينبغي لي هنا أن أجهر به ، لكي يعلم من لا يعلم.
إنّ قرار القطيعة بيني وبين وسائل الإعلام ليس بيد تلك الوسائل
.. بل بيدي أنا .
فإذا كانت تقاطعني بالمواسم، فأنا أقاطعها بالدهر. إنها تسعى
إليّ أحياناً، لكنّني لا أسعى إليها أبداً. وحتى إذا سارعت هي
إلى فتح صفحة جديدة معي، فإنني سرعان ما أختم كتابها كلّه بالشمع
الأحمر .
تأتيني، باستمرار، دعوات كثيرة وملحّة، من صحف ومجلات وفضائيات
ومهرجانات ومنتديات ومؤسسات رسمية وشبه رسمية، لكنني أبادر،
دائماً، إلى الاعتذار عن عدم التلبية .. وأظن أنّ بوسع العشرات
ممن كتبوا إليّ أو اتّصلوا بي أن يشهدوا بذلك .
إنني ، خلال أعوام طويلة، لم ألبِّ سوى دعوتين اثنتين للحوار،
أولاهما مع مجلّة معارضة بشدّة لأنظمة القمع، والثانية مع مجلّة
كان يصدرها شبّان شرفاء كتجربة لصحافة مختلفة، ولم تكن لهم أيّة
علاقة بسلطة تدفعهم أو تدفع لهم. وأكبر دليل على براءة هاتين
المجلتين، أنهما توقفتا عن الصدور، لضيق ذات اليد، ولضيق ذات
الطغيان !
مختصر القول: إنّ الشهرة -على ضيقها- هي التي تسعى إليّ، ولو
أنها توقّفت عن مسعاها ، فسأكون لها شاكراً وممتناً. أمّا المال
المحدود الذي أكسبه بعملي فإنني أبذل أضعافه جهداً، ثمّ لا ألبث
أن أدفع ثلثه ضرائب للحكومة .
بلّغ أثباج أنني أنا من يدفع للحكومة !
غالبية قصائد الشاعر أحمد مطر تصوّر لنا كبت الحريّات في الأوطان
العربية، وبالذات حرية التعبير. كيف يرى أحمد مطر تجربة الإنترنت
التي أتاحت للجميع حرية التعبير ؟ وهل استطاعت حرية الكلام أن
تغيّر شيئاً ؟
- لاشكّ أنّ تجربة الإنترنت قد فتحت أفقاً رائعاً لتداول المعلومات
والأفكار، لكنها - وأرجو أن أكون مخطئاً -لم تفلح ، بعد، في
إزالة آثار الكبت، ولا في إتاحة حرية التعبير المبتغاة. ذلك
لأنّ طرفي العلاقة (المواطن والسلطة) وهما يواجهان شبكة الإنترنت،
مازالا مشدودين بقوّة إلى شبكة خوفهما الأزلية ..فإذا رمى ذلك
منشوراته من وراء حائط الأسماء والعناوين المستعارة، كبست هذه
زراً فارتفع السقف وانطبق على الحائط .
لقد أبلغني أخي العزيز المشرف العام على هذا الموقع، بأن موقعه
كان محجوباً عن بعض الدول الخليجية لمدة ستة أشهر..فيما علمت
أن ابن شاعر مصري راحل، دخل السجن لنشره إحدى قصائد والده على
الإنترنت .
وهذا يعني أننا، برغم تقدّم وسائل الاتّصال، مازلنا نتحرك في
زمن المخبر " عبد العاطي "، وأننا ما زلنا نطبع منشوراتنا
السريّة بآلة (الرونيو) البدائية، وكلّ ما جدّ هو أننا صرنا
ندثّر عظامها الواهية بسترة (الكومبيوتر) !
ليس ما نتوخاه من حرية التعبير، يا عزيزي أحمد، هو أن ننفض خير
وشرّ ما في أنفسنا من غضب مشروع أو عُقَد مستحكمة، لمجرد التنفيس،
من وراء الحيطان.
ذلك شبيه برمي بذرة في الهواء، لا هي ضامنة لمسؤولية فلاّح ولا
هي طامعة بخصوبة تربة.
إنّ ما نتوخاه من حرية التعبير ليس " التنفيس " السرّي،
بل " التنفس " العلني .
وعلى هذا فلا تسأل، بهذه السرعة، عمّا إذا كان الكلام قد غيّر
شيئاً. إنها مجرد خطوة.. وهي خطوة واسعة وباعثة للأمل، وعلينا
أن نغتنمها بكلّ طاقتنا، للتدرب على القفز إلى ما بعدها، حتى
نستكمل المسافة نحو "حرية التعبير" الحقّة، تلك التي
نقف فيها على أقدامنا، ونسفر عن وجوهنا، ونعلن عن أسمائنا، لنقول
ببساطة ودون خوف، لكل من ينتحل هيئة الخليفة: ( لقد رأينا فيك
اعوجاجاً، فاستقم، وإلاً قومناك بالسيف ) .
عندئذ لن تكون هذه الحرية قد غيّرت شيئاً، بل ستكون قد غيّرت
كلّ شيء .
شكراً للإنترنت الذي منحنا هذه الخطوة، وعلينا لكي نرد له هذا
الجميل، أن نسارع بجعل خطوته قفزات عالية .
أقول قولي هذا، وعيني على الحائط، وأذني على صوت الزّر الذي
سيلصق السقف بالحائط !
لا يهمّ .. سيصل الكلام. إن لم يكن اليوم، فغداً .
المفردة في شعر أحمد مطر تتراوح بين " العلو والسمو "
وبين اللفظة " السوقية الدارجة " هل استخدام المفردات
أيّاً كانت لا يضر بعبقرية الشعر ؟
دعا بعض النقاد إلى دراسة الظاهرة القرآنية في شعر أحمد مطر..
ما هي الحدود التي يوظف فيها أحمد مطر النصوص القرآنية في شعره
؟ أم أن الحرية مفتوحة في ذلك ؟ وكيف ينظر إلى قدسية النص القرآني
؟
- أصدقك القول بأنني، عندما أكتب، لا أتذكّر عبقرية الشعر، وإنما
ينحصر همّي في تركيب العبارة السهلة المستوفية للفكرة التي أريد
إيصالها بكل صدق إلى القارئ .
وأنا أؤمن، في هذا السبيل، بأن المفردة بذاتها لا تملك أن تكون
رفيعة أو وضيعة، بل هي تكتسب صفتها من خلال اتحادها بمجموع مفردات
العبارة .
خذ مثلاً هذه العبارة الموجهة من شاعر إلى حاكم: ( ما شئت لا
ما شاءت الأقدار.. فاحكم فأنت الواحد القهّار ) ، ألا ترى أنّ
ألفاظها الرفيعة المتفرقة، قد بلغت غاية القبح والانحطاط إذ
تجمّعت ؟!
وخذ، بالمقابل، هذه العبارة الموجهة من شاعر آخر إلى حاكم آخر:
( وتعجبني رجلاك في النعل، إنني.. رأيتك ذا نعلٍ إذا كنتَ حافيا
)، ألست ترى أنّ ألفاظها الوضيعة المتفرّقة، قد بلغت مكاناً
عالياً إذ تجمّعت ؟
فإذا كانت العبقرية تتعافى على الأولى، وتمرض من الثانية، فادع
معي الله ألاّ يعافيها أبداً .
أمّا قدسية النص القرآني فهي عندي محفوظة بالتنصيص، وفي ما عدا
ذلك فأنا شاعر أستلهم روح النص، أو أتأثّر بصدى اللفظ، أو أستهدي
بعناصر القصّ، وأوظفها فنيّاً لإظهار المفارقة، أو تحقيق الصدمة،
أو إبداء الاحتجاج .
وأحسب أنني، في كل ذلك، لم أصدر إلاّ عن نفس مؤمنة، تتصدّى للإشارة
إلى البون الشاسع بين ما أراده الله وبين ما تصنعه الأوثان البشريّة
.
ما بين الشيوعية والتشيّع مسافات ضاربة في البعد، إلى أي مدى
وفّق أحمد مطر بينهما ؟ أم أنّ حب " لينين " كان بديلاً
عن آل البيت الكرام !!
- يمكن أن أعتبر نفسي محظوظاً بوجودك، يا عزيزي طارق، فها أنت
تكشف لي معلومة جديدة جداً عن أحمد مطر !
ما شاء الله، تبدو مستوعباً لشعره تماماً، ومطّلعاً على سيرة
حياته بدقة، وعلى بينة من كل ما ورد في صحيفة أعماله، وعلى الإجمال
يبدو أنك تعرفه أكثر مني، بدليل أنني عشت معه أعواماً طويلة،
دون أن يصرّح لي بشيء عن بنائه الجسور للتوفيق بين المسافات
المتخاصمة، ولا عن انشغاله بتلك الغراميات البديلة !
ومكافأة لك على هذه المعلومة، سأساعدك في حل مشكلتك : مزّق كلّ
قصائده التي قالها في حب لينين، وارمها في الزبالة، ثمّ احتفظ،
إن شئت، بالقصائد الباقية.
أمّا مشكلتي أنا، فلا أطلب المساعدة في حلّها إلاّ من ربّ العالمين
.ومشكلتي هي أنّك تنخزني قائلاً ( أخ فلاديمير.. عندي سؤال)،
ثمّ لا تترك لي فرصة القول ( أنت غلطان.. أنا أخوك أحمد ) بل
تعاجلني بسؤالك كالطلقة :
( لماذا سموكَ فلاديمير؟ ) !
لقد خنقتني ابتسامة مُرّة، وأنا أقرأ سؤالك، وتساءلت في نفسي
بدهشة: إذا كنت أنا، بكلامي البسيط جداً والواضح جداً، لم أستطع
أن أوصل معناي إلى العزيز طارق، فعلى أيّ جبل شاهق من الصفاقة
والوقاحة يستند أصحاب الطلاسم، حين يدّعون أنّهم واصلون إلى
الناس ؟!
حصل بينك وبين الشاعر غازي القصيبي مناوشات أدبية حول بعض الفعاليات
السعودية في الخارج. هل من الممكن أن نعرف ولو بعض تفاصيل ما
حصل ؟
- قبل عدّة أعوام تلقّيت رسالة من قارئ جزائري، أطال التأكيد
فيها على أنه وجد في شعري ما يبحث عنه من معانٍ عميقة وهادفة
، ثم واصل قائلاً: أتوجه إلى حضرتك ببعض الطلبات وأتمنى ألاّ
تبخل عليّ بها، وهي أولاً: الشريط الذي يتضمن أشعار سعادتك الفاضلة
والذي تقول فيه " قتل كلب في مغتفر جريمة لا تغتفر ".
ثانياً: عنوان الممثل محمود عبد العزيز !
لقد أوقعني في حيرة. إذ كان ممكناً أن أعثر له على عنوان محمود
عبد العزيز، لكن كيف يمكنني أن أحصل على شريط سعادتي الذي أقول
فيه " قتل كلب في مغتفر "، وأنا نفسي لم أسمع به ؟!
أنا، الآن، في مأزق مماثل. صحيح أنني كتبت شعراً عن بعض فعاليات
وأفاعيل الدولة السعودية، لكن لم يحدث قط أن دخلت في مناوشات
من أي نوع مع الشاعر غازي القصيبي، ولم أسمع بمثل هذا الأمر
إلاّ منك الآن !
إنني في غاية الأسف، يا وصايف، لعدم استطاعتي أن أشبع فضولك
من هذه الناحية .
هل ينفع عنوان محمود عبد العزيز ؟
كنت تمثل لنا رأس الحربة في وجه التسلط أياً كانت مصادره، ثم
أتى بن لادن فصار رأس الحربة ضد التسلط الأميركي.. غير أننا
لم نرَ من قصائدك الكثير من المساندة له - بغض النظر عما لو
خالفته في بعض الأمور - لم نر الكثير، فهل ياترى أثّرت 11 سبتمبر
على صوتنا الحر والمتحدث الرسمي باسمنا أحمد مطر؟
- إنّ موقفي المناهض لأميركا هو موقف مبدئي، لا يحتاج إلى حدث
صاعق لكي يُستفز، ولا ينتظر هدنة لكي يستريح .
لقد كنت، على الدوام، لا أنظر إلى أميركا إلاّ نظرتي إلى الشيطان-
والعكس صحيح- ولا أخاطبها إلاّ بحجارة الرجم، حتى أيّام ارتدت
العمامة، وأذّنت فينا للجهاد، إذا كنتم تذكرون !
وعلى العكس مما ترى، فإنّ شعري في هذا الاتجاه، أصبح أكثر كثافةً
وعنفاً بعد 11 سبتمبر بالذات، حين نزعت أميركا حتى براقعها الشفّافة،
فأبدت للدنيا وقاحة من شأنها أن تستفزّ الحجر الأصم .
اطمئنوا .. ليس لمثلي أن يتغير .
أبعد أن فاض إناء العمر ؟!
(ميلاد الموت) كانت القصيدة التي ابتكرت فيها بحراً من بحور
الشعر. حدثنا عنها قليلاً، وأتحفنا بأبياتها .
- كتبت قصيدة " ميلاد الموت " في اليوم الأخير من
سنة 1980، على وزن زاوجت فيه بين " مجزوء الخفيف "
و " المجتث " وهو معكوس الأول .
وعندما شرعت في الكتابة لم أكن قاصداً إلى ابتكار هذه النغمة،
بل كنت أكتب بتوافق موسيقي عفوي، لم أشعر في أثنائه بأي خروج
على البحور المألوفة، فلمّا اكتشفت ذلك بعد كتابة البيت الخامس
عشر، لم أتوقف، بل مضيت حتى نهاية القصيدة، ممعناً في استمطار
هذه النغمة للتعبير عن حالتي النفسية في ليلة رأس السنة الجديدة،
حيث عنائي من مرارة الوحدة .
وبعد إتمامها تأملتها، فوجدت في اجتماع "مجزوء الخفيف"
و"المجتث" إمكانية لاحتواء الشعر بتلقائية، مما يضيف
قالباً جديداً لتفاعيل الأبيات مبنياً على التخالف بين الصدر
والعجز، على عكس التوافق في البحور المعروفة، فهو:
( فاعلاتن مستفعلن .. مستفعلن فاعلاتن ) .
وقد أشرت عند نشرها في الأسبوع الأول من سنة 1981، إلى أنه نظراً
لتركيبة التفاعيل في هذا البحر، لا يمكن للشاعر أن يقفّي الصدر
والعجز معاً، وذلك لاختلاف تفعيلة "الضرب" عن تفعيلة
"العروض"، كما يستحب أن يصيب "الخبن" تفعيلة
"مستفعلن" لتكون "مفاعلن"، فذلك يُطرّي
النغمة أكثر بحيث لا يحسّ القارئ وقوفاً أو حِدّة في البيت .
ثمّ أنني أسلمت الأمر، بعد هذا، لمقدار قبول أذن القارئ لموسيقى
هذه التركيبة، وتركت الحكم للمختصين، فكان الأستاذ الدكتور عبده
بدوي أوّل المبادرين إلى عرضها والإشادة بها في مجلة (الشعر)
المصرية .
وإليك المقطع الأخير منها :
أهـوَ الحـبُّ أن أرى مَنيـّتي في الأماني ؟
كتـمَ الليـلُ هَمَّــهُ وهَمَّـهُ أن أُعانـي
ومضى دونَ بضـعةٍ مِن لونهِ في كيانـي
تتهـجّى وصيَّـتـي قبلَ انتهاء الثوانـي :
رَقصَتْ ساعة الرّدى إذ التقـى العقـربانِ
وذَوَتْ زهرةُ الصِّـبا في القلبِ قبلَ الأوانِ
يافـتاتـي .. فرحمةً بالأمنيـاتِ الحسـانِ
لم تَعُـد دوحةُ المنى معروشـةً بالأمـانِ
وبِحـاري تَرنَّـقتْ فجـرّبي قلبَ ثـانِ .
أريد أن أعرف البديل السياسي أو الفكري الذي يطرحه أو يتبناه
أحمد مطر. لأني بصراحة يغيب عني تصوّره هنا.
- لا أعتقد أنّ توجهي الفكري قد غاب عنك حقاً، إذا كنت قد قرأت
شعري كلّه .
وهو مع وضوحه التام، ليس بديلاً عن التوجهات الأخرى، بل سابح
معها في منافسة الوصول إلى سفينة النجاة، وحين يفلح في أن يكون
أوّل الواصلين، سأكون أوّل الثائرين عليه، إذا استأثر بها دون
الآخرين وتركهم طعاماً للأمواج الكاسرة، أو إذا حاول، لقاء انتشالهم،
أن يُشغّلهم بحّارة بالسخرة، لا نصيب لهم في لمس الدفّة أو النظر
في البوصلة أو قراءة النجوم ، ولا حقَّ لهم في محاسبته إذا أراد
إغراق السفينة بمن فيها .
إنني لست مطبلاً في زفّة بعينها، ولا دلاّلاً على باب دكّان
حزبيّ محدد. أنا شاعر من عامة الناس، أعيش محنة كلّ الناس، فأعبّر
عنها، وأستنهضهم للخلاص، وليعمل كلٌّ على شاكلته .
أمّا إذا شئت بديلاً عمّا هو قائم فهو نقيض كلّ ما تراني أنتقده
في شعري. إنّه مختصر في "حرية الإنسان وامتلاكه لأمره وفق
قانون ربّه" .
ومن الواضح جداً أنّ ما أبتغيه هو أن يصل الجميع إلى هذه المحطة
بأمان وسلام، مهما كانت ملامحهم ومهما كانت أفكارهم، لكنّ المشكلة
هي أننا -نحن مالكي السيارة - نفاجأ كلّ يوم بشخص غريب يقفز،
في غفلة منا، وراء عجلة القيادة، فيخطف سيارتنا ويخطفنا معها
تحت تهديد السلاح، ولا يتركنا إلاّ حينما يخطفنا منه لصّ آخر،
حتى تخلخلت الإطارات، وصدئت الصفائح، ونفد الوقود، وكدنا نموت
إعياءً وجوعاً .
كلّ ما أطلبه من بديل لهذا الوضع الشاذ والمهلك، هو أن نختار
سائق سيارتنا بأنفسنا .
هل هذا كثير ؟!
( أنا لا أكتب الأشعار فالأشعار تكتبني
أريد الصمت كي أحيا، ولكنّ الذي ألقاه ينطقني
ولا ألقى سوى حُـزُنٍ على حزن على حزنِ
أأكتب أنني حيٌّ على كفني ؟ )
متى فقدت حريتك وتراكمت عليك الأحزان ؟ وأين ؟ وهل وجدتها الآن
؟
هل صحيح أنّ أجمل القصائد وأصدقها كانت خارج الأوطان العربية..في
المنفى ؟
- لم أفقد حريتي حتى أجدها. لقد فقدت أشياء كثيرة وكبيرة بسبب
انشغالي بالحفاظ على هذه الحرية. ولو أنني فقدتها، لكانت كل
تلك الأشياء في حوزتي، ما عداي !
حريتي هي أنا، ولن تستطيع أيّة قوّة في الدنيا أن تجردني منها،
ولو جردتني من روحي .. لقد أودعتها القدرة على الصراخ حتى بعد
موتي .
أمّا الشعر الجميل والصادق فهو رهن بجمال وصدق الشاعر لا بالمكان
.
غير أنّ مثل هذا الشاعر قد يضطر، في ظروف القمع وضيق ذات القول،
إلى استخدام حيل التخفّي، لركوب وسائط النقل دون أن يدفع ثمن
التذكرة، وهذا ما لا يحتاج إليه في المنفى، لأنّ المنفى نفسه
هو الثمن الباهظ المدفوع سلفاً، من أجل حيازة الحنجرة كاملة،
والتجرد من طاقية الإخفاء .
المسألة، إذن، متعلقة بمساحة ملعب الجميل الصادق، لا بطبيعة
الجمال والصدق. ذلك أنّ آلاف المنافي لا يمكن أن تعتصر الجمال
والصدق من قريحة شاعر قبيح كذّاب .
|
بستان
الدمع
رعد
عبد القادر
|
|
منع البستاني وصف
الزهرة
فوصم بالجنون وأرسل إلى صحراء
- هنا نبتُ
والماءُ خديعة
هذا الكائن فضة الماضي، عيون المعنى، بكاء
يفتح هذا المكان عصراً أو وليمة
ويتركها للسان
ينبذُ فيها أخلاطاً من النبيذ والهموم والتوابل والذكريات
هذا الكائن في فراشةٍ أي في شبكةٍ،
أي في دم قديمٍ
هل هو هذا الفضاء الذي صار أبيض كالتاج، الذي صار
أسود كالرنين الذي صار أخضر يا دمع دلني؟
قم إلى بستان الفيروز
قم إلى وردة واسعة كالقدرِ،
هذا جسد السندس، هذا ثغر الأبنوس
سافر بين الوردة والسيفِ
صقيلاً في الود
نحيلاً في النفاذ،
يا دمع دلّني
كن بوصلتي على حائط بستان
وافتح لي بلاداً لا تفسر الزهرة بالتراب
ولا الشمس بالوقت
ولا الموت بالقبر
يا دمع دلني على صحراء البستاني
دلني على فاكهة الإثم والجنون
واملأ ثيابي بها
[ها أنا أسير في خيط
إلى إبرةٍ
إلى رمادٍ
وأقول: هذا جسد النار
هذا ثوبي
ويدخلُ إلى عريي
ويستر فضيحتي،
وأركب فرساً
ونعطش أنا والفرسُ
وأبكي وتبكي
وأسقيها وتسقيني
وأنظر إلى عجاجةٍ تسد منافذ الأفق
وتنجلي بعد حينٍ
فإذا هي عمامةٌ وجبةٌ
ولا أرى لهما صاحباً
فأمد يدي إلى الخرجٍِ أخرجُ عشبةً
ملفوفةً في منديلٍ
وأشمُّ الأريجَ راحةً لنفسي
فيطلع لي ذئبٌ يحملُ كتاباً
ويقرأُ لي جوعَهُ
وكيف أنه حلم بقدومي
وأنا أقول له: انتظرني حتى أسمن
وهو يضحك ويضحك
حتى انقلب على ظهره
وشاهدت بطنه كالدف
والليل يحمل بكفّيه عيداناً من البردِ
ويقرعُ ويقرع
وأنا وفرسي والذئب
نرقص ونبكي]
هل أدلّك؟ صاح بي الدمعُ
ولم أفارق بعد محل خطوتي إلى صحراء البستاني
هل هو هذا الفضاء الذي صار أبيض كالتاج، الذي صار
أسود كالرنين الذي صار أخضر؟ يا دمع دلّني،
دلّني.
أدونيس استحال إلى دمعة والفجر عباءةٌ بيضاءٌ مخضلة
ومطرزة بحب الرمان، وكل حبة تهتف في الطريق
وأطلع إلى المقهى وأنا في الضفة الشرقية من المقهى
أبصر زاهراً ملفوفاً بقماطٍ جيزان يصيح يا دمع دلّني
وابصر خزعل حزيناً وأقول يا وقت عرفني بمن رأيت
فيصيح الوقت يا دمع دلّني ونصيح كلنا: هل أنت
يا دمع شكل أم مضمون..
شجرٌ، أصبح الشجر يخرج من أكفنا ومن عيوننا ومن
أضالعنا
أصبح الشجر يخرج من التخوت والسماوات والوقت
يخرج
من الشجر ويتراكبُ الثمرُ، الليل من النهار والنهار من الليل.
شجرٌ يمشي وأشعةٌ تفضي إلى أشعة
وشاهد يحمل
دم شهيد والجميع مناديل في حضن الطفل الذي يتكررُ
كالراء في العبارة الأخرى..
سننسى إذن وننسى ونشتق من نسياننا
معرفةً
ونكحل بها عيون أعماقنا
سنشعل الفيروز ونمنع وصف الزهرة
- هنا نبتٌ
- الماء خديعةٌ
والبستاني في الصحراء يمنع وصف الدمع.
|
الهجانة
الأربعاء
عماد
البليك
|
|
تقطعت أسباب العيش دونما سبب
, ارتفع في أول الفجر صوت المؤذن في زاوية البرهانية (حي على الفلاح),
كعادته والدي منذ أكثر من عشرة سنوات يؤدي الصبح حاضرا ويرتل صفحات
من كتاب الله, يبدأ يومه بفنجان القهوة الحار, جالسا على الكرسي
القصير ( البنبر ) أمام مدخل المطبخ الصغير القائم في زاوية البيت
الجنوبية الغربية, يطالع في محفظة نقوده عله يجد فيها جنيهات من
بقايا الأمس يشتري بها خضار اليوم,.. ينادي أمي يقول لها: (ما رأيك
أن يتغدى الأولاد اليوم بملاح القرع?).. تضحك أمي وتقول له: (هذا
ليس موسم القرع يا عبد الله أنسيت أننا في أول مواسم الدميرة)..
ينتبه فجأة كأنما كان جالسا في مكان ثان , ويقول بصوته الخافت: (نسيت
والله يا أم علي.. نسيت).
عندما ينتصف النهار تهرب العالمين إلى بيوت الطين تدس أنفسها من
الحر, يغلق السوق أبوابه, وينام سائقو التكاسي داخل سياراتهم في
انتظار رحلة ما بعد العصر, لا تبصر شيئا في الطريق عدا بائعات الفول
السوداني, عائدات لتوهن من موقف المواصلات في انتظار رزق جديد في
المساء, كل شيء يغلفه السكون إلا طاحونة أولاد حمدان فتظل تتطحن
في دقيق الذرة لا تتوقف, يقف مبارك فيها من أول الفجر حتى ما بعد
العشاء لا يفتر ولا يكل ولا يمل ولا يتنفس الصعداء , هذا الرجل كأنما
ولد بلا آهات, عندما يضيق به الحال ونادرا ما يتحدث, يبدأ في قزقزة
التسالي ويلعب الورق مع نفسه حتى يفرغ غضبه الهادي, ويدير الطاحونة
من جديد.
في أول العصر لا أحد يهيم في بيوت الطين, الكل يطارد همومه صغيرة
كانت أم كبيرة, عبد الرحمن الجعلي يقف أمام دكانة الصادق مع رفاقه
يراقبون العابرين ويعلقون بأصوات هامسة, مزمل وحسين عمران ونصر الدين
الغرباوي يذهبون إلى ملعب الكرة يحرزون الهدف تلو الهدف ويختلفون
هل كانت هذه الكرة هدفا أم لا فالعارضات كانت بلا شباك, محمد الشكينة
لا يريد أن يسمع أحدا ولا أن يراه أحد, يلوذ بنفسه وحيدا في صحراء
العتامير باحثا عن الذهب مع الفرنسيين, والفرنسيون أرحم بالنسبة
له فهو لا يعرف لغتهم , وهم لا يريدون أن يكلموا أحدا منشغلين ليل
نهار في عملهم, تهبط الطائرات وترتفع, ماذا تضع? وماذا تأخذ? لا
أحد يعلم, حتى محمد الشكينة الذي ألف الحياة في مناطق التعدين لا
يعرف شيئا , ولم يكن مهتما بذلك كان فقط يحلم بأن ي حص ل في يوم
ما ذهبا كثيرا كثيرا جدا , يبني به بيتا من الخرسانة المسلحة من
طابقين في الخرطوم كما فعل أولاد عمه, فهم لا يعتبرون أذكى منه ولا
أشطر في الحياة, فقد كان متفوقا عليهم أيام الدراسة في الأولية,
لكنه لم يستطيع أن يكمل دراسته لأن أبوه مات وترك له أخوانا صغارا
عليه أن يرعاهم, حتى الأخوان كبروا وتفرقوا في بلاد الدنيا العجيبة
ولم يعدوا يذكرونه ولو بمجرد خطاب يقرئ السلام لا غير, وما حاجة
المرء في الدنيا لإخوانه إن تصر م حبل المودة والحنين,.. كل شيء
تغير في هذا الزمان, لا أحد أصبح مهموما بأحد, والأيام أصبحت تمر
سراعا كالبرق, لا طعم فيها تستلذه الأنفس, أصبح كل شيء يمشي وحيدا
..
في أول الليل يقوم عبد الله من على سجادة الصلاة بعد أن يصلى المغرب
ويدعو الله أن يلطف في قضائه, يدير موجة المذياع, يستمع لأخبار البي
بي سي من لندن, لا أحد مثله خبير بشؤون العالم, وتقلبات السياسة,
واتفاقيات السلام, وكوارث الحروب والنازحين, وجيوش الأمم المتحدة
في شتى بقاع الدنيا, والنزاعات الحدودية والإرهاب, وتجار المافيا
والمخدرات, وملفات أسامة بن لادن,.. وحين يجلس ليحاور أحدا ما من
أهل الهجانة بصوته الخافت يستمع له البقية دون أن يعارضونه أو يقولون
له لا.. حتى بشير الذي درس العلوم السياسية في جامعة الخرطوم ويعمل
محررا سياسيا في صحيفة (سودانسكوب), كان يندهش من قدرات عبد الله,
ويقول له وهو يقضي إجازته في الهجانة, يا عبد الله أنت رجل غير عادي,..
لكن عبد الله لم يحصد من خبراته شيئا , وما عاش إلا ليوم واحد س
ع د فيه حينما حاوره أحد مراسلي الصحف الأجنبية التي تصدر في أوروبا,
من أولئك الذين يأتون مع طائرات الفرنسيين, وكان قد أرسل له المجلة
بعد شهرين من الحوار, عندما رأى عبد الله صورته على الغلاف بكى وجرت
دموعه دون أن يتحكم في هذا الأمر, ولا يزال يحتفظ بهذا العدد يطالعه
متى أحس بحاجة لأن يستشعر قسوة الزمان, رغم أنه لا يفهم الكلام المكتوب
عنه شيئا ..
كاتب سوداني مقيم
بالدوحة
|
التحديق
.. فيما سيحدث
إبراهيم
المصري
|
|
لا تقولوا لنا ..
الحربُ على الأبواب
نعرفُ ذلك
ونحتمي بالغرفِ الداخليةِ للقلب
ليس سرَّا
أنَّ هديراً يقترب
وغداً نراه لامعاً
حين تبدأ الطائرات
في قصفِ أعلامنا
إننا على حافةِ الزمن
مُهانين بسعال يخرجُ جافاً
قاضماً قطعاً نيئة من الرئتين
وها هي أختي التي
قصَّت عنفوانَ ضفائرها
تنتظرُ زوجاً يخرجُ كلَّ صباح إلى الحرب
ثم يعود مُحملاً بالجماجم والأوسمة
وبرأسهِ المقطوع
هكذا .. .. ..
منذ عام
منذ خمسين عاما
منذ ألف عام
كان السيفُ أولاً وكان البرق
وكانت القنبلة الفراغية
في خواءِ أيامنا
من الهواءِ النقي
لقد تعفن القلب
ومن شفاهنا
تتدلى العصافير
باهتراءِ موتها القديم
وحيث السماءُ قائمة
في مجدِ أسلافنا الغيورين على الأخلاق
كنا نبدأ من كمال أحلامهم
ننتبهُ أحيانا إلى دوالي الساقين
فهل وقفنا .. وبكينا طويلا
كي تجدَ الأطلالُ فتنة الحياة
كلما حفرنا الينابيع الدفينة
بحثاً عن الماء
العشاء جاهزٌ .. .. ..
تقول زوجتي
أحدق في الصمت
لم يكن غير قصائد
تلوح فيها بيارقُ وسيوفٌ مهشمة
تعبنا إذن .. .. ..
وفي الحياة ما يكفي من الانشغال
عن مُصاحبةِ القطا
وباتكالنا على الخنوع
يكون الموت قد أغلق الدائرة
لكَ اختيارُ قبرك
بطول أيام تحياها
ولكَ اختيارُ صوتك
في عواءِ ذئبٍ جريح على النافذة
ولكَ الخوفُ راعيا
حتى لا ترى في المرآة
وجهَ إنسان حطمته الضرورة
في بحثهِ عن القطن الكافي لنزيف الأسنان
إننا في عراكِ الضمائر
نرى طريقاً غامضاً من الدم
يصلُ القلبَ بانزلاق شمس نحاسيةٍ على الشرفات
لا تقفي في الشرفة يا ابنتي
الرصاصُ طائشٌ
ولا نعرف أيَ صباح سيأتي
حافياً من أحذيةِ الجند في ديارنا
و الزعماء
في انكفائهم على مصائرنا
لا يزيحون قليلاً ربطاتِ أعناقهم
عن عيوننا الصدئة
ربما نرى الجرأة على انحناءِ ظهورنا
تلك التي كانت منصَّاتٍ
لإطلاق الثورات
ولرفع صور الزعماءِ بأكتافهم التي
تسدُ الشاشاتِ والشوارع
وربما نرى الشرطي
يحرسُ المسكوت عنه تحت اللسان
كلها لحظة .. وتنتهي
وتمر الحربُ كما مرت .. هنا
وتؤثث أيامنا بالخراب
وتمر الحياة
بانكفائنا على لقمةِ العيش
أيها الصوت .. .. ..
أيها الصوتُ المُضاء
بخمائر غيظٍ لا نلمسهُ
إنما نتبادل اللعنات
وهذه الجثة الهائلة
من بابٍ إلى باب
في العد التنازلي لارتعاش الفرائص
ولدقاتِ طبولٍ تتعاركُ فيها المصائر
فلماذا الخوف ؟
من إنقاص وزن غبارنا في الحياة
ومن حق اختيار أكفاننا
ومن الحرب تسوطنا بالفزع
ومن الكارثة
توزع أرغفة الدم
ليأخذ العربي جُرحه المفتوح
على شهيةِ إحساسهِ بالعدم
كأنما آخر صورة سوف يحياها
هي الموت
لا .. .. ..
من قبلهِ نشراتُ الأخبار
توضبُ الأشلاءَ في عُلبٍ أنيقة
من قبلهِ القصف
يهيلُ الحطامَ على أعصابنا
كي لا نكون خارجَ الميدان
بسيوفنا الخشبية
وبالبياناتِ التي التصقت بأرحام النساء
كي يرثَ الابنُ مجدَ أجدادهِ
قادراً بالصراخ على كبت الألم
وقادراً بالطائراتِ الورقية
على رفع أوهامهِ إلى الفضاء
إنها الحربُ .. .. ..
بانتظار أن تبدأ ألعابُها النارية
لتكسرَ الملل
وتضيء السماء .
شاعر وكاتب مصري
|
المشهد
الثقافي الكوردي: أصوات وألوان
عبد
المنان خلباش
|
|
تشهد الساحة الثقافية
الكوردية حاليا , تطورا وازدهارا ملحوظا في الآونة الحالية لما تقدم
من نشاطات وخطوات مختلفة على السواء وخصوصا بعد انتشار (الإنترنت)
التي نسفت كل الحواجز والأسلاك التي كانت تمنع كل أنواع التواصل
والحوار والتبادل الثقافي والفكري الخ...
ورغم كل ذلك, نصطدم من حين إلى آخر, بخطابات تحفل بمفردات تكشف عن
السطحية والإحباط... في ما تتناوله من بعد القضايا الحساسة المختلفة.
ومن بين تلك, على سبيل المثال, النتائج التي آل إليها الحوار الذي
أطلقه الأديب جان دوست مؤخرا, من أحد المواقع المعروفة التي تنشر
شهريا (أوراق كوردية) والذي كان محوره يتناول (الإسلام و الأكراد).
ونظرا لأهمية الحوار المذكور, إلا أن موجات التغريب و(التأورب) الذي
طال اغلب المتاعطين الشأن الثقافي الكردي في الساحات المذكورة, لم
يجعل الحوار يكتسب المكانة المرجوة والمتوخاة. بل إن بعض المشاركات
البائسة تاهت وعجزت عن قراءة بعض المفردات بموضوعية وواقعية استنادا
إلى أسس ومعادلات راسخة ومتجذرة.
و في حقيقة القول, إن طرح مثل هذه القضايا أمام طوابير طويلة من
حملة الأقلام تم اعتباره, من قبل البعض المحك الرئيسي لهؤلاء. لأنه
يلقي ببعض الأضواء على مكامن العجز و الخلل في واقع و راهن المشهد
الثقافي الكوردي بأسره.
وبقدر ما كان الأمر مرتبطا, بالأوضاع الاستثنائية التي يمر بها عالمنا
الراهن, فانه يرتبط أيضا بمدى التفهم العميق من جانب الأسماء و(الرموز)
الثقافية الكوردية لإبعاد أهدافهم ومهماتهم على مستوى الوعي الذي
يحدد الأهداف والحاجات الضرورية والأساسية لكل مرحلة. والمشكلة التي
تفصح عن نفسها أكثر هو تعثر إدراك المتعاطين مع الشأن الثقافي الكوردي
في وسائل الإعلام المنتشرة والمختلفة, لماهية المثقف المرتبط أساسا
بماهية الرسالة النوعية التي يحملها معه. والتي تبنى على أحكام وأفكار
نزيهة بعيدة عن كل الانحرافات والسطحية وضيق الأفق أو الأجوبة الجاهزة.
من هنا لا يكفي أن يطلق المثقف مختلف أحكامه وأفكاره الخاصة جزافا
هنا أو هناك, لمجرد التشكيك أو الإثارة أو خطف الأضواء من الأولويات
في كل مرحلة لأسباب شخصية... والتي لا تصب في كل الأحوال في خانة
(الاختلاف) أو (حرية الرأي) كما يشاع, ولا تتعلق بأحكام صارخة تقع
خارج دائرة التاريخ الحاضر وبالتالي إيصال حال الثقافة إلى الخواء
والفراغ والمراوغة والتضليل والافتراء.
وإذا كان ما يشغل البعض من الكتاب والمثقفين في بعض المشاهد الثقافية,
مجرد الطعن في الموروث الحضاري والثقافي والأخلاقي لمجتمع من المجتمعات
وبالتالي دفعها نحو الديماغوجية والتضليل فما جدوى (رهافة الحس)
و (الخلفيات الثقافية) و (التجارب المتراكمة) لهؤلاء (الأسماء) و
(الرموز)?
بهذا, ألا يمكننا أن نميز بين (المثقف الحقيقي) الذي يحترق لإنارة
الماضي و الحاضر و المستقبل, وبين (المثقف الزائف) الذي يعتبر نفسه
من طينة غير طينة البشر جميعا . وأنه الوحيد الذي له قدرات لسبر
الأغوار والوصول إلى المجد, بعد قطع الصلات والجسور مع كل رابطة
حضارية أو ثقافية أو اجتماعية أو أخلاقية... وان يلعب على شتى أنواع
الحبال والأوتار كالإثارة والتشكيك والاستخفاف والتضليل وما سوى
ذلك, وبأ قل الدلائل والمعطيات المتوفرة بين يديه وبالتالي دفع المجتمع
الذي لم ينل اعترافه إلى تلك اللحظة نحو الهاوية والضياع والضلال
كما يشتهي ويريد.
كاتب عراقي كوردي
مقيم في لبنان
|
ملامح
شخصية الخليفة العباسي عبد الله المأمون في حكايات ألف ليلة وليلة
المصدر التاريخي والخليفة المرجعية في الحكايات
القسم الثالث والأخير
د.
محمد عبد الرحمن يونس
|
|
لا نجد في حكاية ألف ليلة و ليلة
صورة واحدة لطبقة السلطة وحك امها, بل تتعدد الصور, و ذلك نظرا لتعدد
رواة الحكايات, و تباين مواقفهم الإيديولوجي ة من طبقة السلطة, فهم
تارة يدينون هذه السلطة, ويهزؤون منها, ويعتبرونها شر ا و وبالا
على المجتمع, وتارة يتعاطفون معها, و يقد مونها في صورة العف ة والطهارة
والكرم. وهذا ليس غريبا على السياق العام الذي تندرج تحته الأحداث
و الوحدات السردي ة, و المواقف الأيديولوجي ة, والذي يعتمد مبدأ
الثنائي ات الضدي ة المتناقضة والمتجاورة في الحكاية الواحدة, و
المتحك مة في مسار سلوك الشخصي ة الواحدة, الذي يكون قابلا وبشكل
دائم لأن يكون متبد لا من موقف إلى آخر, ومن حالة إنساني ة إلى أخرى,
و وفقا للعوامل الإنساني ة, والحالات المزاجي ة, التي تصيب هذه الشخصية,
فليس هناك شر مطلق, ولا خير مطلق يتحك مان في مسار هذه الشخصي ة
أو تلك. وإذا كان بعض رواة الحكايات قد غمزوا بأخلاق الملوك و الأمراء
الفسقة, ومن لف لف هم من رجال السلطة, فإن هم في آن أك دوا على الجوهر
الإنساني , و الأخلاقي الفاضل عند بعض هؤلاء الملوك والأمراء. لكن
هذا الإنساني النبيل لم يكن مساويا في عدده لذاك السلطوي المستبد
الأهوج, الذي لا يعرف إلا البطش و الجبروت, واغتصاب الثروات والنساء.
وفي هذا المقال أحاول أن أدرس ملامح شخصية الخليفة عبد الله المأمون
في حكايات ألف ليلة وليلة, معتمدا - بالدرجة الأولى - نصوص ألف ليلة
وليلة, ومستفيدا في آن من بعض الأدبيات التاريخي ة التي ذكرت هذا
الخليفة.
على
الرغم من الازدهار والثراء الذي عرفته الدولة العبّاسيّة فقد (
تردّى الشعب في هوّة من الفقر أشدّ عمقاً لكي يقدّم إلى الخليفة
نفقات متارفه في بغداد
وتشير حكاية: (الجواري المختلفة
الألوان «، إلى دور النديم في تقديم الجواري للخليفة وتعريفه بهنّ
من خلال أوصافهنّ المثيرة، وقدراتهنّ على المسامرة والمنادمة، وحفظهنّ
الشعر، وبالتالي تحريض الخليفة على شرائهنّ. فقد كان من جملة ندماء
الخليفة المأمون في الحكاية نديم يسمّى محمد البصري، وذات ليلة يسأله
المأمون أن يحدّثه بشيء لم يسمعه قط، فقال: (يا أمير المؤمنين أتريد
أن أحدّثك بحديث سمعته بأذني أو بأمر عاينته ببصري؟ فقال المأمون:
حدّثني يا محمد بالأغرب منه.). ولأنّ النديم يعرف أنّ أهمّ ما يزيل
هموم الخلفاء و يثيرهم في مجتمع عباسيّ منفتح على ثقافات العالم
ونسائه وجواريه هو الحديث عن النساء فقد قرّر محمد البصري أن يكون
حديثه عن الجواري الجميلات، يضاف إلى ذلك أنّ محمداً البصري عندما
ينقل للمأمون أخبار النساء، فإنّ مكانته بين الندماء ستزداد عند
المأمون، وسيقرّبه أكثر، نظراً لأن شغف الخلفاء بالنساء شغف لا يقاوم،
وبالتالي إيثارهم لكلّ نديم يكون دلاّلاً لهم على تلك الجواري. فالبؤرة
المركزيّة للحكاية التي سيحكيها محمد المصري للمأمون تضمّ (ستّ جوار
كأنّهنّ الأقمار (…) وكنّ حسان الوجوه كاملات الأدب عارفات بصناعة
الغناء و آلات الطرب). وكانت تلك الجواري مختلفات الألوان ومملوكات
لرجل يمانيّ، انتقل من اليمن وحمل ماله وجواريه، واستقرّ ببغداد
مستمتّعاً بالأيام الجميلة، والطعام والنبيذ والطرب، وبهاته الجواري
المثيرات، ذوات الأصوات والألحان الشجيّة، القادرة على أن تجعل المكان
ينفلت من سكونيّته، ليرقص تحت وقع هذه الألحان: (فأخذت [إحدى الجواري]
العود، و أصلحته، ورجّعَت عليه الألحان حتّى رقص المكان).
ويستمرّ النديم محمد البصري في وصف تلك الجواري وقدراتهنّ المتميّزة
على المناظرة فيما بينهنّ وبين سيّدهنّ حول مفاهيم الجمال اللونيّ
والجنسيّ، ومتى تكون المرأة مثيرة جماليّاً ومتى لا تكون. ومن خلال
المناظرة تُظهر تلك الجواري المغنيّات معرفة عميقة بأشعار الغزل
التي قيلت في أوصاف المرأة المثيرة، ولون بشرتها، ثمّ تقدّم كلّ
منهنّ نفسها إلى سيّدها على أنّها هي النموذج الجماليّ المثالي الذي
يجب على الرجال أن يبحثوا عنه ويظفروا به. وما إن ينتهي النديم محمد
البصري من سرد الحكاية، قائلاً: (فما رأيت يا أمير المؤمنين في مكان
ولا زمان أحسن من أؤلاء الجواري الحسان.)، حتّى يكون المأمون استُثير
وانفجرت رغبات الامتلاك لديه، وقرّر أن يضمّ الجواري إلى حوزته،
لاستكمال لذّاته بتلك النسوة اللواتي لا يجود الزمان بمثلهنّ مرّة
أخرى. يقول المأمون لنديمه محمد البصري: (وهل يمكنك ان تشتريهن لنا
من سيّدهنّ؟ فقال له محمد: يا أمير المؤمنين قد بلغني أنّ سيّدهنَ
مغرم بهنّ ولا يمكنه مفارقتهنّ. فقال المأمون: خذ معك إلى سيّدهنّ
في كلّ جارية عشرة آلاف دينار، فيكون مبلغ ذلك الثمن ستين ألف دينار،
فاحملها صحبتك وتوجّه إلى منزله واشتريهنّ منه.).
لقد عُرِف عن المأمون في فترة حكمه أنّه كان شغوفاً بالموسيقى، و
السماع إلى أصوات المغنّين من الرجال والنساء، ومن شدّة شغفه بالغناء
فقد كان في بعض الأحيان يدعو سائر المغنّين في بغداد للمثول بين
يديه، ومنذ الصباح الباكر، ليفتتح يومه بإشعال طقوس الموسيقى، وكان
في مجلسه يجلس مكللاً وسط المغنيّات الجميلات، إذ كان يُجلِس عشر
مغنيّات عن يمينه وعشراً عن يساره وكان يسرف في الإنفاق على هؤلاء
المغنيّات وعلى غيرهنّ، فقد كانت نفقاته على مسرّاته ستّة آلاف دينار
كل يوم. ومن هنا ليس بعيدا، في الحكاية، أن يأمر المأمون بشراء جواري
الرجل اليماني بستّين ألف دينار، في حين أنّ فقراء بغداد يعانون
الفاقة والجوع. ففي عصر الخلفاء العبّاسيين، على الرغم من الازدهار
والثراء الذي عرفته الدولة العبّاسيّة فقد (تردّى الشعب في هوّة
من الفقر أشدّ عمقاً لكي يقدّم إلى الخليفة نفقات متارفه في بغداد.
وكان من الطبيعيّ أن تُبتّز الأموال الضروريّة لإشباع موظفيّ الدولة
ونفقات البلاط من جيوب الشعب.)، ما دام هذا البلاط غارقاً في حمّى
الترف و الملذّات وامتلاك النساء.
وفي الحكاية السابقة يرسل المأمون نديمه محمد البصري إلى الرجل اليمانيّ،
ويعلمه برغبة الخليفة بشراء الجواري، ولأنّ الرجل اليمانيّ يعيش
في بغداد غير بعيد عن جلاوزة الخليفة وسطوتهم، فإنّه يضطّر مُكرْهاً
إلى بيع الجواري، ولأنّ راوي الحكاية هو محمد البصري نديم الخليفة
المأمون، أو هو الراوي الذي لا يخرج عن طوع السلطان أو المُهيَّأ
لأن يكون نديماً له فإنّه لا يستطيع أن يضع الرجل اليمانيّ موضع
الرافض لعملية البيع، فيضطّر عندها إلى أن يقول إنّ عمليّة البيع
تمّت (لأجل خاطر أمير المؤمنين). فهو يعرف مسبقاً إلى أيّ مدى سوف
يكون الخليفة باطشاً ومستبدّاً في حال لم تتمّ عملية البيع، و هو
يعرف أنّه في ظلّ الخلفيّة المعرفيّة التي فرزتها السياسة العباسيّة
من ظلم و استبداد مطلقين، ومن كون الخليفة هو الآمر والناهي، و ظلّ
الله على الأرض؛ لا يمكن لأيّ رجل كان، ومهما كان ثريّاً أو سلطويّاً،
أن يردّ طلب الخليفة، وهذا الرّاوي متأكدُ من أنّ الخليفة المأمون
قد يلجأ إلى قتل الرّجل، أو تدبير مكيدة له، ثم مصادرة أمواله وجواريه،
إذا رفض بيع تلك الجواري، عندها اضطرّ الرّاوي النّديم إلى تحقيق
منطق التّصالح بين الرّعيّة والسّلطة، انطلاقاً من وجوب طاعة الرّعيّة
للسّلطان، وجعل بطله اليمانيّ يتخلّى عن الجواري، هذا من جهة، ومن
جهة أخرى لا يستطيع الرّاوي أن يضع الخليفة أمير المؤمنين في حالة
أرق وغضب، لأنّ من مهمّته أن ينادمه وأن يزيل أرقه. وعلى المستوى
البنائيّ لا يستطيع الرّاوي فيما إذا قتل اليمانيّ أن يفكّ عقدة
حكايته، ويجعل مسار سرده ينمو ليحقّق غاية وظيفيّة أخرى، وهي الوصول
إلى فكرة عدل المأمون وحلمه، كما سيظهر في آخر الحكاية.
وتاريخياً تشير سيرة المأمون إلى أنّه كان باطشاً وسفّاكاً، على
الرّغم من حلمه وكرمه وعفوه، وتقديره للعلوم والعلماء. ويروي علي
بن الحسين المسعوديّ الخبر الآتي: (وغلب على المأمون الفضل بن سهل،
حتى ضايقه في جارية أراد شراءها، فقتله، وادّعى قوم أن المأمون دسّ
عليه من قتله.)، و إذا كان المأمون، تاريخيّاً، يقتل وزيره الفضل
بن سهل لأجل جارية أراد شراءها فليس بمستبعد حكائيّاً أن يقتل الرّجل
اليمانيّ ـ لا يذكر الرّاوي اسماً له ـ فيما إذا امتنع عن بيع جواريه
الحسان. وتقول الحكاية: إنّ الجواري عندما وصلن » إلى أمير المؤمنين
هيّأ لهنّ مجلساً لطيفاً، وصرن يجلسن فيه معه وينادمنه، وقد تعجّب
من حسنهنّ وجمالهنّ واختلاف ألوانهنّ وحسن كلامهنّ، وقد استمر على
ذلك مدّة من الزّمان.).
ولأن للمرأة أهميّة خاصّة، لا تعادلها أهميّة أخرى، عند الرّجال
في التّاريخ العبّاسيّ وألف ليلة وليلة، باعتبارها ضروريّة جدّاً
لإقامة طقوس المسرّات، فإنّ الرّجل اليمانيّ ما استطاع صبراً على
مفارقة جواريه، وحنّ إليهنّ، وأرسل كتاباً إلى الخليفة المأمون،
يشكو فيه ما عنده من لوعة وحزن وشوق عارم لهذه الجواري، ويقول فيه:
قد سلبت ستّ ملاحٍ حسان
ليتني ما خلقت بين الأنامي [كذا].
ولأنّ الرّاوي في هذه الحكاية هو راوٍ سلطويّ مؤدلج لخدمة فكرة العدل
والكرم والمروءة عند الخلفاء المسلمين، اضطّر وحتى يُظهر الخليفة
المأمون في صورة الرجل الكريم العادل، إلى أن يرجع تلك الجواري إلى
سيّدهنّ. يقول: (فلمّا وقع ذلك الكتاب في يد الخليفة المأمون، كسا
الجواري من الملابس الفاخرة وأعطاهنّ ستّين ألف دينار وأرسلهنّ إلى
سيّدهنّ، فوصلن إليه وفرح بهنّ غاية الفرح، أكثر مما أتين به من
المال، وأقام معهنّ في أطيب عيش و أهنأه [كذا]، إلى أن أتاهم هادم
اللّذات ومفرّق الجماعات.).
وإذا أخذنا بمنطق التّجارة المكرّس في ألف ليلة وليلة الذي يعتبر
المرأة سلعة، تتحدّد قيمتها بقدرتها على إشعال طقوس المسرّات، ومجامر
أجساد الخلفاء والملوك، فإنّه يمكننا القول: إنّ ما قدّمته الجواري
السّت من ترفيه ومسرّات وغناء، خلال المدة التي بقين فيها في قصر
الخليفة المأمون، يعادل كل ما دفعه المأمون لصاحبهنّ اليمانيّ من
أموال، وربما لا يعوّض خسارة صاحبهنّ في فقدانه لهنّ، نظراً لما
سبّب له هذا الفقدان من حسرات وآلام، فهو ليس بحاجة إلى المال، لأنّه
من أصحاب الثّراء الواسع، كما يؤكّد الرّاوي في أوّل الحكاية.
إذا كان الرّاوي في حكاية (إبراهيم بن المهديّ مع ابن أخيه المأمون)
قد صوّر المأمون في صورة الحاكم الحليم والعاقل، والكريم الذي يعفو
عند المقدرة، فإنّ راوياً آخر في حكاية (المأمون ورغبته في هدم أهرامات
مصر) قد صوّره في صورة الرّجل الجاهل بقيمة الآثار التّاريخيّة والجماليّة،
وعلاقة هذه الآثار بفكر الأمم والحضارات التي أنتجتها، فهو في هذه
الحكاية يصمّم على هدم أهرامات مصر، التي بناها الفراعنة: (حُكي
أنّ المأمون بن هارون الرّشيد لمّا دخل مصر أراد هدم الأهرام ليأخذ
ما فيها (…)، فلمّا حاول هدمها لم يقدر على ذلك مع أنّه اجتهد في
هدمها، وأنفق على ذلك أموالاً عظيمة، ولم يقدر على هدمها وإنّما
فتح في إحداها طاقة صغيرة. ويقال إنّ المأمون وجد في الطّاقة التي
فتحها من الأموال قدر الذي أنفقه على فتحها لا يزيد ولا ينقص فتعجّب
المأمون من ذلك، ثم أخذ ما هناك ورجع عن تلك النيّة.).
وإذا كان الرّاوي قد غطّى هدر المأمون لأموال الدّولة الإسلاميّة،
وعبثه بها، في محاولته لهدم صرح حضاريّ وعمرانيّ، يُعتبر آية في
الرّوعة و الجمال والهندسة المعماريّة، من خلال المال الذي وجده
في الكوّة المفتوحة، والذي يشكّل تعويضاً عن الأموال المهدورة في
عمليّة الهدم، فإنّ صورة المأمون هنا لا تتّفق مع صورته في المواضع
الأخرى التي يبدو فيها حاكماً عاقلاً، وذوّاقاً للأدب والفنّ والجمال
والموسيقى، كما يؤكّد بعض رواة اللّيالي، بل تتباين معها تبايناً
واضحاً، لأنّ المأمون يبدو في هذه الحكاية رجلاً مستهيناً بالإرث
المعرفيّ والعمرانيّ الذي تركته الحضارات السّابقة على الحضارات
الإسلاميّة، هذا الإرث الذي يدلّ على عظمة هذه الحضارات، ودورها
التّاريخيّ في مسيرة البشريّة وتطوّرها.
ويبدو أنّ لهذه الحكاية خلفيةّ مرجعيّة تاريخيّة سجّلتها المصادر
التّاريخيّة. إلاّ أنّ هذه المصادر تذكر أنّ الخليفة العباّسيّ الذي
أمر بهدم أحد هذه الأهرامات هو الخليفة هارون الرّشيد، وليس ابنه
المأمون. ويروي هذه الحكاية المسعودي قائلاً: (إنّ الرّشيد لما دخل
مصر، فرأى الأهرام أحبّ أن يهدم بعضها ليعلم ما فيه، فقيل له إنّك
لا تقدر على ذلك، فقال لا بدّ من فتح شيء منه، ففتحت الثّلمة المفتوحة
بنار توقد وخلّ يرشّ ومجانيق يرمى بها وحدّادين يعملون ما فسد منها
وأنفق عليها مالاً عظيماً فوجدوا عرض الحائط قريباً من عشرين ذراعاً،
فلمّا انتهوا إلى آخر الحائط وجدوا خلف النّقب مَطْهَرَة خضراء فيها
ذهب مضروب وزن كل دينار أوقيّة من أواقينا، وكان عددها ألف دينار
فعجبوا من ذلك ولم يعرفوا معناه، فأخبروا بذلك الرّشيد، وأتوه بالذّهب
والمطهرة فجعل يعجب من ذلك الذّهب، و من جودته وحسنه وحمرته، ثم
قال ارفعوا إليّ حساب ما أنفقتموه على هذه الثّلمة ففعلوا ذلك فوجوده
بإزاء ذلك الذّهب الذي أصابوه لا يزيد ولا ينقص.).
إذا كان النصّ السابق الذي يرويه المسعودي صحيحاً، فإنّه يمكن القول:
إنّ راوي الحكاية في ألف ليلة وليلة يجهل بعض الحقائق التّاريخيّة،
أو بتعبير آخر تختلط عليه هذه الحقائق، فهو إمّا يجهلها، وإمّا يعمل
فيها تحريفاً، وكما يحلو له، إذ يجعل المأمون يهدم الهرم بدلاً من
أبيه هارون الرّشيد. ويبدو أنّ هذا التّحريف في بعض الأحيان عائد
إلى جهل الرّاوي بالعصور التّاريخيّة والأدبيّة للدّولة الإسلاميّة.
فعلى سبيل المثال نجد الرّاوي في حكاية عبد الملك بن مروان ولد سنة
26هـ/646م، وبُويع له بالخلافة في مدينة دمشق في شهر رمضان سنة 65هـ/685م.
فكيف يستطيع الشاعر النّابغة أن يكون حاضراً في مجلس الخليفة الأمويّ
عبد الملك بن مروان؟.
|
|
|
يتناول هذا الكتاب موضوعا
من الموضوعات الشائكة التي طالما أثارت الخلاف والجدل بين المتخصصين
وعامة القراء على حد سواء.. ذلك هو موضوع العلاقة بين العلم والإيمان.
ويفند فيه مؤلفه الادعاءات القائلة بعدم إمكانية الجمع بين الاثنين
ولا يكتفي بهذا التفنيد, إنما يسوق الدلائل التاريخية التي تثبت أن
الدين بشكل عام -خاصة الديانات التوحيدية- كان مسؤولا بشكل مباشر عن
ميلاد العلم, وأن العلم الحديث ما كان له أن يوجد لولا الإيمان الديني.
ويلخص المؤلف كامل منطلقه في معالجة هذا الموضوع بالجملة التالية (دون
مفهوم الكون المخطط له سلفا, الذي أنشأه من العدم رب رشيد, وعكف الإنسان
على تأمله ودراسته ما كان للعلم, بصفته الفهم العاقل لسلسلة الأسباب
والنتائج في العالم, أن يظهر إلى الوجود). ولكي نقف على الطريقة التي
وصل بها المؤلف إلى هذا الاستنتاج لا بد أن نبدأ بالقول إن كتاب (آلهة
في السماء) هو في حقيقة أمره دراسة تاريخية للعلم, خصوصا علم الفلك
وارتباطه بالدين ارتباطا لا سبيل لفصله فقد اهتم الإنسان منذ أقدم
العصور بحركة السماوات.
4000 من التاريخ
ومن خلال متابعته لأربعة آلاف عام من التاريخ ابتداء من الديانات
متعددة الأرباب في الشرق الأوسط ثم ظهور التوحيد في الديانة اليهودية
ثم الثورة الفكرية الإغريقية وبعدها المسيحية والإسلام وما صاحبهما
من تطورات, يقدم تشابمان الدليل تلو الآخر على أن الدين والعلم لم
يكونا على طرفي نقيض قط, وأن القول بخلاف ذلك لم يظهر إلا في القرن
التاسع عشر, وأن هذا الرأي الأخير قد شوه طبيعة المساهمة التي قدمها
الدين للعلم على النحو الذي يعرفه الجميع.
يتركز بحث تشابمان على ظهور التوحيد, وهو الإيمان بالله الواحد الأحد
الذي خلق الكون من العدم عن سابق تصميم وإرادة ووضع له غاية قصوى
وأنشأ فيه الإنسان الذي خصه باهتمامه. فتح هذا الإيمان الباب لقيام
علاقة منطقية ورياضية واستكشافية مع الطبيعة حلت محل العلاقة السابقة
التي عرفها الإنسان تحت ظل الديانات متعددة الأرباب والتي كانت كل
الظواهر والمواقف ضمنها تخضع لمحاولة المحافظة على النظام وإرضاء
الآلهة. ومع ذلك, فإن الديانات الأولى متعددة الأرباب لم تكن سلبية
بقدر تعلق الأمر بمسيرة العلم, وقد أسهمت في إرساء بعض من أسسه المهمة.ومن
خلال الغوص بعيدا في أعماق التاريخ وتتبع نشوء علم الفلك وغيره من
العلوم وصولا إلى يومنا هذا, يقدم تشابمان طرحا متوازنا ومدروسا
للإسهام الحيوي الذي قدمه الدين للعلم, ويتحدى الكثير من الأساطير
الشائعة التي تحاول أن تنكر هذه العلاقة أو تقلبها.
يتناول كتاب (آلهة في السماء) هذا التاريخ الطويل مبتدئا من حضارات
الشرق الأدنى ويستطلع الكيفية التي أثرت بها الديانات المختلفة في
كل عصر على الطريقة التي ننظر بها اليوم إلى العالم وعلى الواقع
الراهن للعلم بشكل عام ولعلم الفلك بشكل خاص.. ويظهر من مراجعة تشابمان
أن الناس كانوا يطرحون الأسئلة نفسها منذ ذلك الحين وحتى الآن!.
طرح سكان مصر ووادي الرافدين وأرض كنعان القدماء أسئلة متشابهة,
كيف يحدث التغيير? لماذا تبدو السماوات مستقرة والأرض متقلبة? كيف
يمكن فرض النظام على الأرض?, ووجدوا الأجوبة في الدين ولدى (الآلهة
في السماء) التي تراقبهم, فهي التي تعرف سبب الخليقة وهي التي تدير
الميلاد والفناء. من تلك القصص المبكرة تشكلت أولى المحاولات الرامية
إلى الوصول إلى فهم العالم ومنحه تفسيرا عقلانيا.
في بدايات تاريخها كانت تلك الأقوام الثلاثة تدين بديانات متعددة
الأرباب وكان أولئك الأرباب حسب الاعتقاد الشائع في تلك الأزمنة
هم الذين يتحكمون في الحياة اليومية للبشر وفي ما وراء هذا العالم,
أما البشر فقد ولدوا لخدمة أولئك الأرباب واسترضائهم الصعب, إذ إنهم
غالبا ما يظهرون بمظهر غاضب تحركه النزعات. وكان النظام والهدوء
يستتبان في الأرض فقط عند سيطرة الرب المناسب. ومن هنا احتاج الناس
إلى مراقبة السماوات من أجل تفادي الفوضى وإبعادها وهكذا بدأت المراقبة
والدراسة.
من خلال متابعة النجوم تمكن المصريون القدماء من تتبع الرحلات الليلية
للإله رع, واخترع البابليون الأرقام والرياضيات ليكونوا أكثر دقة
في دراستهم للسماوات وبالتالي أكثر قدرة على تجنب الكوارث التي تنزلها
بهم آلهتها.
ما بين الأعوام 1000 و2000 قبل الميلاد ظهر التوحيد في الديانة اليهودية,
ونشأ الإيمان بإله واحد أحد خلق الكون من العدم, وجعله في حالة من
الانسجام التام مع نفسه. وكان الإيمان بالعلاقة الخاصة ما بين يهوه
والبشر الممثلين بآدم وحواء اللذين خلقهما على شاكلته فقد وضع البشر
في مرتبة أخرى تختلف عن مراتب بقية المخلوقات. وتبعا لذلك فإن ما
يظهر على وجه الأرض من فوضى لا علاقة له بحروب الأرباب في ما بينهم,
إنما مبعثه عدم طاعة الإنسان لربه, يضاف إلى ذلك أن الديانة التوحيدية
قد نصت على أن الرب قد زود الإنسان بملكة العقل لكي يفهم ويفكر.
وكان لهذا الاعتقاد, إضافة إلى الاعتقاد الآخر القائل بوجود غاية
عاقلة للكون, الأثر البالغ في إرساء الأسس التي قام عليها النظام
العلمي للتفكير. ولعل من المفيد هنا أن يتوقف الكتاب عند الأقوام
التي سكنت الشرق الأدنى في تلك المرحلة ليرى كيف نظرت تلك الأقوام
إلى العالم الذي كانت تعيش فيه وما الشكل الذي تخيلته للفضاء?.
العلم.. وظهور التوحيد
يتناول الفصل السادس من الكتاب ظهور التوحيد وأثره على العلوم في
المراحل المبكرة من حياة العالمين المسيحي والإسلامي, ويصل تشابمان
في هذا الفصل إلى النقطة الحيوية في دراسته.
اشتركت الديانات التوحيدية الكبرى الثلاث بمفهوم الإله الخالق السابق
لكل زمان ومكان, مبدع الكون من العدم, خالق الإنسان على صورته, والمتواصل
مع البشر في علاقة الرب بالعبد. وقد أكبر أتباع هذه الديانات من
(أصحاب الكتب المنزلة) مكانة العلم بصفته الوسيلة إلى فهم الصور
التي تتجلى بها القدرة السماوية وتنعكس بها على العالم الطبيعي.
إلا أن الإسلام تميز عن بقية تلك الديانات بالحماسة التي أبداها
في اعتناق الأفكار العلمية. كان العرب هم الورثة الحقيقيون لصولجان
العلم الذي انتقل إليهم من الإغريق وقد أضفوا عليه المعرفة الروحانية
التي اكتسبوها من التوحيد. وقد استوعب العرب العديد من تيارات المعرفة
الإغريقية والهندية والفارسية والمسيحية النسطورية, وترجموا في بدايات
القرن التاسع الكتب والنصوص الإغريقية وأسسوا أيضا بغداد (بيت الحكمة)
عام 762 ميلادية. وقد اعتبر العرب المسلمون دراسة العالم الطبيعي
من حولهم جزءا من الاجتهاد الديني الذي شمل أيضا التأكيد على أهمية
التقاويم المضبوطة ومعرفة الاتجاهات وعلم الكونيات. وهكذا تداخل
العلم عندهم بالدين كما تداخلت الهندسة بالأخلاق, حيث استخدمت الزخارف
الهندسية لتصوير العظمة القدسية مكان الصور واللوحات التي حظرها
الإسلام.
ازدهرت العلوم والفلسفة والشعر والعمارة في العالم الإسلامي من قرطبة
إلى دمشق, وشيدت المستشفيات والمكتبات ومعاهد الدرس. ألحقت (المدرسة)
-وهي الصيغة المبكرة للجامعات التي ظهرت في ما بعد في أوروبا بالجوامع,
وكان مدرسو القرآن والحديث في تلك المدارس يبحثون في طبيعة الخالق
المدبر للكون مستخدمين الشعر والمنطق والقياس في تمجيد قدرته. وقد
تضمنت تلك (المدارس) مستشفيات ومراصد فلكية يستخدمها الطلاب للدراسة
وتحصيل المعرفة. وقد نشأ في ذلك المناخ العلمي كتاب وفلاسفة عظام
مثل ابن سينا (980-1037) وابن رشد (1126-1198) اللذين جمعا أول التواريخ
المنهجية والحالات الدراسية منذ أيام الإغريق, وكانت أعمالهما وأعمال
سواهما تنسخ بأمانة وتوزع في جميع أنحاء العالم الإسلامي. وقد استوعبت
أوروبا المسيحية في القرون الوسطى هذه المعرفة وعرف حتى غير المتخصصين
من الأوروبيين أسماء الفلاسفة العرب حيث ورد ذكر كتاب ابن سينا على
لسان الشاعر الإنجليزي تشوسر. وقد أسهم الأطباء والفلكيون العرب
بإنجازات علمية خالدة, إضافة إلى إحيائهم لكتاب المجسطي لبطليموس
واستخدامهم للأدوات التي كانت قد أهملت لمدة تصل إلى 700 عام.
يبحث الفصل السابع في بدايات الفكر المسيحي وصولا إلى القرن الثاني
عشر ويتتبع الإنجازات التي تحققت في ميادين الفلسفة والعلوم على
يد كهنة ورهبان من أمثال القديس أوغسطين وبيد الموقر. ويرجع المؤلف
قلة عدد الدراسات العلمية التي ظهرت قبل العام 1100م إلى الامتناع
عن دراسة النصوص والكتب (الوثنية) القديمة أو إلى الإيمان بحتمية
نهاية العالم. لكن الحروب الصليبية التي قامت بين أوروبا المسيحية
والعالم الإسلامي ما لبثت أن فتحت أمام الأوروبيين مجالات جديدة
للاستكشاف والاستطلاع. تعرفت أوروبا إلى أنواع جديدة من الطعام والموسيقى
والملابس والعمارة والاستحمام, إضافة إلى حصولها على الترجمات العربية
للمؤلفات الإغريقية القديمة.
يشرح الفصل الثامن التغيرات السريعة التي شهدتها أوروبا اعتبارا
من العام 1250م. سيطرت الكنيسة ورجالها على الحياة الفكرية, وبخلاف
الاعتقاد الشائع فإن الكنيسة كانت بعيدة أشد البعد عن خنق جهود البحث
والاستقصاء, إذ إن جميع الذين أسهموا خلال تلك الفترة في العلوم
والسياسة والتربية والدراسات الكلاسيكية كانوا من المسيحيين الورعين.
أعيد اكتشاف أعمال أرسطو من بين النصوص العربية الكثيرة, وقد مهد
ذلك الطريق أمام القديس توما الإكويني لكي يضع أسس تعاليمه التي
قدمت في الجامعات الأوروبية حديثة العهد.
في العام 1453م فتح السلطان محمد الثاني مدينة القسطنطينية البيزنطية,
الأمر الذي دفع بالمئات من المثقفين الإغريق إلى الهرب إلى أوروبا,
يتناول الفصل التاسع الأثر الذي تركه أولئك المثقفون الإغريق بما
يحملونه من معارف ونصوص كلاسيكية على الواقع العلمي الأوروبي الذي
عززه الأثر الثوري الذي أحدثه ظهور الطباعة, غي ر عصر النهضة (واسمه
الأوروبي Renaissancefg أي الميلاد الجديد) وجه المجتمع الأوروبي,
كما أحدثت المسيحية البروتستانتية انقساما في أوروبا وأطلقت الفكر
في اتجاهات جديدة.
أثر تدفق المعرفة على جميع جوانب التعليم, أعيد النظر في علم الفلك
واستعادت الفنون أهميتها ونالت الاستكشافات الجغرافية قسطا كبيرا
من التشجيع واستعادت البحوث العلمية انتشارها ومكانتها. وقد أدى
ذلك كله إلى إعادة النظر بشكل راديكالي بموقع الإنسان على الأرض
وخلصت تلك العملية إلى أن الإنسان قد بلغ نهاية مساره ولم يعد له
من مكانته الرفيعة السابقة سوى ظلالها. ولكن من يدري? لعل بوسع الإنسان
الحديث أن يكشف عن معرفة جديدة تعيد له تلك المكانة?.
ولكن ماذا عن الفلك والدين والثقافة في الوقت الحاضر? يعالج الفصل
الثاني عشر (عصر التنوير) وصولا إلى يومنا هذا في تتابع سريع ويوضح
كيف اختلت تلك العلاقة, وكيف شرعت للتو بتصحيح نفسها من جديد. يرى
تشابمان أن اللوم يقع على المؤسستين العلمية والدينية معا لاندفاعهما
إلى التطرف غير الضروري. وقد تفاوت رد الفعل لدى أصحاب المواقف الدينية
إزاء تقدم واتضاح المنجزات العلمية, ففي الوقت الذي رأى بعضهم في
العلم تجلي آيات قدرة الخالق, أخفق البعض في رؤية هذا الجانب وشعروا
بالعزلة والإحباط.
لكن الفترة الأخيرة شهدت تحركا ملاحظا باتجاه التوفيق بين العلم
والدين. ففي العام ,1987 اضطلع البابا يوحنا بولص الثاني بدور فعال
في تجسير الهوة القائمة بينهما عندما وجه رسالة عبرت عن أفكاره حول
العلم, فقد جاء في الرسالة (بوسع العلم أن ينقي الدين من الأخطاء
والخرافات, وبوسع الدين أن ينقي العلم من الكفر والمطلقات الزائفة).
ويشبه هذا المنطق منطق غاليليو الذي طرحه قبل 350 عاما وقال فيه
إن الله قد أعطى الإنسان كتابين, (الكلمة المكتوبة) وهي الإنجيل
الذي نقرؤه و(كتاب الطبيعة) الذي نفهمه بحواسنا, وليس بالإمكان أن
يتعارض هذان الكتابان أو يتناقضا لأن كاتبهما واحد.
أخيرا , يلخص تشابمان رأيه في أن البحث المنظم عن الحقيقة الذي ندعوه
علما (لا يمكن أن يكون عدوا للدين بطبيعته, والنظر إليه بهذا المنظار
لا يعدو أن يكون إساءة بالغة لتلك القوى التاريخية التي أنتجت المدنية
الغربية.. لأن أول إدراك لمفهوم الكون المنظم قد نشأ عن نمو الإيمان
بوجود الله وغائية ذلك الوجود كما عرفها الأولون وتلاهم الإغريق
ثم أصحاب الديانات التوحيدية, وانطلاقا من ذلك الإدراك بدأ البشر
التطلع إلى ما وراء تلك (الآلهة في السماء) صوب الإله الواحد الذي
صنع السماء.
(آلهة في السماء) كتاب يهدف إلى تفنيد بعض الأساطير المتأصلة التي
تتناول العلاقة بين العلم والدين, ويغني فهمنا للطريقة التي تطور
بها الفكر الإنساني على مدى أربعة آلاف عام. وعلى الرغم من تركيزه
على الشرق الأدنى وأوروبا ومروره مرا خاطفا بكل من آسيا والأميركتين
أيضا يظل موجزا رائعا للعلم الحديث وتطوره من وجهة نظر كاتب يعنى
أيضا بالمساهمة الدينية.
|
|
|
|